فهرست مطالب

الجلسة الرابعة: شدّة المحبّة وضعفها

تاریخ سخنرانی: 
1392/09/20

(4)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 11 كانون الأوّل 2013م الموافق للثامن من صفر 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

شدّة المحبّة وضعفها

شدّة المحبّة وضعفها

 

تُصنَّف المحبّة تصنیفاً آخر حسب شدّتها وضعفها. فكلّنا قد جرّب هذه الحالة؛ وهی أن نحبّ اُموراً، لكن لیس إلى درجة أن یشغل حبّها قلوبنا وندیم التفكیر فیها، بل أن یقتصر على ابتهاجنا عند رؤیتها، ومیلنا إلى الاُنس بها، وعدم كُرهنا إیّاها. لكنّ المحبّة تكون أحیاناً على درجة من الشدّة بحیث تستحوذ على قلب المرء بتمامه فلا یعود یفكّر إلاّ بما تعلّق حبّه به. یقول القرآن الكریم فی وصف المؤمنین: «الَّذِینَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للهِ»[1]، والشدّة هی فی مقابل الضعف؛ فعندما تصبح محبّة البعض لله أشدّ، یغدو حبّهم لما سواه أضعف. فإنّ احتواء القدح على الماء یجعله لا یتّسع لشیء آخر، وإذا اُلقی فیه شیء أثقل من الماء، مثلاً، فإنّ الماء یفیض وینسكب خارج القدح. یقول تعالى: «مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَیْنِ فِی جَوْفِهِ»[2]، فلیس للإنسان غیر قلب واحد. فإنْ شغلَتْ محبّةُ شیءٍ ما قلب المرء لم یعد فیه مجال لشیء آخر. وإذا اُودع فی القلب شیئان، شغل الشیء ذو الحجم الأكبر مجالاً أوسع، وكلّما اشتدّ أحدهما، ضعف الآخر.

أسباب اشتداد المحبّة

وهنا سؤال: كیف لمحبّة شیءٍ ما أن تضطرم، وكیف لمحبّة شیء آخر أن تخبو؟ ولماذا یَكُنّ شخصان لامرئ واحد درجتین من المحبّة، بل وقد یحبّه أحدهم ویبغضه الآخر؟ فأخو یوسف (علیه السلام) الشقیق كان یَكُنّ له مقداراً من الحبّ، أمّا إخوته الآخرون فكانوا لا یودّونه حسداً له، بل وكانوا على استعداد لإهلاكه أیضاً. وكانت علّة حسدهم لیوسف (علیه السلام) قولهم: «لَیُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِینَا مِنَّا»[3]؛ فبما أنّ أبانا یحبّ یوسف وأخاه أكثر منّا، فیتحتّم علینا قتله! وللوقوف على هذا اللون من الاختلاف یتعیّن النظر فی كیفیّة تولّد المحبّة، والعوامل المساهمة فی إیجادها.

قلنا سلفاً إنّه ینبغی للمحبّ أن یرى فضیلة أو كمالاً فی المحبوب لتظهر المحبّة تجاهه، وهذا یعنی أنّه لابدّ من وجود كمال فی متعلَّق المحبّة. لكنّه قد یكون للمرء كمال من دون أن یطّلع علیه الناس. ومن هنا فإنّه یتحتّم أن یدرك الطرف المقابل هذا الكمال لتنشأ المحبّة. إذن فمن الواضح أنّ للمعرفة أثراً فی تولّد المحبّة، وأنّه كلّما كانت المعرفة أعظم، كان الحبّ أقوى وأشدّ. وكذا، كلّما اشتدّ الكمال فی المحبوب، أثار فی قلب المحبّ محبّة أكبر.

یُفهم من ذلك أنّ العامل الأوّل المؤدّی إلى اختلاف مراتب المحبّة هو اختلاف مرتبة الكمال الموجود فی المحبوب، وأنّ العامل الثانی لذلك هو اختلاف معرفة المحبّ بكمال المحبوب. كما أنّه لابدّ للمحبّ – علاوة على المعرفة – أن یعتقد بكمالیّة هذه الصفة فی المحبوب، وإلاّ فإنّ عدم اعتقاده بكونها فضیلة فیه سوف لا یدفعه إلى حبّ صاحبها. فالمتدیّنون یحبّون الشخص المتّقی لاعتقادهم بأنّ فی التقوى حُسناً للمرء، أمّا الفسّاق، الذین لا یرون فی التقوى فضیلة، فإنّهم یرمون عمل الشخص المتّقی بالجهل وقلّة الفهم.

كما أنّه لابدّ – بعد كلّ ذلك – من التمعّن والتركیز؛ فكلّما دقّق المرء أكثر فی كمال شیءٍ ما، زاد حبّه له. فضیاء الشمس لا یحرق الورقة فی الأحوال العادیّة، لكنّه إذا رُكِّز على الورقة بواسطة عدَسَة فإنّه سیولّد حرارة تحرقها. ومِثله حال الروح، فهی إذا تمعّنت فی فضیلة معیّنة بشكل كامل، فسوف تتأجّج فیها المحبّة، وسیؤول الأمر إلى الشغف، ومراتب العشق العلیا، والخ.

الاختیار عند التزاحم دلیل على شدّة الحبّ

یتّضح ممّا سبق أنّ اشتداد أو ضعف أیّ واحد من هذه العوامل سیؤدّی إلى اشتداد أو ضعف فی المحبّة. ومن المواطن التی یمكن عندها قیاس نسبة المحبّة تجاه القضایا المتنوّعة بكلّ سهولة هو تزاحم لوازم المحبّة. فإذا دُعی شخص من قبل صدیقین له فی آن واحد فرجّح دعوة أحدهما على دعوة الآخر بلا تردّد، كان ذلك دلیلاً على رجحان محبّته لهذا الصدیق على محبّته للآخر. وحتّى الأطفال فإنّهم یدركون، من خلال تصرّف أبویهم، أیُّ واحد من الإخوة محبوب لدى الأبوین أكثر، ولهذا ینبغی على الوالدین أن یسیطرا على سلوكهما تجاه أطفالهما كی لا یشعروا بالتمییز، وإلاّ فسیمهّدان لبوادر الحسد والأذى والعذاب النفسیّ.

یقول الله عزّ وجلّ فی الآیة الرابعة والعشرین من سورة التوبة: «قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِیرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَیْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِی سَبِیلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ یَأْتِیَ اللهُ بِأَمْرِهِ». فالله تعالى یضع الأب والاُمّ، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشیرة، والدور، والقصور، والتجارة والأموال فی كفّة، ویضع نفسه [ورسوله] والجهاد فی سبیله فی الكفّة الاُخرى، ثمّ یقول: أیّ واحدة من الكفّتین تفضّلون؟ فمعظمنا یزعم: أنّ حبّی لله أكبر، لكن ما إنْ یواجه مفترق طریقین حتّى یُعلَم إلى أیّ الأمرین یمیل قلبه أكثر. فلیس ثمّة «جبهة» أو جهاد فی الوقت الحاضر ولكلٍّ منّا أن یدّعی أنّ حبّه لله وللجهاد لا ینازعه أیّ حبّ ویصرّ على ادّعائه. لكنّ ظروف الحرب والقتال هی التی من شأنها أن تكشف مدى صدق هذا الادّعاء، فإنْ أنا توجّهتُ إلى الجهاد حینها، عُلِم أنّ حبّی لله أعمق، أمّا إذا التمستُ الأعذار واتّخذتُ الذرائع، فسیصبح معلوماً أنّنی اُحبّ ما سوى الله أكثر. نفهم من ذلك أنّ من أمارات شدّة الحبّ هی استعدادنا للعطاء والتضحیة فی سبیل المحبوب؛ وهذا المعنى نقرأه فی زیارات أهل البیت (علیهم السلام) عندما نقول: «بأبی أنتم وأمّی ونفسی وأهلی ومالی وولدی‏»[4]؛ فنحن نزعم أنّ كلّ ما عندنا هو فداء لكم! لكن ما هو مدى إیماننا بذلك؟ وإلى أیّ درجة نحن مستعدّون لأن نُظهر عملیّاً أنّنا نحبّ الله وأولیاءه أكثر من أموالنا وأنفسنا؟!

العلاقة بین ذكر الله وحبّه

ذكرنا أنّه یجب علینا أن نركّز انتباهنا على المحبوب كی تتحوّل هذه الحالة إلى محبّة ثابتة، وإلاّ فإنّها سوف لا تتعدّى حدّ اللذّة العابرة التی ستخبو وتُنسى بعد حین. فالمحبّة الراسخة من دون نسیان هی رهن بمقدار التفات الإنسان إلى المحبوب، وكلّما عظُم الاهتمام بالأخیر وزاد ذكره، اشتدّ حبّه. والعلاقة بین الذكر والمحبّة هی علاقة متبادلة أیضاً؛ فالمحبّة تبعث على الذكر أوّلاً، لكنّ الإنسان إذا استمرّ فی الذكر اختیاراً، فستزداد محبّته، وهی بدورها ستقود إلى المزید من الذكر، وهكذا. والعكس أیضاً صحیح؛ فقد یصرف الإنسان نفسه عن ذكر المحبوب فتضمر محبّته فی قلبه تدریجیّاً. وهذا یكشف لنا علّة تأكید القرآن الكریم والسنّة الشریفة على ذكر الله؛ یقول عزّ من قائل: «وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِیراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»[5]. فلیس هذا الإصرار عبثاً، لأنّ لكلّ قول أثره على القلب وهو یساعد على تشدید الالتفات إلى الله جلّ شأنه والتوجّه إلیه. فمع كلّ تكرار – سواء أقَوِیَ أم ضَعُف - التفات جدید. فإذا وُفِّق المرء إلى ذكر مستمرّ وثابت لله تعالى، دامت محبّته له مدّة أطول.

المزید من الكمال یورث المزید من المحبّة

وهذه هی آلیّة ظهور المحبّة ونموّها، أو ضمورها وزوال أثرها. ولا بأس أن نفتّش فی أنفسنا لنرى هل نحن نحبّ الله أم لا، وما هی طبیعة محبّتنا له عزّ وجلّ؟ فهل نحن نحبّ الله أكثر من غیره؟ وهل إنّ رُجحان محبّتنا لغیر الله یخضع لمعیار صحیح، أم إنّه بسبب جهلنا؟ إنّ تأمّلنا فی هذه المسائل یساعدنا على قیاس نسبة محبّتنا لله سبحانه وتعالى. فنحن – فی الحقیقة – نقع فی أخطاء كبیرة فی اختیارنا لما نحبّ ومَن نحبّ. فلو فكّرنا بشكل صحیح وتلمّسنا الطریق الصواب فی ذلك، لأحببنا الله أكثر من غیره.

لقد قلنا سابقاً إنّ ممّا یورث ازدیاد المحبّة هو الالتفات إلى شدّة كمال المحبوب. فهل ثمّة فی هذا الكون شیءٌ یفوق الله تعالى فی كماله یا ترى؟! كلّنا یعلم أنّه ما من شیء فی هذا الكون إلاّ وقد اُوجِد بأمر واحد من الله عزّ وجلّ: «إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَیْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَیَكُونُ»[6]. فلقد شعّ من ذلك المصدر غیر المتناهی شعاع ظهَرَ فی أثره كلّ هذا العالم: «وَمَا أَمْرُنَا إِلاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ»[7]؛ وإلا فإنّه ما من جمال فی هذا العالم یمكن أن یمثّل طرف النسبة مع جمال الباری جلّ وعلا.

علم الریاضیّات فی فهم غیر المحسوسات

لقد بحث علماء الریاضیّات فی قضیّة أنّه: هل یمكن رفع قیمة ما لانهایة إلى قوّة ما لانهایة؟ فلنبدأ أوّلاً بالضرب؛ ففی الریاضیّات یمكن افتراض ضرْبِ قیمةِ ما لانهایة بمثلها؛ كأن یكون هناك خطّ غیر متناهٍ فی الطول له عرض غیر متناهٍ أیضاً، فتُكتب صیغته: (ما لانهایة × ما لانهایة). والآن إذا أردنا استخراج حجمه فإنّنا سنضرب حاصل الضرب بما لانهایة أیضاً؛ أی: (ما لانهایة × ما لانهایة × ما لانهایة)، وهی عملیّة ذات ثلاثة مُعامِلات. لكنّ السؤال هو: هل یمكننا افتراض أنّ قیمة المعامِل لا نهایة لها؟ هذا مجرّد فرض. وعلى الرغم من أنّه بعید عن الواقع، ولا یمكن تمثیله فی هذا العالم، لكنّه یساعد كثیراً على تقریب بعض المسائل العقلیّة إلى الذهن.

فی إحدى سفراتی إلى الخارج قبل بضع سنوات كنتُ فی ضیافة أحد النوابغ الإیرانیّین من طلبة الدراسات العلیا فی فرع الریاضیّات فی جامعة «اكسفورد» البریطانیّة، فسألته السؤال التالی: كنّا نفترض للكون ثلاثة أبعاد: الطول والعرض والارتفاع، حتّى جاء «اینشتاین» فأثبت كون الزمن هو البعد الرابع للعالم، الذی یُعدّ – بشكل من الأشكال – من لوازم «الحركة الجوهریّة» التی قال بها «الملاّ صدرا» أیضاً. فهل یجوز افتراض أبعاد اُخرى للعالم یا ترى؟ فانطلاقاً من مقولة كون العالم ذا أربعة أبعاد، فإنّه ثمّة أربعة خطوط تلتقی فی نقطة مركزیّة، فهل لنا أن نفترض خطّاً خامساً مثلاً؟ وإذا كان الجواب بالإیجاب، فإلى أیّ حدّ یمكن أن تزداد هذه الأبعاد؟ أولَیس ثمّة عدد لا نهایة له من الخطوط یمكن أن تلتقی فی نقطة واحدة؟ إذن فلماذا لا نقول: إنّ للكون أبعاداً لا تدركها عقولنا؟! فقال هذا الشخص فی جوابه: من محاسن الصُدَف أنّ هذا البحث مطروح فعلاً، وقد توصّل بعضهم إلى الآن – كفرضیّة قابلة للقبول – إلى افتراض سبعة أو حتّى اثنی عشر بعداً ممكناً، لكن لیس هناك أدنى دلیل على عدم إمكانیّة زیادتها عن هذا العدد.

وعلى الرغم من أنّ تصوّر مثل هذه المسائل صعب إلى حدّ ما، لكنّ بعض المسائل الریاضیّة تسهّل لنا فهم الكثیر من المباحث العقلیّة والدینیّة. فكلّ أصحاب الأدیان فی العالم یقرّون بحقیقة أنّ الحیاة الدنیا متناهیة وأنّ الحیاة الاُخرى غیر متناهیة. فإذا أردنا مقارنة الدنیا بالآخرة، فإنّ غایة ما تصل إلیه عقولنا هو القول: إنّ الآخرة أزید من الدنیا ألف مرّة. لكنّ النسبة بین الواحد والألف هی نسبة بین قیمتین متناهیتین، وإذا كانت الآخرة غیر متناهیة، فلا یوجد أیّ تناسب بین عمر الدنیا وعمر الآخرة. وهی مسألة یمكن إدراكها بسهولة بالغة من خلال صیغة ریاضیّة بسیطة مفادها أنّه لا تناسب بین المتناهی وغیر المتناهی.

ذكرنا أنّه إذا زاد كمال شیءٍ فسیزداد اقتضاء تعلّق المحبّة بهذا الشیء بنفس المقدار. فإن كان لدینا شیئان وكان للأوّل وحدة كمال واحدة وللثانی وحدتان، لاستوجب ذلك أن تتعلّق بالثانی ضعف ما للأوّل من المحبّة. فماذا لو بلغ كمال الثانی إلى مائة أو ألف ضعف؟ ولو وصل مُعامِل هذا الكمال إلى ما لانهایة له، فكم سیستحقّ هذا الشیء من حبّ حینئذ؟ لكنّ حبّ هذا الشیء هنا مشروط بإدراكنا هذا الكمال، وعلمنا بأنّ هذا الشیء یملك هذا الكمال. فالطفل مثلاً یحبّ لُعَبه كثیراً، لكنّه لا یعیر اهتماماً لكثیر من الكمالات الاُخرى، بل وحتّى الجواهر النفیسة. فمن المسلَّم أنّ للطفل عینین وأنّه یرى جمال حبّة الماس، لكنّه یأنس بالحجر الذی یستخدمه فی لعبته أكثر من اُنسه بهذه الماسة الثمینة، ولذا فهو لا یهتمّ بها، بل وإنّه مستعدّ لأن یستبدل بها بضع خرز عادیّة. بتعبیر آخر فالطفل لا یدرك كمال الماسة، ولو أنّه أدرك هذه المیزة فیها لأحبّها هی الاُخرى، لكنّ إدراكه فی هذه المرحلة منحصر بخرز لَعِبه.

إنّ مشكلتنا هی عدم قدرتنا على إدراك الله تعالى. فأغلب ما نأنس به هو مدركاتنا الحسّیة. نعم، إذا أَعمَلنا غایة براعتنا فإنّنا سنُسعف إدراكنا بقوّة الخیال لندرك بعض الاُمور الإضافیّة. فالطفل مثلاً یفهم أنّ اُمّه تحبّه، وهو لذلك یتغنّج علیها ویرتمی فی أحضانها. إنّه یدرك هذا النمط من المحبّة بواسطة قوّة الوهم[8]. فالذات الإلهیّة وحتّى صفات الله وكمالاته غیر قابلة للإدراك والمشاهدة، لكنّ العقل، وبعد تعب ونَصَب لعشرات السنین وتركیز على المسائل العقلیّة والصفات الإلهیّة، یمكنه أن یتوهّم اُموراً فی هذا المجال. فقد جاء فی الخبر: «كلّما میّزتموه بأوهامكم فی أدقّ معانیه مصنوع مثلكم مردود إلیكم»[9]. فإنّ فهمنا قاصر جدّاً، لكنّه بالنسبة لمن لا یدرك أبداً یُعدّ كنزاً ثمیناً.

على أیّة حال فإنّ السبب فی كوننا لا نحبّ الله كما ینبغی عائد لكوننا لا ندرك كمالاته، بل ولا نعرف حتّى كمالات أولیائه، مثل النبیّ (صلّى الله علیه وآله) وأمیر المؤمنین وسائر الأئمّة الأطهار (صلوات الله علیهم أجمعین) وأبنائهم، بل وقد نبتعد عنهم، للأسف، إلى درجة تثیر فی أذهان البعض تساؤلات عمّا إذا كان العالِم أو المجتهد أو الفیلسوف الفلانیّ – والعیاذ بالله - یعرف الله أفضل أم السیّدة المعصومة (سلام الله علیها) مثلاً.

طریقة سهلة لنیل محبّة الله

الطریق الأسهل لاكتساب محبّة الله هی نیلها بالواسطة، وهی طریقة وردت فیها روایات كثیرة تنتهی جمیعها إلى حدیثین قدسیّین، أحدهما هو: «أوحى الله تعالى إلى موسى (علیه السلام): أَحبِبنی وحَبِّبنی إلى خلقی. قال موسى (علیه السلام): یا ربِّ إنّك لتعلم أنّه لیس أحد أَحَبَّ إلیّ منك، [فأنت أحَبّ موجود عندی] فكیف لی بقلوب العباد؟»، فقلوب الناس لیست فی یدی، فكیف أجعلهم یحبّونك؟ «فأوحى الله إلیه: فذكِّرهم نعمتی وآلائی، فإنّهم لا یَذكُرون منّی إلاّ خیراً»[10]فإنّهم قد جُبِلوا على محبّة مَن علموا بحبّه لهم.

أمّا حبّ الله بلا واسطة ضمن تلك الحدود المتاحة للمخلوق فهی تتمثّل بما یملكه شخص النبیّ الأكرم (صلّى الله علیه وآله) والأئمّة المعصومین (علیهم السلام) من معرفة شهودیّة بالله تعالى. ونحن نعلم أنّ هذا النمط من المعرفة هو ممكن، وأنّهم (علیهم السلام) یمتلكون أعلى مراتب المعرفة[11]. وإنّ توقُّعَنا اكتساب هذه الدرجة من المعرفة هو توقّع لیس فی محلّه؛ فهذا الرداء لیس هو على مقاسنا، وإنّ مسافة شاسعة تفصلنا عن هذا المقام، لكنّ ضمیر الإنسان – على الأقلّ – یدفعه إلى الشعور بالحبّ نحو مَن أسدى إلیه خدمة، وهو بودّه أن یعرب له عن شكره كلّما رآه، خصوصاً إذا كانت هذه الخدمة فی ساعة عسرة، فإنّ المرء لن ینساها ما دام حیّاً. هذا هو مقتضى فطرة الإنسان، وقد أودع الله أساس ذلك فی طینة جمیع بنی البشر، فإنّهم ما إن یعلموا بصدق المرء فی حبّه لهم وعدم انتظاره شیئاً منهم فی المقابل، فإنّهم سیحبّونه. فالله تعالى یقول لنبیّه موسى (علیه السلام): «فذكِّرهم نعمتی وآلائی»! فإنّ السبب فی عدم حبّ الناس لی على قدر ما یعلمون وما یستطیعون هو عدم التفاتهم إلى آلائی. وقد ذكرنا أنّ الشرط الأخیر فی تولّد المحبّة هو الالتفات؛ فكلّما بذلنا جهوداً أكبر فی التعرّف على نِعم الله عزّ وجلّ، وأدركنا قیمتها على نحو أفضل، وعلمنا أنّه سبحانه وتعالى قد أولانا إیّاها مجاناً من دافع لطفه وكرمه ومحبّته، فستتنامى محبّتنا له جلّ شأنه.

وفّقَنا الله وإیّاكم إن شاء الله 


1. سورة البقرة، الآیة 165.

2. سورة الأحزاب، الآیة 2.

3. سورة یوسف، الآیة 8.

4. البلد الأمین، ص309.

5. سورة الجمعة، الآیة 10.

6. سورة النحل، الآیة 40.

7. سورة القمر، الآیة 50.

8. قوة الوهم (الواهمة) هی قوّة باطنیّة تدرك غیر المحسوسات.

9. منهاج البراعة فی شرح نهج البلاغة (الخوئیّ)، ج10، ص21

10. بحار الأنوار (طبعة بیروت)، ج67، ص22.

11. هذه المعرفة هی معرفة شهودیّة، ولیست معرفةَ إحاطةٍ بذات الله سبحانه وتعالى.