فهرست مطالب

الجلسة الإحدی والعشرون: درجات محبّة أهل البیت (علیهم السلام)

تاریخ سخنرانی: 
1393/02/31

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

 

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 21 أیار 2014م الموافق للحادی والعشرین من رجب 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

 

درجات محبّة أهل البیت (علیهم السلام)

21

 

 

محبّة الله ومحبّة الآخرین

لقد ذكرنا أنّ لمحبّة الله مراتبَ مختلفة وأنّها فی مرتبتها النهائیّة تغمر قلب الإنسان تماماً ولا تذر لمحبّة غیره جلّ وعلا موطئ قدم: «أنت الذی أزلتَ الأغیار عن قلوب أحبّائك حتّى لم یحبّوا سواك»[1]. وهنا تتبادر الشبهة التالیة إلى الذهن وهی: إذا كان الحال هذا فأین هو موضع حبّ أهل البیت (علیهم السلام) وأولیاء الله والمؤمنین وغیرهم من الذین ورد الثناء على محبّتهم؟ وهل إنّ الواصل إلى المحبّة الكاملة لله تعالى لا یعود یحبّ رسول الله وأهل بیته (صلوات الله علیهم أجمعین)؟ وهل إنّه لا یعود یحسّ بالحبّ تجاه أبویه وأولاده وزوجه؟! وقد وصلنا فی ردّنا على الشبهة المبیّنة أعلاه إلى النتیجة التی مفادها أنّ هذه الأنماط من المحبّة لا تتحقّق بشكل مستقلّ إذا اكتملت المحبّة لله، أمّا فی المراتب الأقلّ كمالاً من محبّة الله، فمن الممكن أن تتحقّق تلك الأشكال من المحبّة بصورة مستقلّة ولا یتعیّن حینها إلاّ بذل الجهد لتغلیب محبّة الله علیها؛ حیث یقول تعالى: «وَالَّذِینَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للهِ»[2]. بالطبع حتّى المحبّة الكاملة التی یكنّها الإنسان لربّه لا تتنافى مع محبّته لأهل بیت العصمة والطهارة (علیهم السلام) وهذا یرجع إلى كون الأخیرة هنا غیر مستقلّة بذاتها وأنّها تُعدّ من شؤون محبّة الله تبارك وتعالى. وقد أشرنا مراراً وتكراراً إلى أنّ حقیقة المحبّة هی بحیث إنّ الأخیرة إذا تحقّقت سطع نورها على لوازم المحبوب وآثاره أیضاً. ومن حیث إنّ أهل البیت (صلوات الله علیهم أجمعین) لیسوا مستقلّین بحدّ ذاتهم، وإنّ كمالهم یكمن فی كونهم عباداً كاملین لبارئهم، فإنّه بالإمكان حبّهم إلى جانب المحبّة الكاملة لله العلیّ القدیر. وهذا الحبّ الأوّل لیس فقط لا ینافی الحبّ الكامل لله عزّ وجلّ، بل إنّه مطلوب وواجب أیضاً.

حصّة المحبّة فی ثمن الجنّة

جاء فی الخبر عن أبی عبد الله جعفر بن محمّد عن أبیه (علیهما السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاریّ أنّه قال: «جاء أعرابیّ إلى النبیّ (صلّى الله علیه وآله) فقال یا رسول الله، هل للجنّة من ثمن [یدفعه الإنسان لیحصل علیها]؟ قال: نعم. قال ما ثمنها؟ قال: لا إله إلا الله، یقولها العبد الصالح مخلصاً بها» أی: كلمة التوحید بشرط أن یقولها عبد صالح عن إخلاص. «قال: وما إخلاصها [كیف تكون عن إخلاص]؟ قال: العمل بما بُعثتُ به فی حقّه، وحبّ أهل بیتی. قال: وحبّ أهل بیتك لَمِن حقّها»؟ أی إذا قلت لا إله إلا الله عن إخلاص واستوفیت العمل بالتوحید فهل لابدّ من محبّة أهل بیتك أیضاً؟ «قال: أجل، إنّ حبّهم لأعظم حقّها»[3]، وذلك لقوله تعالى: «قُل لاّ أَسْئَلُكُمْ عَلَیْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِی الْقُرْبَىٰ»[4]؛ فالأجر الحقیقیّ الذی طالب به النبیّ (صلّى الله علیه وآله) هو مودّة أهل بیته (علیهم السلام) لیس غیر وهو فی الواقع ثمن الجنّة. فقد أوجب النبیّ على الناس الاعتقاد بالجنّة فی مقام التشریع، وفی مقام التكوین فإنّه هو (صلّى الله علیه وآله) من یقسّم الجنّة بین الناس. وهذا ما یفسّر كون أخیه علیّ بن أبی طالب (علیه السلام) «قسیم النار والجنّة»[5]. من هذا المنطلق فإنّ محبّة أهل البیت (صلوات الله علیهم أجمعین) لیست فقط غیر زائدة إلى جانب محبّة الله، بل إنّ الثانیة لا تكتمل من دونها وإنّه من المتعیَّن على الإنسان أن یعرف هذا الحقّ ویؤدّیه لأهله.

لقد روینا فی المحاضرة الماضیة حدیثاً عن الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) یقسّم فیه محبّی أهل البیت إلى ثلاث طوائف: فطائفة من الناس یحبّونهم بالسرّ والعلانیة، وآخرون یحبّونهم بألسنتهم أمّا قلوبهم فمع غیرهم، وأمّا القسم الثالث منهم فیحبّونهم بقلوبهم لكنّهم یفتقدون همّة إظهار هذه المحبّة والسعی والمثابرة فی هذا الطریق. وعند التأمّل فی كلامه (علیه السلام) نكتشف أنّ هؤلاء الذین یُظهرون المحبّة لیسوا هم من محبّی أهل البیت فی الحقیقة؛ فهم یتظاهرون بحبّ أهل البیت (علیهم السلام) لكنّ قلوبهم مع غیرهم، بل وإنّ سیوفهم قد تكون علیهم أیضاً. فهؤلاء هم كالمنافقین الذین یُظهرون الإیمان إذا اجتمعوا مع المؤمنین، أمّا إذا التقوا بأصحابهم فیقولون: لقد كنّا نستهزئ فقط: «وَإِذَا لَقُواْ الَّذِینَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَیَاطِینِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ»[6]. وبناءً علیه فإنّ أصحاب هذه الطائفة لیسوا فی الحقیقة من المحبّین، والـمَقْسَم فی الروایة هم مُدّعُو المحبّة؛ وكأنّه (علیه السلام) یقول: المدّعون لمحبّتنا هم ثلاثة، فبعضهم منافق وهو لا یحبّنا حبّاً حقیقیّاً أبداً. وانطلاقاً من هذه الروایة فإنّ المحبّین الحقیقیّین لأهل البیت هم على صنفین؛ فصنف منهم تكون قلوبهم، بالإضافة إلى أیدیهم وألسنتهم، مع أهل البیت (علیهم السلام)، أمّا الصنف الثانی فهم الذین قلوبهم فقط مع أهل البیت أمّا على مستوى العمل فلا یقدّمون أیّ تضحیة فی سبیلهم. بالطبع هناك من الروایات ما یقسّم محبّی أهل البیت إلى ثلاثة أقسام سنورد هنا نموذجین منها:

درجات الجنّة والنار

یروی أبو حمزة الثمالیّ عن إمامنا زین العابدین (علیه السلام) أنّه قال: «قال رسول الله (صلّى الله علیه وآله): فی الجنّة ثلاث درجات وفی النار ثلاث دركات»[7]. وهنا یقسّم (علیه السلام) درجات الجنّة والنار بشكل عامّ إلى ثلاثة أقسام. بالطبع لقد ذكرت بعض الأحادیث للجنّة سبعین درجة وذكر بعضها الآخر لها عدداً أكبر من الدرجات الفرعیّة أیضاً، لكنّها – من زاویة معیّنة – تقسّم بشكل عامّ إلى ثلاث درجات: «فأعلى درجات الجنّة لمن أحبّنا بقلبه ونصرَنا بلسانه ویده»؛ فأعلاها هی من نصیب اُولئك الذین قدّموا فی سبیلنا التضحیات بأیدیهم وأعمالهم مضافاً إلى حبّهم إیّانا بقلوبهم وإظهارهم لذلك على ألسنتهم. «وفی الدرجة الثانیة مَن أحبّنا بقلبه ونصرنا بلسانه»؛ فالطبقة الوسطى من الجنّة هی من حصّة اُولئك الذین أحبّونا بقلوبهم وأظهروا حبّهم لنا بألسنتهم لكنّهم قصّروا بحقّنا على صعید العمل. «وفی الدرجة الثالثة مَن أحبّنا بقلبه»؛ أمّا الطبقة النازلة منها فیحتلّها الذین یحبّوننا حقّاً، لكنّهم یفتقدون همّة التبلیغ لنهجنا والدفاع عنّا والتضحیة فی سبیلنا. وهذا ما یتعلّق بالجنّة. أمّا النار فهی الاُخرى تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأوّل هو أسفلها، وهو ما عبّر عنه القرآن الكریم بقوله: «فِی الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[8]، وهو مخصّص لمن یبغض أهل البیت (علیهم السلام) بقلبه، وینال منهم بلسانه، وینشط ضدّهم فی عمله: «وفی أسفل الدرْك من النار مَن أبغضنا بقلبه وأعان علینا بلسانه ویده، وفی الدرك الثانیة من النار مَن أبغضنا بقلبه وأعان علینا بلسانه»؛ ففی القسم الثانی منها اُولئك الذین یُظهرون بغضهم لنا بألسنتهم لكنّهم لا یمارسون ضدّنا عملا ًمّا. «وفی الدرْك الثالثة من النار مَن أبغضنا بقلبه»؛ فهؤلاء یضمرون البغض لنا لكنّهم لا یروّجون ولا یشجّعون على العداوة لنا.

درجات محبّة أهل البیت

وعن أبی عبد الله الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «قال رسول الله (صلّى الله علیه وآله) لأمیر المؤمنین (علیه السلام): إنّما مَثَلُك مَثَل «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»؛ فإنّه مَن قرأها مرّة فكأنّما قرأ ثُلُث القرآن، ومَن قرأها مرّتین فكأنّما قرأ ثلثَی القرآن، ومَن قرأها ثلاث مرّات فكأنّما قرأ القرآن». وقد كان هذا الحدیث - وهو أنّ قراءة سورة التوحید تعادل ثواب قراءة ثلث القرآن وأنّ مَن قرأها ثلاثاً فكأنّما قرأ القرآن كلّه - معروفاً فی ذلك الزمان. ثمّ یقول (صلّى الله علیه وآله) له: إنّ محبّتك یا علیّ لا تشبه الذكر والصلاة وأعمال الجوارح، فمحبّة أمیر المؤمنین لا تتناسب أبداً مع الأعمال الاُخرى للإنسان. یقول (صلّى الله علیه وآله): «وكذلك مَن أحبّك بقلبه كان له مِثل ثلث ثواب أعمال العباد» وهنا القیاس بأعمال العباد «ومَن أحبّك بقلبه ونصرك بلسانه كان له مثل ثلثَی ثواب أعمال العباد» فإذا كان المرء، بالإضافة إلى حبّه إیّاك بقلبه، یُبدی هذا الحبّ على لسانه وینقله إلى الآخرین كان له ثواب ثلثی أعمال العباد. «ومَن أحبّك بقلبه ونصرك بلسانه ویده كان له مثل ثواب العباد»[9]؛ فهو بالإضافة إلى ذلك كلّه مستعدّ للتضحیة فی سبیلك حتّى إذا كلّفه ذلك حیاته، فإنّ الله سیعطیه ثواب كلّ أعمال العباد الصالحة. «فهُم النمط الأعلى [فی حبّ أهل البیت (علیهم السلام)]. الفقر والفاقة وأنواع البلاء أسرعُ إلیهم من ركض الخیل، مسّتهم البأساء والضرّاء وزُلزِلوا وفُتِنوا، فمن بین مجروح ومذبوح متفرّقین فی كلّ بلاد قاصیة»[10]؛ فإنّ مصیرهم فی ساحة القتال من أجلنا هو إمّا الجرح أو الذبح.

وكما تلاحظون فهناك ملازَمة فی هذا الحدیث بین محبّة أهل البیت (علیهم السلام) ونزول البلاء والمصائب. فإنّ النبیّ الأعظم (صلّى الله علیه وآله) یقول فی روایة اُخرى أیضاً: «إنْ كنتَ تحبّنی فأعِدَّ للفقر تجفافاً أو جلباباً»[11]، وكانوا فی قدیم الزمان یرتدون فی الحرب، للوقایة من النبال، ما یشبه الدرع ویسمّى «التجفاف»، بل ویضعونه على خیولهم أیضاً؛ والمعنى: إن كنت تحبّنا حقّاً فأعدّ ما تحفظ به نفسك من البلاء! كما ویروی أمیر المؤمنین (علیه السلام) عن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) قوله: «والله للفقرُ أسرعُ إلى محبّینا من السیل إلى بطن الوادی»[12] أی السیل الهابط من قمّة الجبل إلى أسفل الوادی. فكن یقظاً، فإنْ كنتَ رجلَ نزال، فاستعدّ! فهذا الإمام الحسین (علیه السلام) أیضاً یقول: «والله البلاء والفقر والقتل أسرع إلى مَن أحبّنا من ركض البرَاذین ومن السیل إلى صِمرِه»[13]؛ والبراذین هی الخیول المُعَدّة للحمل، والصِمر هو المحلّ الذی یستقرّ فیه الماء بعد انحداره.

العلاقة بین المحبّة والبلاء

والسؤال المطروح هنا هو: لماذا لابدّ لمن تزداد محبّته لأهل البیت (علیهم السلام) أن یُبتلى بالفقر والمحن؟ ما هذه المنظومة الإلهیّة التی توجب ازدیاد البلاء لكلّ من تكون محبّته لأهل البیت أكثر من غیره؟ وهذا التساؤل یقودنا إلى سؤال أعمق وأوسع حول أصل الامتحان ألا وهو: لماذا یمتحن الله تبارك وتعالى عباده؟ فإن كان الله یعلم مَن مِن عباده سیدخل الجنّة ومَن منهم سیذهب إلى النار فلماذا یأتی بهم إلى هذه الدنیا لیمرّوا بكلّ هذه المراحل ویُبتلوا كلّ یوم بشتّى صنوف الامتحانات والشدائد؟

الإجابة على هذا التساؤل تتطلّب بحثاً مسهباً وقد تناولناه فی الماضی فی مواضع اُخرى[14]. ویتعیّن القول فی الجملة: إنّ «الامتحان» هو من المفاهیم التی أكّد علیها القرآن الكریم عبر عدّة مفردات كـ «الامتحان» و«البلاء» و«الاختبار» و«التمحیص» وهو من السنن الإلهیّة القطعیّة؛ لقوله تعالى: «الَّذِی خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَیَوٰةَ لِیَبْلُوَكُمْ أَیُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»[15]؛ فالله إنّما خلق الموت والحیاة فی هذا العالم أساساً لیمتحنكم. وجواباً على السؤال أعلاه نقول: لابدّ من تفسیر التعبیر بالامتحان، حاله حال العدید من التعابیر الاُخرى الواردة بخصوص الله عزّ وجلّ. یقول علماء الكلام والتفسیر حول مثل هذه التعابیر: إنّ سَوق أمثال هذه التعابیر یأتی لتفهیمنا نحن البشر، وهی تنطوی على وجوه نقص لابدّ من إقصائها فیما یتّصل بالباری جلّ وعلا. فنحن معاشر البشر عندما نمتحن إنساناً فإنّنا نبغی فی الأعمّ الأغلب رفع جهلنا حوله. لكن لیس هذا هو هدف الله تبارك وتعالى من الامتحان، بل إنّ هدفه هو توفیر مناخ یساعد على إبراز ما یستتر فی صدور الناس، بل إنّ هذا العالَم قد خُلق أساساً من أجل ذلك. فالله عزّ وجلّ یعلم بما سیجری على النطفة بعد انعقادها وإلى أین سینتهی بها الأمر، لكنّه مالَم یمتلك الإنسان الاستعداد للكفر والإیمان والفهم والشعور، فإنّه لا یكون لنموّه وكماله معنىً. فإنّ فلسفة وجود هذا العالم هی تهیئة الظروف لتكامل الإنسان. فكما أنّ جسم الطفل ینمو وتطرأ علیه تغییرات جمّة منذ مرحلة النطفة وحتّى یبلغ أشدّه ویصیر شابّاً، فحتّى على صعید المعنویّات فإنّه من أجل أن یبلغ ما یطلب، علیه أن یختار بنفسه وأن لا تكون له على الله حجّة.

فأصل الامتحان فی هذا العالم هو من السنن الإلهیّة، وإنّ كلّ مَن یجتاز مرحلة إلى مرحلة أعلى منها یشتّد امتحانه طبعاً؛ بالضبط كصعوبة امتحانات السنة الثانیة بالنسبة للسنة الاُولى وكلّما انتقل الطالب إلى مرحلة دراسیّة أعلى فإنّ علیه خوض امتحان أصعب. وكذا على الصعید المعنویّ، فإذا نما الإنسان وتكامل على هذا الصعید فإنّ علیه خوض اختبارات أشقّ. فمن أجل حصول المرء على كمال یكون له أثر كبیر على سعادته ولا یمكن قیاسه مع سائر الكمالات فإنّه سیواجه امتحانات غایة فی الصعوبة والشدّة. فعلى إنسان كهذا أن یثبت كم هو صامد على محبّته، وكم هو مستعد لتحمّل المشاقّ فی سبیل محبوبه، من دون أن یَقطِب له حاجب، بل أن یكون مسروراً من حیث إنّه یستطیع أن یثبت لمحبوبه كم قدّم من التضحیات فی سبیله، بل إنّ إنساناً كهذا یلتذّ ممّا یقاسیه من البلایا.

الحبّ یقصی كلّ غریب

فمحبّة أهل البیت (علیهم السلام) هی موهبة لا یمكن قیاسها بأیّ شیء آخر. فلا تُعطىٰ مثل هذه الفضیلة لأیّ أحد بسهولة ولابدّ من نیل الأهلیّة لحیازتها. فمن أجل الحصول على أوّل درجاتها یتمّ إخضاع المرء إلى امتحان بسیط، فإنْ تكامَل قلیلاً، اشتدّ الامتحان بعض الشیء، وكلّما تقدّم أكثر على هذا الطریق زاد الامتحان صعوبة. حتّى یصل هذا الكمال إلى المرتبة التی بلغها أصحاب سیّد الشهداء (علیه السلام) الذین كان علیهم أن یخوضوا ذاك الامتحان فی یوم عاشوراء. فلقد قالوا: لو أنّنا نُقتل سبعین مرّة ثمّ نُبعَث فسنواصل هذا الدرب. لقد أقسموا ولقد صدّقهم أبو عبد الله (سلام الله علیه) أیضاً. فلم یكن ادّعاؤهم ذاك زیفاً. فلقد تهیّأت حینها الظروف بحیث اُتیح لهم أن یثبتوا إنْ كانوا حقّاً على استعداد للتضحیة أم لا.

تأسیساً على هذا فإنّ سبب تعرّض محبّی أهل البیت (علیهم السلام) لامتحان أصعب هو أنّ الموهبة التی وهبهم الله إیّاها لا تُقاس بأیّ شیء آخر. فإن رغبوا فی الاستمرار فی هذا الطریق، فما علیهم إلاّ تحصیل الأهلیّة له واجتیاز هذه المراحل بالتدریج. فإنّ قولهم (علیهم السلام) إنّ محبّینا سیُبتلون بصنوف البلایا فهو لإثبات صدق مدّعاهم وتوفیر الأرضیّة لهم للمزید من الرقیّ. وهذا النموّ والرقیّ لا یظهر إلاّ إذا قدّموا تلك التضحیات، وإنّ الله – ومن منطلق لطفه – یهیّئ مناخاً یتمكّنون فیه من خوض مثل هذا الامتحان لیجتازوه برفعة وشموخ؛ إذ أنّ:

الحبّ متمرّد ودمویّ بطبعه   كی یقصی كلّ ما هو غریب[16]

رزقنا الله وإیّاكم إن شاء الله


 


[1]. إقبال الأعمال، ص349.

[2]. سورة البقرة، الآیة 165.

[3]. الأمالی للطوسی، ص583.

[4]. سورة الشورى، الآیة 23.

[5]. بحار الأنوار، ج7، ص337.

[6]. سورة البقرة، الآیة 14.

[7]. بحار الأنوار، ج27، ص93.

[8]. سورة النساء، الآیة 145.

[9]. بحار الأنوار، ج27، ص94.

[10]. بحار الأنوار، ج65، ص275.

[11]. بحار الأنوار، ج41، ص4.

[12]. الاختصاص، ص311.

[13]. بحار الأنوار، ج64، ص246.

[14]. فی میسور القارئ الرجوع إلى كتاب «طوفان فتنه و كشتى بصیرت» (طوفان الفتن وسفینة البصیرة) لسماحة الاُستاذ للوقوف على الإجابة.

[15]. سورة الملك، الآیة 2.

[16]. فی إشارة لبیت شعر بالفارسیّة یقول: عشق ز اول سرکش و خونی بود   تا گریزد هر که بیرونی بود.