فهرست مطالب

الجلسة السابعة: آثار المحبّة

تاریخ سخنرانی: 
1392/10/25

(7)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 15 كانون الثانی 2014م الموافق للثالث عشر من ربیع الأول 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

آثار المحبّة

المحبّة وآثارها

 

إنّ للمحبة آثاراً وإنّ كلّ محبّ یفهم فطریّاً ما الذی یجب علیه صنعه تجاه المحبوب. إذ من جملة ما یرغب فیه المحبّ هو فعل ما یُرضی المحبوب وما یجعله یحبّه. وكما قد مرّت الإشارة إلیه مسبقاً فإنّ العلاقة بین المحبّة وآثارها هی علاقة متصاعدة ثنائیّة الجانب؛ فالمحبّة – من ناحیة – هی منشأ لآثارها، ولابدّ من المحبّة لظهور هذه الآثار، ومن ناحیة اُخرى فطالما أنّ هذه الآثار هی أفعال اختیاریّة فإنّها نفسها تبعث على ازدیاد المحبّة أیضاً.

ومن جملة آثار المحبّة هی مناجاة المحبوب. إذ أنّ المحبّ یسعى دوماً إلى اغتنام الفرصة لإظهار محبّته لمحبوبه. وهذا الأمر یصدق أیضاً على الله سبحانه وتعالى، فإن كانت هذه المحبّة عن صدق فستظهر هذه الآثار بشكل من الأشكال. وإنّ ظهور الأخیرة یؤدّی إلى نموّ المحبّة، وهكذا تنشط هذه العلاقة المتصاعدة المتناوبة فی هذا المورد أیضاً. فكلّما بالغ العبد فی القیام بلوازم الحبّ، زادت المحبّة، وكلّما ازدادت المحبّة، تضاعفت رغبة العبد فی توطید الصلة ببارئه أكثر.

آثار المحبّة فی نظر الروایات

تؤكّد الأحادیث الشریفة على قضیّة أنّ محبّة الله تقتضی أن تنتاب العبدَ حالةٌ من الخشوع وذرف الدموع والمناجاة معه سبحانه. وقد تضمّنت روایة قرأناها فی إحدى المحاضرات الماضیة هذا المعنى؛ وهو كیف أنّ الله قد أوحى إلى أحد الصدّیقین بأنّ: لی عباداً یحبّوننی وأحبّهم وأنّهم یحنّون أثناء النهار إلى غروب الشمس حتّى إذا جنّ علیهم اللیل هرعوا إلى مناجاتی[1].

وفی خبر آخر یوحی الله عزّ وجلّ لنبیّه موسى (علیه السلام) فیقول له: «یا ابن عمران! هَبْ لی من عینك الدموع، ومن قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ثمّ ادعُنی فی ظُلَم اللیل تجدنی قریباً مجیباً»[2]. وبناءً على هذه الروایة فإنّ الله جلّ وعلا ینصح موسى (علیه السلام) بثلاث نصائح: الاُولى هی: إن كنتً تحبّنی ﻓ «هَبْ لی من عینك الدموع»! إذ أنّ ممّا یحبّه المحبّ هو تقدیم هدیّة إلى محبوبه. والثانیة: «ومن قلبك الخشوع»؛ أی كن خاشع القلب مكسورَهُ تجاهی. والثالثة: «ومن بدنك الخضوع»؛ فینبغی - من بعد خشوع القلب - أن یكون بدنك خاضعاً لی. وفی خطاب لنبیّه عیسى (علیه السلام) یستخدم الله تعالى لفظة «تُبَصبِص» فیقول: «واعلم أنّ سروری أن تُبَصبِص إلَیّ»[3]. فإنّ للكلب – على الرغم من كونه نجس العین – صفاتٍ هی غایة فی الروعة حتّى أنّ بعض الروایات تنصح بتعلّمها منه. فمن هذه الصفات – مثلاً - سجیّة الوفاء. كما أنّ من صفات الكلب الاُخرى هی منتهى الخضوع فی مقابل صاحبه؛ فهو یمرّغ وجهه فی التراب أمام صاحبه، ویحرّك ذنَبه، ویحوم حوله. ویقال لحالة الكلب هذه «تَبَصبُص». وإنّ تأكید الأحادیث على تمریغ الوجه بالتراب بعد سجدة الشكر إنّما هو تجسید لحالة التبصبص هذه. بالطبع إنّ الله عزّ وجلّ لا یشكو من نقص كی یتداركه بإظهار الخضوع والعبادة له أو من خلال البكاء والمناجاة بین یدیه. فالإمام الحسین (علیه السلام) یخاطب الله تعالى فی دعاء عرفة قائلاً: «إلهی تقدّس رضاك أن تكون له علّة منك فكیف یكون له علّة منّی»[4]؛ أی: إلهی! إنّ رضاك أسمى من أن توجِد له أنت العلّة، فكیف لی أنا أن أفعل ما یكون سبباً فی رضاك عنّی. فأیّ شیء هو أنا وما الذی أملك كی أفعل ما یُحدِث تغییراً فی حالك فاُرضیك؟!

ولابدّ أن نذكر هنا أنّ عبارة: «ابتغاء مرضاة الله» وأنّ الله یمكن إرضاؤه هی عبارة صحیحة، لكنّ حقیقتها هی أسمى وأرفع ممّا نظنّ، فإنّ رضى الله لیس معلولاً لعملنا نحن. فمن كلام أمیر المؤمنین (علیه السلام) قوله: «الذی لم تسبق له حالٌ حالاً»[5]. فالله جلّ وعلا لیس بمتغیّر الحال؛ فلا حاله عزّ وجل یتغیّر، ولا أنّنا نكون علّة فی إیجاد حالة له. فكلّ ما نملك نحن هو فقر محض، ولیس لدینا شیء لنعطیه تعالى. لكنّ التعبیر الذی یمكن أن نفهمه نحن فیما یتعلّق بالصلة مع الله وبهذه العبادات فهو أن نفعل ما یجعل الله مسروراً. ومعنى هذا الكلام هو أنّه: ما دام كمالك فی هذه الاُمور، فإنّ الله یحبّها، وإلا فما من نفع یصل إلى الله منها. وعندما یقول البارئ عزّ وجلّ لموسى (علیه السلام): «هَبْ لی من عینك الدموع»، فلا یعنی ذلك أنّ الله هو بحاجة إلى دموع عیوننا، بل إنّ كمالنا هو فی أن نتذلّل فی مقابل ربّنا.

أقسام البكاء

1. بكاء الخوف

لا بأس أن نقدّم هنا بعض التوضیح حول كلامه تعالى: «هب لی من عینك الدموع».

إنّ تصوّرنا عن البكاء بین یدی الله وعبادته ومناجاته هو – عادةً – بكاء الخوف. فعندما یفكّر المرء بنار جهنّم وعذاب الآخرة الألیم ویتجسّدان أمام ناظریه تنتابه حالة من الخوف والخشیة ممّا یدفعه إلى أن یسأل الله أن یتجاوز عن سیّئاته ولا یعذّبه. فهذا ما یتصوّره عامّة الناس بخصوص البكاء بین یدی الله تعالى. أمّا أولیاء الله فإنّ بكاءَهم لیس محدوداً فی هذا الضرب من البكاء، بل لعلّ الأخیر هو أوطأ درجة من درجاته. بالطبع فإنّ مقام البكاء من شدّة الخوف هو – بحدّ ذاته – مقام سامٍ وقیّم، وهو مؤشّر على إیمان المرء بیوم القیامة وما فیه من وعد ووعید، وأنّه لا یرى فی تعابیر القرآن الكریم والأحادیث الشریفة فی هذا الخصوص مبالغة؛ كقوله تعالى: «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِیمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِی سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ»[6]؛ حیث یأمر الله ملائكته وزبانیة جهنّم بأن یأخذوا هذا المذنب العاصی، ویغلّوه فی سلسلة طولها سبعون ذراعاً[7] ثمّ یُسحَبُ إلى نار جهنّم. فهذا صریح القرآن الكریم. فعندما یجسّد المرء هذه الآیات فی مخیّلته فإنّه یحدّث نفسه: إنّنی لا اُطیق لمس مدفأة حتّى لِلَحظة، فكیف لی أن أتحمّل هذه النیران؟! بطبیعة الحال إنّ تصوّر الإنسان لهذه المضامین ومن ثمّ بكاءه بین یدی ربّه كی یخلّصه من النار لهو أمر حسن جدّاً، لكن لا ینبغی أن نظنّ أنّ الأمر منحصر فی هذه القضیّة.

2. بكاء الخسران

من ألوان البكاء الاُخرى هو ذلك الذی یكون عند الشعور بالخسران. ولا یدور الحدیث هنا عن الخشیة من العذاب وما یحصل فی المستقبل، بل إنّ الإنسان یئِنّ ویذرف الدمع من شدّة الحسرة والعجز والفاقة. ولعلّ أفضل ما یمكن سوقه للتعبیر عن هذه الحالة هو الإحساس بالخسارة. فإذا تجسّدت فی مخیّلة الإنسان فكرة أنّه خسر عمره، وأنّه كان یملك ثروة وكان بإمكانه أن یصنع بها الكثیر؛ ثروة تفوق قیمة كلّ ساعة منها ملیارات المسكوكات الذهبیّة! فإذا فكّر الإنسان ملیّاً وقال لنفسه: لقد كانت لی فی أفضل أیّام حیاتی - وهی أیّام شبابی، عندما كنت أتمتّع بالنشاط، والقوّة فی الجسم، والاستعداد فی الذهن، وسلامة الفكر والبدن – كانت لی ثروة كان بإمكانی جنی أرباح طائلة منها. لكن أین أنفقتُها یا ترى؟ إذ لم تكن عدیمة الربح لی فحسب، بل لقد ابتُلیت الآن بضَعف فی البدن، ولعلّ ذلك قد جرّ علیّ أمراضاً اُخرى أیضاً. والآن فقد خسرت هذه الثروة ولا أعلم كم ساُعَمِّر بعد الآن، بل وقد یأتی مَلَك الموت هذه الساعة فیقبض روحی! هذه هی حالة الخسران.

ولعلّكم شاهدتم فی التقاریر الریاضیّة كیف أنّ الخاسرین فی السباق یبكون أحیاناً. فرغم أنّ الخاسر بطل من الأبطال، لكنّه یستسلم للبكاء عندما یخسر النزال! فهذا النوع من البكاء لا یكون جرّاء الخوف من العذاب؛ إذ لا أحد ینوی ضربه مثلاً. هذا البكاء ناجم عن الشعور بالخسران؛ فهو یشاهد باُمّ عینیه كیف أنّه فرّط بثروته؛ فقد تمرّن لسنوات عدیدة على أمل الفوز فی هذا النزال لكنّه فشل. فمن الطبیعیّ أن تنهمر الدموع من مقلتیه. وهذا هو ضرب آخر من الدموع، ولعلّه یحظى بأهمّیة أكبر من النوع الأوّل.

3. بكاء الحیاء

النمط الآخر من البكاء هو عندما یتأمّل المرء قُبحَ خطیئته. فعندما یفكّر: أی شیء هو أنا، ومَن هو الله عزّ وجلّ؟ وكم تفضّل علیّ بنعمائه وترحّم علیّ برأفته. فكم أنا عدیم الحیاء إذ أعصی مثل هذا الربّ الذی أمرنی ببعض الأوامر لا لشیء إلا لخیری ومصلحتی! فلا كلام فی هذا النوع من البكاء عن التفریط بنعمة، بل القضیّة هنا هی: كم انّنی دنیء وعدیم الحیاء! وهذا الشعور یفوق النمطین السابقین. فنحن نقرأ فی الدعاء المرویّ بعد زیارة الإمام علیّ بن موسى الرضا (علیه السلام): «ربِّ إنّی استغفرك استغفار حیاء»[8]. فهذه الحالة بالنسبة لاُولئك الذین یتمتّعون بمراتب أعلى من المعرفة هی أشدّ وأقسى. وإنّ قیمة هذه الدموع أكبر بكثیر من تلك المذروفة خوفاً من العذاب. فالمسألة هناك هی خوف العذاب، وغایة المرء من البكاء هی أن لا یحیق به هذا العذاب، أمّا هذه الحالة فهی عبارة عن علاقة مباشرة مع الله یستحی فیها الإنسان من الله ذاته من دون أیّ واسطة.

4. بكاء المحبّین

أمّا هذا اللون من البكاء فهو خاصّ بالمحبّین والمشتاقین. فالذین یلِجون فی وادی المحبّة تنتابهم منذ البدایة حالة المناجاة والتضرّع، وتعذّبهم لوعة الفراق، فتجری – لذلك - دموعهم على وجناتهم. وإنّ من أبلغ الجُمَل المعبّرة عن هذه الحالة هو هذا المقطع من دعاء كمیل بن زیاد، حیث یقول أمیر المؤمنین (علیه السلام): «فهبنی یا إلهی وسیّدی ومولای وربّی صبرتُ على عذابك فكیف أصبر على فراقك»[9]؟!

ینقل المرحوم الصدوق فی كتابه «علل الشرائع» عن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) أنّه قال: «بكى شعیب (علیه السلام) من حبّ الله عزّ وجلّ حتّى عَمِی، فردّ الله عزّ وجلّ علیه بصرَه. ثمّ بكى حتّى عمی، فردّ الله علیه بصره. ثمّ بكى حتّى عمی، فردّ الله علیه بصره. فلمّا كانت الرابعة أوحى الله إلیه[10]: یا شعیب! إلى متى یكون هذا أبداً منك؟ [إلى متى تستمرّ فی بكائك هذا] إن یكن هذا خوفاً من النار فقد أجَرْتُك، وإن یكن شوقاً إلى الجنّة فقد أبحتك. قال: إلهی وسیّدی! أنت تعلم أنّی ما بكیت خوفاً من نارك ولا شوقاً إلى جنّتك، ولكن عَقَدَ حبّك على قلبی فلست أصبر أو أراك [حتّى أراك]. فأوحى الله جلّ جلاله إلیه: أما إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا ساُخدِمُك كلیمی موسى بن عمران»[11]، فكان من نتیجة ذلك أن فرّ موسى (علیه السلام) من مصر وقَدِم إلى مَدیَن ورأى بنتی شعیب فأقام هناك ثمانیة أعوام أو عشر سنین. كان ذلك هو الأجر الذی أعطاه الله تعالى شعیباً فی الدنیا وهو أن أخدمه نبیّاً من اُولی العزم كموسى (علیه السلام) لیرعى له غنمه. وهذا هو عین ذلك البكاء الذی طلب الله من نبیّه موسى (علیه السلام) أن یهبه إیّاه. والروایة التی تلوناها فی المحاضرة الفائتة كانت بخصوص نفس هذا النمط من الأشخاص حیث یقول جلّ وعلا: «أنا خاصّة للمحبّین». فأشخاص كهؤلاء لیس لهم فی لیلهم ونهارهم سوى الله، ولا تلهج ألسنتهم بغیره، یعیشون نهارهم منتظرین حلول اللیل كی یعكفوا على عبادته. وعندها یقول عزّ وجلّ: «هَبْ لی من عینك الدموع، ومن قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ثمّ ادعُنی فی ظُلَم اللیل تجدنی قریباً مجیباً»؛ فإذا دعوتنی فی جوف اللیل فستجد أنّنی قریب منك، وساُجیبك.

اللهمّ إنّنا نقسم علیك بحقّ مَن كانت قلوبهم رهن محبّتك، أن تتفضّل على قلوبنا القاصرة أیضاً بنفحة من هذه المعانی السامیة!

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین 


1. بحار الأنوار، ج67، ص26، نقلاً عن «مسكّن الفؤاد» للشهید الثانی.

2. إرشاد القلوب، ج1، ص93.

3. الكافی، ج2، ص502.

4. إقبال الأعمال، ص349.

5. نهج البلاغة، الخطبة 65

6. سورة الحاقة، الآیات 30-32.

7. أی: 35 متراً.

8. بحار الأنوار، ج99، ص55.

9. مفاتیح الجنان، دعاء كمیل بن زیاد.

10. طبعا إنّ هذا النمط من الحوار بین المحبّ والمحبوب یستبطن أسراراً، من جملتها أن نرویها أنا وأنتم فنقول: لقد كان مثل ذلك حقّاً، وإلا فإنّ الله عالِم بكلّ شیء ولیس بحاجة إلى السؤال.

11. علل الشرائع، ج1، ص57.