فهرست مطالب

الجلسة الثانیة والثلاثون: المحبّة ثمرة المراقبة

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/16

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 7 تموز 2014م الموافق للیلة العاشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

«فإذا فعل ذلك أسكنتُ فی قلبه حبّاً حتّى أجعلَ قلبَه لی وفراغَه واشتغالَه وهمّه وحدیثَه من النعمة التی أنعمتُ بها على أهل محبّتی من خلقی»[1]

 

المحبة ثمرة المراقبة

32

 

إشارة

تطرّقنا فی المحاضرات الفائتة، فی سیاق بحثنا حول مقاطع من حدیث المعراج القدسیّ، إلى خصائص المشتاقین إلى الحیاة الآخرة السعیدة الهنیئة الأبدیّة وذكرنا أنّه یمكننا تقسیم مباحث هذا الجزء من الحدیث إلى قسمین؛ قسم المبادئ الاستراتیجیّة وقسم المناهج العملیّة. ومتابعة للحدیث وبعد بیان هذه المقدّمات فقد تمّ التساؤل بأنّ الله تعالى كیف سیتعامل فی عالم الدنیا مع الذین یرومون – من خلال العمل بهذه التوصیات والتوجیهات – الوصول إلى هذه الحیاة، وماذا سیكون الأجر الذی أعدّه لهم؟

الثمرة الدنیویّة للأعمال

كما تعلمون فإنّ الحكمة من خلق الحیاة الدنیا هی أنْ یبنی الإنسان فیها - من خلال أعماله الاختیاریّة - حیاته الأبدیّة. واستناداً إلى هذا المعنى تُشَبّه الحیاة الدنیا أحیاناً – من حیث كونها مُعِدّة لحیاة اُخرى - بالحیاة الجنینیّة إلاّ أنّ الحیاة الدنیا یتحتّم على الإنسان فیها أن یبنی نفسه ویُعدّها للولادة وولوج عالم جدید. ومن هنا فإنّ ما یصیبه المرء فی عالم الآخرة هو محصّلة أعماله التی أتى بها فی هذه الدنیا. وإنّ الاعتقاد بهذه المسألة یُعدّ واحداً من اُصول الدین وضروریّاته. لكن حیث إنّ لطف الله جلّ وعلا وعنایته لا نهایة لهما، فقد هیّأ أیضاً للناس فی هذه الدنیا مناخات لتلقّی المزید من رحمته. فالسنّة الإلهیّة العامّة والقطعیّة تقضی بأنّ الإنسان إذا عرف أنعُم الله تعالى، ولم یسِئ استخدامها، وشكَرها، فإنّ الله سیزیدها له: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِیدَنَّكُمْ»[2]. وفی المقابل فإنّ الذین یكفرون بالنعم سیواجهون فی نفس هذه الدنیا – بشكل من الأشكال - مشكلات شتّى: «وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِیبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَیْدِیكُمْ وَیَعْفُواْ عَن كَثِیرٍ»[3]. بطبیعة الحال فإنّ الله لا یعاقب عباده فی الحیاة الدنیا على كلّ أعمالهم المشینة، بل هو یتغاضى عن الكثیر منها أیضاً. وقد صرّحت بعض الآیات القرآنیّة بأنّ الله لو أراد أن یعاقب عباده فی عالم الدنیا على جمیع ذنوبهم لما بقی على الأرض كائنٌ حیّ. لكنّه تعالى یمهلهم فی الحیاة الدنیا لعلّ المذنبین منهم یتنبّهون ویتّعظون: «لِیُذِیقَهُم بَعْضَ الَّذِی عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ یَرْجِعُونَ»[4]؛ فهو یذیقهم العقاب على بعض أعمالهم فی هذه الحیاة الدنیا لعلّهم یتوبون بسبب هذا العذاب المخفّف ویثوبون إلى جادّة الحقّ.

طبقاً لهذه السنّة فإنّه إذا عمل بعض الناس على تطبیق الأحكام الإسلامیّة فی المجتمع فإنّهم سینعمون بنعم مادّیة أكبر فی هذه الدنیا: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَیْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ»[5]؛ فلو أنّ الناس امتثلوا الأحكام الإلهیّة، أو بعبارة اُخرى: لو كان النظام الإسلامیّ هو النظام الحاكم على الناس، فسوف نزید فی بركاتهم. كما ویقول تعالى فی آیة اُخرى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِیلَ... لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تّحْتِ أَرْجُلِهِم»[6]؛ فحتّى الیهود والنصارى لو أنّهم عملوا بأحكام شریعتهم، لدرّت علیهم الأرض والسماء نعماً.

ومن السنن الإلهیّة الاُخرى هی ما یتعلّق بمعرفة قدر النعم المعنویّة. فالله سبحانه وتعالى یهدی الناس جمیعاً بالعقل والوحی: «الَّذِی أَعْطَىٰ كُلَّ شَیْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ»[7]؛ أی إنّ الله یهدی كلّ ما یخلق؛ فكلّ الكائنات من نباتات وحیوانات هی مهدیّة تكوینیّاً إلى المسیر الذی خُلقت من أجله. والإنسان أیضاً هو مهدیّ عن طریق العقل والوحی. بید أنّ الناس لا یتعاملون جمیعاً مع هذه النعم بكیفیّة واحدة؛ فبعضهم یُفید من نعمة الهدایة على أتمّ وجه، لكنّ البعض الآخر یكفر بها بالعصیان والطغیان: «وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَیْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَىٰ عَلَىٰ الْهُدَىٰ»[8]. فعلى الرغم من أنّ الله هدى قوم صالح (علیه السلام) لكنّهم حبّذوا العمى والضلال على الهدایة، فكانت النتیجة أن حاق بهم العذاب. وفی المقابل فإنّ الذین عرفوا قدر الهدایة فقد زادَهم الله هدىً على هداهم: «وَالَّذِینَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدىً»[9]. فالسنّة السابقة ترتبط بالنعم المادّیة وإنّ لها ثماراً وبركات مادّیة أیضاً، أمّا هذه السنّة فإنّها فی درجة أعلى. فلو عرف البشر قدر النعم المعنویّة وأفادوا جیّداً من هدایة ربّهم فسیزید الله فی هداهم: «وَیَزِیدُ اللهُ الَّذِینَ اهْتَدَوْاْ هُدىً»[10]. وهناك نماذج كثیرة لهذه السنّة ذَكَر بعضَها القرآن الكریم.

العنایات الخاصّة لخاصّة العباد

إنّ للنعمة المعنویّة المتمثّلة بالهدایة مراتبَ عدیدة أوّلها الهدایة إلى دین الإسلام ومذهب أهل البیت (علیهم السلام). وكلّنا معاشر المؤمنین ننعم بهذه النعمة ولله الحمد، ونعرف قدرها إلى حدّ ما. لكنّه ثمّة للهدایة ولثمارها مراتب اُخرى تخصّ الخواصّ من العباد وإنّ أكثر المؤمنین لیس لدیهم حتّى تصوّر واضح عنها، فضلاً عن محاولتهم اكتسابها والإفادة من نتائجها. ولتقریب المعنى إلى الذهن یمكن أن نضرب من الحبّ الغامر لقیس ولیلى، ووامق وعذرا، وفرهاد وشیرین مثلاً. فلعلّ أغلبنا غیر قادر على تصوّر ما كان یسعى إلیه أمثال هؤلاء. حیث یحكى أنّ لیلى كانت جاریة سوداء ولم تكن جمیلة المظهر لیقع فی حبّها كلّ مَن یراها. لكنّه حینما أنكروا على قیس ولَهَه بهذه الجاریة السوداء الحبشیّة قال: وهل إنّ كلّ أسود غیر محبوب؟ فكیف یحبّ جمیع الناس المسك وهو أسود، فعلى الرغم من سواد المسك فإنّه غالی الثمن بسبب عطره الفوّاح:

یقولون لیلى سودةٌ حبشیّة      فلولا سواد المسك ما كان غالیا

فالذی لم یذق رشفةً من حبّ قیس للیلى ینتابه العجب من سماع هذه المفاهیم، وغایة ما یذهب إلیه هو أن یرمی قیساً بالجنون لأنّه أفسد حیاته من أجل امرأة.

لكنّنا إذا تقصّینا أحوال أولیاء الله تعالى فسنجدها على هذا النحو أیضاً. بل إنّ حبّ بعضهم لربّهم لهو أشدّ حرارة وإحراقاً من حبّ قیس للیلى. وأحد هؤلاء هو نبیّ الله شعیب (سلام الله علیه). حیث یُروى أنّ شعیباً بكى سنینَ طویلةً شوقاً إلى ربّه حتّى اُصیب بالعمى من شدّة البكاء. فمنّ الله علیه بأن أعاد له بصره. لكنّه عاود البكاء ثانیة حتّى اُصیب بالعمى مرّة اُخرى. فأعاد الله له بصره ثانیة. فعاود الكرّة للمرة الثالثة، إلى أن فقدَ بصره تماماً. وفی هذه المرّة أرسل الله تعالى له جبرئیل بهذا الوحی: لماذا كلّ هذا البكاء؟ فإن كان بكاؤك خوفاً من النار فقد حرّمتُها علیك، وإن كان شوقاً إلى الجنّة، فقد وهبتُها لك! فقال شعیب (علیه السلام): «إلهی وسیّدی! أنت تعلم أنّی ما بكیتُ خوفاً من نارك ولا شوقاً إلى جنّتك ولكن عَقَد حبُّك على قلبی فلستُ أصبر أو أراك» فإنّ بكائی هو من شدّة محبّتی لك وإنّنی لن یهدأ لی بال حتّى أراك. «فأوحى الله جلّ جلاله إلیه: أمّا إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا سأُخدِمُك كلیمی موسى بن عمران (علیه السلام)»[11]. فكان أن أتى موسى قریةَ «مَدیَن» وتولّى رَعْیَ أغنام شعیب، وهو الأجر الذی أعطاه الله لشعیب فی هذه الدنیا فی مقابل حبّه له. لكن ماذا نصنع نحن إذا أردنا الوصول إلى هذه الدرجة ونحن متعلّقون بلذائذ هذه الدنیا وجاهها ومناصبها؟ الجواب الشافی لمن أراد بلوغ هذا المقام موجود فی مقطع الحدیث القدسیّ الذی بحثناه فی المحاضرات الأخیرة؛ وهو: أَخرِجوا حبّ الدنیا من قلوبكم، كونوا دائمی الذكر لله تعالى، احذروا من الوقوع فی حبائل الشیطان، وسیغرس الله محبّته فی قلوبكم. وعلى الرغم من أن هذه الطریق لیست بالطریق السهلة، فإنّه إذا سعى الإنسان فیها بصدق بكلّ ما اُوتی من وسع فسیتولّى الله بنفسه مساعدته لطیّها. وهذا هو موضع السنّة الإلهیّة المذكورة التی یقول فیها تعالى: «وَیَزِیدُ اللهُ الَّذِینَ اهْتَدَوْاْ هُدىً». فنحن نعلم أنّنا ضعفاء، والله جلّ وعلا لا یتوقّع منّا أن نكون كشعیب وأمثاله. لكن ینبغی أن لا نقصّر فیما نستطیع، كی یمدّ الله لنا ید العون والمساعدة.

المحبّة ثمرة المراقبة

لقد اُشیر فی المحاضرات الفائتة إلى أنّ الله یثیب من یقوم بمثل هذه الاُمور. وسنتحدّث الیوم عن هذا الثواب. فإنْ شمّر المرء عن ساعدیه وهیّأ الشروط المذكورة بحدود وسعه وطاقته؛ فصار یذكر الله دوماً، ولم یدع قلبَه یتعلّق باُمور الدنیا، ولم یُصغِ لوساوس إبلیس، فإنّ الله تعالى سیُسكِن فی قلبه حبّاً: «أسكنتُ فی قلبه حبّاً». فنحن نعی جیّداً بأنّ قلوبنا – مع ما فیها من تعلّقات باُمور الدنیا، وما نشكوه من نقص فی معرفتنا – لا تستحقّ محبّة الله عزّ وجلّ، وأنّ ظهور حبّ جنونیّ فی قلب الإنسان لیس بالأمر الهیّن. لكنّنا إذا هیّأنا المناخ لمثل هذه المحبّة، وجعلنا أوعیة قلوبنا طاهرة مُعَدّة، فإنّ الله سیضع فی هذه الأوعیة شیئاً من الجواهر الخاصّة بأولیائه: «فإذا فعل ذلك أسكنتُ فی قلبه حبّاً». وباشتعال نار محبّة الله فی قلب العبد فإنّ الله سیجعل هذا القلب له، كی لا یجد غیرُه سبیلاً إلیه: «حتّى أجعلَ قلبَه لی وفراغَه واشتغالَه وهمّه وحدیثَه من النعمة التی أنعمتُ بها على أهل محبّتی من خلقی».

ولعمری فإنّ هذه لَنِعمة خاصّة جعلها الله لخاصّة أولیائه، ولیس للآخرین الاطّلاع على العلاقة التی تربط أمثال هؤلاء بالله جلّ شأنه. وإنّ أثر محبّة العبد الجامحة لربّه هی أنّه – حاله حال غیره من العاشقین الولهانین – سیفتّش عن أیّ ذریعة لذكر محبوبه. فبظهور محبّة الله فی قلب الإنسان سیكون قلبه لله وسیكون دائم الرغبة للتحدّث عنه تعالى وعن آلائه. فسواء أكان فی حالة الراحة من عمله أو مشغولاً به فإنّ التفاته یكون لله. فهو یشكر الله فی ساعة فراغه من العمل أن تفرّغ لمناجاته. كما كان موسى بن جعفر الكاظم (سلام الله علیه) یسجد لربّه فی تلك الزنزانة المظلمة التی لا یُعلم نهارها من لیلها شاكراً له قائلاً: «اللهمّ إنّك تعلم أنّنی كنت أسألك أن تفَرِّغَنی لعبادتك‏، اللهمّ وقد فعلتَ، فلك الحمد»[12].

وكذا فی ساعة العمل فإنّ العبد العاشق لا یفتأ یذكر ربّه: «رِجَالٌ لاّ تُلْهِیهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَیْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَوٰةِ وَإِیتَاءِ الزَّكَوٰةِ»[13]. فكما یكون عمله لله وأنّه لا ینساه أبداً، فإنّه لا یغفل عن ذكر الله حتّى فی الخلوات وعند الفراغ من العمل؛ فهو یحاول أن یخلو بالله ویناجیه مناجاة خاصّة كلّما سنحت له الفرصة: «...وهمَّه وحدیثَه من النعمة التی أنعمتُ بها على أهل محبّتی من خلقی»؛ فكلّ همّه وغمّه وفكره وذكره مُنصَبَّة فی الله، وهو دائم الشكر لتلك الآلاء الخاصّة التی ینعم الله بها على أهل محبّته، ولا یجد الوقت لشكر باقی نعم الدنیا. فشُكْرُ الله تعالى على نعمة البصر والسمع والنطق هو من اختصاص أمثالنا. أمّا خواصّ عباد الله فإنّهم ذائبون فی نعم الله المعنویّة إلى درجة لا یجدون الوقت لشكر كلّ واحدة من أنعمه المادّیة. فإنّ تمام التفات هؤلاء العباد موجَّه إلى الآلاء الخاصّة التی یمنّ الله بها على أهل محبّته.

رزقنا الله وإیّاكم إن شاء الله


1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. سورة إبراهیم، الآیة 7.

[3]. سورة الشورى، الآیة 30.

[4]. سورة الروم، الآیة 41.

[5]. سورة الأعراف، الآیة 96.

[6]. سورة المائدة، الآیة 66.

[7]. سورة طٰه، الآیة 50.

[8]. سورة فصّلت، الآیة 17.

[9]. سورة محمّد (صلّى الله علیه وآله)، الآیة 17.

[10]. سورة مریم، الآیة 76.

[11]. بحار الأنوار، ج12، ص380 – 381.

[12]. بحار الأنوار، ج48، ص107.

[13]. سورة النور، الآیة 37.