فهرست مطالب

الجلسة الثلاثون: العالم هو فی محضر الله

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/14

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 5 تموز 2014م الموافق للیلة الثامنة من شهر رمضان 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

العالم هو فی محضرالله

 

30

 

إشارة

لقد بیّنا فی المحاضرات الماضیة، أثناء توضیحنا مقاطعَ من حدیث قدسیّ، بعضَ صفات أهل الحیاة الباقیة والعیش السعید الأبدیّ. وتقول تتمّة هذا الحدیث الشریف: «ویَذكُر عِلمی به، ویراقبنی باللیل والنهار عند كلّ سیّئة ومعصیّة»[1]. فی المقاطع التی سبقت هذا المقطع یقول الله عزّ وجلّ: إنّ على الذین ینشدون الحیاة الأبدیّة المطلوبة أن یُخرِجوا حبّ الدنیا من قلوبهم كخطوة اُولى ویتصرّفوا بالشكل الذی یجعل الدنیا فی نظرهم حقیرة هیّنة. ثمّ إنّ علیهم فی الخطوة التالیة أن یُغَلّبوا هوى الله تعالى على هواهم، ومن ثمّ یبتغوا باستمرار مرضاة ربّهم، ویؤدّوا حقّ عظمته سبحانه. وهذا یُعدّ منهاجاً واستراتیجیّة لمن یرید نیل الكمالات المنشودة. لكن ما هو السبیل لتطبیق هذه الاستراتیجیّة على الأرض؟ المقاطع التالیة من الحدیث ترسم منهاجاً عملیّاً لما سبقه من استراتیجیّات عامّة.

اعلم أنّ الله یرانا

البرنامج الأوّل هو: «ویَذكُر عِلمی به». فإنّ على الإنسان أن یحاول فی جمیع مراحل حیاته وتمام ساعات یومه ولیلته أن یتذكّر أنّ الله مطّلع على تصرّفاته. لا شكّ أنّ النجاح فی هذا المضمار یستلزم التمرین والممارسة المتواصلَین ولا یأتی عبر التطبیق المرحلیّ القصیر الأمد. فهذه الحالة لابدّ أن ترافق الإنسان طوال حیاته ومن الضروریّ، من أجل ذلك، أن یبذل جهده لتصیر مَلَكة عنده. ولتحقیق هذا الغرض یتعیّن أن یؤمن الإنسان ابتداءً بأنّ الله عالِم بكلّ أعماله. وكلّنا یقرّ إجمالاً بأنّ الله عالم ولا یخفى علیه شیء، لكنّ امتلاك تصوّر واضح عن كیفیّة علم الله یعتمد على مستوى معرفة الإنسان بالله وبصفاته. فلا ریب أنّ الناس مختلفون، لیس فقط فی الاستیعاب العلمیّ ومستوى الذكاء والقابلیّات، بل حتّى فی القدرة على اكتساب العلم والمعرفة. وحتّى كبار العلماء الذین أنفقوا سنوات طویلة من أعمارهم فی البحث والدراسة فی حقل الإلهیّات فإنّهم یختلفون فی مستوى معرفتهم بالله، وهو ما نستطیع فهمه من خلال فحص كلامهم بدقّة.

علم الله

یتصوّر البعض أنّ علم الله یشبه علم الإنسان، أی إنّه كل ما یُخلق فی ذهن الأخیر من صور جزئیّة أو مفاهیم عامّة للأشیاء تكون زائدة على ذاته. وقد لا یكون نشوء هذه الصورة الذهنیّة باختیار المرء، بل نتیجة عامل آخر. فبإیجاد هذه الصورة أو المفهوم فی ذهن المرء یقال إنّه «یعلم» وبزوالها یقال إنّه «لا یعلم».

وعلى هذا الأساس فإنّ علم الله بأعمالنا إنّما یحصل من خلال الإخبارات أو التصویرات التی تسجّلها الملائكة لتصرّفاتنا فی صحیفة أعمالنا لتعرضها على حضرته تعالى. فقد یتخیّل البعض أنّ الله لن یطّلع على ما نصنع إذا لم یسجَّل ذلك فی صحیفة أعمالنا أو لم یُعرَض فی حضرته تعالى. وهی تصوّرات ناشئة عن قلّة المعرفة. فقد جاء فی الخبر أنّه: «لعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ لله سبحانه زبانتین»؛ أی انّ له سبحانه قرنین مثل قرنیها. فإنّ بعض من یحسبون أنفسهم من العلماء یحملون نفس هذا التصوّر عن الله: «وكذا حال العقلاء فیما یصفون الله سبحانه وتعالى به»[2]. یُذكَر أنّ ابن تیمیة، مؤسّس الفكر الوهابیّ، كان یتحدّث إلى الناس فی مسجد دمشق فنقل حدیثاً من مجامع العامّة الروائیّة بهذا المضمون، وهو أنّ الله ینزل من السماء إلى الأرض كلّ لیلة جمعة لیغفر ذنوب التائبین. ثمّ قام فنزل من سلّم المنبر وقال: الله ینزل من السماء إلى سطوح المنازل لیرحم العباد مثلما أنزل أنا من سلّم هذا المنبر!

البحث حول علم الله كان ولا یزال مثار نقاش المتخصّصین فی الإلهیّات منذ قدیم الزمان وإلى یومنا هذا. ومن بین النظریّات التی ظلّت رائجة إلى ما یقرب من ألف سنة مضت حتّى بین أشدّ فلاسفة الإلهیّات دقّة، مثل ابن سینا، هو أنّ علم الله بالمخلوقات یحصل بواسطة الصور اللازمة لذاته سبحانه. وإذا أحسَنّا الظنّ فإنّ تفسیر النظریّة أعلاه هو أنّ هذه الصور هی مخلوقات الله، لكنّها قدیمة وأزلیّة وقد كانت دوماً بمعیّة الله. وعلى الرغم من كلّ الجهود التی بذلها نوابغ من أمثال ابن سینا للتوصّل إلى مثل هذه النظریّات فإنّها لا تزال قاصرة عن تبیین علم الله تبارك وتعالى.

تأكید القرآن الكریم على علم الله

لقد أولى القرآن الكریم اهتماماً كبیراً لإثبات علم الله عزّ وجلّ بكلّ شیء. ویمكننا أن نشاهد لدى استعراض آیات الذكر الحكیم كیف أنّ الله تعالى قد بیّن هذا المعنى بصور مختلفة. یقول تعالى فی موضع من كتابه الكریم: «أَلاَ یَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِیفُ الْخَبِیرُ»[3]؛ أیمكن أن یخلق أحد مخلوقاً ثمّ لا یعلم عنه شیئاً؟! فصورة الزهرة أو الفاكهة التی نجسّدها فی مخیّلتنا هی نموذج من الخلق. بالطبع حتّى هذا الخلق فإنّه یُنسَب، فی مستوىً أعلى، إلى الله، لكن باستطاعتنا، فی مرتبة أدنى، أن نقول: نحن الذین أوجدنا هذه الصورة فی ذهننا. لكن هل یمكن أن نكون غیر عالمین بالصورة التی أوجدناها فی أذهاننا؟! هل یمكن أن اُحدِث صورة تفّاحة فی ذهنی من دون أن أعلم أنّها صورة تفّاحة؟!

فالخلق من دون العلم به محال. فإن كان ثمّة خلق فلابدّ أن یكون مقترناً بالعلم. ومن هذا المنطلق احتجّ الإمام الصادق (علیه السلام) على الزندیق الذی ادّعى خلق الدود فی الطین والوحل فقال (علیه السلام): «إن كان خلَقه فلیقل: كم هو؟ وكم‏ الذّكران‏ منه‏ والإناث»؟[4]. فلو كان قد خلقها حقّاً فلابدّ أن یعلم عددها وجنسها. فإذا كان العالم كلّه مخلوقاً من قبل الله تعالى فلا انفكاك للخلق عن علمه جلّ وعلا. بید أنّ هذا البیان غیر كافٍ لننسب كلّ شیء إلى علم الله.

فلقد اعتنى القرآن الكریم عنایة فائقة بإثبات وتبیین علم الله تعالى بكلّ الموجودات فی السماء والأرض وبجمیع الحوادث، حتّى سقوط ورق الأشجار على الأرض. فإن تناول كائن حیّ فی أعماق البحر طعاماً فإنّ الله یعلم به وبما تناوله. ولو وُجد كائن فیه شیء من الحیاة فی باطن صخرة لَعلِم الله بكلّ تفاصیله. وقد بُیّن هذا المعنى فی القرآن الكریم بصور شتّى.

علم الله بجمیع التفاصیل

لقد قدّمت الآیات الاُولى من سورة الحدید، التی تذكرها الروایات بإجلال، بیاناً خاصّاً عن التوحید، فقالت فی جملة ما قالت: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَیْءٍ عَلِیمٌ»[5]، ثمّ قالت: «یَعْلَمُ مَا یَلِجُ فِی الأَرْضِ وَمَا یَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا یَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا یَعْرُجُ فِیهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَیْنَ مَا كُنتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِیرٌ»[6]. فالله عالم بكلّ قطرة مطر وحبّة زرع تسقط على الأرض، وكلّ حشرة تحفر الأرض وتلج فی أعماقها، وكلّ ما یخرج من الأرض كالنباتات التی تنبت فیها، أو ما یخرج من أعماق الأرض نتیجة الزلازل والبراكین. كما أنّه عالِم بكلّ ما ینزل من السماء أو یصعد إلیها، وهو مطّلع على كلّ أعمالكم وتصرّفاتكم. لاحظوا كیف یعتنی الله عنایة فائقة حتّى ببیان أدقّ التفاصیل عن علمه سبحانه!

فما من ظاهرة تحصل فی الأرض ولا فی السماء هی خارجة عن علم الله. یقول تعالى فی سورة المجادلة: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ یَعْلَمُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الأَرْضِ مَا یَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ»[7]. فهذا المعنى هو على جانب من الیقین حتّى وكأنّ الإنسان یراه باُمّ عینیه؛ فهو تعالى یقول: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ یَعْلَمُ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الأَرْضِ»؟ فإن اجتمع ثلاثة أشخاص فی اجتماع خاصّ یتناجون فیما بینهم فلابدّ أن یكون الله رابعهم، وإذا كانوا خمسة فمن المؤكّد أنّ الله سادسهم، فأین ما تكونوا فإنّ الله معكم! هذا البیان العلمیّ یختلف عما یُنقل بشكل یناسب العوامّ من ناحیة وما یُنقل عن قول الفلاسفة من ناحیة اُخرى. فعلم الله لیس هو صورة ذهنیّة، بل إنّه تعالى حاضر فی كلّ مكان ولیس ثمّة من مجال لا یكون الله سبحانه موجوداً فیه.

وهذا البیان یشبه هذه التعابیر: «وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَیْءٍ مُّحِیطاً»[8]، و«أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَیْءٍ مُّحِیطٌ»[9]، و«إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیْءٍ شَهِیدٌ»[10]. فالله شهید على كلّ شیء، أو بتفسیر آخر: لو كانت هناك عین بصیرة لرأت الله فی كلّ مكان. فالله محیط بكلّ شیء؛ لكن لا ینبغی الظنّ بأنّ إحاطة الله بالأشیاء تشبه إحاطة اللباس بالبدن حیث یلامس وجهٌ من اللباس سطح البدن. فلو كان الأمر كذلك لما أمكننا أن نفسّر إحاطته بباطن الأشیاء؟! فلیست إحاطة الله بالأشیاء من جنس إحاطة جسم بجسم آخر. وقد عجز الكثیر من علماء الإلهیّات والمتخصّصین فی هذا المجال عن توضیح هذا المفهوم. لكنّ الشخص الذی قدّم - بطرحه نظریّة جدیدة - خدمةً جلیلة لعلم الفلسفة والإلهیّات الإسلامیَّین كان هو صدر الدین الشیرازیّ حیث مهّد الأرضیّة لحلّ مثل هذه المسائل من خلال إثباته مسألة «الوجود الرابط».

فإذا أخذنا علاقة كلّ ظاهرة بالفاعل الذی أوجدها بعین الاعتبار، فإنّها علاقة بین موجودین یمثّل أحدهما بالنسبة إلى الآخر – كما یعبّر عنه الملاّ صدرا – ﺑ «الوجود الرابط»؛ أی یستحیل فصله عن فاعله. فهل تستطیع یا ترى أن تفصل الصورة التی خلقتَها فی ذهنك وتضعها جانباً فتصبح غیر عالِم بها فی الوقت الذی تكون فیه هذه الصورة العلمیّة موجودة فعلاً؟ بل إنّ كون هذه الصورة علماً إنّما هو قائم بذهنك أنت، بالضبط كما أنّ إرادتك الكلام لا تنفكّ عن نفسك. فلو أنّك لم تكن ولو انتهى وجودُك فسوف لا یكون لإرادتك وجود. فهذه الإرادة أساساً هی عین الربط بفاعلها.

لقد نشأ بإثبات هذه المسألة تصوّر جدید عن العلاقة بین جمیع مخلوقات العالم بخالقها. فإنّ أعلى مخلوقات الملكوت والجبروت حتّى أدنى وأخسّ موجودات عالم المادّة وكلّ ما یُطلق علیه عنوان الوجود، هی كلّها مخلوقاتُ الله وإنّه هو تعالى الذی نقلها جمیعاً من العدم إلى الوجود. فإنّ وجود جمیع هذه المخلوقات قائم بإرادة الله سبحانه: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَیْئاً أَن یَقُولَ لَهُ كُن فَیَكُونُ»[11]. فبمجرّد أن یقول الله: «كُن»، فسیكون ذلك الموجود، ومالم یقل: «كن»، فإنّه لا یكون. بالضبط كإرادتك؛ فبمجرّد أن تقول كن، فإنّها تكون، أمّا إذا غفلتَ لحظة، فلا تكون ثمّة إرادة.

فالمخلوق الذی یعتمد وجوده على الفاعل الـمُوجِد لا یستطیع أن یكون مستقلاًّ عنه ثمّ یكون مظهراً لإرادته. فهل یجوز أن یكون هذا الفاعل غیر عالِم بالمخلوق الذی هو قائم به؟! سواء أكان هذا المخلوق صغیراً أو كبیراً، مادّیاً كان أو مجرّداً.

علم الله بالمادّیات

من بین المعضلات التی واجهت الفلاسفة فی إثبات علم الله هی السؤال التالی: أنَّى للمادّیات أن یتعلّق بها علم الله؟ فقد كانوا یتصوّرون بأنّ إدراك المادّیات لا یتمّ إلاّ عن طریق العین والاُذن والحسّ. إلى أن جاءت نظریّة الوجود الرابط فوضعت لجمیع هذه المسائل حلاًّ. فكلّ موجود إنّما هو قائم بوجود الله بمقدار حظّه من الوجود ولیس له من نفسه أیّ استقلال؛ إذن فهو حاضر عند الله. ومن هنا فإنّ علم الله بجمیع الموجودات هو علم حضوریّ، ولیس هو بحاجة إلى صورة ذهنیّة.

كما أنّ المسألة الاُخرى التی حیّرت قبل ألف سنة نوابغَ من أمثال الفارابیّ وابن سینا، والتی تُعدّ من مسائل الإلهیّات المهمّة، هی قضیّة علم الله بالموجود قبل أن یكون. فقد ذكرنا انّ علمنا بالموجودات هو فی الحقیقة صورة نكوّنها لها فی أذهاننا بواسطة حواسّنا. وقلنا أیضاً إنّ الله لا یحتاج إلى حواسّ لیعلم، بل إنّ وجود كلّ موجود إنّما هو قائم – أساساً - بوجود الله، وبتعبیر آخر: إنّ وجوده هو عین علم الله. لكن كیف یمكن أن یحصل العلم بهذا المخلوق قبل أن یكون؟

لقد عدّ الفلاسفة علمَنا بالموجودات قبل إیجادها من ضرب العلم الكلّی والعامّ. فالـمُنجّم، على سبیل المثال، ومن خلال الحسابات التی یجریها، یستطیع أن یتنبّأ بأنّ الشمس ستكسف أو أنّ القمر سیخسف فی الساعة الفلانیّة من التاریخ الفلانیّ. فعلمه بالظاهرة التی ستحصل فی المستقبل هو عبارة عن مفهوم عامّ یُستخلَص بالاعتماد على صیغ عامّة. ذلك أنّ الوجود الخارجیّ لهذه الظاهرة لم یتحقّق بعد كی یصار إلى تكوین صورة له. وبناءً علیه فإنّ العلم بهذه الظواهر لا یمكن أن یحصل إلاّ فی إطار المفهوم العامّ الحاصل من خلال الحسابات والصیغ العلمیّة. وبما أنّ الله یعلم بكلّ شیء بما فی ذلك هذه الصیغ، فإنّ لدیه علماً بنتائجها بنفس هذه الطریقة الكلّیة العامّة.

علم الله بما مضى

ویواجه المسلمون أیضاً طائفة من الآیات والأحادیث التی تطرح معضلة اُخرى فیما یتّصل بعلم الله سبحانه وتعالى، ومنها قوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ لَیْلَةَ الصِّیَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ» إلى أن یقول: «عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَیْكُمْ»[12]. فقد كان الجماع مع الأزواج فی الشرائع السابقة محرّماً فی شهر الصیام حتّى أثناء اللیل. لكنّ الإسلام لم یحِلّه فحسب، بل وجعله مستحبّاً فی اللیلة الاُولى من شهر رمضان المبارك. وقد بُیّنت علّة هذا التغییر فی الحكم فی القسم التالی من الآیة: «عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَیْكُمْ». إذ یُفهم من اُسلوب الآیة أنّ حكم التحریم كان من المقرَّر أن یسری على الدین الإسلامیّ أیضاً، لكن بما أنّ الله یعلم بأنّكم ستخونون أنفسكم فقد تفضّل علیكم ورفع عنكم حكم التحریم. ووفقاً لهذا التفسیر فإنّ علم الله بهذا الموضوع قد اُوجِد فی زمن معیّن. وفی المیسور تتبّع ما یشبه هذه المسألة فی آیات اُخرى؛ كقوله تعالى: «عَلِمَ أَن سَیَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ»[13]، وقوله: «حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِینَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِینَ»[14]؛ فقد أوجبنا علیكم حكم الجهاد كی نعلم مَن منكم سیجاهد ویصمد بوجه المكاره والشدائد.

فمثل هذه الآیات تعزّز هذه الشبهة وهی أنّه: أنّى لله أن یعرف بالحادثة قبل وقوعها؟ وقد شكّلت هذه القضیّة معضلة للكثیر من العلماء وبإمكانكم متابعة البحوث المتّصلة بهذا الموضوع فی مصنّفات الإلهیّات. لكنّ السبیل الأسهل لحلّ هذه المسألة، والتی قلّما یُلتفت إلیها، هی أنّه لیس لجمیع الموجودات علاقة زمانیّة مع بعضها. فإنّ ما یحصل على امتداد الزمان یكون له «قبل» و«بعد» أمّا الموجود الذی هو فوق الزمان فلا تربطه مع الموجودات الزمانیّة علاقة زمانیّة، ولا یستطاع القول بأنّه قبلها أو بعدها. فالموجود الذی هو فوق الزمان یحیط بكلّ الأزمنة وإنّ جمیع الظواهر حاضرة عنده فی وقت واحد. فإنّ عدم وقوع ظاهرةٍ لحدّ الآن إنّما هو بالنسبة لنا. أمّا بالنسبة لله فلیس ثمّة «أمس» أو «الیوم» أو «غداً». فجمیع الأزمنة حاضرة فی محضره. وبعبارة أبسط: فإنّ الله سبحانه هو الذی خلق الزمان أساساً وإنّ تقدّمه على جمیع الموجودات لیس تقدّماً زمانیّاً؛ بل هو تقدّم وجودیّ؛ وبتعبیر آخر: فإنّ له إحاطة وجودیّة. وبناءً علیه فإنّ علم الله بالماضی والمستقبل هو واحد.

إذن فما مدلول التعابیر الواردة فی الآیات الآنفة الذكر؟ یُصطلَح على هذه التعبیرات «العلم الإضافیّ» أو «العلم الفعلیّ»؛ بمعنى: حینما تتحقّق ظاهرة ما فإنّ تحقّقها یكون مطابقاً لعلم الله عزّ وجلّ وسیُعلم فی حینه. فطالما لم تتحقّق الظاهرة فی ظرف الزمان فإنّها غیر موجودة أصلاً حتّى تُعدّ «معلومة»، ومتّى ما اُوجدت فی ظرف الزمان فسوف تكون «معلومة». والمراد من «العلم» هنا هو النسبة التی تحصل بین علم الله وذاتٍ مّا بعد تحقّق وجود الأخیرة.

الغایة من التطرّق إلى مثل هذه المباحث هو التذكیر بأنّ مسألة علم الله بالأشیاء هی مسألة عمیقة قد بحث فیها فطاحل الفلاسفة منذ آلاف السنین. ویعبّر القرآن الكریم عن العلم الإلهیّ بأنّ كلّ شیء هو حاضر عندنا: «وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ یَعْلَمُهَا»[15]. فإن سقطت على الأرض ورقة من شجرة فی جوف لیلة ظلماء فی منطقةٍ ما من هذا العالم فإنّنا نعلم بسقوطها، لأنّ الله حاضر فی ذلك المكان. فمن أجل تحقّق وجود ظاهرةٍ ما فإنّه لابدّ أن یعلم الله بها؛ فتحقّق وجودها هو عین علم الله بها. «أَلاَ یَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ»؛ فأنَّى لله أن لا یعلم بمَن كلّ وجوده بیده تعالى ومَن هو موجود بإرادته عزّ وجلّ؟! ولعمری فإنّها لسبیل غایة فی البساطة والحلاوة وضعها القرآن الكریم فی متناول الإنسان لیفهم كیف أنّ كلّ شیء هو حاضر عند الله ومعلوم لدیه. ولم یكن لائقاً جلباب بیان هذه المسألة فلسفیّاً إلاّ على قامة الملاّ صدرا من بین الفلاسفة، حشره الله بإذنه تعالى مع مَن تولاّه.

تأسیساً على ذلك فإنّ علینا أوّلاً أن ندرك بأنّ الله یعلم، وثانیاً أن نستحضر ذلك باستمرار فی أرواحنا. هذا هو بیان القرآن الكریم؛ فالورقة التی تسقط من شجرة یعلم بها الله، وكذا الخواطر التی تمرّ فی ذهنك فإنّ الله یعلم بها أیضاً: «وَهُوَ عَلِیمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ»[16]. فإن صدّقنا بأنّ الله یعلم بكلّ شیء، فسیسهل الأمر علینا. لكن ینبغی أن لا ننسى أنّ الالتفات المستمرّ إلى هذه القضیّة أمر صعب. فقول الإمام الخمینیّ الراحل (رحمه الله): «العالَم هو فی محضر الله» یعنی أنّ جمیع الأشیاء حاضرة عند الله، وما من شیء مجهول بالنسبة له سبحانه أو خفیّ عنه من أعماق أضأل الذرّات حتّى آخر المجرّات. لكن ماذا نصنع كی نظلّ مستحضرین لهذه القضیّة فی أرواحنا؟ هذا یحتاج إلى تمرین، فلابدّ أن نخطّط للتفكیر بهذا الموضوع للحظات یومیّاً، ومن الأفضل أن یكون ذلك قبیل الصلاة كی نؤدّی صلاتنا بحضور قلب أكبر. فلنصدّق بأنّ الله حاضر فی كلّ مكان؛ فلا مكان جلوسی، ولا كلامی، ولا طعامی هو خافٍ عن الله تعالى. بالطبع قد لا یكون فی المیسور التفكیر بهذا الموضوع لمدّة طویلة فی بادئ الأمر، لكن من الممكن، بالتدریج وبمرور الزمان، إطالة هذه المدّة وتعمیق هذا الالتفات. وهذا یحتاج إلى تمرین لاسیّما فی مظانّ الذنوب؛ فلابدّ من الانتباه الشدید والتفكیر مسبقاً بأنّ الله تعالى حاضر فی المشهد الذی ساُواجهه والذی هو من مظانّ المعاصی، وهو سبحانه یرانی. فلنقوِّ هذه الفكرة فی أذهاننا ولنلتفت إلى هذه القضیّة أكثر. ولعلّ ما قلناه ینفع لتوضیح عبارة الحدیث القدسیّ حین یقول تعالى: «ویَذكُر عِلمی به ویراقبنی باللیل والنهار عند كلّ سیّئة ومعصیّة».

وفّقنا الله وإیّاكم إن شاء الله 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. عن الصادق (علیه السلام): «كلّما میّزتموه بأوهامكم فی أدقّ معانیه مخلوقٌ مصنوعٌ مثلكم مردودٌ إلیكم، ولعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ لله سبحانه زبانتین‏، فإنّ ذلك كمالها، وتتوهّم أنّ عدمهما نقصان لمن لا یتّصف بهما، وكذا حال العقلاء فیما یصفون الله سبحانه وتعالى به» (منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة للخوئیّ، ج17، ص204).

[3]. سورة الملك، الآیة 14.

[4]. أمالی المرتضى، ج‏1، ص284.

[5]. سورة الحدید، الآیة 3.

[6]. سورة الحدید، الآیة 4.

[7]. سورة المجادلة، الآیة 7.

[8].سورة النساء، الآیة 126.

[9]. سورة فصّلت، الآیة 54.

[10]. سورة الحجّ، الآیة 17.

[11]. سورة یٰس، الآیة 82.

[12]. سورة البقرة، الآیة 187.

[13]. سورة المزّمل، الآیة 20.

[14]. سورة محمّد (صلّى الله علیه وآله)، الآیة 31.

[15]. سورة الأنعام، الآیة 59.

[16]. سورة الحدید، الآیة 6.