فهرست مطالب

الجلسة السابعة والعشرون: الآخرة فی النظام العقائدیّ والقیمیّ للإسلام

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/11

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 2 تموز 2014م الموافق للیلة الخامسة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

 

الآخرة فی النظام العقائدیّ والقیمیّ للإسلام

27

 

إشارة

قلنا فی المحاضرة الفائتة، توضیحاً لمفهوم الآخرة فی المصادر الإسلامیّة، إنّ مفردة «الآخرة» قد استُخدمت فی القرآن والسنّة بثلاثة معانٍ: الأوّل بمعنى العالم الذی سیُخلق بعد تلاشی الشمس والقمر والنجوم وباقی ظواهر هذا العالم والنظام المهیمن علیه، وهو عالم یتمتّع بخصوصیّات معیّنة لا ندرك حقیقتها بدقّة. وهنا یُنظر إلى الآخرة من زاویة علم الوجود. والمعنى الثانی هو النوع الثانی من حیاة الإنس والجنّ كموجودات ذات حیاتین: حیاة قصیرة عابرة فی هذا العالم تنتهی بالموت، وحیاة أبدیّة باقیة فی العالم الآخر تبدأ بالموت. وهذا المعنى هو مفهوم یرتبط بعلم الإنسان. والمعنیان المذكوران یفصحان عن حقیقة عینیّة ولیس فی میسورنا، استناداً إلیهما، القول بأنّ الدنیا مذمومة. أمّا المعنى الثالث للدنیا والآخرة فهو مفهوم قیمیّ وأخلاقیّ یحكی عن التعلّق باللذائذ التی یتمتّع بها الناس فی القسم القصیر والمؤقّت من حیاتهم (الدنیا)، وهو مفهوم یفسَّر فی واقع الأمر بحبّ الدنیا أو التعلّق بها. وقد عبّر القرآن الكریم عن هذا المفهوم ﺑ «إرادة الدنیا» كقوله: «مِنكُم مَّن یُرِیدُ الدُّنْیَا وَمِنكُم مَّن یُرِیدُ الآخِرَةَ»[1]. وإنّ ما ذكرته الروایات وتوصیات علماء الأخلاق فی ذمّ الدنیا ناظر إلى هذا المفهوم؛ أی الانشداد إلى اللذّات المادّیة المؤقّتة المتوفّرة للمرء فی هذا القسم من حیاته، وهو الانشداد الموجب للقول بالأصالة للحیاة الدنیا ولذّاتها، والحال أنّ الأصالة هی من نصیب الحیاة الآخرة وما الدنیا إلاّ وسیلة للوصول إلیها. إذن علینا الالتفات إلى الاختلاف القائم بین هذه المعانی الثلاثة كی لا نخلط بین أحكامها.

أمّا السؤال التالی فهو: أیّ معنىً من هذه المعانی الثلاثة تریده الآیات والروایات؟ فعندما تقول الآیة الشریفة مثلاً: «فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَیَوٰةُ الدُّنْیَا»[2]، فما هو المراد من الاغترار بالحیاة الدنیا؟ أوَلم یقل أمیر المؤمنین (علیه السلام): «إنّ الدنیا دار صِدق لمَن صدَقها»[3]؟ فإن كانت الدنیا صادقة، فكیف تغرّنا إذن؟ وللإجابة على هذا السؤال یتعیّن أوّلاً مناقشة مكانة الآخرة فی النظام العقائدیّ والقیمیّ للإسلام. وهو بحث له صلة بالتأكید المتكرّر لقائد الثورة الإسلامیّة على الجانب الثقافیّ وتوصیاته بضرورة الحیلولة دون اختراق ثقافتنا من قبل الأعداء. ولا بأس، من هذا المنطلق، أن نشیر فی بدایة حدیثنا إلى الثقافة.

الثقافة، معتقدات وقیم

لقد قُدّمت للثقافة معانٍ شتّى وطُرحت حول هذا الموضوع فی الأوساط الأكادیمیّة بحوث مستفیضة، من بینها المفهوم المقبول لدینا وهو «المعتقدات والقیم». وعلى أساس هذا التعریف تُعدّ سائر الاُمور - التی تطرح أحیاناً بعنوانها ثقافة – مقدّمات أو مظاهر أو نتائج للثقافة. وعلیه فمن أجل دراسة مكانة «الآخرة» فی الثقافة الإسلامیّة یتحتّم علینا اكتشاف محلّها فی منظومتنا العقائدیّة والقیمیّة.

خلافاً للنظام الثقافیّ الإسلامیّ فنحن لا نجد بین المعتقدات والقیم فی بعض الثقافات من علاقة، لا بل من الصعوبة تقدیم نظام ثقافیّ منسجم لهذه الثقافات، إنّما هی مجموعة من الآداب والتقالید والمعتقدات وحتّى الخرافات – كاللغة، واللهجة، ومختلف الآداب والتقالید المعمول بها فی مراسم العزاء والفرح، والرقصات المحلّیة، وأشیاء من هذا القبیل - یجمعونها سویّة ویطلقون على هذه الخلطة اسم «ثقافة». لكنّهم لا یحاولون خلق أو اكتشاف العلاقة بین العناصر المختلفة للمعتقدات والقیم، بل ویصرّح بعضهم بعدم وجود مثل هذه العلاقة أساساً. وتُعدّ مسألة العلاقة بین الحقائق والقیم من المباحث المرتبطة بفلسفة القیم والأخلاق وقد طُرحت حولها بحوث واسعة وصُنّفت فیها مؤخّراً مصنّفات قیّمة. ونشیر هنا بشكل مجمل إلى خلاصة هذه المباحث بالمقدار الذی یرتبط بموضوعنا.

الآخرة فی النظام العقائدیّ والقیمیّ للإسلام

إنّ عقائدنا تنحصر فی اُصول الدین والمذهب. فالمؤمن بهذه الاُصول الخمسة یكون مؤمناً وشیعیّاً، أمّا إذا لم یعتقد المرء بواحد من اُصول الدین الثلاثة، فقد أنكر ضرورة من ضروریّات الدین ولهذا یُعَدّ خارجاً منه، كما أنّ غیر المعتقد بواحد من أصلَی المذهب یُعدّ خارجاً من التشیّع. وبناءً علیه فإنّ مكانة الآخرة فی نظامنا العقائدیّ هو الإیمان بأنّ الإنسان سیُبعث بعد الموت وسیرى عاقبة عمله.

لكن هل لهذه العقیدة صلة بنظامنا القیمیّ؟ والجواب على هذا السؤال: نعم؛ ذلك أنّ الاعتقاد بالإله الواحد من جهة، وبالیوم الآخر من جهة ثانیة له دور مهمّ جدّاً وجوهریّ فی نظامنا القیمیّ. فكلّنا یعلم أنّ سلوك غیر المعتقد بیوم القیامة یختلف عن سلوك المعتقد به. كیف؟ لأنّ الشخص المعتقد بالیوم الآخر یعلم أنّه مسؤول عن أعماله وعلیه أن یهیّئ جواباً لكلّ تصرّف یقوم به. ومن هنا فإنّه یملك الدافع للقیام بالصالحات وترك السیّئات. أمّا غیر المؤمن بالآخرة فهو – حتّى وإن آمن بالله – سیتصوّر أنّه ما من أحد سیحاسبه على أعماله وأنّه لو كان ثمّة ثواب وعقاب فسیكونان فی هذه الدنیا.

ومن هنا فإنّ الاعتقاد بالآخرة له أعظم الأثر على سلوكیّات الإنسان ونظامه القیمیّ. وقد أشار القرآن الكریم إلى هذه القضیّة فقال: «یَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِیفَةً فِی الأَرْضِ فَاحْكُم بَیْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَیُضِلَّكَ عَن سَبِیلِ اللهِ إِنَّ الَّذِینَ یَضِلُّونَ عَن سَبِیلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِیدُ بِمَا نَسُواْ یَوْمَ الْحِسَابِ»[4]؛ فالذین ینحرفون عن جادّة الصواب ویُسیئون التصرّف ویقترفون المعاصی سیعذَّبون یوم القیامة عذاباً شدیداً لأنّهم نسوا أنّهم سیحاسبون، وكلّما سنحت لهم الفرصة وبغضّ النظر عن أنّهم مجازون بفعل ذلك أم لا، فإنّهم لا یتورّعون عن إطلاق العنان لشهواتهم ولا یكبحون جماح غضبهم ویمارسون كلّ موبقة. ومن هنا فإنّ معتقداتنا، لاسیّما الإیمان بالیوم الآخر بالمعنى المشار إلیه فی المحاضرات السابقة، لها فائق الأثر على نظامنا القیمیّ والسلوكیّ. فإن اعتقد المرء بأنّ الإنسان سیُمضی قسماً من حیاته فی هذا العالم وقسماً آخر فی عالم ثانٍ، وكما أنّه یمارس فی هذه الدنیا بعض التصرّفات ثمّ یثاب علیها فإنّ بإمكانه ممارسة سلوكیّات معیّنة لیثاب ویؤجَر علیها فی العالم الآخر، فهذا هو الاعتقاد بالمعاد. فالاعتقاد بالمعاد یعنی أنّنا سنرى فی الآخرة عاقبة كلّ تصرّف نقوم به فی الدنیا، وهو عالم مُعدّ لتلقّی نتائج أعمالنا الدنیویّة فقط والعمل فیه غیر متاح.

تأسیساً على ما ذُكر فلابدّ فی مقام تقییم الأعمال أن نضع فی نظر الاعتبار ما سیتركه كلّ عمل من أثر على حیاتنا الأبدیّة فلا نكتفینّ بما نجنیه منه من مصالح ولذائذ دنیویّة. فعلى العكس من بعض المدارس الأخلاقیّة التی ترى أنّ مناط القیمة هی اللذّة - وهو ما یُعدّ فی الواقع إنكاراً للنظام القیمیّ والأخلاقیّ، لأنّه سیؤدّی إلى أنّ كلّ امرئ سیتصرّف على مزاجه – فإنّ النظام الأخلاقیّ الإسلامیّ مبنیّ على المنظومة العقائدیّة؛ فمضافاً إلى الآثار الدنیویّة للعمل فإنّ آثاره على حیاة الإنسان الأبدیّة توضَع بعین الاعتبار فی مقام عملیّة تحدید القیمة له. وبعیداً عن هذا الملاك ستكون أحكامنا القیمیّة خاطئة وفاقدة للرصید العقلانیّ. ولذا فإنّ تصنیف السلوكیّات إلى حسنة وقبیحة فی حیّز الدین یقوم على أساس هذه المعادلات، خلافاً للكثیر من أنظمة العالم القیمیّة حیث یَعدّ أفضلُها معیار الحسن والقبح ثناءَ العقلاء وذمّهم؛ فإن امتدح العقلاء تصرّفاً أصبح فی رأیهم حسناً، وإذا ذمّوه صار قبیحاً، ولیس لارتباط السلوك بالآخرة موطئ قدم فی هذا النظام. لكن مَن هم العقلاء؟ وما هو معیار القیمة فی حكمهم؟ وإلى ماذا یستندون فی أحكامهم؟ و...الخ، فهذا غیر معلوم. فكلّ ما عدّه الناس حسناً فهو حسن. ومن الواضح أنّ نظاماً كهذا هو نظام ضعیف ویفتقر إلى الأساس العقلانیّ المتین؛ ذلك أنّه فی مقام وزن وتقییم تصرّفٍ ما یتعیّن وضع جمیع آثاره إلى أبد الآبدین فی الحسبان، ولـمّا كنّا غیر قادرین على إجراء مثل هذه الحسابات، فنحن إذن بحاجة إلى الدین.

تأثیر الإیمان بالمعاد على السلوك

اعتماداً على ما تقدّم فلابدّ – من ناحیة - أن نعتقد بأنّ عالماً آخر سیأتی بعد هذا العالم. كما ینبغی لنا – من ناحیة اُخرى – أن ننظر فی أثر هذه العقیدة على سلوكنا ونظامنا القیمیّ. وهذه العقیدة هی من أشدّ عقائدنا أصالةً وقد أكّد علیها القرآن الكریم فی آیات عدیدة؛ كقوله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَن یَقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ وَبِالْیَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِینَ * یُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِینَ ءَامَنُواْ وَمَا یَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا یَشْعُرُونَ»[5].

كلّنا یعلم أنّ الإیمان بالیوم الآخر هو من أهمّ عقائدنا بحیث إنّ المنكر له كافر، لكن إلى أیّ مدىً یُعدّ هذا الاعتقاد مؤثّراً فی أعمالنا؟ یورد القرآن الكریم فی هذا الباب تعبیراً ملفتاً فیقول: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِی رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ یَرْجُواْ اللهَ وَالْیَوْمَ الآخِرَ»[6]؛ أی: إنّ المتأسّین برسول الله (صلّى الله علیه وآله) هم الذین یرجون أن یمثلوا بین یدی الله یوم القیامة. وهذا الرجاء هو إحساس حیّ وهو یختلف عن الاعتقاد بیوم القیامة. فالإنسان یعلم اُموراً كثیرة لكنّه غافل عن معظمها، حتّى یُلفَت انتباهه إلیها. وهذا العلم هو غیر الرجاء الذی یحیی الاعتقاد فی ذهن المرء وقلبه ویجعله منشأً للأثر. فالذین یرجون المثول بین یدی الله واستلام الأجر على أعمالهم فی الیوم الآخر یتعیّن علیهم أن یتأسّوا بالنبیّ الأعظم (صلّى الله علیه وآله). ولعلّ المراد من «الظنّ» فی قوله تعالى: «الَّذِینَ یَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُواْ رَبِّهِمْ»[7] هو هذه الحالة، ولیس الظنّ فی مقابل الشك ّوالیقین.

إذن فإن كان اعتقادنا بیوم القیامة حیّاً ولم یقبع فی أعماق قلوبنا تحت طبقات من الحُجُب فإنّ من شأنه أن یكون ذا أثر فی أعمالنا. وكلّما زادت هذه العقیدة غضاضة واشتدّ حضورها فی أذهاننا زاد أثرها على أنواع سلوكنا. فإنّ أقوى ضامن للعمل بأوامر الشرع ونواهیه وامتثال القوانین المعتبرة هو نفس هذا الرجاء للیوم الآخر والمحاسبة على نتیجة الأعمال والالتفات إلى هذه العقیدة، وفی المقابل فإنّ نسیان الأخیرة من شأنه أن یجرّ المرء إلى التدنّس بالمعاصی. فلعلّ جواب الكثیرین ممّن سیتورّطون بالعذاب إذا سئلوا عن هذه العقیدة هو: نحن نقرّ بیوم القیامة! لكن وكأنّهم لم یعتقدوا بذلك أبداً، والسبب هو أنّها لم تكن حاضرة فی حیاتهم. فالعقیدة لا تكون ذات أثر إیجابیّ فی نظامنا القیمیّ والسلوكیّ إلاّ إذا كانت حاضرة فی عقولنا وقلوبنا حضوراً فعّالاً، ولذا فإنّ نسیانها أیضاً سیكون له أثر سلبیّ.

إذن یتعیّن علینا الاهتمام بالاعتقاد بالله والإیمان بالیوم الآخر اللذین لهما أكبر الأثر فی حیاتنا وأن نستحضرهما دائماً فی أرواحنا. وثمرة ذلك هو أنّ على الإنسان أن یسعى لفعل الصالحات. وهنا، حیث تُطرح مسألة تشخیص الحسن والقبیح، یأتی بحث النبوّة؛ وهو أنّه لابدّ من وجود أنبیاء یبعثهم الله تعالى لیدلّوا الناس على الأعمال التی توجب رضا الله عزّ وجلّ.

الرؤیة والدافع

إنّ من عجائب حكمة الله عزّ وجلّ هی أنّه خلق كائناً بإمكانه أن یقوم بدور الممثّل والمشاهد فی آن معاً، فهو باستطاعته أن یراجع سلوكه ویقیّمه أیضاً. فمثلاً إنّ ما یجتذب الإنسان بشكل طبیعیّ إلى مائدة الطعام هو الجوع. ولذا فإنّ إشباع الجوع أو الشعور باللذّة أثناء تناول الطعام یُعدّ محفّزاً یسوق الإنسان إلى إعداد الطعام وتهیئة كلّ المقدّمات اللازمة لذلك. فلو راجعنا جمیع ألوان سلوكنا لوجدنا أنّ لدینا دافعاً لكلّ واحد منها. وهذه الدوافع تتأثّر بنظامنا القیمیّ. فقد یكون دافعنا لجمیع هذه الحركات والسكنات هو لذائذ الدنیا أو آلامها، ونحن إنّما نقوم بالعمل فللتمتّع بلذّة أو الفرار من ألم. فنحن نتجشّم متاعب جمّة لبلوغ أمانینا وكلّما زادت معرفتنا بالدنیا طالت آمالنا وعرضت أمانینا. فنحن نسعى وراء الرزق كی نتزوّج وننجب الأطفال، ونفتّش عن عمل لترقى منزلتنا الاجتماعیّة ونحظى بالمزید من احترام الناس، وهكذا. وبعد كلّ ما نحمله لأنفسنا من الأمانی فنحن نفكّر بمستقبل أولادنا أیضاً.

كلّ هذه الطلبات والمیول تترك آثارها على أعمالنا وبإمكانها أن تجرّنا إلى طلب الدنیا. لكن من الممكن أن تُنجز جمیع هذه الأعمال، بما فیها لحظ العیون، بدافع الآخرة. فالنظر إلى الوالدین إحساناً لهما فیه أجر وثواب اُخرویّان، والنظر إلى وجه العالم والسادة [من أولاد رسول الله (صلّى الله علیه وآله)] عبادة. فباستطاعة الإنسان جنی الثواب بمجرّد فتح عینیه والنظر إلى شخص ما. هی نفس حركات العین، ونفس حركات الید والرجل، ونفس الجلوس والقیام والأكل والنوم، لكنّ قیمتها تختلف باختلاف الدافع والمحفّز. والدافع بدوره ینبع من الرؤیة؛ فلو انطلق الإنسان من رؤیة أنّ كلّ شیء وكلّ لذّة دنیویّة مادّیة وكلّ سلوك ستكون له قیمة، وصدّق بأنّه ثمّة فوق اللذائذ المادّیة اُمور ولابدّ أن یقیم لها حساباً، فستكتسب أعماله قیمة اُخرى.

إنّ لهاتین الرؤیتین قطبین: الأوّل هو أن لا یفكّر المرء بالآخرة طرفة عین منذ أوّل لحظة حتّى آخر لحظة من حیاته، والثانی - فی المقابل – یتمثّل باُولئك الذین یعدّون حیاتهم بأسرها سفَراً ومقدّمة لحیاة اُخرى سیرون فیها حصیلة ما قدّموه من أعمال وسلوك فی هذا العالم، وإنّ كلّ اهتمامهم منصبّ على ذلك العالم. فشخص كهذا یسعى وراء كسب الثواب والنجاة من العذاب الاُخرویّ حتّى فی نظرته، فهو إن احتمل المعصیة حتّى من نظرة واحدة غضّها: «یَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ»[8]. فالنظرة نفس النظرة، والمشی ذات المشی، والأكل عین الأكل، أمّا اختلافها فی القیمة فهو من السماء إلى الأرض. وبین هذین القطبین مراتب لا تحصى ولا تُعدّ: «وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَءَاخَرَ سَیِّئاً»[9]، فثمّة اُناس یمیلون تارة إلى هذا القطب وتارة اُخرى إلى القطب الآخر.

وإنّه بطرح قضیّة نمط الرؤیة إنّما یتمّ الحدیث عن عملیّة تقییم الأعمال. فالذین نسوا الآخرة تماماً أو أنكروها فإنّ كلّ اهتمامهم ینصبّ على ما یجنونه فی هذه الدنیا. وحتّى فی التحرّكات الاجتماعیّة الضخمة كالثورة فإنّهم یسعون لنیل الراحة والطمأنینة الدنیویّتین. وفی رأی هؤلاء فإنّ أرقى قیمة یمكن طرحها للإنسان هی العدالة الاجتماعیّة. لكن هل إنّ هذه العدالة هی منتهى المطاف أم هی وسیلة لبلوغ قیم أخلاقیّة أسمى؟ یقول تعالى: «بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِی الآخِرَةِ»[10]؛ فمنتهى علم أمثال هؤلاء هو هذه الدنیا فهم یصلون بالموت إلى طریق مسدود.

فكلّ ما قیل فی إطار طلب الدنیا وطلب الآخرة إنما یُختزل فی ماهیّة نیّاتنا ودوافعنا، وبالتالی رؤیتنا إلى الحیاة الدنیا والآخرة وتقییمنا لهما. بالطبع لا یمكن طرح هذه المباحث إلاّ عندما یكون ثمّة اعتقاد بالمعاد بالمفهوم الذی سبق ذكره، وإلاّ فلیس من جدوىً منها؛ فلا معنى لتأثیر الأعمال الدنیویّة فی الآخرة بالنسبة لمن ینكر الیوم الآخر. إذن فلابدّ من تثبیت هذه العقیدة فی نفس الإنسان أوّلاً، لیكون لها أثر على ألوان سلوكه فیصبح طالب آخرة: «مِنكُم مَّن یُرِیدُ الدُّنْیَا وَمِنكُم مَّن یُرِیدُ الآخِرَةَ»، «وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْیَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعْیُهُم مَّشْكُوراً»[11].

سبب ذمّ طلب الدنیا

لكن لماذا الذمّ لطلب الدنیا؟ لأنّ طالب الدنیا سوف لا یجنی من سعادة الآخرة شیئاً. فهو لم یعمل لآخرته كی یرى ثمرته فی الآخرة. فلقد أنجز ما أنجزه فی سبیل الدنیا وحصل على نتائجه الدنیویّة فیها. وسیقال لأمثال هؤلاء فی یوم القیامة: «أَذْهَبْتُمْ طَیِّبَاتِكُمْ فِی حَیَاتِكُمُ الدُّنْیَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا»[12]؛ فلقد أتیتم بما أتیتم به فی حیاتكم الدنیا من أجل متعتكم وجنیتم ثمار أعمالكم فیها، إذن فلیس لكم فی الآخرة شیء. بالطبع إنّ الله یقول فی آیة اُخرى: الذین یعملون لدنیاهم لا ینالون كلّ ما یصبُون إلیه: «مَّن كَانَ یُرِیدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِیهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِیدُ»[13]. فطالبو الدنیا یودّون لو امتلكوا العالم بأسره وحازوا على أفخم القصور، وأفضل المناصب، وأمتع المسرّات، و...الخ، لكن هل سینالون كلّ ما یطلبون؟ كلا، لأنّه لو كان الأمر كذلك لما اندلعت فی العالم كلّ هذه الحروب والصراعات. فإنّ تزاحم إرادات طالبی الدنیا هو وراء كلّ هذه الحروب. أمّا طالبو الآخرة فإنّ الله یعطیهم فوق ما یفكّرون به: «لَهُم مَّا یَشَاءُونَ فِیهَا وَلَدَیْنَا مَزِیدٌ»[14]، ذلك أنّ أغلب ما یهبه الله من الثواب غیر قابل للتصوّر بالنسبة للبشر، وهم – لذلك – لا یطلبونه. غیر أنّ الله یعرّفنا فی آیة اُخرى بطائفة اُخرى من طالبی الآخرة على هذا النحو: «وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْیَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعْیُهُم مَّشْكُوراً» فهو تعالى یبیّن ثواب هؤلاء عبر تعبیر یفوق تعبیر الأجر بقوله: «فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعْیُهُم مَّشْكُوراً»، وهو تعبیر غایة فی علوّ المضمون ونحن عاجزون عن استیعابه. فالله عزّت أسماؤه یتشكّر من عبده على عمل هو تعالى الذی وفّقه إلیه وغرس فی نفسه الدافع لفعله، وبیّن له السبیل إلیه، ووفّر له أسبابه لیتمكّن العبد فی النهایة من إنجازه: «فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعْیُهُم مَّشْكُوراً»؛ فلا تسألنّ عن الثواب الذی سیعطیه الباری عزّ وجلّ لهؤلاء!

لقد ذكرنا أنّه یمكن تصوّر قطبین لطلب الدنیا وطلب الآخرة فی النظام القیمیّ الإسلامیّ: أوّلهما قطب نسی فیه ابن آدم الآخرة وأنكرها بالكامل، وقطب صبّ فیه كلّ اهتمامه على الآخرة. والمصداق البیّن لأصحاب القطب الثانی ممّن یندر أن یُعثر على أمثالهم بین عامّة الناس هم الأنبیاء والأولیاء (صلوات الله علیهم أجمعین). ولعلّ بعض المتربّین فی مدرستهم یتّصفون بهذه الصفات أیضاً. لكنّ السواد الأعظم من الناس یقعون بین هذین القطبین فتارة یذكرون الآخرة وتارة ینسونها. وهنا ینبغی لنا العمل على إحیاء الاعتقاد بالآخرة فی قلوبنا واستحضاره باستمرار كی یلقی بأثره على أعمالنا. فقد جاء فی الخبر: «أكیَس الناس مَن كان أشدّ ذكراً للموت»[15]. إذ كلّما كان المرء ذاكراً للموت والحساب والقیامة فإنّه سیحسّن أعماله ویراقب حیاته. وهذه هی الكیاسة والفطنة. أمّا إذا نسی الموت فسیُبتلى بالجهل والغفلة. وشخص كهذا فاقد للكیاسة والفطنة وسرعان ما ینخدع. بناءً علیه فعلینا أن ننظر كیف ننمّی ذكر الموت والمعاد فی أذهاننا كی تصلح ألوان سلوكنا نتیجة ذلك.

أبعاد طلب الآخرة

الموضوع الآخر الذی یُطرح تعقیباً على هذه المسألة هو: هل إنّ الاهتمام بالآخرة یقتصر على حیّز المسائل الفردیّة أم إنّه مطروح أیضاً فی إطار الأبعاد الاجتماعیّة؟ وهل یتحتّم علینا، مضافاً إلى ضرورة تفكیرنا بالیوم الآخر، أن نذكّر الآخرین به؟ هل هناك مسؤولیّة قانونیّة ورسمیّة ملقاة على أشخاص معیّنین تلزمهم بحثّ الناس على التفكیر بالآخرة؟ وهل على الجهاز الحكومیّ من مسؤولیّة فی هذا المجال، أم إنّ هذه المهمّة ملقاة على مَن یصفهم البعض ﺑ «الواهمین والبطّالین»؟! وهل إنّ مهمّة التذكیر بالآخرة وتنظیم العلاقات بین أفراد المجتمع بما ینفع آخرتهم هی - فی النظام الإسلامیّ - من واجبات الحكومة والمسؤولین والمتعهّدین الاجتماعیّین؟ بالطبع إنّ بیان مهامّ الحكومة ومسؤولیّاتها فی المجتمع الإسلامیّ وعلاقة الحكومة بالشعب یتطلّب بحثاً مسهباً یتعیّن التعرّض له فی حقل فلسفة السیاسة.

لكنّ ما یرتبط ببحثنا هو: هل تمّ، فی النظام القیمیّ للإسلام الذی یهتمّ بإحیاء ذكر الآخرة، تعیین حدٍّ واجبٍ لهذا الأمر بحیث إنّ عدمه یعرّض أفراد المجتمع للخسران؟ أم إنّ ذكر الموت هو من الفضائل التی كلّما نمت زاد حظّ الإنسان من ثوابها؟ وهل بإمكاننا القول إنّ الغفلة عن مرتبة من مراتب ذكر الآخرة تعادل إنكار الدین وأنّ نسیانها یلحق المرء تدریجیّاً بملّة الكفر؟

إنّ الأثر الذی یلقیه الاعتقاد بالآخرة (وغیره من المعتقدات) على تصرّفات الإنسان یبعث على الدهشة. وإنّ فی میسورنا الوقوف على أمثلة من هذا الأمر بالتمعّن فی آیات الذكر الحكیم. فالقرآن على سبیل المثال یقول: بعض الناس یستاءون وتشمئزّ قلوبهم إذا ذكر الله وحده: «وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِینَ لاَ یُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ»[16]. فالذین ینزعجون من البحث فی موضوع التوحید ومعرفة الله وعبادته هم الذین لا یؤمنون بالآخرة، ولیس أنّهم لا یُقبِلون على هذه المواضیع فحسب، بل ویشمئزّون منها أیضاً! ألَم تسمعوا البعض یقول: «الاُمّیون والبطّالون فقط هم الذین یتحدّثون عن هذه الامور! انظروا إلى أین وصلت أمیركا، ونحن لا نزال سعداء بالثورة»!

إنّ سبب هذا الاشمئزاز من البحث فیما یتّصل بالله ومعرفته والتوحید هو انعدام الإیمان بالآخرة. بمعنى أنّ إنكار الآخرة أو ضعف الإیمان بها یقود إلى ضعف الإیمان بالتوحید أیضاً. فعدم الاهتمام بالآخرة یسلب من الإنسان توحیده، ولا یفسد علیه حیاته الدنیا فحسب، بل ویسلب منه سعادته فی الآخرة، ویبتلیه بعذاب شدید، ویورّطه بخزی الدنیا أیضاً.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین


 


[1]. سورة آل عمران، الآیة 152.

[2]. سورة لقمان، الآیة 33.

[3]. نهج البلاغة، الحكمة 131.

[4]. سورة ص، الآیة 26.

[5]. سورة البقرة، الآیتان 8 و9.

[6]. سورة الأحزاب، الآیة 21.

[7]. سورة البقرة، الآیة 46.

[8]. سورة النور، الآیة 30.

[9]. سورة التوبة، الآیة 102.

[10]. سورة النمل، الآیة 66.

[11]. سورة الإسراء، الآیة 19.

[12]. سورة الأحقاف، الآیة 20.

[13]. سورة الإسراء، الآیة 18.

[14]. سورة ق، الآیة 35.

[15]. من لا یحضره الفقیه، ج4، ص395.

[16]. سورة الزمر، الآیة 45.