فهرست مطالب

الجلسة العشرون: مراتب محبّة‌الله

تاریخ سخنرانی: 
1393/02/24

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

 

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 14 أیار 2014م الموافق للرابع عشر من رجب 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

مراتب محبّة الله

20

 

كما أشرنا فیما مضى فقد یكون سبب المحبّة اللذّة التی یشعر بها الإنسان من علاقته بالمحبوب. فإنّ مشاهدة زهرة أو سماع تغرید بلبل مثلاً یبعث على لذّة آنیّة فی نفس الإنسان ممّا یدفعه إلى حبّ منشئهما. فإذا تكرّرت هذه العلاقة فإنّها سترسخ بشكل من الأشكال ممّا یؤدّی إلى اُنس المرء بالمحبوب. وفی مثل هذه الحالة فإنّ المحبّة ترتبط بما یحسّه الإنسان من لذّة تجاه المحبوب، فإذا اختفت هذه اللذّة، تلاشت المحبّة أیضاً. لكنّ المرء أحیاناً یحبّ شخصاً لصفة أو لكمال ثابت فیه. فقد یحبّ الإنسان عالِماً لعلمه وتقواه ومعرفته. فمثل هذا الإنسان سیستمرّ فی حبّ هذا العالِم حتّى وإن لم یره لمدّة من الزمن، إلاّ إذا طرأ تحوّل على نفس هذا العالِم.

فقد خلق الله تعالى الإنسان فی هذا العالم وأودع فیه قابلیّة التحوّل. وقد ضرب القرآن أمثلة على ذلك كی ننتبه ولا نتخیّل أنّ الإنسان إذا حافظ لمدّة على سلوك حسن وكمال خاصّ فإنّه سیبقى هكذا حتّى أبد الآبدین. فالله عزّ وجلّ یقول: «وَاتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَأَ الَّذِی ءَاتَیْنَاهُ ءَایَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّیْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِینَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ»[1]. لقد كان هذا الرجل عالماً من علماء بنی إسرائیل وكان عابداً ومستجاب الدعوة، لكنّه بات یفقد تدریجیّاً روح التقوى والإخلاص ویمیل إلى الدنیا ولذائذها، حتّى وصل به الأمر شیئاً فشیئاً إلى درجة قول القرآن الكریم فیه: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ»[2]. فإنّ مقتضى المسیر المنطقیّ والعقلیّ فی مثل هذه الحالات هو أن تتغیّر المحبّة إذا تغیّر المحبوب؛ فإذا كنّا نحبّ امرأ لكونّه عبداً لله ومن أهل التقوى والإخلاص والعبادة، فلا یعود ثمّة معنىً لحبّنا إیّاه إذا تحوّل إلى منافق وصار عبداً للدنیا.

بید أنّه قد یكون لموجود صفة ثابتة لا تقبل الزوال. فإن عَلِم الإنسان بثبات هذا الكمال فی المحبوب، فسیدوم حبّه له ویظهر هذا الحبّ - بالتناسب - على أعماله؛ فسیذكره دوماً، ویتلفّظ باسمه باستمرار، ویحبّ كلّ سلوك منسوب إلیه؛ اللهمّ إلاّ إذا ظهَرَ فی المحبّ نفسه إِشكال معیّن حال دون استمرار محبّته له؛ وإلاّ فإنّ مقتضى الكمال الراسخ فی المحبوب هو دوام المحبّة له. فالإنسان نفسه قد یصاب أحیاناً بآفة كالنفاق مثلاً فإذا به - بعد أن كان یحبّ امرأً لإیمانه - یبغضه لنفس هذا الإیمان.

المحبّة من أجل منفعة للمحبّ

إنّ أخفض درجة من المحبّة یمكن أن نكنّها لله تعالى هو حبّه من أجل آلائه التی أسبغها علینا. بالطبع إذا اقتصر سبب محبّتنا على هذه النعمة الآنیّة، فإنّها ستزول بزوالها. فلو أحبّ العلیل اللهَ لمجرّد أنّه شفاه من علّته، فإنّ هذه المحبّة ستخبو إذا عاوده المرض ثانیة أو أنزل الله علیه - لمصلحة ما - مصیبة أو بلاءً آخر. وهذا ما یجعل بعض الناس یُظهرون الحبّ لله تعالى حیناً ولا یشعرون بأیّ محبّة له عزّ وجلّ حیناً آخر. أمثال هؤلاء كانوا یتوقّعون من الله اُموراً لكنّ الله لم یرَ المصلحة فی إعطائهم إیّاها أو أنّه قد امتحنهم ببعض المصائب. فإذا علموا أنّ كلّ ما یحصل لهم هو من عند الله لم تصمد محبّتهم له تعالى. هذه الآفة تتعلّق بالمرتبة النازلة من المحبّة التی یكنّها الإنسان لربّه؛ فلمّا كانت العلّة المسبّبة لها ضعیفة وقابلة للتغییر كان معلولها (أی المحبّة) ضعیفاً أیضاً.

الحبّ لكمال المحبوب

لكنّ الإنسان عندما یكون فی مستوى أعلى من المحبّة فإنّه یحبّ الله لكمالاته. فكما أسلفنا فإنّنا إذا أحببنا شیئاً فهو بسبب ما یملكه هذا الشیء من الكمال. بناءً على ذلك فكلّما صدّقنا أكثر بأنّ كلّ كمال فهو موجود بشكل غیر نهائیّ عند الله سبحانه وتعالى، فإنّ حبّنا له عزّ وجلّ سیزداد أكثر. لكنّه، وكما عبّر الإمام الراحل (رحمه الله)، فإنّ قضیّة تمتّع الله بهذه الكمالات لم تدخل إلى قلوبنا.

المرتبة الأعلى من المحبّة هی أنّه إذا اقتضت بعض صفات الله هذه - وهی صفات كمالیّة - ضررَنا فی بعض الأحیان فإنّنا نستمرّ فی إنجاز واجباتنا الإلهیّة والثبات على إیماننا. فبالنتیجة إنّ نفس صفة الحكمة الإلهیّة هذه هی التی تقضی بأن نُمتَحن: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَیْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِینَ»[3]. فالله عزّ وجلّ یسلب منّا بعض الاُمور ویبتلینا ببعض المصائب كی یمتحننا. وفی مثل هذه الحالة إذا كان الإیمان والمعرفة، وتبعاً لهما المحبّة، ضعیفة، فقد ینتهی الأمر إلى البغض أیضاً. فإنّ سبب خروج بعض الأشخاص من الدنیا كفّاراً وعدم استعدادهم للتلفّظ بالشهادتین ساعة الاحتضار هی أنّ لهم تعلّقات وهم یرون أنّ الله یفرّق بالموت بینهم وبین ما یحبّون. یرون كیف أنّ الله یبعدهم عن الأشیاء التی بذلوا من أجلها على مدى سنین طویلة جهوداً مضنیة وأحبّوها حبّاً جمّاً، ولهذا فهم غیر حاضرین لنطق الشهادتین. بید أنّ الإیمان إذا كان أكمل فسیلتفت الإنسان إلى أنّ كلّ ما یجری حوله ینمّ عن حكمة، وإنّ ملاحظة ذلك ستكون بحدّ ذاتها سبباً لنشوء المحبّة فی قلبه. وهذا ما یفسّر سبب عدم انخفاض محبّة الأولیاء لربّهم عند نزول النوازل، بل إنّ الأخیرة تدعوهم إلى المزید من الالتفات لربّهم. فهم یخاطبون ربّهم بالقول: إلهی! لك الحمد أنّك أنت الذی وهبتنا هذه النعمة، ولك الحمد على أن سلبت منّا ما رأیت صلاحنا فی سلبه منّا؛ ونحن نعلم أنّك ستعطینا بسبب ذلك أفضل منه فی الجنّة. لك الحمد أن ألهمتنا الصبر كی نكون شاكرین لك فی هذه المصیبة. ولهذا فإنّ نفس هذه المصیبة تدفع أولیاء الله إلى ممارسة المزید من العبادة لربّهم.

محبّة الله وخشیته

قد یتبادر إلى الذهن السؤال التالی: كیف یكون الله محبوباً مع كلّ هذا الإنذار بالعذاب وبجهنّم؟ فإنّ ربّاً كهذا هو مخیف أكثر منه محبوباً! وإنّ كثرة ما ورد فی الشرع المقدّس من الأمر بالخوف من الله وخشیته یدلّ على ضرورة الخوف من الله، وإنّ الإنسان لا یحبّ من یخشاه.

أمّا الجواب على هذا السؤال فهو لا شكّ أنّ المحبّة البسیطة والسطحیّة تكون متزعزعة، فهی توجَد یوماً وتنعدم یوماً آخر. وفی مثل هذه الحالة فإنّنا سنحبّ الله تعالى حیناً، ونبغضه - والعیاذ بالله - حیناً آخر: «وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ»[4]. فقد یصل الأمر بابن آدم إلى أن یكره سماع اسم الله عزّ وجلّ، وهی حالة تأتی من سحطیّة المعرفة. أمّا إذا فكّرنا فی كمالات الله سبحانه وتعالى، فسوف لا نكون هكذا. فإنّ لله جمیع الكمالات بصورتها غیر المتناهیة، ولا یمكن قیاسها بأیّ مقیاس. فإن آمن الإنسان وصدّق بأنّ موجوداً ما یتمتّع بكلّ هذه الكمالات فهو لا یقدر إلاّ أن یحبّه، وكلّما زادت معرفته به، زاد حبّه له بنفس النسبة. فهو فی حالة كهذه سیعدّ المصیبة والبلاء امتحاناً من قبل الله تبارك وتعالى وهو ما یهیّئ له المناخ للمزید من التكامل. وكذا الحال مع إنذارات الله عزّ وجلّ فسیراها من دافع رحمته. یقول لنا: اخشوا جهنّم فإنّ نارها تفعل كذا وكذا، كی لا نفعل ما نستوجب به جهنّم؛ فجهنّم هی نتیجة أعمالكم؛ أی إنّ أعمالكم الدنیویّة تتحقّق فی عالم الآخرة بهذه الصورة، وإنّكم أنتم الذین توقدون هذه النار بأنفسكم. فإنذار الله لنا هو لردعنا عن الوقوع فی ورطة. فهو یرید منعنا عن فعل ما نستوجب به العذاب. وبناء على ذلك فإنّ نفس هذا الإنذار لابدّ أن یدعونا إلى حبّ الله أكثر.

كما أنّ من جملة الصفات التی توجب محبّة الله هی التفكیر بأنّه تعالى قد أرسل إلى البشر رسلاً كی لا یؤول الناس إلى التعاسة والشقاء، وهو یحذّرنا باستمرار من أن نضلّ الطریق. فما هو الداعی من وضع علامات المرور مثلاً؟ أهی لمصلحة الناس أم للإضرار بهم؟ من الواضح أنّ وجود هذه العلامات هو لصالح الناس وهی موضوعة فی الطرقات لتفادی الأخطار؟ فإن أدرك الإنسان أنّ الإنذارات الإلهیّة هی كعلامات الطریق وُضعت لتنبیه الناس إلى الأخطار ولئلاّ یضلّوا الطریق، فسیزداد لربّه حبّاً. وفی النهایة إذا علم المرء أنّ كلّ هذه الاُمور، حتّى الإنذار من العذاب الأبدیّ، صادرة عن حكمة، فإنّه سیحبّ الله أكثر. فالحكمة هی صفة كمالیّة، وإنّ كلّ كمال هو محبوب. ولمّا لم یكن للحكمة الإلهیّة من نهایة، فلابدّ من حبّها حبّاً لا نهایة له.

انتقال المحبّة إلى أولیاء الله

سبق أن قلنا فی المحاضرات الفائتة إنّ من جملة العلامات على كون محبّة الله حقیقیّة هی أنْ نرى كم نحن نحبّ أولیاءه جلّ وعلا، ومدى اهتمامنا بالسلوكیّات التی ینصحنا الله تعالى بها. علینا أن نعلم أنّ محبّة النبیّ الأكرم وأهل بیته (صلوات الله علیهم أجمعین) واتّباعهم فی مقام العمل تُعدّ من لوازم محبّة الله عزّ وجلّ: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِی یُحْبِبْكُمُ اللهُ»[5]. وقد مررنا فی المحاضرة الماضیة على روایة تذكر هذا المعنى؛ وهو أنّه إذا خُیّر الإنسان بین عملین أحدهما دنیویّ والآخر اُخرویّ فقدّم الاُخرویّ على الدنیویّ فهو دلیل على حبّه لربّه، أمّا إذا فضّل العمل الدنیویّ فهو علامة على أنّ محبّته للدنیا أكبر. فعندما تحبّون الإمام الخامنئیّ (حفظه الله) فلابدّ أن تُكنّوا لولده الحبّ أیضاً لانتسابه إلیه. فإنْ عشق الإنسانُ امرَأً فإنّه سیعشق حتّى الزقاق والمنزل الذی یعیش فیه. فهذه الاُمور هی من لوازم المحبّة. وبناءً علیه فإذا كنّا نحبّ أهل البیت (علیهم السلام) فیتعیّن أن نحبّ كلّ ما یتعلّق بهم. وأوّل مرتبة من هذا الحبّ هو حبّ السادة من أولادهم. وهذه أوّل نسبة. فإذا ارتكب شخص علویّ معصیة فإنّ علینا أن نحبّه أیضاً لعَلَویّته. بالطبع لابدّ من بغض ما أتى به من معصیة، لكنّ انتسابه هذا هو انتساب ثابت ویتعیّن محبّته لهذا السبب.

الفناء فی المحبوب

إذا أحبّ المرء علیّاً (علیه السلام) فإنّه سیحبّ صفاته أیضاً، وإنّ من جملة صفات كماله، والتی یعرفه العالم بأسره بها، هی عدله. فما بالنا لو أنّنا كنّا فی زمان علیّ (علیه السلام) فأصابنا بسبب عدله ضرر، فما كنّا سنصنع حینها؟ هل كنّا سنحبّه أیضاً؟ من الواضح أنّ ذلك سیخلّف فی نفوس ذوی الدرجات الضعیفة من المحبّة – شاءوا أم أبوا - أثراً سلبیّاً وسیخفض من مستواها. لكنّ التاریخ یحدّثنا عن اُناس زاد حبّهم لعلیّ (علیه السلام) بسبب عدله ذاك، بل وعندما كان یصیبهم ضرر مادّی فإنّ حبّهم تجاهه لم یكن یخفّ. لیس هذا فحسب، بل كان یتضاعف أیضاً.

روی أنّ غلاماً أسودَ دخل على أمیر المؤمنین (علیه السلام) وأقرّ أنّه سرق، فلم یقبل منه أمیر المؤمنین ذلك حتّى سأله ثلاث مرّات وقال: «یا أمیر المؤمنین طهّرنی فإنّی سرقتُ». وحیث إنّ المجرم إذا اعترف ثلاث مرّات كان على القاضی إجراء الحدّ علیه، أمَر (علیه السلام) بقطع یده (أربع أصابع من یده). فحمل الأسود أصابعَه ومضى فاستقبله ابن الكوّاء فقال: «من قطع یدك؟ فقال: لیثُ الحجاز وكبش العراق ومُصادم الأبطال، المنتقم من الجُهّال، كریم الأصل، شریف الفضل، مَحِلّ الحرمین، وارثُ المشعرَین، أبو السبطین، أوّل السابقین، وآخر الوصیّین من آل یٰس، المؤیَّد بجبرائیل، المنصور بمیكائیل، الحبل المتین، المحفوظ بجند السماء أجمعین، ذاك والله أمیر المؤمنین..». فتعجّب ابن الكوّاء وقال له: «قطَع یدك وتثنی علیه؟! قال: لو قطّعنی إرباً إرباً ما ازددتُّ له إلاّ حبّاً. فدخل [ابن الكوّاء] على أمیر المؤمنین وأخبره بقصّة الأسود. فقال (علیه السلام): یا ابن الكوّاء إنّ محبّینا لو قطّعناهم إرباً إرباً ما ازدادوا لنا إلاّ حبّاً، وإنّ فی أعدائنا من لو ألعقناهم السمن والعسل ما ازدادوا لنا إلاّ بغضاً». ثمّ قال للحسن (علیهما السلام): «علیك بعمّك الأسود»؛ أی إذهب وأحضره إلى هنا. «فأحضر الحسن الأسود إلى أمیر المؤمنین وأخذ [أمیر المؤمنین] یده ونصبها فی موضعها... وتكلّم بكلمات یخفیها فاستوت یده»[6]؛ أی شُفیت ببركة دعاء أمیر المؤمنین (علیه السلام). فمن الواضح أنّ محبّة من هذا القبیل لم تكن بسبب مال أعطاه إیّاه أمیر المؤمنین أو لاحترامه له. لقد كانت نابعة من كون علیّ عبّداً لله ومظهراً لعدله وحبّه ولطفه و... عزّ وجلّ. وحیث إنّ هذه الصفات ثابتة فإنّ المحبّة فی هذه الحالة تكون راسخة أیضاً ولا تتغیّر. أمّا لو كان سبب الحبّ مثلاً بعض الدنانیر التی أعطاه إیّاها أمیر المؤمنین، لَذَهب حبّه عندما یسترجع منه المال.

علینا أن نسعى لأن نُخرج محبّتنا من حالتها السطحیّة والطفولیّة وأن نعطیها عمقاً أكبر. فلابدّ أن یكون للمحبّة دعامة قویّة. یجب أن تكون لنا بالله وبأولیائه معرفة راسخة لا تهزّها الریاح وأن لا نكتفی بمجرد نقلٍ أو كلام أو شعر فی وصفهم. یقول المرحوم العلاّمة الطباطبائیّ (رحمة الله علیه): قمت - امتثالاً لنصیحة اُستاذی المرحوم العلاّمة القاضی - بمطالعة مجموعة كتاب «بحار الأنوار» لمرّة واحدة لأستخرج منه سنن النبیّ وما كان یحبّه (صلّى الله علیه وآله) واُحاول العمل بها ولو لمرّة واحدة على الأقلّ. فوصلت أثناء البحث إلى روایة تقول إنّ النبیّ (صلّى الله علیه وآله) كان یحبّ جراد البحر. یقول العلاّمة: فقرّرت أن أتناول هذا الطعام ولو لمرّة واحدة فی عمری لمحبّة النبیّ له. ففتّشتُ عنه كثیراً حتّى عثرت علیه وتناولته فی النهایة. هكذا تكون المحبّة؛ فالمحبّ یجتهد فی مجال التشبّه بالمحبوب، واقتفاء أثره، والفناء فیه ما أمكنه ذلك.

مراتب محبّی أهل البیت (علیهم السلام)

جاء فی الخبر أنّ رجلاً دخل على أبی عبد الله الصادق فقال (علیه السلام) له: «ممّن الرجل»؟ أی: من أیّ طائفة من الناس أنت؟ فقال: من محبّیكم وموالیكم؟ فقال له الإمام (علیه السلام): «لا یحبّ اللهَ عبدٌ حتّى یتولاّه، ولا یتولاّه حتّى یوجِب له الجنّة»؛ فإنّ الذی یحبّنا یحبّ الله والذی یحبّ الله تعالى یقبل الله ولایتَه ویصیر ولیّه، وإذا قبل الله ولایة امرئ فسیدخله الجنّة لا محالة. ثمّ قال له (علیه السلام): «من أیّ محبّینا أنت»؟ أی: من أیّ طائفة من محبّینا؟ فلم یحر الرجل جواباً. فبادر سدیر الصیرفیّ، وكان من خواصّ أصحابه (علیه السلام)، الإمامَ بالسؤال: «وكم محبّوكم یا ابن رسول الله»؟ أی: كم هی أصناف محبّیكم؟ فقال: «على ثلاث طبقات: طبقةٌ أحبّونا فی العلانیة ولم یحبّونا فی السرّ» فهم یظهرون لنا المحبّة لكنّهم لا یحبّوننا فی الباطن. إنّهم یلهجون باسمنا فی الظاهر، أمّا فكرهم وسلوكهم ومنهاجهم فمنهاج الطواغیت: «أحبّونا فی العلانیة وساروا بسیرة الملوك، فألسنتهم معنا وسیوفهم علینا». ولعلّ الإمام (علیه السلام) قد قصد بهذا المقطع بنی العبّاس الذین كانوا یظهرون محبّة أهل البیت (علیهم السلام) أمام بنی أمیّة لكنّهم لم یقلّوا عن الأخیرین فی تجاسرهم على أهل البیت (علیه السلام) وما أنزلوه فیهم من المصائب.

«وطبقة یحبّوننا فی السرّ ولم یحبّونا فی العلانیة» لأنّ الظروف لم تسمح لإظهار محبّتهم لنا. فهم یسایرون الناس فی الظاهر لكنّهم یُكنّون لنا فی أعماق قلوبهم الحبّ؛ «ولعمری‏ لئن كانوا أحبّونا فی السرّ دون العلانیة، فهم الصوّامون بالنهار، القوّامون باللیل، ترى أثر الرهبانیّة فی وجوههم، أهلُ سلمٍ وانقیاد» فهم ینصاعون لنا دون نقاش.

أمّا الطبقة الثالثة: «وطبقةٌ یحبّوننا فی السرّ والعلانیة. هم النمط الأعلى، شربوا من العذب الفرات[7] وعلموا تأویل الكتاب، وفصل الخطاب، وسبب الأسباب، فهم النمط الأعلى؛ الفقر والفاقة وأنواع البلاء أسرع إلیهم من ركض الخیل، مسّتهُم البأساء والضرّاء وزُلزلوا وفُتنوا، فمن بین مجروح ومذبوح، متفرّقین فی كلّ بلاد قاصیة، بهم یشفی الله السقیم، ویُغنی العدیم، وبهم تُنصَرون، وبهم تُمطَرون، وبهم تُرزَقون، وهم الأقلّون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً وخطراً»[8].

وهنا قال الرجل: فأنا من محبّیكم فی السرّ والعلانیة. قال جعفر (علیه السلام): «إنّ لمحبّینا فی السرّ والعلانیة علامات یُعرفون... خلالٌ أوّلها أنّهم عرفوا التوحید حقّ معرفته، وأحكموا علم توحیده والإیمان بعد ذلك بما هو وما صفته، ثمّ علموا حدود الإیمان وحقائقه وشروطه وتأویله» وعملوا بها، فصاروا من محبّینا الخُلَّص بعد اجتیازهم هذه المراحل.

وفّقنا الله وإیّاكم إن شاء الله 


[1]. سورة الأعراف، الآیتان 175 و176.

[2]. سورة الأعراف، الآیة 176.

[3]. سورة البقرة، الآیة 155.

[4]. سورة الزمر، الآیة 45.

[5]. سورة آل عمران، الآیة 31.

[6]. مناقب آل أبی طالب علیهم السلام لابن شهرآشوب، ج2، ص336.

[7]. لعلّ فی هذا التعبیر إشارة إلى الروایة التی تقول بأنّ الله سبحانه وتعالى عندما خلق العالم خلقَ عینین من الماء إحداهما عذب فرات وماء الثانیة ملح اُجاج، فخلق أولیاءه من هذا العذب الفرات.

[8]. بحار الأنوار، ج65، ص275.