فهرست مطالب

الجلسة التاسعة عشر: درجات محبّة الله

تاریخ سخنرانی: 
1393/02/17

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 7 أیار 2014م الموافق للسابع من رجب 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

درجات محبّة الله

19

 

إشارة

سبق أن ذكرنا أنّ لمحبّة الله درجات وأنّ الناس مختلفون فی هذا المضمار، بل قد یشكّ البعض حتّى فی إمكانیّة حبّ الله أساساً. ویرى البعض الآخر بأنّه لا معنى لمحبّة الله ویفسّرها بأنّها ضرب من محبّة أنعمه ورحمته تبارك وتعالى. لكنّ الإنسان إذا أدرك فی الجملة بأنّه إذا أحبّ نعمة أحبّ ولیّها ومنعمها أیضاً فإنّه سیقتنع شیئاً فشیئاً بأنّه بالإمكان حبّ الله عزّ وجلّ.

المحبّة الراقیة

إنّ مشكلتنا الأساسیّة نحن معاشر البشر هی أنّ إدراكنا، فی المراحل الابتدائیّة، هو إدراك مادّی وحسّی؛ فلا یتوفّر لنا التصدیق والإیمان بغیر المحسوسات بسهولة، ولا نستطیع - تبعاً لذلك - أداء حقّها. فكلّنا – مثلاً - یعتقد بأنّ الله حاضر فی كلّ مكان، لكنّنا مادمنا لا نرى الله بأبصارنا فإنّنا لا نرتّب على اعتقادنا هذا ما ینبغی من الأثر، بل وننساه أحیاناً بالكامل. وهذه المشكلة تنطبق على كلّ ما یتعلّق بالله بما فی ذلك محبّته سبحانه تعالى.

فأغلب أصناف الحبّ الذی نمارسه إنّما هو متعلّق بالمحسوسات؛ فبدءاً من أشكال المحبّة الطبیعیّة والفطریّة بین الاُمّ وولدها، ووصولاً إلى ألوان المحبّة الاكتسابیّة، وغیرها من أنواع المحبّة المتداولة فإنّ لجمیعها منشأ حسیّاً وإنّ الاتّصال بالمحبوب والاُنس به یتمّ فیها عبر الأدوات الحسّیة. وهذا بالتحدید هو ما یجعلنا نواجه المشاكل عندما نحاول الرقیّ والتسامی من الحسّیات إلى ما فوقها. ومن هنا فإنّه یتعیّن علینا، من أجل نیل هذه المعارف، الاستعانة بالواصلین إلى هذه المراتب والدرجات، ونخصّ بالذكر الأنبیاء والمعصومین (صلوات الله علیهم أجمعین) الذین قد بلغوا ذروة الكمال بأنفسهم. ولا ینطبق ذلك على المحسوسات. فعندما یواجه المرء أمراً سارّاً فإنّه یمیل إلیه فی بادئ الأمر. فإذا تكرّرت هذه العلاقة مرّتین أو أكثر فإنّه سیبدأ بالاُنس بهذا الشیء أكثر فأكثر ویلتذّ بمعاودة الارتباط به. ولیس الإنسان فی مثل هذه المواطن بحاجة إلى كثیر من العناء، فعندما تتوفّر جاذبیّة المحبّة فی امرئ فإنّ الإنسان یشعر بالحبّ تجاهه عفویّاً حتّى یبلغ هذا الحبّ تدریجیّاً درجة بحیث لا یكون فی میسور الإنسان نسیانه إذا أراد ذلك.

أمّا فیما یختصّ بالله جلّت آلاؤه فعلى الرغم من كلّ هذا التأكید على ذكره فإنّه یتحتّم علینا أن نُجهد أنفسنا ونطیل التمرّن إذا ما أحببنا أن نكون ذاكرین له. والحال أنّه إذا نشأت فی قلوبنا محبّة جادّة تجاه الله تعالى فسوف لا نعود بحاجة إلى بذل جهد كبیر من أجل ذكره. فالذین ذاقوا لطائف حبّه جلّ وعلا فإنّهم یعدّون ذلك سرّاً بینهم وبین ربّهم ویبذلون قصارى جهدهم فی أن لا یذكروا الله كثیراً أمام الآخرین كی لا یلتفت أحد إلى حالهم. فإذا ما أدركنا - بفضل أحادیث المعصومین (صلوات الله علیهم أجمعین)، لاسیّما ما ورد عنهم من أدعیة ومناجاة – بأنّ هناك - حقّاً - اُموراً من هذا القبیل، فإنّنا سنلتفت حینها إلى التفكیر بما ینبغی صنعه لننال نحن أیضاً غرفةً من هذا المحیط المترامی الأطراف.

الغرور یقطع طریق الرقیّ

القضیّة الاُخرى هی ما قد نصاب به من غرور بسبب هذا الحبّ فنخال أحیاناً أنّنا قد بلغنا غایة الكمال وأنّه لیس ثمّة فوق ما وصلنا إلیه من قمّة. فالإنسان فی مثل هذه الحالة یحدّث نفسه بأنّ الآخرین لا یفهمون مثل هذه الاُمور، فهم یلهثون وراء لذائذ الدنیا المادّیة ویسأمون من صلاتهم، أمّا أنا فإنّ لی مع الله اُنساً وفی صلاتی لذّة. فهنا تكمن معضلة اُخرى وهی: كیف لنا أن ننتشل أنفسنا من حبائل الشیطان هذه ونقف على حقیقة أمرنا وما هو محلّنا من الإعراب أساساً؟

فلقد أكّدت بعض الروایات على ضرورة عدم تناول الطُعم الذی أعدّه لكم الشیطان وأن لا تتصوّروا، إذا أحسستم بمحبّةٍ تجاه الله وأولیائه، بأنّكم قد حلّقتم فی الأعالی وأصبحتم خیرة البشر. فلابدّ أن نفهم أنّه، على الرغم من أنّ هذا النمط من المحبّة العابرة والسطحیّة حقیقیّ ولسنا كاذبین فی ادّعائنا إیّاها، فإنّ ثمّة بوناً شاسعاً بین هذه المحبّة وتلك التی بلغها عباد الله الصالحون الكُمَّل. لكنّنا – مع شدید الأسف – نغفل أحیاناً ویخدعنا الشیطان الرجیم فنكتفی بما لدینا من محبّة سطحیّة. وقد اهتمّت بعض الأحادیث بهذه القضیّة وهی ضرورة عدم التوقّف عند هذه الأشكال السطحیّة والضحلة من المحبّة، وأن یعرف المرء - ابتداءً - المقدار الحقیقیّ الذی یحمله من الحبّ، ثمّ یعلم أنّه ثمّة اُناس یفوقونه فی مراتب الحبّ، كی لا یصاب بالغرور والكِبْر.

آثار المحبّة

إنّنا عندما نحبّ شخصاً ما فإنّنا – فی المرحلة الاُولى – نُسرّ لرؤیاه لكنّ عدم رؤیته لا تضیرنا. أمّا إذا نمت محبّتنا له بعض الشیء فإنّنا سنحسّ بنقص إذا لم نره لیوم واحد. فإن اشتدّت هذه المحبّة أكثر فإنّنا سننزعج كثیراً من عدم رؤیا المحبوب وسنعجز عن أداء واجباتنا الاُخرى حتّى نراه. كما أنّ من آثار المحبّة الاُخرى هی محاولة المرء إسداء خدمة لمن یحبّ. فإن زاد حبّه له قلیلاً فإنّه سیرغب فی تقدیم كلّ ما یملك له. فهل نحن - الذین ندّعی حبّ الله تعالى وأولیائه - هكذا حقّاً؟! هل إنّنا نشعر بالنقص یا ترى إذا لم نذكرهم یوماً؟! وهل سنحس بفراغ إذا لم نقرأ زیارة سیّد الشهداء (علیه السلام) لیوم واحد، إذا كنّا قد عقدنا العزم على قراءتها یومیّاً مثلاً؟! فالمرء یحسّ بذلك مع أصدقائه العادیّین، وإذا شعر بأنّ شیئاً ما یسرّهم فإنّه سیفعله لا محالة؛ فإن لم یكن لدیه مال، اقترض كی یصنع ما یُدخل السرور على محبوبه. بل إنّ مجرّد شعور المرء بأنّ محبوبه راضٍ عنه یُعدّ أعظم لذّة بالنسبة له. فهل إنّنا كذلك فی علاقتنا مع الله عزّ وجلّ وأولیائه؟!

مع شدید الأسف فإنّنا نقصّر أحیاناً فی القیام بأمر ما حتّى مع علمنا بأنّه یسرّ صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشریف). وعلى الرغم من علمنا أحیاناً بأنّه (علیه السلام) یستاء من بعض التصرّفات ویشتكی من قیامنا بها لكنّ الشیطان یخدعنا فنعمد إلى ممارستها. إذن لـمّا كان الله قد حبانا بدرجة من محبّته ومحبّة أولیائه فإنّه یتعیّن علینا أوّلاً أن نقیس الدرجة التی نحتلّها نحن وما هو مقدار محبّتنا، ثمّ نحاول تطویرها، وأن ندرك كیف كان أحبّاء الله الحقیقیّون وأین وصلوا.

علامات محبّة الله

روی عن أمیر المؤمنین (سلام الله علیه) أنّه قال: «القلب المحبّ لله یحبّ كثیراً النصب لله، والقلب اللاهی عن الله یحبّ الراحة»[1]. فإنّ من جملة علامات محبّة الإنسان شخصاً ما هی رغبته فی تقدیم خدمة له وتحمّل المتاعب لأجله، بالضبط كالأمّ التی تلتذّ بعنائها مع ولدها وسهرها على راحته. وهذه الروایة تشیر إلى هذه القضیّة؛ فهی تقول: إنّ القلب الذی یحبّ الله یرغب فی أن یتعب لأجله، أمّا القلب الغافل الخالی من محبّته تعالى فهو یفتش عن الدعة والراحة. فإنّ المحبّ لله یكون دائم الاجتهاد فی تحقیق ما یحبّه ربّه، أمّا الذی لا یحظى بهذه المحبّة فإنّه یكتفی بالصلاة الواجبة كحدّ أعلى، فلیس هو من أهل المثابرة والعمل وبذل الجهد، بل من طلاب الراحة.

فإنّ من أمارات عدم مصداقیّة ادّعاء حبّ الله تبارك وتعالى وأهل بیت الرسول (صلوات الله علیهم أجمعین) هی إعفاء النفس من المسؤولیّة ساعة العمل وتحویله إلى الآخرین. فحبّنا لهم لا یتجاوز رغبتنا فی رؤیتهم والكون إلى جوارهم، فی حین أنّنا لا نتحمّل العمل من أجلهم. وفقاً للروایة أعلاه یقول أمیر المؤمنین (علیه السلام): إنّ علامة قلب المحبّ لله هی حبّه للعمل وبذل الجهد فی سبیله إلى حدّ التعب والإعیاء. ثمّ یقول: «فلا تظنّ یا ابن آدم أنّك تدرك رفعة البرّ بغیر مشقّة»؛ فلا تظنّن أنّك قادر على بلوغ المقامات العالیة من دون تعب ونصب. فبعض الناس یتجشّمون عناء التفكیر بأنفسهم ولا یكلّون من المطالعة، لكنّهم لیسوا من أهل العمل والمثابرة فی سبیل الله، فهم لا یطیقون طرق باب فقیر لیلاً أو قضاء حاجة صدیق لهم. وهم لیسوا ممّن یخطون خطوة واحدة فی طریق هدایة امرئ. «فإنّ الحقّ ثقیل مُرّ». فإذا رُمت بلوغ المقامات العالیة فعلیك الاستعداد لتحمّل الأعباء الثقیلة من ناحیة وتذوّق المرارات من ناحیة اُخرى. فلا تتصوّرنّ أنّ بالإمكان قضاء عمرك كلّه بالحلاوة والسرّاء والابتسامة. فالأمر لیس على هذا المنوال. فإنْ رغبت فی الوصول إلى مكانة مرموقة فلابدّ من الكدّ وتحمّل المرارات!

درجات محبّی الله

وجاء فی خبر آخر أنّ أعرابیّاً سأل أمیر المؤمنین (علیه السلام) أن یبیّن له درجات المحبّین (وهو لأمر عجیب حقّاً؛ فنحن المتعلّمون لا نسعى إلى معرفة درجات المحبّین، لكنّ أعرابیّاً یأتی إلى أمیر المؤمنین طالباً منه بیان هذه الدرجات له). فأجابه (علیه السلام): «أدنى درجاتهم مَن استصغر طاعتَه، واستعظم ذنبَه، وهو یظنّ أنْ لیس فی الدارین مأخوذٌ غیرُه»[2]؛ فأدنى درجات المحبّ هی أنّه لا یرى لخدماته وطاعاته قیمة؛ فكلّ ما أتى به من عمل فإنّه یراه قلیلاً ولا یلیق بالله تعالى. بالطبع إنّ المراد من هذا المحبّ هو ذلك الذی نفذت المحبّة إلى أعماق قلبه، وإلاّ فیمكن الحصول على أشكال المحبّة السطحیّة من دون ذلك. فالمحبّون یعلمون أنّ المحبّة الخالصة هی شعور المحبّ بعدم أداء حقّ المحبوب وأنّه لابدّ من فعل المزید مهما فعل من أجله.

العلامة الثانیة هی: «واستعظم ذنبه»؛ فإنْ أتى المحبّ بما لا یرضی المحبوب لم یعد قادراً على النظر فی وجهه. فهو یخشى أن یؤنّبه بالقول: تدّعی محبّتی ثمّ تتصرّف معی بهذه الطریقة! لقد خُنتنی! فلقد فعلتَ ما نهیتك عنه! لكنّنا – مع الأسف – ندّعی حبّ الله تعالى ثمّ نذنب من الصباح حتّى المساء بكلّ سهولة. فلیست هذه هی المحبّة الحقیقیّة. فالمحبّة الحقیقیّة هی أن یرى المرء ذنبَه – مهما كان صغیراً – على جانب من الضخامة بحیث لا یستطیع رفع رأسه فی حضرة ربّه.

أمّا العلامة الثالثة فهی أصعب من الثانیة بعض الشیء؛ وهی قوله: «وهو یظنّ أنْ لیس فی الدارین مأخوذٌ غیرُه»؛ فهو لا یستعظم ذنبه فحسب، بل یتصوّر أنّه لیس فی هذه الدنیا من سیؤاخَذ على فعلته غیره. فهو یقول: إنّ ذنبی أعظم من ذنوب الجمیع، فذنب الجمیع قابل للغفران، لكنّنی سیّئ إلى درجة أنّ ذنبی لا یغتفر. وهذه لعمری منتهى ما یمكن أن یستشعر الإنسان فی حضرة محبوبه من ذلّة ومهانة. وسبب ذلك هو أنّ ذروة المحبّة هی أن یفنى المرء فی محبوبه. وهی حالة لا یشعر المحبّ فیها بالأنانیّة لنفسه، وأنّه یفدی كلّ ما لدیه لمحبوبه. فالمحبّة تقتضی مثل هذه الاُمور. فالذی یحبّ الله حبّاً حقیقیّاً والمبتلى – بطبیعة الحال – ببعض الزلاّت یتعیّن علیه أن یستاء من هذه الزلاّت ویرى نفسه مستحقّاً لأقسى درجات التوبیخ.

حینما وصل أمیر المؤمنین (علیه السلام) فی كلامه إلى هنا انقلب الأعرابیّ ووقع مغشیّاً علیه، حتّى إذا أفاق قال: هل [ثمّة] درجة أعلى منها؟ فمن العظمة بمكان أن یصل الإنسان إلى مرتبة یرى نفسه أكثر إثّما من الجمیع وأكثر استحقاقاً للمؤاخذة والتوبیخ منهم، فهل من درجة أعلى من ذلك؟ فقال (علیه السلام): «نعم سبعون درجة»؛ فهذه المرتبة التی قلتها لك هی اُولى مراتب المحبّة، وهناك ثمّة سبعون درجة أعلى منها أیضاً وإنّ المسافة بین كلّ منها هی كالمسافة بین هذا المحبّ والناس العادیّین.

على هذا الأساس فمن أجل أن نخطو فی طریق محبّة الله وننال – على الأقلّ – درجتها الاُولى یتعیّن علینا أن لا ندع إلى قلبنا سبیلاً لما لا یحبّه الله تعالى، وهذا هو الذی سیدفعنا للمضیّ قُدماً فی هذا الطریق. إذ یقول إمامنا جعفر الصادق (علیه السلام) فی هذا الخصوص: «إذا تخلّى المؤمن من الدنیا سَما ووجدَ حلاوة حبّ الله»[3]؛ أی: إذا فرغ قلب المؤمن من الدنیا فإنّه سیحظى بالرفعة والعلوّ حتّى یتذوّق حلاوة محبّة الله تبارك وتعالى. لكنّ قدرة الإنسان على إنقاذ نفسه من الانشداد إلى الدنیا سهلة على اللسان، ذلك أنّ لدینا آلاف الأصناف من التعلّق بلذّات الدنیا. لكن لنعلم أنّنا إذا رُمنا تذوّق حلاوة محبّة الله فما علینا إلاّ أن نطرد محبّة الدنیا من قلوبنا. ویتابع (علیه السلام) قوله: «وكان عند أهل الدنیا كأنّه قد خُولِط»؛ فإذا رآه الناس قالوا: فقَد عقله. ولعلّكم قد شاهدتم أو سمعتم عن بعض من تنتابهم حالات غیر طبیعیّة فی الحبّ حیث لا یستطیعون السیطرة على أنفسهم جیّداً فیقول فیهم الآخرون: كأنّهم قد خولطوا وفقدوا صوابهم. «وإنّما خالط القوم حلاوةُ حبّ الله فلم یشتغلوا بغیره»؛ لكنّ الحقیقة هی أنّ محبّة الله قد تمكّنت من أعماق قلوبهم إلى درجة أنّها لم تُبق مجالاً لشیء آخر فیها فلم یعودوا قادرین على الاشتغال بشیء آخر أساساً، فإنّ ما ذاقوه من المحبّة لا یدعهم یلتفتون إلى أمر آخر بتاتاً.

مقدار المحبّة

وروی عن أمیر المؤمنین (علیه السلام) أیضاً فی حدیث آخر: «مَن أحبّ أن یعلم كیف منزلته عند الله فلینظر كیف منزلة الله عنده»[4]. فإنّ أَحَبّ شیءٍ عند المحبّ هو أن یبادله المحبوب الحبّ. فعندما یحبّ امرؤ شخصاً ما فإنّه یودّ أن یعرف شعور المحبوب تجاهه، وإلى أیّ درجة یحبّه، وما الذی یجول فی قلبه بخصوصه. فإذا انطوى قلبنا على محبّة صاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشریف) فإنّ رغبةً ستحدونا لمعرفة رأیه (علیه السلام) فینا؟ فإذا أحبّ أحدٌ أن یعرف موقف الله منه وإلى أیّ مدىً یحبّه، فعلیه أن ینظر إلى المكانة التی یحتلّها الله جلّ وعلا فی قلبه. فكما أنّ ذكرنا متلازم مع ذكر الله، فإنّ هذین أیضاً متلازمان؛ فإنّ منزلتنا ومقامنا عند الله وأولیائه یعتمد على ما نكنّه لله ولأولیائه فی قلوبنا من منزلة ومقام.

وهنا یتبادر إلى الذهن سؤال هو: ما السبیل إلى معرفة منزلة الله عندنا؟ فنحن نكثر التنویه بعظمة الله ومنزلته على مستوى الكلام، ونسجد على الأرض ونمرّغ جبیننا فی التراب بین یدیه، لكنّ هذا كلّه لا یشیر إلى مدى عظمة ومكانة الله عندنا. فلو دار الأمر بین شیئین، أحدهما اُخرویّ یریده الله تعالى، والآخر دنیویّ تهفو إلیه نفوسنا، فأیّهما سنرجّح على الآخر؟ فلو كنّا نشاهد فی بیتنا الفلم الذی نحبّه على شاشة التلفزیون فحان وقت الصلاة، فهل سنمیل إلى متابعة الفلم یا ترى أم سننتظر قول المؤذّن: «الله أكبر» كی نهرع إلى الصلاة؟ ففی مثل هذا الموقف إذا ترك الإنسان مشاهدة التلفزیون وقام للصلاة عُلم حینها أنّ له مكانة كبیرة عند الله عزّ وجلّ.

فلنعلم أنّ حیاتنا برمّتها ملیئة بمثل هذه الامتحانات. فهل إنّنا نقوم بما نقوم به یا ترى بدافع رغبتنا فیه أم على خلفیّة أنّ الله یطلبه منّا؟ وهل إنّنا ندرس لأنّنا نحبّ ذلك أم لأنّ صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشریف) یرید منّا ذلك؟ وهل إنّنا نذهب لتبلیغ الدین لما یعود علینا ذلك بالمصلحة والنفع أم لأنّه یُدخل السرور إلى قلب إمامنا (علیه السلام)؟ فهذه الاُمور تشیر إلى مكانة الله فی قلوبنا، وهی تخبرنا أیضاً بمنزلتنا عند الله. ثمّ یقول (علیه السلام): «فإنّ كلّ من خُیِّر له أمران: أمر الدنیا وأمر الآخرة فاختار أمر الآخرة على الدنیا فذلك الذی یحبّ الله، ومَن اختار أمر الدنیا فذلك الذی لا منزلة لله عنده» وإنّ ما یریده الله لا یحظى عنده بأهمیّة. وإنّ فی ذلك امتحاناً لنعلم مدى عمق ما نحمله من صنوف الحبّ ولنعرف ما هی قیمتنا ومنزلتنا عند الله عزّ وجلّ.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین 


[1]. مجموعة ورام، ج2، ص87.

[2]. مستدرك الوسائل، ج1، ص133.

[3]. الكافی، ج2، ص130.

[4]. جامع الأخبار، ص178.