فهرست مطالب

الجلسة الحادی العشر: عوامل محبّة الله وموانعها

تاریخ سخنرانی: 
1392/11/23

(11)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 12 شباط 2014م الموافق للثانی عشر من ربیع الثانی 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

عوامل محبّة الله وموانعها

 

إشارة

ذكرنا أنّ محبّة الله لا تأتی لوحدها بل یتعیّن توفیر المقدّمات والأرضیّات الكفیلة بظهورها والتی تُكسب المرء الاستعداد والقابلیّة لتلقّی هذه الرحمة الإلهیّة، فیفیضها الله تعالى علیه. وقد اُشیر فی القرآن والسنّة إلى أنّ لمحبّة الله عزّ وجلّ آفاتٍ وموانعَ إمّا أن تمنع الإنسان من أن یحبّ ربّه منذ البدایة أو أن تزیل المحبّة من قلبه بعد حصولها. فكلّنا یعلم أنّه إذا أردنا أن نكون محطّ اهتمام أحدٍ ما فعلینا أن نعمل ما یحبّه. أمّا إذا صنعنا ما یُبغضه، فمن الطبیعیّ أن لا نحظى بحبّه. إذن فإنّ صنع ما یحبّه الله یساعدنا على طریق الاستعداد للحظوة بمحبّته جلّ وعلا. وقد أشرنا فی المحاضرة الفائتة إلى وجود الكثیر من الآیات التی تتناول الأشیاء التی یحبّها الله سبحانه وتعالى وتلك التی یبغضها. وسنشیر فیما یلی إلى مصادیق اُخرى من هذه الاُمور.

التواضع للمؤمنین والشدّة مع الكافرین

یطرح الله عزّ وجلّ فی الآیة المرقّمة 54 من سورة المائدة قضیّة الارتداد خصوصاً قائلاً: «یَـٰـأَیُّهَا الَّذِینَ ءَامَنُواْ مَن یَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِینِهِ فَسَوْفَ یَأْتِی اللهُ بِقَوْمٍ یُحِبُّهُمْ وَیُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِینَ یُجَاهِدُونَ فِی سَبِیلِ اللهِ وَلا یَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ». فلقد أرسل الله رسوله (صلّى الله علیه وآله) لیدعو الناس إلى الإسلام والقیم الإسلامیّة والتقرّب إلى الله. وقد آمن به فی البدایة نزر یسیر من الناس فتعرّضوا لأذى الأعداء وتعذیب المشركین. وبعد معاناتهم من ألوان المحن وصنوف العذاب ظهر فی المدینة المنوّرة مجتمع فتیّ سُمّی بالاُمّة الإسلامیّة. ومن الطبیعیّ أن یحتاج أفراد هذه الاُمّة إلى المواساة وتقویة العزیمة، فجاءت آیات قرآنیّة جمّة تعدهم بالنصر والعبور من هذه المخاوف والشدائد. لكنّ الله تعالى یطرح - فی خضمّ هذه الأحداث - مسألة الارتداد قائلاً: لا تظنّوا أنّنا سنتضرّر إذا ارتددتم عن دینكم، بل إنّ الله سیستبدل بكم اُناساً هم أفضل منكم، وانّ أهمّ صفة یتحلّى بها هؤلاء هی أنّ الله یحبّهم وأنّهم أیضاً یحبّون الله جدّاً: «یحبّهم ویحبّونه». فإنّ مجیء هاتین العبارتین إلى جانب بعضهما یستبطن مضموناً عمیقاً جدّاً، حیث إنّ المحبّة المتبادَلَة هی غیر تلك التی تكون من طرف واحد.

الخصوصیّة الاُخرى التی تمیّز هؤلاء هی أنّهم أشداء جدّاً فی مقابل الكفّار واعداء الله ولا یبدون أمامهم أیّ لین فی العریكة أو مرونة فی التعامل، أمّا بالنسبة للمؤمنین، وعلى الرغم من أنّ الأخیرین تبدو علیهم فی الظاهر أمارات التخلّف والفقر، فإنّهم یعاملونهم باحترام بالغ: «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِینَ»؛ ففی الوقت الذی یكونون أذلاء على المؤمنین فإنّهم شدیدوا الصلابة أمام الكفّار؛ بحیث انّهم لا یُبدون أیّ مرونة تجاههم، لیس هذا فحسب بل إنّهم یَظهرون أمامهم بمظهر القوّة والقدرة والاستغناء وعدم المبالاة.

أمّا میزتهم الأخیرة فهی انّهم یحبّون الجهاد فی سبیل الله إلى درجة أنّهم لا یخشون ملامة أیّ امرئ فی هذا السبیل: «یُجَاهِدُونَ فِی سَبِیلِ اللهِ وَلا یَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ». فالمجاهدون واُولئك الذین یُظهرون الشدّة والعزّة أمام الكافرین لا یخافون لومة أیّ لائم، بل إنّهم یقولون لهم: «قولوا ما شئتم، فإنّنا قد حدّدنا طریقنا وسنمضی فیه قُدُماً».

هذه الآیة تلهمنا هذا الدرس، وهو أنّنا إذا أردنا أن نصنع ما یجعلنا مورداً لمحبّة الله فعلینا بالتواضع بین یدی المؤمنین. فالمحبوبون عند الله یكونون أذلاء ومتواضعین أمام المؤمنین من حیث إنّهم مؤمنون، فلا یتعاملون معهم بأنانیة أبداً. أمّا فی مقابل الكفّار فإنّهم شدیدو الصلابة ولا یظهر علیهم أمامهم – بما أنّهم كفّار - أیّ خضوع أو تطبیع أو استسلام. فإن رغبنا فی أن یحبّنا الله جلّ شأنه وأن یمنّ علینا بحبّنا له أیضاً فیتعیّن أن نربّی أنفسنا بهذه الطریقة. بالطبع فمن حیث إنّ مناط التواضع هو الإیمان، فإنّه یتغیّر شدّة وضعفاً بالتناسب مع مراتب الإیمان؛ فكلّما زاد الإیمان، تواضَعْنا أكثر، فإنّ الذی یكون فی أعلى درجات الإیمان سیواجَه بأقصى درجات التواضع. وهذا أمر ممكن؛ فباستطاعة الإنسان أن یعزم على هذا الأمر وینجزه، فإذا تكرّر منه، أصبح ملَكَة من ملكاته. أمّا إذا أردنا أن نتحوّل إلى عشّاق لله دفعة واحدة، فهذا محال.

یروی المرحوم آیة الله بهجت (رضوان الله تعالى علیه) عن والد المرحوم السیّد الكشمیریّ - الذی أمضى مدّة من حیاته فی قمّ المقدّسة ودُفن فی مسجد «بالاسر» (جهة الرأس) فی حرم السیّدة فاطمة المعصومة (سلام الله علیها) – أنّه كان شدید الاحترام لأولاده، فعلى الرغم من أنّه هو نفسه كان سیّداً[1] وأنّ سیادة أولاده هی بسبب انتسابهم إلیه، لكنّه لم یكن یسمح لهم أن یضعوا حذاءه أمام قدمیه لیلبسه. وإذا حصل أن فعلوا ذلك صدفة فإنّه كان یستاء من ذلك ویقول: «أبناء السیّدة الزهراء (سلام الله علیها) یضعون أمامی الحذاء»! فعلماؤنا العظام كانوا یحترمون حتّى أبناءهم ویتواضعون أمامهم بسبب كونهم مؤمنین. ونحن أیضاً نستطیع أن نتمرّن على هذا الأمر، فلیس هو بالأمر الصعب.

لكنّ هذه المسألة – بالطبع - تخضع لقیود وشروط. فلا ینبغی للمرء أن یتعدّى على أیّ كافر ویتكبّر علیه. فالمقصود من الكافر هنا هو الكافر المعاند الجحود؛ أی الذی عرف الحقّ ثمّ أنكره عن عمد. فلا ینبطق ذلك على الكافر الذی لم یعرف الحقّ أصلاً، وهو یسعى لمعرفته. كما أنّ هناك كفّاراً كانوا حقّاً طلاب حقیقة وقد بذلوا جهدهم للوصول إلیها، فهؤلاء وإن كانوا كفّاراً فی الظاهر لكن التعامل معهم بودّ وعطف وشفقة قد یدفعهم إلى اعتناق الإسلام؛ بالضبط كما دخل العدید من الكفّار إلى الإسلام فی زمان النبیّ بسبب أخلاقه (صلّى الله علیه وآله). ومن هنا فعندما ینصحنا القرآن الكریم بأن نكون أعزّاء على الكفّار فلا یعنی ذلك أن نتكبّر على كلّ غیر مسلم حتّى وإن كان یسعى لإدراك الحقیقة ولم یدركها بعد، بل یتعیّن علینا أن نتمنّى له الخیر ونتعامل معه بشفقة. فحتّى القرآن الكریم فإنّه قد خصّص سهماً من الزكاة للكفّار بغیة تألیف قلوبهم. فلو بنینا أمرنا على معاداة كلّ كافر، لَما انتشر الإسلام، ولما رغب فیه أحد. لذا فإنّ المراد من «الكفّار» فی قوله: «أشدّاء على الكفّار» هم المعاندون منهم.

حبّ الدنیا مانع من محبّة الله

یروى أنّ نبیّ الله عیسى (على نبیّنا وآله وعلیه السلام) قال لحواریّیه: «بحقّ أقولُ لكم: إنّ العبدَ لا یَقدرُ على أن یخدُم ربّین ولا محالةَ أنّه یُؤثِر أحدَهما على الآخر وإنْ جَهَدَ كذلك لا یجتمع لكم حبّ الله وحبّ الدنیا»[2]. ویجسّد القرآن الكریم هذا المعنى فی بیان جمیل فی قوله تعالى: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِیهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ یَسْتَوِیَانِ مَثَلاً»[3]. إذ تقارن هذه الآیة بین عبدین؛ أحدهما هو عبد لعدد من السادة السیّئی الخلُق والصارمین فهم جمیعاً یشتركون فیه. هذا العبد المسكین كلّما امتثل أمرَ أحد أسیاده اصطدم معه الباقون، فهو فی حالة تعارض باطنیّ مستمرّ ولا یدری كیف یطیع جمیع أسیاده معاً. أمّا العبد الثانی فله سیّد واحد وهو یحظى بالاحترام إن أطاعه؛ فهو یذعن لكلّ ما یقوله سیّده ولا یشكو أیّ تعارض فی باطنه من أنّه أیّ سیّد یطیع. فمن الواضح أنّه لا یمكن أن یكون للمرء عدّة سادة وأن یحظى بقلوبهم جمیعاً بشكل كامل. وكذلك فإنّه من غیر الممكن أن یكون لعبد واحد ربّان. فنبیّ الله عیسى (علیه السلام) یقول فی هذا الحدیث: كما أنّه لیس فی میسور المرء أن یخدم سیّدین، فإنّ حبّ الدنیا وحبّ الله لا یجتمعان فی قلب واحد. فإن أردتَ أن تحظى بحبّ الله، فعلیك أن تتخلّى عن حبّ الدنیا.

علینا أن نؤمن ونصدّق بأنّ الله لا یحبّ لعباده «الدنیا» بما أنّها دنیا. فهو تعالى یرید من عباده أن یلتفتوا إلیه، أو أن یسعوا – على الأقلّ – وراء نعم الآخرة، وأن یحسبوا للآخرة حساباً. علینا أن نفهم أنّ الدنیا لیست هی إلاّ أداة ووسیلة لنیل سعادة الآخرة ولا أصالة لها ذاتاً. بالطبع قد یندر وجود مَن لا توجد فی قلبه ولو ذرّة من حبّ الدنیا. فأولیاء الله - فقط - هم الذین لا تساوی الدنیا عندهم أیّ قیمة. لیس هذا فحسب، بل حتّى الآخرة ونعماؤها فإنّها لا تساوی عندهم شیئاً فی مقابل رضا الباری عزّ وجلّ. بالطبع هذه المسائل أعلى بكثیر من مستویاتنا ولا تدركها عقولنا، لكن فلنعلم أنّ الله لا یریدنا أن نحبّ الدنیا لكونها دنیاً. فإنّ مُؤَدّى كلام جمیع الأنبیاء والأولیاء وآیات الذكر الحكیم هو تنبیهنا لقضیّة أنّ الدنیا هی مجرّد وسیلة ولیست غایة، وأنّ من یظنّ أنّها غایة فهو مخطئ، وستظهر آثار هذا الخطأ فی حیاته. بالطبع جمیعنا یعلم أنّ قلوبنا تنطوی على لون من ألوان حبّ الدنیا. كما أنّ الله لا یكلّف نفساً بما یشقّ علیها، ولا یطالب الجمیع بما لا یقدر علیه إلاّ الأنبیاء والأولیاء، لكنّه عزّ وجلّ وضع حدّ نصاب لذلك، وهو أنّه إذا كان حبّ الدنیا ضمن هذه الحدود فلا إشكال فیه، أمّا إذا تجاوزها فسیشكّل خطراً. فالله نفسه یخاطبنا قائلاً: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَیَوٰةَ الدُّنْیَا * وَالآخِرَةُ خَیْرٌ وَأَبْقَىٰ»[4].

حبّ الدنیا جوهر الكفر

من التعبیرات القرآنیّة التی تُلهم الدروس وتهزّ فی نفس الوقت هی قوله تعالى: «وَوَیْلٌ لِّلْكَافِرِینَ مِنْ عَذَابٍ شَدِیدٍ * الَّذِینَ یَسْتَحِبُّونَ الْحَیَوٰةَ الدُّنْیَا عَلَى الآخِرَةِ وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ اللهِ وَیَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـٰـئِكَ فِی ضَلالٍ بَعِیدٍ»[5]؛ أی ویل لاُولئك الذین إذا دار عندهم الأمر بین الدنیا والآخرة تركوا الآخرة وفضّلوا الدنیا. فطالما لا یوجد تضادّ، فإنّ هناك مجالاً للاستفادة من المباحات، فلا إشكال فی هذا المقدار وهو أضعف الإیمان. أمّا إذا رجّح الإنسان الدنیا عند التزاحم، فسیُبتلى بضلال بعید.

وشبیه بهذا المعنى ما جاء فی سورة النحل فی الآیة النازلة فی حقّ عمار بن یاسر عندما أظهر الكفر فی مقام التقیّة، وعندما جاء  إلى رسول الله (صلّى الله علیه وآله) كان فی غایة القلق. فنزل قوله تعالى: «مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِیمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِیمَانِ وَلَـٰـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَیْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِیمٌ»[6]. فلا إشكال فی إظهار الكفر بسبب الإكراه، لكنّ الذین یكفرون عن طیب خاطر فإنّهم یستحقّون عذاباً عظیماً وینزل علیهم غضب من الله. ثمّ یبیّن الله سبحانه وتعالى أنّ سبب هذا الكفر هو ترجیح الحیاة الدنیا على الآخرة وذلك فی قوله: «ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَیَوٰةَ الدُّنْیَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الْكَافِرِینَ»[7].

ما یستفاد من الآیتین المذكورتین هو أنّ جوهر الكفر هو حبّ الدنیا. فإنّ السبب فی إنكار الإنسان الحقَّ بعد معرفته هو سعیه وراء لذّات الدنیا. ولا شكّ أنّه إذا صار القلب محلاّ لما یقتضی الكفر، فإنّه لن یكون موضعاً لما هو جوهر الإیمان وفاكهته وكماله. فالكفر والإیمان لا یجتمعان. وكما أنّه محال أن نعبد إلهین اثنین، فإنّنا لا نستطیع أن نجمع بین محبّة الله ومحبّة الدنیا. فإذا رغبنا فی أن نكون محبّین لله، فعلینا أن نُنقص من حبّنا للدنیا حتّى یصل إلى مستوىً لا یتعارض مع آخرتنا ولا یدفعنا إلى ترك العمل بالتكلیف.

خطر العالِـم الراغب فی الدنیا

لقد بُیّنت هذه القضیّة فی العدید من الآیات والروایات، وهی على جانب من الأهمّیة بحیث إنّ الله تعالى یوحی لأنبیائه (علیهم السلام) باجتناب العالِم المحبّ للدنیا. إذ رُوی عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «إذا رأیتم العالِم محبّاً لدنیاه فاتّهموه على دینكم فإنّ كلّ محبّ لشی‏ءٍ یَحوط ما أحبّ»[8]. أی: لا تكونوا مطمئنّین للعالِم المحبّ للدنیا[9]! فنحن نطلب العالم لنعرف منه معارف دیننا ولنتعرّف بواسطته على سبیل ربّنا. یقول أبو عبد الله (علیه السلام): «إذا وجدتم العالم طالباً للدنیا فلا تطمئنّوا له ولا تتّبعوه! إذ أنّ كلّ محبّ لشیء فهو یحتفظ به». فالمحبّ للدنیا یسعى لحفظ دنیاه وحراستها وهو على استعداد للابتداع فی الدین، وكتمان حقائقه، وغضّ الطرف عن قیمه صیانةً لمكانته. وإنّ المحبّ للدنیا یحرص على عدم التفریط بها، ولا یحترق قلبه على دینكم، وهو لا یخدم دینكم إلاّ إذا كان فی ذلك ما یدرّ بالمنفعة على دنیاه. فإذا افترق دینكم عن دنیاه، فلا یعود له شغل بالدین.

وفی حدیث قدسیّ آخر یوصی الله عزّ وجلّ نبیّه داوود (على نبیّنا وآله وعلیه السلام) أن: لا تجعل العالم المحبّ للدنیا وسیطاً بینی وبینك؛ یقول: «لا تجعل بینی وبینك عالِماً مفتوناً بالدنیا». فإنّ ما یتوقّعه المرء من العالِم هو أن یتعلّم منه شیئاً. وهو – فی الحقیقة – یقوم مقام الوسیط فی تعریف الإنسان بربّه والتقرّب إلیه. یقول عزّ وجلّ: إذا أردت أن تجعل شخصاً ما واسطةً بینی وبینك لتتعلّم منه دینك، وتتقرّب بواسطته إلیّ، فحذار من أن تختار العالِم المفتون بالدنیا لهذه المهمّة. ثمّ یبیّن تعالى علّة هذا الحكم فیقول: «فیصدّك عن طریق محبّتی، فإنّ أولئك قُطّاع طریق عبادی المریدین»؛ وهو كلام غایة فی القسوة والغلظة. یقول عزّ من قائل: هؤلاء قُطّاع طرق ولصوص یقطعون الطریق على كلّ عبد یطلبنی ویقتادونه باتّجاه الدنیا. «إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أنْ أنزِع حلاوة مناجاتی عن قلوبهم»[10]، فلا یشعرون بالرغبة فی مناجاتی والتضرّع إلیّ، وإذا ما أتوا بعبادة، فإنّهم یأتون بها على كسل ومضض «وَلا یَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ»[11].

اللهمّ بحقّ مَن تحبّهم، تحنّن على قلوبنا القاصرة أیضاً بنفحة من تلك المواهب.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین 


1. السیّد هو الذی یكون من سلالة رسول الله (صلّى الله علیه وآله).

2. تحف العقول، ص503.

3. سورة الزمر، الآیة 29.

4. سورة الأعلى، الآیتان 16 و17.

5. سورة إبراهیم، الآیتان 2 و3.

6. سورة النحل، الآیة 106.

7. سورة النحل، الآیة 107.

8. الكافی، ج1، ص46.

9. لقد فسّر البعض عبارة: «فاتّهموه على دینكم» بمعنى: توجیه التهمة إلیه! والحال أنّ «اتّهمه على كذا» یعنی ظنّ به سوءاً ولیس قذفه بتهمة معیّنة. إذ أنّ التهمة لكلّ امرئ حرام لاسیّما المؤمن.

10. الكافی، ج1، ص46.

11. سورة التوبة، الآیة 54.