فهرست مطالب

الجلسة الثامنة عشر: إكسیر المحبّة

تاریخ سخنرانی: 
1393/02/10

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 30 نیسان 2014م الموافق للثلاثین من جمادى الثانیة 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

18

إكسیر المحبّة

 

تذكُّر أنعم الله هو السبیل لمحبّته تعالى

تحدّثنا فی المحاضرات الماضیة قلیلاً عن سبل اكتساب محبّة الله وقلنا إنّ الحیاة الدنیا تقتضی ممّن هم فی المراتب الدنیا من المعرفة أن یحبّوا الأشیاء المادّیة والمحسوسة بحیث تمثّل الأخیرة لذّة لهم بشكل أو بآخر. لكنّه بعد أن یمنّ الله تبارك وتعالى علینا بمعرفته، كلٌّ بحسب استحقاقه، فإنّ أرضیّةً لمحبّته ستتهیّأ فی أنفسنا شیئاً فشیئاً. وفی مثل هذه المراتب، وكما أوصت به الروایات، فإنّه من أجل نیل محبّة الله عزّ وجلّ یتعیّن - عادةً - التفكّر فی آلائه جلّ وعلا. فإنّ الإنسان قد جُبل بشكل فطریّ وطبیعیّ على حبّ كلّ من یسدی إلیه خدمة أو ینعم علیه. ومن هنا فإنّنا كلّما أطلنا التفكیر فی أنعم الله وآلائه وتعمّقنا فی إدراك قیمتها، فإنّه سیتهیّأ فی قلوبنا مناخ أوسع لمحبّته. ولحسن الحظّ فإنّ الكثیر من آیات الذكر الحكیم تنهض بهذا الدور وتذكّر بأنعم الله سواء تحت شعار «آیات الله» أو تحت عنوان ذكر النعم الخاصّة، وهی تحاول أن تجعلنا نستوعب مدى نفاسة هذه النعم التی منّ الله بها علینا!

لكنّنا معاشر البشر، وبسبب ما ابتلینا به من صنوف الضعف وألوان النقص، لا نفكّر بقیمة آلاء الله كما ینبغی. والقرآن الكریم فی هذا المجال یخاطبنا بهذه اللهجة: «وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»[1]؛ فهو یقول لنا: یجب أن تفكّروا بهذه النعم وتتمعّنوا فی مدى قیمتها ونفاستها كی تشكروها. لكنّنا، وعلى الرغم من أنّنا نقرأ هذه الآیة عشرات المرّات، فإنّنا وبكلّ بساطة ننبذها فی كلّ مرّة وراء ظهورنا ولا نفكّر حتّى لبضع دقائق بمدى عظمة هذه النعم. ونحن لا ننتبه إلى أنفسنا ولا نصاب بالصدمة إلاّ عندما تتعرّض إحدى هذه النعم للخطر وعندها نكتشف مدى أهمّیة هذه النعمة. لكن لمّا كان الله تعالى یعلم بأنّ سلّم رقیّنا وتسامینا یكمن فی محبّتنا إیّاه فإنّه یتغاضى عن تقصیراتنا ویعید تذكیرنا بآلائه ویوعز لأنبیائه بأن ذكّروا الناس بأنعمی كی یحبّونی. وقد یشتكی الله من البشر أحیاناً بقوله: «وَقَلِیلٌ مِّنْ عِبَادِیَ الشَّكُورُ»[2]. ومع كلّ هذا التأكید من قبل الله على الشكر فإنّ الشاكرین قلیلون.

المحبّة الأصیلة والمحبّة التابعة

من الواضح أنّ هذا النمط من المحبّة یتعلّق أصالةً بالنعم؛ فنحن ابتداءً نكتسب محبّة غیر الله ثمّ ننفذ من خلالها إلى محبّة الله. فمثلاً عندما یفكّر المرء بعینه یكتشف أنّه یحبّها وأنّه على استعداد لبذل الملایین بل الملیارات من أجل سلامتها. فإذا أدركنا مدى حبّنا لهذه العین فإنّنا سنحبّ مَن وهبنا إیّاها. وهذا النمط من الحبّ هو بسبب قصورنا وضعفنا، ولكن ما فی الید حیلة. وحتّى بالنسبة لمعرفة الله فإنّنا نتعامل معها بنفس الطریقة. لكنّه ثمّة نمط آخر من الناس فی مجال اكتساب معرفة الله وهم الذین یخاطبون ربّهم قائلین: «بك عرفتُكَ وأنت دللتَنی علیك‏»[3]؛ أی: إلهی! لقد عرفتك عن طریقك ولیس عن طریق مخلوقاتك. فأنت مَن أخذتَ بیدی ودللتنی علیك. وحتّى فیما یخصّ المحبّة فقد رُوی عن أئمّتنا (صلوات الله علیهم أجمعین) أنّهم یخاطبون ربّهم بمضامین من قبیل: إنّنی اُحبّك أنت لا غیرك، ولا اُحبّ غیرك إلاّ فیك. وهی مضامین غایة فی الروعة، لكنّنا لا ندرك معانیها جیّداً. بید أنّه بمقدورنا أن نصدّق إجمالاً بأنّ لله عبیداً یدركون اُموراً هی أعلى من مستوى فهمنا بكثیر.

فنحن – بشكل طبیعیّ – نعرف النبیّ (صلّى الله علیه وآله) ابتداءً، لكنّنا كلّما أطلنا التفكیر فی عظمة نعمة وجوده (صلّى الله علیه وآله) والبركات التی حظینا بها بسببه ازداد حبّنا له. لكن النبیّ الأكرم (صلّى الله علیه وآله) نفسه یقول: أحبّونی فی الله، وأحبّوا أهل بیتی وعترتی فیَّ. بمعنى أنّ المحبّة تبدأ من الأعلى؛ فمحبّة الله هی البدایة، ثم تسری هذه المحبّة من الله إلى نبیّه (صلّى الله علیه وآله) ومن الأخیر إلى أمیر المؤمنین وفاطمة الزهراء وأولادهما المعصومین (سلام الله علیهم أجمعین)، ثمّ إلى أولیائهم من بعدهم. وهذا هو شكل من أشكال سریان المحبّة الذی لا نعرفه جیّداً.

وللتقریب إلى الأذهان نقول: تنقسم المحبّة إلى نمطین: أصیلة وتابعة. وقد تحدّثنا فی المحاضرة السابقة بعض الشیء عن علّة كون المحبّة فی الله من أفضل العبادات، حیث ذكرنا أنّ هذه المحبّة لیست فعلاً مستقلاً، بل إنّها شعاع من نفس محبّة الله عزّ وجلّ. إذ لابدّ من وجود دافع لأفعالنا نحن البشر، أیّاً كانت هذه الأفعال. لكنّنا عندما نحبّ الله تعالى، فإنّنا سنحبّ أولیاءه بشكل عفویّ. ولیس لهذه المحبّة سبب وعلّة، فإنّ محبّة المقرَّبین إلى الله لا تمثّل فعلاً منفصلاً عن محبّة الله نفسه. وهذا بالضبط كحبّنا لضریح السیّدة فاطمة المعصومة (سلام الله علیها) وباب حرمها وتراب صحنها على خلفیّة حبّنا لها (سلام الله علیها). ویطلق على هذا النمط من المحبّة: المحبّة التابعة.

إذا كان للإنسان محبوب واحد أصیل فقط وهو الله، فإنّه النموذج المثالیّ للمحبّة فی الله. إذ لابدّ أن یكون للإنسان محبوب واحد، وأن لا یحبّ باقی الأشیاء إلاّ لكونها من متعلقّات وأشعّة هذا المحبوب. فهذا سیّد الشهداء (علیه السلام) یخاطب ربّه فی یوم عرفة قائلاً: «أنتَ الذی أزلتَ الأغیار عن قلوب أحبّائك حتّى لم یحبّوا سواك»[4]. ففی هذه الحالة تكون محبّة رسول الله وأهل بیته المنتجیبن (علیهم السلام) شعاعاً من محبّة الله تبارك وتعالى، ولیس شیئاً آخر. وهذا اللون من المحبّة له قیمة عظمى. فإذا أصبح الإنسان بهذه الصورة فسیكون مصداقاً للروایة القائلة: «...فلو عَلِم الخلقُ ما محلّه [المحبوب عند الله] عند الله ومنزلته لدیه ما تقرّبوا إلى الله إلاّ بتراب قدمیه»[5].

تحویل المحبّة التابعة إلى محبّة أصیلة

إنّ الواصلین إلى محبّة الله عن طریق محبّة المخلوق تكون محبّتهم للآخرین مستقلّة فی بدایة الأمر؛ بالضبط كما یحبّ المرء وردة بسبب جمالها ورائحتها العطرة، إذ قد لا یخطر بباله بدایةً أنّه ثمّة ربّ قد خلقها. لكنّه إذا فكّر بالذی منح هذه الوردة كلّ هذا الجمال، وتأمّل بكیفیّة نشوء هذه الألوان الزاهیة والعطور الفوّاحة من تراب ملوّث وأسمدة قذرة، وبمن دبّر كلّ ذلك، فإنّه ستتهیّأ له سبیل للتحوّل من هذه المحبّة إلى محبّة الله جلّ شأنه.

فهذه المحبّة ستحدّ تدریجیّاً من استقلالیّة محبّة المخلوق وتحوّلها إلى محبّة تابعة. فالفنّ الذی مارسه الله عزّ وجلّ فی عملیّة خلق روح الإنسان هو فنّ مدهش للغایة؛ فالمحبوب الذی یكون – بادئ ذی بدء - محبوباً للمرء بالأصالة یفقد بریقه وتتلاشى أصالته! فالمتمعّن فی كلام أئمّتنا المعصومین (صلوات الله علیهم أجمعین) یلاحظ كیف أنّهم یرسمون للإنسان هذا الطریق بغیة تربیته؛ فهم یحثّونه - بدایةً - على حبّ الصدیق المؤمن: «ما التقى مؤمنان قطّ فتصافحا إلاّ كان أفضلهما إیماناً أشدّهما حبّاً لصاحبه»[6]. ومن الواضح أنّ قیمة هذه المحبّة تنبع من إیمان المحبوب، وأنّ أنواعها الاُخرى لیست هی ذات قیمة، بل وقد تكون أیضاً مثاراً للمتاعب وعقبة أمام محبّة الله عزّ وجلّ.

وقد نقلت الروایات ما مضمونه أنّ المؤمنَین إذا تصافحا شعّ نور أحدهما على الآخر وكان لقاؤهما سبباً فی ازدیاد نورانیّتهما. كما وجاء فی الخبر أیضاً: «إنّ ملَكاً مرّ برجل على باب فقال له: ما یقیمك على باب هذه الدار؟ فقال: أخٌ لی فیها أردتُ أن أسلّم علیه. فقال له الملَك: بینك وبینه قرابة أو نزعَتكَ إلیه حاجة؟ فقال: لا ما بینی وبینه قرابة ولا نزعتنی إلیه حاجة، إلاّ أُخُوَّة الإسلام وحُرمَتُه فأنا أسلّم علیه وأتعهَّدُه لله ربّ العالمین. فقال له الملك: أنا رسول الله إلیك وهو یُقرئك السلام ویقول لك: إیّایَ زرتَ ولی تعاهدْتَ وقد أوجبتُ لك الجنّة وأعفیتك من غضبی وأَجَرتُك من النار»[7]؛ أی: إنّك لم تأت لزیارة أخیك المؤمن هذا بل أتیت لزیارتی وعلیّ ضیافتك. وجاء فی حدیث آخر: «انّ المؤمنَین إذا التقیا فتصافحا أنزل الله عزّ وجلّ بینهما مائة رحمة تسعة وتسعون منها لأشدّهما حبّاً لصاحبه»[8]. وبالطبع فإنّه لا تكون لهذه المحبّة كلّ هذه المیزات إلاّ إذا كانت فی الله ولیس لأجل حبّ الدنیا.

محبّة المؤمن جسر لمحبّة الله

إنّ محبّة المؤمن لأخیه هی السبیل الممهّدة لنموّ المعرفة والمحبّة والكمال والتقوى ومن ثمّ التقرّب إلى الله تعالى، وهذا هو الداعی من وراء كلّ هذا الحثّ من قبل الله تعالى علیها. فعندما یلتقی المؤمنُ بالفاسق یشعر وكأنّ رائحته النتنة قد زكّمت أنفه، أمّا إذا التقى بالمؤمن وتجاذب معه أطراف الحدیث – حتّى وإن لم یقصد من ذلك شیئاً – انبعث فی قلبه نور وأحسّ برغبة أكبر فی القرآن وأهل البیت (علیهم السلام) وذكر الله تعالى.

وعلى الرغم من كون هذا النمط من المحبّة متعلّقاً بالمخلوقات، غیر أنّه إذا لم یتعارض مع محبّة الله سبحانه وتعالى وكان عنصر الإیمان داخلاً فی متعلَّقه – ولو بعنوان جزء العلّة – فإنّه سیؤدّی تدریجیّاً إلى اشتداد إخلاص المحبّة لله وازدیادها، وهو ما سیقود شیئا فشیئا إلى سلب الأصالة من المخلوقات المحبوبة. وفی هذه المرحلة لا تعود ثمّة محبّتان، بل محبّة الله فحسب. وبتعبیر آخر فإنّ الإنسان فی هذه الحالة لا یعود یرى فی وجود أخیه المؤمن غیر الاُمور الإلهیّة وهو یحبّه لأجلها. وهنا تتحوّل هذه المحبّة الأصیلة إلى محبّة تابعة. وهذا لعمری شیء عجیب، وإنّ المرء إذا ما اهتمّ به فسوف یتولَّد عنده بسبب هذا الضرب من المحبّة للاُمور الدنیویّة وبتوفیق من الله عز ّوجل ّوعبر التوسّل بأهل بیت العصمة والطهارة (علیهم السلام)، مزید من الالتفات والتوجّه إلى الله تعالى.

ومن هنا فلابدّ لنا من الاهتمام بمحبّة أحبّاء الله وأن نحبّ بالدرجة الاُولى كلّ مؤمن. فإن كان المؤمن من ذرّیة رسول الله (صلّى الله علیه وآله) فستناله محبّة أكبر لأنّ انتسابه لأولیاء الله أشدّ. ثمّ تنمو محبّة الإنسان لكلّ مَن فاق الآخرین فی التقوى والعلم حتّى یصل به الأمر إلى حبّ أعظم العلماء لا لسبب إلاّ لأنّه خادم متواضع من خدّام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشریف)؛ فإمامنا الخمینیّ الراحل (قدّس سرّه) كان یقول عند ذكره الوجود المقدّس المتمثّل بصاحب الزمان: «روحی وأرواح العالمین لتراب مَقدَمه الفداء».

تعجّب الاستاذ المصریّ من كلام الإمام الراحل

یروی أحد فضلاء الحوزة العلمیّة الكبار عندما تشرّف بحج بیت الله الحرام فی السنوات الاُولى بعد انتصار الثورة الإسلامیّة: فی یوم من الأیّام كنت جالساً فی المسجد الحرام وإذا بشخص كان یجلس إلى جواری یقول لی بالعربیّة: أأنتَ إیرانیّ؟ قلت: أجل. قال: أنا استاذ جامعیّ من مصر أحبّ الإمام الخمینیّ ولدیّ سؤال. فقلت: تفضّل. قال: فی الحقیقة إنّنی كنت أتصوّر أنّ العالم الإسلامیّ لم ینجب بعد النبیّ الأكرم (صلّى الله علیه وآله) شخصیّة بعظمة الإمام الخمینیّ، لكنّنی أحیاناً أسمع فی كلامه عبارة تثیر عجبی، فهو أحیاناً ینوّه باسم شخص ثمّ یقول: روحی لتراب مقدمه الفداء! فمن هو هذ الشخص؟ قلت: هذا الشخص هو نفسه المذكور فی كتبكم. ثم نقلتُ له روایة أو روایتین عن صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشریف).

لاحظوا أنّ هذا الاستاذ المصریّ قد نال حبّ صاحب الأمر (عجّل الله تعالى فرَجه الشریف) من خلال حبّه الإمام الخمینیّ (رحمه الله). فالاختلاف الموجود بین الوجود المقدّس المتمثّل بالإمام الراحل (رضوان الله تعالى علیه) والوجود المبارك لصاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشریف) هو بحیث إنّ نفس الإمام الخمینیّ یقول: إنّ تراب قدمه أشرف من روحی، وإنّ روحی هی فداء لهذا التراب! وهذه لنعمة عظمى قد وهبها الله لنا نحن الشیعة على وجه الخصوص. بالطبع إنّ الكثیر من أهل السنّة قد بلغوا مراتب من محبّة أهل البیت (علیهم السلام)، لكنّ هذا الفخر قد حظینا به نحن الشیعة خاصّةً وهو أنّنا نحبّ أهل البیت (علیهم السلام). لكنّ الشیطان لا یكفّ عن الكید لنا حتّى فی هذه القضیّة.

علامة المحبّة الحقیقیّة

عندما نطّلع على الروایات التی تتحدّث عن أهمّیة محبّة أهل البیت (علیهم السلام) ونشعر بالحبّ تجاههم، فإنّ الشیطان یبعث فی أنفسنا الغفلة والغرور حتّى نتصوّر أنّنا بلغنا مرامنا، وأنّه ما دمنا نحبّ الإمام الحسین (علیه السلام) فلنفعل ما یحلو لنا! فإنّ الحسین سیشفع لنا وتصبح أفعالنا مقبولة. وقد اهتمّ أهل البیت (صلوات الله علیهم أجمعین) أنفسهم بهذه القضیّة وحذّروا أصحابهم من الابتلاء بهذه الغفلة. إذ یروی المرحوم الشیخ الطوسیّ حدیثاً عن الإمام الباقر (سلام الله علیه) یخاطب فیه جابر الجعفیّ قائلاٍ: «یا جابر! بلّغ شیعتی عنّی السلام، وأَعلِمهم أنّه لا قرابة بیننا وبین الله عزّ وجلّ، ولا یُتقرَّب إلیه إلاّ بالطاعة له. یا جابر! مَن أطاع الله وأحبّنا فهو ولیّنا، ومن عصى الله لم ینفعه حبّنا»[9]. وقد روی عنه (علیه السلام) أیضاً: «والله ما معنا من الله براءة، ولا بیننا وبین الله قرابة، ولا لنا على الله حجّة»[10]؛ أی: ما لنا حجّة تُكره الله على قبول قولنا؛ إذ أنّه: «فلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ»[11]، ولیس لأیّ أحد على الله حجّة. ثمّ یقول (علیه السلام): «ولا نتقرّب إلى الله إلاّ بالطاعة فمَن كان منكم مطیعاً لله تنفعه وَلایتنا ومَن كان منكم عاصیاً لله لم تنفعه ولایتنا، ویحَكم لا تغترّوا، ویحَكم لا تغترّوا»؛ أی لا تخدعوا أنفسكم، فسبیل السعادة هو العبودیّة لله، وإنّ محبّتنا إنّما تنفعكم إذا سرتم فی هذا الطریق، لكنّها لا تحلّ محلّها.

كما وجاء فی اُصول الكافی عن أبی جعفر الباقر (سلام الله علیه)[12] أیضاً: «أیكتفی مَن انتحل التشیّع أن یقول بحبّنا أهل البیت»؟! وهل یستقیم أمره بمجرّد ذلك؟! ثمّ یقول (علیه السلام): «فلو قال: إنّی أُحبّ رسول الله، فرسولُ الله (صلّى الله علیه وآله) خیر من علیّ (علیه السلام)»؛ فلو كان الأمر بالقول والحبّ، فلیقلّ إنّی اُحبّ رسول الله (صلّى الله علیه وآله) فهو أفضل من علیّ (علیه السلام). أی: لو كان مجرّد القول والحبّ نافعاً فلیقل: إنّی أحبّ محمّداً (صلّى الله علیه وآله) عوضاً عن قوله: إنّی اُحبّ علیّاً (علیه السلام). فمجرّد هذه الادّعاءات لا تجدی نفعاً، إذ أنّه (یتابع علیه السلام): «لیس بین الله وبین أحد قرابة»[13]، وإنّ سبیل المدّعِی لحبّنا لیست هی سبیل المعصیة. وحتّى لو ارتكب الخطیئة وزلّت قدمه فعلیه أن یتوب من فوره ویهرع إلى التوسّل، ویستحی منّا بأنّه كیف یكون من شیعتنا ثمّ یأتی بهذه الفعلة، وذلك كی یتدارك أمره بسرعة.

فلابدّ أن یكون للمحبّة عمق. فإن أحببنا رسول الله وأهل بیته (صلوات الله علیهم أجمعین) فمن منطلق أنّهم محبوبون عند الله. فیتعیّن أن تكون هذه المحبّة فرعاً لمحبّة الله كی یتحقّق منها الأثر الذی نصبو إلیه. ومن هنا یتحتّم أن نعیش دوماً حالة التأرجح بین الخوف والرجاء وأن لا نتصور بأنّ المحبّة فی قولهم: إنّ محبّة أهل البیت (علیهم السلام) تحلّ كلّ معضلة، هی من ذلك النمط الدنیویّ! فهذا ضرب آخر من المحبّة عبّر عنه أئمّتنا (علیهم السلام) بما مضمونه أنّ: مَن أحبّنا لم یخالفنا.

بالطبع لا ینبغی أیضاً أن ندع الیأس یتسلّل إلى أنفسنا بأنّه ما دمنا من أهل المعاصی فإنّه لیس ثمّة سبیل للنجاة. فقد كان هناك ممّن أمضوا سنین طویلة من أعمارهم غارقین فی المعاصی ومقترفین لأفظع الذنوب، لكنّ حبّ أهل البیت (علیهم السلام) كان مستقرّاً فی أعماق قلوبهم، حتّى برز فی نهایة المطاف فأصلح أمرهم فی لحظة الامتحان والاختبار. والنموذج البارز لأمثال هؤلاء هو المرحوم طیّب (رحمه الله)[14].


[1]. سورة النحل، الآیة 78.

[2]. سورة سبأ، الآیة 13.

[3]. إقبال الأعمال، ج1، ص67.

[4]. إقبال الأعمال، ج1، ص349.

[5]. بحار الأنوار، ج67، ص23.

[6]. المؤمن، ص31.

[7]. وسائل الشیعة، ج12، ص56.

[8]. مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج9، ص67.

[9]. الأمالی للطوسی، ص296.

[10]. وسائل الشیعة، ج15، ص234.

[11]. سورة الأنعام، الآیة 149.

[12]. هذه الروایات الثلاث مرویّة عن الإمام الباقر (علیه السلام) ممّا یشیر إلى أنّ اُناساً فی زمانه كانوا یتصوّرون بأنّ محبّتهم لأهل البیت (علیهم السلام) تكفیهم.

[13]. الكافی، ج2، ص74.

[14]. هو «طیّب حاج رضائی» اشتهر فی طهران أیّام حكم الشاه بالبلطجة هو وأعوانه وكانت له هیبة وشوكة عظیمتان لكنّه كان محبّاً لعلماء الدین وعاشقاً للإمام الحسین (علیه السلام) وكان ینظّم أكبر موكب عزاء أیّام شهر محرّم الحرام. إبّان اندلاع الثورة الإسلامیّة فی إیران طلبت منه الحكومة مساعدتها فی ارتكاب مجزرة المدرسة الفیضیّة فی قتل مجموعة من طلاب علوم الدین فرفض. ثمّ عمد إلى رفع صور الإمام الخمینیّ (رحمه الله) على أعلام موكبه، وحرّض على انتفاضة الجماهیر فی إثر اعتقال الإمام غیر آبهٍ بتحذیرات جلاوزة النظام الحاكم، فما كان من الأخیرین إلاّ أن ألقوه فی السجن طالبین منه بعد التعذیب الجسدیّ القاسی أن یعترف زوراً بأنّه قد فعل ما فعل مقابل مبلغ من المال استلمه من آیة الله الخمینیّ فی مقابل إطلاق سراحه واسترداد هیبته فرفض قائلاً: «لن اتّهم ابن الإمام الحسین زوراً»، وأصرّ على موقفه متجاهلاً مكانته وهیبته حتّى اُعدِم. (المصدر: موقع حوزة نت الالكترونیّ: www.hawzah.net).