فهرست مطالب

الجلسة الثالثة والاربعون: صفات أهل الدنیا

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/27

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 18 تموز 2014م الموافق للیلة الحادیة والعشرین من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

صفات أهل الدنیا

43

إشارة

بلغنا فی بحثنا حول فقراتٍ من حدیث المعراج إلى الفقرة القائلة: «یا أحمد! أَبغِض الدنیا وأهلَها وأَحِبّ الآخرةَ وأهلَها. قال: یا ربّ ومَن أهل الدنیا ومَن أهل الآخرة؟ قال: أهل الدنیا مَن كثُر أكلُه وضحكُه ونومُه وغضبُه...»[1].

لقد قُسّم الناس فی العبارة أعلاه إلى قسمین: یضمّ الأوّل أهل الدنیا؛ وهم مَن یجب الابتعاد عنهم وتصنیفهم فی عداد الأعداء. أمّا أصحاب القسم الثانی فهم أهل الآخرة الذین تتعیّن محبّتهم. وقد تبنّى القرآن الكریم أیضاً هذا التقسیم فی بعض آیاته، ومنها قوله تعالى: «مَنْ كَانَ یُرِیدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِی حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ یُریدُ حَرْثَ الدُّنْیَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِی الآخِرَةِ مِنْ نَصیبٍ»[2]. فإنّ لكلّ فرد من البشر، وفق التعبیر القرآنیّ، زرعاً بَید أنّ بعضهم یزرع للدنیا فیجنی محصوله فیها، فی حین أنّ بعضهم الآخر یزرع للآخرة وهو سیحصد ثمار زرعه فی الحیاة الاُخرى. ثمّ إنّ الله یبارك فی حرث الذین یزرعون رجاءَ الآخرة ویزید فی ثماره؛ وذلك لقوله: «نَزِدْ لَهُ فِی حَرْثِهِ»، أمّا الذین یزرعون للدنیا فإنّهم یُعطَون شیئاً ممّا أمّلوه: «نُؤْتِهِ مِنْهَا»، والسبب هو أنّ الدنیا دار تزاحم الحاجات، ومن المستحیل أن یحقّق الجمیع فیها كلّ ما یطمحون إلیه. لیس هذا فحسب، بل إنّ هؤلاء لن یكون لهم نصیب ولا حظّ فی الآخرة أیضاً: «وَمَا لَهُ فِی الآخِرَةِ مِنْ نَصیبٍ».

وبوسعنا أیضاً العثور على نظیر هذا التقسیم، لكن بتعبیر مغایر، فی آیة اُخرى هی قوله تعالى: «مَنْ كَانَ یُریدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِیهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِیدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ یَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً»[3]. فهواة الدنیا الراغبون فی لذائذها العابرة على عجل سوف نعطی لمن نشاء منهم نصیباً منها. لكنّه لا یبلغ جمیع أهل الدنیا كلّ حوائجهم؛ فقد لا یصیب بعضهم حتّى اُمنیة واحدة من اُمنیاته، بینما قد یحصل بعضهم الآخر على بعض مطالبه، لكن لا أحد فی هذه الدنیا یحقّق كلّ ما یصبو إلیه. هذه إذن عاقبة حبّ الدنیا فی هذا العالم. أمّا فی العالم الآخر فستحیط به ألسنة جهنّم الحارقة وهو فی حالة من الذلّ والهزیمة: «ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ یَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً».

وفی المقابل فإنّ طلاّب الآخرة والباذلین بإیمان قصارى جهدهم فی هذا الاتّجاه سیمنّ الله جلّ وعلا علیهم بما یفوق تصوّرهم وسیشكر سعیهم؛ وهو قوله: «وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْیَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولٰئِكَ كَانَ سَعْیُهُمْ مَشْكُوراً»[4].

الطیف ما بین الكفر والإیمان

لكن هل یعنی هذا التقسیم بناءَ حاجز فاصل بین أهل الجنّة وأهل النار؟ وهل إنّ جمیع المتواجدین فی هذا الطرف من الحاجز منغمسون من قمّة رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم بالنور والطهارة، وغارقون فی درجة واحدة من الرحمة والبهجة، ویتنعّمون بنفس المقدار من نعیم الجنّة، وأنّ كافّة أصحاب الطرف المقابل هم على نفس الدرجة من القبح والدنس، ویحیق بهم نفس العذاب؟

فی آیة قرآنیّة اُخرى یقسّم الله عزّ وجلّ بنی البشر إلى صنفین: مؤمنین وكافرین، وذلك فی قوله: «هُوَ الَّذِی خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ»[5]. لكنّه تبارك وتعالى یقول فی آیة اُخرى: «وَمَا یُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ»[6]؛ أی إنّ شائبة الشرك تشوب قلوب معظم المؤمنین. وهذا یدلّ على أنّه لیس ثمّة حدّ فاصل یقسّم الناس إلى مؤمنین خُلَّص وكفّار محض، وأنّ لأغلب الناس فی قلوبهم نصیباً من الإیمان وآثاراً من الشرك.

ومن باب التشبیه فلنتصوّر مستطیلاً قُسِّم برسم خطّ فی وسطه إلى مثلّثین. إنّ قاعدة كلّ مثلّث فی هذا المستطیل تجاور رأس المثلث الثانی. كما أنّ سطح كلّ جانب من جوانب المستطیل مغطّىً بالكامل بواسطة أحد المثلّثین، لكنّنا إذا سرنا من أحد سطوحه باتّجاه وسطه فإنّ قسماً من السطح سیخرج شیئاً فشیئاً من سیطرة أحد المثلّثین لیصبح تحت غطاء المثلّث الآخر، حتّى إذا وصلنا إلى وسطه فسنجد أنّ نصف السطح مغطّىً بالمثلّث الأوّل والنصف الآخر بالمثلّث الثانی.

على نفس المنوال فإنّ قلوب بعض الناس تكون مسوَدَّة بالشرك بشكل كامل، لكنّ قلوب البعض الآخر، من الذین یستقرّون فی القطب المعاكس، طافحة بنور الإیمان. فاُولئك الذین یحتلّون القطبین لیسوا هم بكثیرین عدداً، إلاّ أنّ الغالبیّة العظمى من الناس - من الذین یقعون بین قطبَی الكفر والإیمان - یستولی الشرك على جزء من قلوبهم، بینما ینوّر الإیمان جزءاً آخر منها. ومن هنا فإنّ تقسیم الناس إلى صنفین، مؤمنین وكافرین، لا یعنی بالضرورة امتیاز أصحاب أحدهما عن أهل الآخر على نحو تامّ، بحیث إنّه لیس لطلاّب الدنیا أیّ حظّ من الآخرة، وإنّه لیس لمریدی الآخرة أدنى جنوح إلى الدنیا. بالطبع هؤلاء الذین یشغلون قطبی الإیمان والكفر هم هكذا، بیدَ أنّ قلوب السواد الأعظم من الناس تنطوی على ضغث من الإیمان وضغث من الكفر، وهم لذلك یطلبون الدنیا ویسعون للآخرة فی آن واحد.

یستطیع كلّ امرئ، عبر سبر أعماق قلبه، أن یقف على ما یعشعش فی باطنه - إلى جانب إیمانه - من مراتب الشرك والكفر والنفاق والریاء ونظیر ذلك. فإنّ لكلّ واحد منّا تقریباً تعلّقات دنیویّة، ولقلبه میولاً معیّنة، وإنّ فقدان بعض الاُمور یورثنا الاستیاء، وهذا ضرب من التعلّق بالدنیا. كما أنّه لیس فینا مَن یُنكر الآخرة أیضاً. ولهذا فإنّه لا یسعنا، عندما یوصینا الباری عزّ وجلّ بحبّ أهل الآخرة وبغض أصحاب الدنیا، أن نفصل بین الناس بجدار عازل، فنسِم القابعین فی أحد طرفی الجدار بطلاّب الدنیا وننأى بأنفسنا عنهم كلّ النأی، ونتصوّر اُولئك المستقرّین فی الطرف الآخر منه أهلَ الآخرة فنهیم بهم شغفاً وحبّاً. فهذا التقسیم إنّما یدلّنا على وجود قطبین، وأنّ أغلب الناس بینهما یمیلون إلى الدنیا ویرمون بطرفهم إلى الآخرة فی الوقت ذاته.

لا ریب أنّ طریقة التعامل مع أصحاب كلّ واحد من القطبین واضحة. لكن كیف لنا أن نتعاطى مع اُولئك الواقعین بین قطبی الإیمان والكفر؟ هل نحبّهم أم نبغضهم؟ فبعض هؤلاء تصل رغبتهم فی الدنیا إلى حدّ یكون میلهم إلى الآخرة معه فی منتهى السطحیّة حتّى انّ الآخرة لَتخرُج من قلوبهم بأقلّ جذبة دنیویّة. ویمكن القول – بمعنىً من المعانی - إنّ طینتهم وذاتهم فاسدة فلا یمكن المیل إلیهم وحبّهم، هذا وإن استحقّوا الثناء على فعل الخیر إذا ما صدر منهم.

وفی الطرف الآخر فإنّ هناك مَن تجذّر الاعتقاد بالدین والآخرة فی قلبه، لكنّ بعض الزلل والتعثّر قد ینتابُه فی مواجهة بعض الأحداث. ولقد وعدَت الروایات بأنّ مثل هذا المؤمن، الذی تزلّ قدمه أحیاناً فیرتكب بعض المعاصی، إذا ما تاب فی حیاته وتدارك قبیح فعاله فسیُعفى عنه. أمّا إذا حلّت به المنیّة قبل أن یبادر إلى التوبة، فسیطهّره الله سبحانه من ذنوبه بأن یصعِّب علیه نزع الروح. وإذا بقی خُبث المعاصی فی وجوده بعد الموت أیضاً فسیسوّی حسابه بأن یشدّد علیه فی أوّل لیلة من نزوله إلى القبر. فإن بقی شیء من دنس الذنوب مع كلّ ذلك فسینفُض عن وجوده غبارَها عن طریق عذاب البرزخ. وفی نهایة المطاف فإنّه عزّ وجلّ سیُدخِله الجنّة بالشفاعة أیضاً، بشرط أن تكون جذور الإیمان راسخة فی قلبه.

فمن الواضح أنّه لا ینبغی بغض المؤمن الطافح قلبه بالإیمان بالله تبارك وتعالى وحبّ أهل البیت (علیهم السلام)، حتّى وإن صدرت منه بعض الذنوب. إذ لا یراد من بغض أهل الدنیا بغض كلّ عاصٍ، بل المقصود من ذلك - بالنسبة لهؤلاء العاصین من المؤمنین - هو إظهار الاستنكار والشجب لأفعالهم غیر اللائقة. لكن لا ینبغی قطع العلاقة معه، بل ولا یجوز إضمار الانزعاج والاستیاء منه حتّى فی القلب، وإنّما یتعیّن علینا الدعاء له كی یهدیه الله سواء السبیل ویوفّقه إلى التوبة.

نفهم من ذلك أنّ المراد من تقسیم الناس إلى أهل الدنیا وأهل الآخرة هو إظهار القطبین الصالح والطالح لبنی آدم، وأنّ السواد الأعظم من الناس یقعون بین هذین القطبین، فهم الذین یقول فیهم عزّ من قائل: «خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَیِّئاً»[7]، فقد امتزج فی قلوبهم الإیمان والشرك، واختلط فیها طلب الدنیا وحبّ الآخرة، فكان میل بعضهم إلى الدنیا أكثر، وكانت رغبة بعضهم فی الآخرة أشدّ.

صفات أهل الدنیا

بعد أن أوصى الباری سبحانه وتعالى نبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله) فی لیلة المعراج بقوله: «یا أحمد! أَبغِض الدنیا وأهلَها وأَحِبّ الآخرةَ وأهلَها» سأله (صلّى الله علیه وآله): «یا ربّ ومَن أهل الدنیا ومَن أهل الآخرة؟». فكان جواب ربّ العزّة بأن عرّف له أهل الدنیا وأهل الآخرة من خلال الآثار التی تظهر فی سلوكهم؛ «قال: أهل الدنیا مَن كثُر أكلُه وضحكُه ونومُه وغضبُه». فهناك أربع خصال بارزة فی أهل الدنیا، هی: كثرة الأكل، وكثرة الضحك، وكثرة النوم، وكثرة الغضب. والخصلة الاُخرى لأصحاب الدنیا هی رضاهم عن أنفسهم: «قلیل الرضا» فصاحب الدنیا یرى باستمرار أنّ الحقّ معه، ولا یرضى عن الآخرین بسهولة.

كما أنّ أهل الدنیا لا یعتذرون إلى مَن ظلموه: «لا یعتذر إلى مَن أساء إلیه»، ولا یقبلون عذر من أخطأ فی حقّهم: «ولا یقبلُ عُذرَ من اعتذر إلیه». ثمّ إنّ صاحب الدنیا «كسلانٌ عند الطاعة، شجاعٌ عند المعصیة» فهو تعب وكسلان وخاوٍ من النشاط والحیویّة ساعةَ الطاعة، لكنّه یتسابق مع الآخرین من أجل لذّات الدنیا وزخرفها. مضافاً إلى أنّه: «أمَله بعید وأجَله قریب» فعمره قصیر، لكنّه یحمل فی رأسه آمالاً عریضة وطموحات طویلة. فمع أنّ الإنسان یعلم بأنّ أجله قریب، لكنّه یتمادى أحیاناً فی أحلامه فیفكّر حتّى فی أحفاده وأسباطه شاغلاً نفسه بجمع الثروة لمستقبلهم. وصاحب الدنیا أیضاً: «قلیل المنفعة كثیر الكلام» فهو یتكلّم أكثر ممّا یخدم الناس. وهو كذلك: «قلیل الخوف كثیر الفرح عند الطعام» فلا تساوره الخشیة والخوف من عذاب ربّه، ولا یفكّر إلاّ فی الدنیا، ویكون متّكلاً على ما جمع من الثروة والأصحاب، وفی المقابل فإنّ فرحَه وجذلَه عند حضور الطعام عظیم.

«وإنّ أهل الدنیا لا یشكرون عند الرخاء» فهم غیر شاكرین لوفیر النعم التی أسبغها الله تبارك وتعالى علیهم، لأنّه غاب المنعمُ عن أذهانهم، فظنّوا أنّهم نالوها بسعیهم وجهدهم، وهذا یذكّرنا بزعم قارون عندما قال: لقد جمعت هذا المال العظیم بعلمی وسعیی وتدبیری: «إِنَّمَا أُوتِیتُهُ‏ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِی»[8].

ثمّ یقول أیضاً فی وصفهم: «ولا یصبرون عند البلاء» فهم یجزعون وقت المصیبة والمحنة. فالمؤمن مطمئنّ بأنّ كلّ مصیبة تحلّ بالعبد فهی لحكمة، وهو لهذا یتحمّلها. لكنّ طبیعة الإنسان، بصرف النظر عن قضیّة الإیمان والتربیة الدینیّة، تقتضی منه – بالطبع - الجزع والفزع عند حلول المكاره والشدائد، لقوله تعالى: «إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَیْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّین»[9]، عدا اُولئك الذین تربطهم مع الله تعالى علاقة خاصّة.

ویقول فیهم أیضاً: «كثیرُ الناسِ عندهم قلیل» فخدمات الخلق الجمّة تجاههم لا تساوی شیئاً عندهم، وهم لهذا لا یعترفون بجمیلهم ولا یشكرونهم على خدماتهم. لكنّهم فی مقابل هذا: «یحمَدون أنفسَهم بما لا یفعلون» فهم یثنون على أنفسهم، بل وینسبون إلیها ما لم یقوموا به من الأعمال الصالحة زوراً وبهتاناً. وما أشبه هذا التعبیر بقول الله تعالى فی كتابه العزیز: «لا تَحْسَبَنَّ الَّذینَ یَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَیُحِبُّونَ أَنْ یُحْمَدُوا بِمَا لَمْ یَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ‏ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ»[10]. فأهل الدنیا یدّعون اُموراً لیس لهم فیها نصیب: «ویَدّعون بما لیس لهم، ویتكلّمون بما یتمنّون» فهم یتحدّثون دوماً عن أمانیهم وطموحاتهم. «ویذكرون مساوئ الناس ویُخفون حسناتهم» ولعلّهم یفعلون ذلك لإظهار فضل أنفسهم أمام الناس فی مقام القیاس بالآخرین والتنافس معهم لیُخرجوا بذلك خصمهم من میدان السباق.

ویبدو هاهنا أنّ صدر رسول الله (صلّى الله علیه وآله) قد ضاق من سماع هذه الأوصاف، فسأل ربّه: «یا ربّ! كلّ هذا العیب فی أهل الدنیا»؟! فقال له ربّ الجلال: «یا أحمد! إنّ عیب أهل الدنیا كثیر، فیهم الجهلُ والحُمق»؛ فإنّ عیوبهم كثیرة، لكنّ الأبرز من بینها هو الجهل وضحالة العقل؛ فهم یجهلون ما ینبغی لهم أن یعلموه، ویفرّطون بما لابدّ لهم أن ینجزوه من صالح الأعمال. كما أنّهم «لا یتواضعون لمَن یتعلّمون منه»؛ فهم - خلافاً لمقتضى فطرة البشر، وانطلاقاً من أنانیّتهم وحبّهم لذواتهم – لا یُظهرون التواضع أمام أساتذتهم ولا یقدّرون فضلهم ومتاعبهم. «وهم عند أنفسهم عُقَلاء، وعند العارفین حُمَقاء»؛ فهم یحسبون أنفسهم أعقل العقلاء، والحال أنّ أهل المعرفة واقفون على حماقتهم.

ثقافة طلب الدنیا فی عالمنا المعاصر

خلاصة الأمر فإنّ من المیسور مشاهدة هذه الأوصاف فی بعض المذاهب الأخلاقیّة الشائعة فی عالمنا المعاصر. إذ تشتهر الیوم ثلاثة مذاهب فی حقل فلسفة القیم والأخلاق: أوّلها مذهب أصالة المتعة، الذی یعرّف «الحُسن» بأنّه كلّ ما ینطوی على متعة ولذّة، ویذهب دُعاته إلى أنّ «اللذّة» هی أساس كلّ الصالحات، معتقدین بأنّ الإنسان إنّما یأتی إلى هذه الدنیا لیستمتع بلذّاتها ولیس ثمّة على عاتقه من مهمّة سوى الاستمتاع!

أمّا المذهب الثانی فهو مذهب أصالة الفرد، وفیه أنّ على كلّ امرئ أن لا یفكّر أثناء حیاته إلاّ فی نفسه، وأن یبذل قصارى جهده من أجل سعادته وتوفیر أسباب رفاهیّته. المؤمنون بهذا المذهب لا یفكّرون حتّى فی أبویهم ولا فی أزواجهم ولا فی أولادهم. فوفقاً لهذا النمط الحیاتیّ الشائع فی الغرب – والذی غدا، مع شدید الأسف، وبسبب الدعایة ووسائل الإعلام الجماهیریّة، یترسّخ شیئاً فشیئاً فی الدول الأسلامیّة أیضاً – صار الولد ینفصل عن عائلته بمجرّد تمكّنه من الاعتماد على نفسه ویؤسّس حیاته الخاصّة. فبغیة أن یریح الأب نفسه من مشقّة الحفاظ على ولده، ولأجل أن یتخلّص الولد من أوامر والدیه ونواهیهما، یفرّ كلّ واحد من الآخر ولا یعودان یفتّشان عن بعضهما البعض.

أمّا المذهب الثالث فهو مذهب أصالة اللیبرالیّة الأخلاقیّة، أو أصالة الحرّیة. وكلّ إنسان، وفق هذا المذهب، حرّ فی صنع ما یحلو له، ولا یحقّ لأیّ قانون أو نظام أخلاقیّ أو دین أن یحدّ من حرّیته. مَعقل هذا المذهب فی عصرنا الحالیّ هو أمریكا التی یسیر مجتمعها، بسبب هذه الثقافة، نحو الانحطاط والتسافل.

عندما كنتُ قبل بضع سنین فی جولة فی عدد من دول أمریكا اللاتینیّة لإلقاء المحاضرات فی بعض المراكز العلمیّة والثقافیّة هناك، ذكر لی مسؤول فی واحدة من الجامعات فی شیلی، والتی تضمّ أربعین ألف طالب جامعی: «لقد دمّرَت الثقافة الأمریكیّة شبّاننا، ولیس لدینا أیّ بصیص أمل فی إصلاحهم، اللهمّ إلاّ أن یأتی هذا الإسلام الذی تعرّفونه لیمدّ یده فینتشلنا من المأزق الذی نحن فیه». هذه الفاجعة هی ثمرة الثقافة اللیبرالیّة التی تُشاع فی باقی البلدان تحت یافطة «الحرّیة».

والآن، إذا ما استعرضنا صفات أهل الدنیا التی یتحدّث عنها الله جلّ وعلا فی حدیث المعراج فسنجد أنّ جمیع هذه السجایا مندرجة فی هذه المذاهب الثلاثة ولا یمكن أن تخرج من دائرتها؛ فمذهب أصالة المتعة فیه الرغبة فی اللذّات المادّیة الفانیة كالنوم والأكل وإشباع الغرائز الجنسیّة. ومذهب أصالة الفرد یحرّض متّبعَه على أن لا یكترث بالآخرین، ولا یتواضع للاُستاذ، ولا یقیم وزناً لأعمال الآخرین، وأن یتباهى بما لم یفعل، ولا یقبل عذر الآخرین، ولا یعتذر عند الإساءة إلیهم. وأخیراً مذهب أصالة الحرّیة الأخلاقیّة الذی یستلزم عدم المبالاة بالأوامر الإلهیّة والدین ویجرّ إلى اتّباع الهوى والشهوات. إذن من المیسور جمع كافّة الصفات المذكورة فی هذه المذاهب الثلاثة، وهی مذهب أصالة المتعة، ومذهب أصالة الفرد، ومذهب أصالة اللیبرالیّة الأخلاقیّة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص23.

[2]. سورة الشورى، الآیة 20.

[3]. سورة الإسراء، الآیة 18.

[4]. سورة الإسراء، الآیة 19.

[5]. سورة التغابن، الآیة 2.

[6]. سورة یوسف، الآیة 106.

[7]. سورة التوبة، الآیة 102.

[8]. سورة القصص، الآیة 78.

[9]. سورة المعارج، الآیات 19 – 22.

[10]. سورة آل عمران، الآیة 188.