فهرست مطالب

الجلسة الرابعة والعشرون: الحیاة الباقیة؛ سعی فی سبیل سعادة الآخرة

تاریخ سخنرانی: 
1393/03/27

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 18 حزیران 2014م الموافق للعشرین من شعبان 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

الحیاة الباقیة؛ سعی فی سبیل سعادة الآخرة

24

 

 

إشارة

تحدّثنا فی المحاضرة السابقة عن العیش الهنیء من وجهة نظر الحدیث القدسیّ الذی خاطب به ربّ العزّة نبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله) لیلة المعراج. وقد ذكرنا أنّ الله عزّ وجلّ كان قد سأل رسول الله (صلّى الله علیه وآله) فی حینها عن أمرین؛ أوّلهما العیش الأهنأ وثانیهما الحیاة الأبقى. فالسؤال الأوّل كان عن الكیفیّة والثانی عن الكمّیة، كما یصطلح علیه؛ ونعنی بها الكمّیة المتّصلة بالطبع. ولقد أشرنا فی المحاضرتین الماضیتین إجمالاً إلى أنّ هذین الأمرین هما من حوائج الإنسان الفطریّة، فالأخیر قد خُلق طالباً للذّة العیش وهناء الحیاة. فلو ادّعى مُدّعٍ أنّنی لا أسعى وراء أیّ رغد ولا أفتّش عن أیّ لذّة، فلابدّ أن یكون مُبتلىً بمرض ما حسب الظاهر. ففطرة الإنسان طالبة للسعادة والراحة وهی لا تستطیع أن تكون غیر ذلك. فلو نظر كلّ امرئ إلى باطنه لاكتشف أنّه یطلب السرّاء دوماً وهو إنْ عمد إلى القیام ببعض الأعمال الشاقّة والمضنیة أو حتّى مارس الریاضة الروحیّة، كما یفعل مرتاضو الهند، فهو لاعتقاده بأنّه سینال فی إثر هذه الریاضات اُموراً فیها غایة اللذّة وإنّ ما یتجشّمه من مصاعب إنّما هی مقدّمة لما سیجنیه من هناء فیما بعد.

الحیاة الباقیة حاجة الإنسان الفطریّة

وكذا الحال بالنسبة لبقاء الحیاة؛ فالإنسان فطرةً یحبّ أن تدوم حیاته، وإنّ دوام الحیاة بحدّ ذاته مطلوب من قِبله. فالناس یرغبون فی أن تطول أعمارهم، لكنّ الفطرة بذاتها لا تُخبر الإنسان عن وعی أین تكمن هذه الحیاة الباقیة. بالطبع ثمّة علامات فطریّة لهذه الحیاة وإنّ تفكیر الإنسان بالحیاة بعد الموت من شأنه أن یرشده إلى الحقیقة. أّما سبب ذمّ الأدیان السماویّة، لاسیّما الإسلام، لطویلی الأمل والذین یودّون لو یعمّروا ألف سنة یرجع إلى أنّ أمانی هؤلاء تنحصر فی الحیاة الدنیا وأنّ همّهم هو زیادة أعمارهم الدنیویّة لیس غیر. فالباری تعالى یقول مثلاً فی ذمّ الیهود فی الآیة المرقّمة 96 من سورة البقرة: «یَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ یُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن یُعَمَّرَ». كما أنّ مطالبة الله الیهودَ بتمنّی الموت فی سورة الجمعة یعود إلى ادّعائهم محبّتَه عزّ وجلّ: «قُلْ یَـٰأَیُّهَا الَّذِینَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِیَاءُ للهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِینَ»[1]. فلیس الموت بمطلوب بذاته؛ غیر أنّ مَن یدّعی أنّه ولیّ لله، ویعتقد بالمعاد بعد الموت، وأنّ أولیاء الله سیحظون بلقائه فی ذلك العالم، فلا ینبغی أن یفرّ من الموت. فمراد الآیة الكریمة هو: إذا كنتم صادقین فی محبّتكم لله فلابدّ أن تحبّوا لقاءه أیضاً، وبما أنّ لقاءه غیر میسّر لكم فی هذا العالم، إذن فعلیكم أن تتمنّوا الموت للانتقال إلى العالم الذی یتسنّى لكم فیه لقاؤه تبارك وتعالى. ومن هنا فإنّ الموت لیس مطلوباً لأحد بحدّ ذاته، وإنّ القرآن الكریم لا یشیر على أحد بالرغبة فی الموت. فالكلام هنا هو دعوة لمعرفة الحیاة الحقیقیّة، وأنْ نعرف فیما إذا كانت الحیاة التی تطلبها فطرتنا هی نفس هذه الحیاة المصحوبة بالآلام والمتاعب والحرمان والبلایا، أم انّ هناك حیاة اُخرى هی الحیاة الحقیقیّة؟

التمنّی المحبَّذ للموت

كلّنا یعلم أنّ القرآن الكریم یرى أنّ الحیاة الحقیقیّة تكون بعد هذا العالم. فالله عزّ وجلّ یقول: «إِنَّمَا الْحَیَوٰةُ الدُّنْیَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ»[2]. فالحیاة الدنیا لیست هی بحیاة، إنّما هی لعب ولهو. «وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِیَ الْحَیَوَانُ»[3]؛ فالحیاة الحقیقیّة هی عالم الآخرة. ومن هنا فإنّ ذمّ الله سبحانه وتعالى لطول الأمل وتمنّی العمر الطویل هو ذمّ للناس وإنكارٌ علیهم لعدم معرفتهم الحیاة الحقیقیّة وعدم إدراكهم بأنّ هذه الاُمور هی مجرّد لعب وأنّ تعلّق قلوبهم بها من شأنه أن یحرمهم من الحیاة الاُخرى. إذن فمن الواضح أنّه ما دمنا طلاّب حیاة بالفطرة، فإنّ جهلَنا ماهیّة الحیاة الحقیقیّة وأین ومتى تكون، سیجعلنا نبذل قصارى جهدنا للبقاء أحیاء. بالطبع قد تكون الأمراض والآلام والبلایا أحیاناً من الشدّة إلى درجة تُنهك الإنسان حتّى یتصوّر أنّه سیرتاح بموته، ولذا فهو یتمنّى الموت. لكنّ هذا التمنّی للموت هو غیر محبّذ. فلا یكون تمنّی الموت مطلوباً إلاّ إذا كان عن إیمان بأنّ الحیاة الحقیقیّة هی الحیاة الآخرة، وهناك سیتنعّم الإنسان بالنعم الإلهیّة الخاصّة ویحظى بلقاء الله فی نهایة المطاف. فالسبب فی أنّ أولیاء الله یُظهرون أحیاناً رغبتهم فی الموت ویطلبونه هو اعتقادهم بأنّ العالم الآخر هو عالم اللذّة والهناء والسعادة الأبدیّة ورضا الله، فهم یسألون الله تعالى الرحیل عن هذا العالم بأسرع ما یمكن. فهذا النمط من طلب الموت هو نمط مطلوب ومحبَّذ، ومن هذا المنطلق یقول الله سبحانه للیهود: «قُلْ یَـٰأَیُّهَا الَّذِینَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِیَاءُ للهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِینَ».

التمنّی غیر المحبَّذ للموت

لكنّه ثمّة تمَنٍّ غیر مطلوب للموت وهو ما یجرّ إلى الانتحار عند تأزّم الاُمور. فقد تسلّط محن الدنیا وما یجری فیها من المآسی وما یتعرّض له المرء من الإهانات والبلایا والإخفاقات - تسلّط على الإنسان من الضغوط ما یدفعه إلى الیأس حتّى یتصوّر أنّ الموت سیریحه من جمیع تلك الضغوط. فالإنسان حتّى فی هذه الحالة إنّما یُقدِم على الانتحار طلباً للراحة، لا لأنّ الموت مطلوب بالنسبة له. أمّا سبب قیامه بذلك فهو ضعف إیمانه وعدم علمه بأنّه لیس بالضرورة أن ینعم كلّ من یرحل عن هذه الدنیا بالراحة، فالله عزّت آلاؤه یقول: «وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ»[4]، ویقول: «وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَىٰ»[5]. إذن لیعلم المبتلون بالفضائح والمعانون من أشكال الحرمان والمهانة أنّهم إذا كانوا من أهل العذاب فی الآخرة فإنّ عذابها سیكون أكبر فضیحة وأشدّ صعوبة ومشقّة.

وفوق ذلك فإنّ الله عزّ وجلّ الذی قدّر للإنسان هذه الحیاة الدنیا أراد له أن یفید منها لنیل سعادته الأبدیّة. وبناءً علیه فحتّى طلب استمرار هذه الحیاة الدنیا فیما یوجب الازدیاد من رضا الله تعالى وسعادة الآخرة فهو طلب محبّذ، وما سؤالنا اللهَ العمرَ الطویل فی الدعوات أو دعاء الناسِ اللهَ من أجل أن یمنّ على الآخرین بطول العمر إلاّ من هذا القبیل. كما أنّ الدعاء الذی یكرّره قائد الثورة الإسلامیّة (دامت بركاته) دوماً فی كلامه: «زنده باشید» (أی: دمتم، أو أدام الله بقاءكم) والذی یدعو فیه بدوام العمر للآخرین یستند هو الآخر إلى أنّ الحیاة هی نعمة عظیمة للغایة، وهو یعنی بذلك: أمدّ الله فی أعماركم كی تتمكّنوا فی ظلّها من بلوغ السعادة الأبدیّة.

تأسیساً على ما مرّ فإنّ محاولة الانتحار أو تمنّی الموت للارتیاح من مصائب الدنیا هو أمر مذموم، بل وقد یُعدّ من أعظم الكبائر أحیاناً، وفی المقابل فإنّه لا عیب على الإطلاق فی طلب الحیاة الأبدیّة وهو ممّا ترومه فطرة الإنسان، بل وقد خلق الله ابن آدم لذلك: «إنّما خُلِقتم للبقاء لا للفناء»[6]؛ أی إنّ الله قد خلقكم من أجل حیاة باقیة خالدة، لا من أجل حیاة عابرة مؤقّتة أو موت بطیء تدریجیّ؛ إذ نستطیع أن نعتبر الحیاة الدنیا شكلاً من أشكال الموت البطیء، لأنّ أمدها ینقص كلّ یوم، ونحن نفرّط بجزء منها فی كلّ یوم، وهذا لَعمری ضرب من الموت التدریجیّ. فالحیاة الحقیقیّة هی تلك التی لا تنقص أبداً. فلو عمّر المرء آلاف السنین فی الجنّة، فلا ینقص من عمره شیء وهو مستمرّ إلى أبد الآبدین.

مهما عمل الإنسان فهو لنفسه!

من الجلیّ أنّ المعتقدین بأنّ الحیاة الآخرة هی الحیاة الحقیقیّة التی لا نهایة لها والتی تخلو من كلّ أشكال التعب والعذاب[7] یسعون لنیل مثل هذه الحیاة والإفادة منها. وهذا المقطع من الحدیث القدسیّ ناظر إلى هذا الجانب؛ یقول الباری جلّ جلاله: «وأمّا الحیاة الباقیة فهی التی یعمل لنفسه حتّى تهون علیه الدنیا وتصغُر فی عینیه وتعظُم الآخرة عنده»[8]؛ فهذه هی الحیاة الحقیقیّة.

وكما تلاحظون فإنّ كلّ كلمة من هذا الحدیث الشریف تمثّل عصارة من معارف الإسلام المزكّیة للنفس والمربّیة لها. فقوله: «فهی التی یعمل لنفسه» یشیر إلى حقیقة أنّه مهما عمل الإنسان فی هذه الدنیا فهو عائد لنفسه فی نهایة المطاف. فقد یتخیّل المرء أنّه یبغی خدمة الآخرین، لكنّ التمعّن بدقّة فی خفایا الأمر یوحی بأنّه حتّى هذا العمل فهو لنفسه أیضا. فقد ذكرنا أنّ الإنسان یرغب فی أن یخدم محبوبه ویصنع له ما یستطیع. فعلى الرغم من أنّ العاشق هنا - وفقاً للظاهر - لا یفعل شیئاً لنفسه، لكنّ المتعمّق فی المسألة سیستنتج أنّ العاشق یشعر فی أثناء خدمته لمحبوبه بلذّة لا یشعر بمثلها لو أنّه عمل لنفسه. وحتّى اُولئك الذین ینفقون أموالهم فی اُمور الخیر ومساعدة الفقراء بعیداً عن الریاء والشهرة فعلى الرغم من أنّهم غیر راغبین فی الأجر فی ظاهر الأمر، لكنّ التفحّص فی هذا العمل یقود الإنسان إلى نتیجة مفادها أنّ أمثال هؤلاء یرون الكمال الإنسانیّ فی ذلك ویرغبون فی نیل هذه الفضیلة.

فتحلّی الإنسان بالإیثار هی فضیلة عظمى، وإنّ المرء الـمُؤْثِر لیلتذّ بسبب إیثاره، لاسیّما إذا اُلحقَت بذلك ملحقات اُخرى كخلود الاسم بسبب الفضیلة. فعندما یلاحظ الإنسان أنّ التاریخ قد خلّد اسم حاتِم الطائیّ بعد مئات السنین بسبب كرمه، فإنّه سیلتذّ من كرمه وجوده بالمال أكثر من التذاذه بتمتّعه به، ولذا فهو یعمل لنفسه أیضاً. وهناك آیات قرآنیّة كثیرة، كقوله تعالى: «لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَیْهَا مَا اكْتَسَبَتْ»[9]، وقوله: «فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا یَضِلُّ عَلَیْهَا»[10] تشیر إلى هذا المعنى، وهو أنّ الإنسان مهما عمل فإنّه یعمل لنفسه؛ فهو إن اهتدى فلمصلحته وإن ضلّ فهو الذی سیخسر.

من هذا المنطلق فحتّى هذا الحدیث فإنّه عندما یرید – فی مقام التربیة - تقویة الدافع لدى المتلقّی ویحثّه على السعی لطلب الحیاة الاُخرویّة، فإنّه یعرّفه فی البدایة على أنّها حیاة باقیة وأنّك طالب لها بالفطرة وعلیك أن تسعى لها، لكنّ سعیك هذا هو فی الحقیقة لك. فإذا علم الإنسان أنّ ما یقوم به یصبّ فی مصلحته فسیقوى الدافع لدیه.

یقول تعالى: «وأمّا الحیاة الباقیة فهی التی یعمل لنفسه حتّى تهون علیه الدنیا»، فعندما یقوم المرء بعمل لنفسه فمن الواضح أنّه قد شخّص ما هو العمل الذی ینفعه حقیقةً. وفی هذه الحالة فمن المفترض أنّه قد شخّص الحقّ، وعلِم أین تكمن سعادته، وما هو العمل الذی یصبّ مائة بالمائة فی مصلحته ویدرّ علیه أفضل النتائج ولا یخسر فیه. فالكثیر من الناس لا یملكون مثل هذا التصوّر وهم یُقدِمون على عمل تخیّلاً منهم أنّ فیه مصلحتهم فإذا بهم یخسرون. بل «إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِی خُسْرٍ * إِلاّ الَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ»[11]؛ فالناس عموماً هم فی حالة خسران، وعكس ذلك هو حالة استثنائیّة. والنموذج الأبرز على هذا الخسران هم اُولئك الذین یقتلون أنفسهم فی العملیّات الإرهابیّة الانتحاریّة جرّاء حماقتهم متصوّرین أنّ ذلك سیورثهم النفع الأبدیّ! فمن الواضح أنّ تصوّراً كهذا هو تصوّر باطل، وأنّ هؤلاء لم یشخّصوا العمل الذی یصبّ فعلاً فی مصلحتهم. فعندما یعلم الإنسان بوجود الآخرة ویدرك أنّ السعادة الأبدیّة لا تكون إلاّ هناك وأنّ علیه نیلها بسعیه وكدّه، فإنّه سیسعى فی هذا الاتّجاه. والعلامة على أنّ عمله هذا صحیح وأنّه سیقوده إلى السعادة والحیاة الباقیتین هی أن لا یعیر لكلّ ما یعارض هذه الحیاة أهمّیة. فعندما یشتغل المرء فی المطالعة على سبیل المثال فإنّه قد یستطیع التمتّع بلذّة اُخرى إلى جانب المطالعة لكنّه إذا آمن بأنّ الدقّة الأكبر فی المطالعة ستزید من فهمه لما یقرأ وتسرّع من بلوغه الهدف المطلوب من المطالعة فإنّه سیهمل باقی اللذّات، وبما أنّ الهدف المرجوّ من المطالعة مهمّ فإنّه سیكرّس أكثر وقته لها ولا یعیر باقی الاُمور أهمّیة تُذكر.

النأی عن الدنیا لازم معرفة الآخرة

الشرط الأساسیّ لمعرفة الحیاة الآخرة هو أن یكون سعی الإنسان بحیث تهون الاُمور الدنیویّة فی عینه وتصبح غیر ذات أهمّیة. وعندها ستذهب قیمتها، وسیكتفی من الحیاة والصحّة بما یكون ضروریّاً لعمله، ولا تكون همّته فی التمتّع بحیاة مرفّهة ونیل أصناف اللذائذ ومختلف التفنّنات؛ ذلك أنّ طاقة الإنسان محدودة وهو إنْ أنفقها فی شیء ضعف عن أداء الاُمور الاُخرى، ومن هنا فإنّ شؤون الدنیا لا تكون ذات أهمّیة لدیه. بالطبع إنّ الدنیا بما هی دنیا وبما تحویه من لذائذ مادّیة لا یمكن جمعها مع الآخرة، لكنّ الاُمور الدنیویّة قد تكون أحیاناً مقدّمة للآخرة فیتعلّق بها أمر إلهیّ أو تكلیف شرعیّ، ومن هنا تكون نفس هذه الدنیا أمراً من اُمور الآخرة، ولا تكون مستحقّة للذمّ الوارد للدنیا. وفی هذه الحالة فحتّى لو انطوت هذه الدنیا على لذائذ مادّیة جمّة، فمن حیث إنّها أمر الله وهی تمارَس امتثالاً لأمره عزّ وجلّ فسوف لا یجری علیها حكم الاُمور الدنیویّة.

بطبیعة الحال إنّ النأی عن الدنیا لا یعنی التفرّغ للعبادة والتزام المناهج الأربعینیّة فی الصومعات والسرادیب، بل إنّ المراد من الدنیا هنا هو أن یرغب المرء فی شیء بسبب لذّاته المادّیة. أمّا إذا كان للإنسان فی سعیه الدنیویّ دوافع إلهیّة، وكانت الغایة من دراسته العلوم مثلاً حفظ عزّة الإسلام وصیانة المسلمین من الذلّ والمهانة فی مقابل الكفّار، فلیس ذلك من حبّ الدنیا فی شیء، وهو سیورثه سعادة الآخرة إلى جانب ما له من آثار فی هذه الدنیا.

فعندما یستوعب المرء ماهیّة الهدف الاُخرویّ وقیمة الآخرة بشكل صحیح ویصبح هذا الهدف قیّماً بالنسبة له فسوف یدرك أنّه كلّما تنازل عن الآخرة فقد خسر. وهنا سوف لا یعیر للدنیا أهمّیة وستصغر الأخیرة فی عینه. فنسبة الدنیا – مهما طالت وزادت منافعها – إلى الآخرة كنسبة المتناهی إلى غیر المتناهی. فلو حاولنا الحساب بالكمّیات للاحظنا أنّ عمر ألف سنة فی الدنیا هو أقلّ من لمح البصر بالنسبة للآخرة، وهو لیس ذا قیمة فی مقابل عمر الآخرة الأبدیّ الذی لا نهایة له. فإذا أدرك الإنسان قیمة الآخرة صغُرت كلّ الحیاة الدنیا فی عینه، وعظمت – فی المقابل – الآخرة فی نظره: «وتعظم الآخرة عنده». وقد روی عن أمیر المؤمنین علیّ (علیه السلام) فی نهج البلاغة أیضاً قوله: «كان لی فیما مضَى أخٌ فی الله وكان یُعظِمُه فی عینی صِغَر الدنیا فی عینه»[12].

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین 


[1]. الآیة 6.

[2]. سورة محمّد (صلّى الله علیه وآله)، الآیة 36.

[3]. سورة العنكبوت، الآیة 64.

[4]. سورة الرعد، الآیة 34.

[5]. سورة فصّلت، الآیة 16.

[6]. غرر الحكم و درر الكلم، ص272.

[7]. «الَّذی أَحَلَّنا دَارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا یَمَسُّنا فیهَا نَصَبٌ وَلا یَمَسُّنا فیها لُغُوبٌ» (سورة فاطر، الآیة 35).

[8]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[9]. سورة البقرة، الآیة 286.

[10]. سورة الزمر، الآیة 41.

[11]. سورة العصر، الآیتان 2 و3.

[12]. نهج البلاغة، الحكمة 289.