فهرست مطالب

الجلسة الثامنة: الخلوة اللیلیّة بالله ضروریّة لمحبّته

تاریخ سخنرانی: 
1392/11/02

(8)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 22 كانون الثانی 2014م الموافق للعشرین من ربیع الأول 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

الخلوة اللیلیّة بالله ضروریّة لمحبّته

المناجاة اللیلیّة

 

لقد تلوتُ على مسامعكم فی إحدى المحاضرات الفائتة روایة یوحی الله عزّ وجلّ فیها لأحد الصدّیقین: «أنّ لی عباداً من عبیدی یحبّوننی واُحبّهم». ثمّ یقول سبحانه فی الروایة نفسها ردّاً على سؤال الصدّیق عن علامات هؤلاء العباد: «یراعون الظلال[1] بالنهار كما یراعی الشفیقُ غَنَمَه، ویحِنّون إلى غروب الشمس كما تحنّ الطیر إلى أوكارها عند الغروب» فعندما تمتدّ الظلال وتغیب الشمس  یتوجّهون إلى ركن یناجون الله فیه كما تتوجّه الطیور إلى أوكارها.

لقد أَولَت الآیاتُ القرآنیّة والروایات الشریفة مناجاةَ الله تعالى والصلةَ به فی جوف اللیل اهتماماً بالغاً. وبمطالعتنا الأحادیث القدسیّة الموحاة إلى الأنبیاء الماضین نكتشف أنّ هذا الأمر كان مطلوباً أیضاً حتّى فی الدیانات السابقة. یقول عزّ من قائل فی مستهلّ سورة «المزمّل» التی نزلت على نبیّنا الكریم (صلّى الله علیه وآله) فی أوائل أیّام رسالته: «یَا أَیُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ الَّیْلَ إِلاّ قَلِیلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِیلاً * أَوْ زِدْ عَلَیْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِیلاً»[2]؛ أی: قم اللیل واعكف أثناء نصفه أو ثلثیه أو على الأقلّ ثلثه على العبادة. ثمّ یقول تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ یَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَیِ الَّیْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِینَ مَعَكَ»[3]؛ فالله یعلم أنّك تقوم كلّ لیلة ما بین ثلثها إلى ثلثیها. فعندما یكون لدیك متّسع من الوقت، فإنّك تقوم ثلثَی اللیل، وأحیاناً نصفه، لكنّ عبادتك لم تنقص فی یوم من الأیّام عن ثلث اللیل. والملفت أنّه جلّ وعلا یقول: «وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِینَ مَعَكَ»؛ فأنت لست وحدك الذی تعبدنی بهذه الكیفیّة، بل إنّ جماعة ممَّن آمنوا بك یصنعون ما تصنع. ویقول تعالى فی آیة اُخرى: «كَانُواْ قَلِیلاً مِّنَ الَّیْلِ مَا یَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ یَسْتَغْفِرُونَ»[4]؛ فهم لا یستریحون إلا فی شطرٍ من اللیل أمّا فی الجزء الأكبر منه فإنّهم یمارسون العبادة. وعلى أیّة حال فإنّ للّیل مكانة خاصّة. بالطبع إنّ العبادة مطلوبة دوماً، بل لابدّ لبعض العبادات من أن یُؤتىٰ بها نهاراً، كفریضة الظهر والعصر ونوافلهما وأدعیتهما، لكنّ هذه العبادات تُعدّ باهتة أمام عبادة اللیل وانّ الاهتمام بالأخیرة أكبر.

وروی فی موضع آخر أنّ الله تعالى أوحى لنبیّه موسى (على نبیّنا وآله وعلیه السلام): «یا ابن عمران! كذب مَن زعم أنّه یحبّنی فإذا جنّه اللیل نام عنّی» ولم یذكرنی. ثمّ یقول تعالى: «أَلیس كلّ مُحبّ یحبّ خلوة حبیبه»[5]. فهل یعقل أن تتهیّأ للمرء فرصة الخلوة بحبیبه ثمّ یفوّتها؟! فهل یُعقل من الإنسان الذی یحبّ شخصاً ویطول انتظاره لفرصة الاختلاء به ومجاذبته أطراف الحدیث وبثّه ما یعتلج فی صدره من هموم - هل یعقل، إذا سنحت له فرصة الخلوة به ولیس ثمّة أیّما ضوضاء، أن یتركه ویخلد إلى النوم؟!

وقد وردت فی كتب الأدعیة وأمثالها ألوان من المناجاة الخاصّة باولئك الذین یُحیون أسحارهم ویحتوی بعضها على مضامین رائعة جدّاً تؤكّد على نفس هذا المعنى؛ وهو أنّ الواجبات الشرعیّة والاجتماعیّة ومشاكل الحیاة الیومیّة فی ساعات النهار لا تذر للإنسان مجالاً للمناجاة مع الله والتوسّل به، أمّا اللیل، فهو الوقت الذی تهدأ فیه الأصوات ویحلّ السكون وتحلو الخلوة. وعلى الرغم من أنّ اللیالی فی هذه الأیّام صارت كالنهار وأنّ البعض ینام نهاره ویخرج لیلاً للتجوال والتسلیة، غیر أنّه – على أیّة حال - لا زالت هناك ساعات من اللیل مخصّصة للنوم والاستراحة والخلوة.

فی مناجاة منسوبة للإمام زین العابدین (علیه السلام) یصف فیها ساعات اللیل بهذا الوصف: «إلهی! غارَت نجوم سماواتك، ونامت عیون أنامك... وغلَّقَتْ ملوك بنی اُمَیّة علیها أبوابها، وطاف علیها حرّاسها»[6]؛ إلهی! لقد تغیّرت مواضع النجوم واقتربت إلى الاُفق بعد أن كانت فی كبد السماء، ونامت أعین الناس، وهیمن الصمت والسكون على العالم. وغلّق الملوك أبواب قصورهم ووضعوا علیها حرّاسهم كی لا یَغِیر علیهم أحد لیلاً. فكلّ الأبواب مغلَّقة ولا یؤذَن لأحد بالدخول، أمّا بابك فمفتوح ولیس علیه من حاجب أو مانع: «أبواب سماواتك لمَن دعاك مفتَّحات، وخزائنك غیر مغَلَّقات، وأبواب رحمتك غیر محجوبات». وأنت تدعو أولیاءك، وتوصیهم بإصرار أنْ: هلمّوا إلیّ، فإنّنی على استعداد لغفران ذنوبكم، وقضاء حوائجكم، والاُنس معكم.

ما هی حقیقة مناجاة اللیل، ولماذا نهتمّ بها؟

وهنا یكمن سؤال: ما هی الخصوصیّة التی تتمتّع بها العبادة والمناجاة فی اللیل؟ وما الضرورة لاختلاء المرء بربّه، وعبادته أثناء اللیل؟ لماذا كلّ هذا الإصرار على صلاة اللیل، وأنّه إذا لم تستطع الإتیان بإحدى عشرة ركعة، فأتِ بثلاث ركعات (الشفع والوتر) على الأقلّ، وإن لم تقدر على الثلاثة، فصلّ ركعة الوتر وحدها. بل إذا لم تُصَلّ هذه الركعة بأكملها، فاكتَفِ - على أقلّ تقدیر - بالحمد والسورة، أو حتّى بالحمد فقط؟ فما هی الخصوصیّة فی الاستیقاظ فی السحر والإفادة من وقت الفراغ فی اللیل؟ لقد دأب النبیّ الأكرم (صلّى الله علیه وآله) فی سنّةٍ لَه على الاستیقاظ ثلاث مرّات فی اللیل؛ فكان یستیقظ فی الاُولى فیأتی بأربع ركعات، ثمّ یستیقظ بعد استراحة قصیرة فیصلّی أربع ركعات اُخریات. ثمّ یعود للاستراحة حتّى یستیقظ للمرّة الأخیرة فیصلّی ثلاث ركعات هی الشفع والوتر. وقد كان بعض عظمائنا وعلمائنا ممّن التزموا بسنّة رسول الله (صلّى الله علیه وآله) هذه یسلكون نفس هذا السلوك.

یقول أبو عبد الله الصادق (علیه السلام) فی حدیث مرویّ عنه: «أَلیس كلّ مُحبّ یحبّ خلوة حبیبه»[7]. ألا یحبّ كلّ عاشق أن یخلو بمعشوقه؟! ألا یرجّح الإنسان الخلوة بمحبوبه على الاجتماع به بحضور الآخرین؟ قد تكون لهذا الموضوع بالنسبة لمختلف الناس أسباب وعللّ شتّى، لكنّ العلّة الأساسیّة والعقلائیّة – ناهیك عن البُعد النفسیّ – هی أنّ مقتضى المحبّة هو أنّ المحبّ یودّ أن تربطه بمحبوبه علاقة خاصّة لیبثّه همّه، ویحاوره، ویُظهر له حبّه. كما أنّ القضیّة الرئیسیّة فی هذا المطلب هی أنّ الإنسان یرغب فی أن یبادله حبیبه نفس العاطفة، وهو یرید – من أجل تقویة هذه العلاقة العاطفیّة الثنائیّة الجانب – أن ینصبّ كلّ اهتمامه على محبوبه، ویركزّ محبوبُه كامل اهتمامه علیه. فلا یخفى على أحد أنّ المحبّ إذا تحدّث إلى محبوبه أحبّ أن یلتفت محبوبُه إلیه، فإذا أعرض الأخیر عنه وتكلّم مع شخص آخر، استاء وانزعج. كما أنّ السبب الآخر فی رغبة الإنسان فی الخلوة بمحبوبه هو أنّه لیس ثمّة فی هذه الحالة مَن یزاحمه على محبوبه، وما من شیء یحرِف انتباهه عنه، بل وقد یُجتَنَب أحیاناً حتّى الضیاء والضوضاء. ولعلّكم شاهدتم كیف أنّ بعض المطاعم تضیء مصابیح خافتة، بل شموعاً، ویحرص الأصدقاء الذین یرتادونها على أن لا ینتبه إلیهم أحد. ولعلّ السبب من وراء الاهتمام الخاصّ الذی تولیه القصائد الغزلیّة والقصص الرومانسیّة لموضوع «المنافِس» هو هذا أیضاً. بالطبع إنّ هذا الأمر قد یكون بسبب الحسد أحیاناً، غیر أنّ له سبباً عقلائیّاً أیضاً وهو أنّ وجود المنافِس یستقطب نصف اهتمام المحبوب. فالمحبّ یوَدّ لو أنّ اهتمام المحبوب موجَّه له فحسب، وإذا شاهد أنّ قلب المحبوب یمیل لشخص آخر وأنّه یحبّه أیضاً، أو أنّ شخصاً ثالثاً یضایق حوارهم، فسینزعج.

الفارق بین الخلوة بالله والخلوة بالإنسان

بما أنّ الناس لهم تعلّقات شتّى، فإنّه لا مفرّ لهم من هذه المعضلة. فقد لا نعثر فی هذا العالم على عاشق ومعشوق یركّزان كلّ التفاتهما على بعضهما، ولا ینتبهان إلى شیء آخر قطّ. أمّا محبّة الله عزّ وجلّ فتختلف. فعلى الرغم من أنّ لله ملیارات المخلوقین، فإنّهم لو أحبّوه جمیعاً فهو جلّ وعلا یسلك مع كلّ واحد منهم وكأنّه لیس له عبد سواه. إذ أنّه: «لا یشغَلُه شأنٌ عن شأن»[8]. فالتفات الله تعالى لا یتجزّأ لیعطی مقداراً منه لأحد ویعطی مقداراً آخر لثانٍ. فالإنسان لا یخشى من اهتمام الله بغیره إذا علم أنّه تعالى مهتمّ به، وذلك لعلمه بأنّ التفات الله عزّ وجلّ لسواه لا ینقص من التفاته إلیه. فالقلق ینشأ من قلّة اهتمام المحبوب بالمحبّ وخفوت العلاقة القائمة بینهما. لذا فلا مجال للمنافسة فیما یتّصل بالباری تعالى، إذ حتّى لو كان لله تعالى ملیارات من المحبّین فسیتصرّف معهم جمیعاً كما لو أنّه لیس له سوى عبد واحد، فیستطیع الجمیع الاختلاء به واستقطاب اهتمامه من دون أن تضرّ كثرة المحبّین بذلك.

وحیث إنّنا معاشر البشر نقیس هذه الاُمور بأنفسنا، فإنّ استیعابها بالنسبة لنا أمر صعب. فنحن إن أحببنا شخصین فسنمنح نصف قلبنا لهذا ونصفه الآخر لذاك، ومن هنا نتصوّر أنّ حبّ الله هو أیضاً بهذه الطریقة وأنّه تعالى عندما یحبّ جمیع عباده فإنّه – والعیاذ بالله – یقسّم قلبه بینهم جمیعاً. لكنّه لیس الله وحده المنزَّه عن ذلك، بل حتّى بعض عباده الخاصّین فإنّهم لیسوا على هذه الشاكلة أیضاً. فعندما ندخل إلى حرم السیّدة فاطمة المعصومة (سلام الله علیها) نشاهد جموعاً غفیرة من الناس یخاطبونها بشتّى الألسن، ویسألونها مختلف الحوائج، فهل إنّها لا تسمعهم یا ترى؟!

إنّ فهم هذا الأمر صعب بالقیاس بنا نحن البشر العادیّین. فلو تحدّث إلینا ثلاثة أو أربعة أشخاص فی آن واحد فإنّنا لا نستطیع فهم كلامهم جمیعاً ولا نستطیع توجیه الخطاب إلا لواحد أو اثنین منهم، وبمشقّة. صحیح أنّ الخبراء یقولون إنّ الإنسان إذا تمرّن وتدرّب فسیتمكّن من سماع سبعة أصوات كحدّ أعلى فی آن واحد. لكن أین هذا من الاستماع إلى آلاف الناس معاً، والردّ علیهم أیضاً؟! لیس هذا فحسب، بل إنّ أولیاء الله یعلمون أیضاً السبیل إلى قضاء حاجة كلّ فرد، فیسألون ذلك من ربّهم، فیتفضّل الله علیهم بقضائها. وهذا ما یتّصل بالسیّدة المعصومة (سلام الله علیها)، وهی لیست نبیّاً ولا إماماً، بل هی بنت عظیمة الشأن من ذرّیة هذا البیت الطاهر. فأمر المعصوم مختلف؛ فلو نادى أهل العالم أجمع الوجود المقدّس لصاحب العصر والزمان (أرواحنا فداه) فی آن واحد، لسمعهم قاطبة.

ذكرنا أنّ مُنیة الإنسان هی فی أن لا یلتفت محبوبه إلا إلیه وأن یملأ وعاءَه. وهذه الحالة تتحقّق عادة فی الخلوة. وهو أن یرغب الطرفان فی تحقّق الوصل فی الخلوة كی لا یلتفتا إلا إلى بعضهما وتقوم بینهما علاقة روحیّة بأكمل وجوهها. ففی مثل هذه الأحوال، حتّى الضیاء قد یشكّل لهما مصدر إزعاج، فلا یُفید المحبّ من النور إلا بالمقدار الذی یتیح له رؤیة وجه حبیبه. بل وقد یصل الأمر إلى درجة لا یرغب المحبّ فیها حتّى فی رؤیة وجه الحبیب، إذ بمجرّد أن یعلم أنّ اهتمام الطرف الآخر منصبّ علیه فإنّه سیشعر باللذّة. ولهذا فمن الطبیعیّ أن یرغب الإنسان فی الخلوة بحبیبه.

مناجاة اللیل أداء حقّ المحبّة

السؤال هنا: هل إنّنا نحبّ الله حقّاً؟ فهل یصحّ أن نُعرض عن الربّ - الذی أسبغ علینا كلّ هذه النعم، ولا زال یحوطنا بلطفه ورحمته وكرمه، على الرغم من كلّ مساوئنا وأقذارنا – ونُسلِم أنفسنا للنوم طول اللیل من دون أن نذكره ولو لمرّة؟! فلا بأس أن یتأمّل الإنسان فی هذا الأمر قلیلاً. فقد أكّدت الروایات أیضاً على أنّه: إذا كُنتَ طالب محبّة، فتفكّر. إذ أنّ التفكّر فی آلاء الله جلّ شأنه، وصفات كماله، وألطافه، وتجاوزه، وتفضّله یبعث على ازدیاد محبّة الإنسان لربّه.

وبالطبع لیست القضیّة هی أنّ الذین ینامون لیلهم حتّى الصباح ولا یستیقظون لصلاة اللیل - مثلاً - لا یحبّون الله، لكنّهم – على أقلّ تقدیر – لا یؤدّون حقّ المحبّة، وقد شغلت قلوبهم مشاغل الحیاة الاُخرى، فلم تَعُد محبّتهم بالمقدار الذی یغلب علیهم. إذ یجب أن نعلم أنّ حدّ نصاب المحبّة هو أن یخصّص الإنسان - على الأقلّ - نصف ساعة من مجموع ساعات لیله لمناجاة ربّه. لاسیّما وأنّه عزّ وجلّ یدعوه، ویصرّ علیه، ویرسل له الرسل، وینزل علیه عدداً من الآیات فی أهمّیة هذا الأمر. فلعمری إنّ إهمال هذا الأمر لهو جفاء، وإنّ على الإنسان أن یبذل غایة وسعه كی یغترف من معین المحبّة هذا غُرفة. ولیعلم أنّ نِعم الباری تعالى لا تنحصر فی المأكولات والمشروبات.

تزاحم الواجب والمستحبّ

ثمّة سؤال آخر قد یتبادر إلى الأذهان، لاسیّما إلى أذهاننا نحن طلبة العلوم الدینیّة، وهو: صحیح أنّنا نحبّ الله، وأنّنا لا ندّعی ذلك كذباً، لكنّه ثمّة تكالیف قد أوجبها الله علینا؛ فطلب العلم بالنسبة لنا واجب، وعلینا أن نتباحث ونذاكر ونقوم بالبحوث العلمیّة ونبلّغ الدین وما إلى ذلك. فهذه كلّها تكالیف واجبة، أمّا الاستیقاظ عند السحر وأمثال ذلك فمستحبّ. فهل یجوز، من أجل عمل مستحبّ، أن نترك بعض واجباتنا؟ فهذا السؤال قابل للطرح - لفظاً - ومن الواضح أنّ جمیع الفقهاء سیجیبون قطعاً بأنّ الواجب مقدّم على المستحبّ، ولابدّ - عند التزاحم - من ترك المستحبّ وأداء الواجب. لكنّ الحقیقة هی أنّ الأمر لیس بهذه الصورة؛ فما عدا الساعات التی ننفقها طیلة النهار على طلب العلم والمباحثة وأداء الواجبات فإنّ لدینا أوقاتاً اُخرى بحیث إنّنا لو برمجنا وقتنا بشكل جیّد لتسنّى لنا الاستیقاظ ولو لربع ساعة قبل الفجر وتخصیصها لعبادة السحر، فإنْ أصابنا بعض التعب، ففی میسورنا الاستراحة قلیلاً بعد صلاة الصبح. صحیح أنّ النوم بین الطلوعین فیه كراهیة، لكنّه إذا دار الأمر بین الاستیقاظ فی السحر وترك النوم بین الطلوعین، لكان الأوّل أَولَى.

یُنقل أنّ أحد طلاب العلوم الدینیّة قد طرح على الشیخ الأنصاریّ (رضوان الله تعالى علیه) هذه المسألة فقال: إنّنا نرغب فی أداء المستحبّات، لاسیّما نافلة اللیل، غیر أنّ لدینا دروساً وبحوثاً؛ فهل یجوز أن نُنقص شیئاً من مذاكرة الدروس لنتفرغّ – عوضاً عنها - لنافلة اللیل؟[9] فسأله الشیخ الأنصاریّ: شیخنا! هل تدخّن النرجیلة؟ ولما أجاب الطالب: نعم یا شیخنا، فأنا ادخّنها كما یفعل الآخرون[10]، قال الشیخ الأنصاریّ: اُترك واحدة منها وصلّ صلاة اللیل بدلاً عنها. فتدخین النرجیلة یتطلّب بعض المقدّمات، فتحضیر التبغ وإعداد الفحم یستغرق وقتاً. إذن قم بحذف إحداها وصلّ صلاة اللیل بدلاً عنها، فثواب الأخیرة أكبر من تدخین النرجیلة، وعندها لن یكون ثمّة تزاحم.

وفّقنا الله جمیعاً إلى العمل بما یرضاه، وبما فیه سعادتنا إن شاء الله. 


1. هناك احتمال قویّ بأنّ المراد من ذلك هو انتظارهم ذهاب الظلّ قبل الظهر كی یهرعوا إلى صلاتهم فی أوّل وقتها، ثمّ انتظارهم، بعد ذلك، امتداده حتّى یدركوا وقت فضیلة العصر.

2. سورة المزمّل، الآیات 1-4.

3. سورة المزمّل، الآیة 20.

4. سورة الذاریات، الآیتان 17 و18.

5. أمالی الصدوق، ص356

6. دعائم الإسلام، ج1، ص212.

7. أمالی الصدوق، ص356

8. إقبال الأعمال، ج1، ص201.

9. لعلّ هذا الطالب لم ینظر إلى أنّ مذاكرةَ الدروس أمر واجب، وأراد أن یعرف أیّ هذین المستحبّین أفضل.

10. تدخین النرجیلة كان فی الماضی أمراً شائعاً بین عامّة الناس، بل ومتعارفاً أیضاً حتّى بین أوساط طلبة الدین والعلماء.