فهرست مطالب

الجلسة الخامسة والاربعون: نبذ الحماقة

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/29

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 20 تموز 2014م الموافق للیلة الثالثة والعشرین من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

نبذ الحماقة

45

إشارة

تناولنا فی المحاضرات الماضیة تلك المقاطع من حدیث المعراج القدسیّ التی تحدّثت عن خصوصیّات مُحبّی الله تعالى. وقد قلنا أثناء البحث إنّ إحدى میزات المولَعین بحبّ الله هی كون قلوبهم طافحة بمحبّته عزّ وجلّ بحیث لا یعود فیها مجال لمحبّة غیره. بید أنّ الحدیث نفسه یوصی كذلك بمودّة بعض الأشخاص وأصناف اُخرى من الناس. وقد ذكرنا فی توضیح التوصیات أعلاه أنّ هذا النمط من الودّ لیس هو بمعزل عن محبّة الله تعالى، بل هو فرع وشعاع منها؛ ذلك أنّ الذی یودّ شخصاً ما فإنّه سیحبّ متعلّقاته أیضاً لأجله. ثمّ إنّ الذین اُوصی بمحبّتهم هم أولیاء الله وأحبّاؤه، ولا ریب أنّ كلّ مَن یحبّ الله فإنّه سیودّ هؤلاء أیضاً لأجله سبحانه.

وقد أشرنا، متابعةً للبحث، إلى أنّ من جملة الذین یوصی الحدیث بمحبّتهم هم الفقراء الذین ذكر الحدیث بأنّ محبّتهم هی عین محبّة الله جلّ وعلا: «إنّ المحبّة لله هی المحبّة للفقراء»[1]. وبوسعنا أن نفهم من هذه العبارة أنّ محبّة الفقراء لا تزاحم محبّة الله.

والفئة الثانیة التی جاءت التوصیة بمحبّتهم هم أهل الآخرة: «أَحِبَّ الآخرة وأهلَها»[2]. ثمّ سرد الله، فی تتمّة الحدیث، میزات أهل الآخرة، وفی مقابلها صفات أهل الدنیا الذین أوصانا ببغضهم. هذا وقد تطرّقنا فی المحاضرات القلیلة الأخیرة، بعد ذكر صفات أهل الدنیا، إلى سجایا أهل الآخرة وتكلّمنا بعض الشیء عن «الحیاء» الذی هو أوّل صفاتهم وأبرزها. وسنتناول فی محاضرة الیوم ثانی سجیّة من سجایا أهل الآخرة، والتی یعبّر عنها حدیث المعراج القدسیّ بقوله: «قلیلٌ حُمقهم»[3].

معنى الحماقة

لقد سبق أن قلنا فی صفات أهل الدنیا: «وهم عند أنفسهم عُقَلاء، وعند العارفین حُمَقاء»؛ أی إنّهم یعدّون أنفسهم فی قمّة العقل والفهم فی حین أنّ أهل المعرفة یرونهم حمقاء. لكنّ الله عزّ وجلّ یعرّف أهل الآخرة فی المقابل بكونهم: «قلیلٌ حمقهم». ولابدّ من التنبّه هنا إلى أنّ هذه العبارة لا تعنی وجود شیء من الحماقة عند طلاّب الآخرة، بل یُراد منها أنّه قلّما یمكن العثور فی سلوك أهل الآخرة على تصرّفات غیر عقلانیّة إذا ما قیست بتصرّفات أهل الدنیا، هذا وإن أتى بعضُهم أحیاناً بأعمال غیر مدروسة لكنّها یمكن التجاوز عنها، خلافاً لطلاّب الدنیا الذین تغلب علیهم الحماقة.

لكن ما معنى الحماقة یا ترى؟

كما تعلمون فإنّ مفردة «الجهل» تُستخدم فی مقابل «العلم» وهی تُطلق على من لا یعلم بموضوع ما. أمّا الذی یأتی - على مستوى العمل - بتصرّف ینمّ عن جهل فیقال له: «أحمق». وفی المقابل فإنّ الذی یكون سلوكه صحیحاً یُنعَت بكونه «عاقلاً». ولذا فإنّ لفظة «العقل» تُستعمل فی مقابل «الحُمق» فی مقام العمل. بالطبع استخدام كلمة «الجهل» یستوعب أحیاناً الجانب النظریّ والعملیّ على حدّ سواء. على سبیل المثال فإنّ المراد من قوله تعالى: «قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِینَ»[4] یبدو أنّه الجهل على المستوى العملیّ.

أمّا حقیقة «الحماقة» فهی أن یأخذ المرء، فی محاولته للوصول إلى هدف ما، بأسباب أو یسلك طریقاً لا یوصله إلى مراده. والحماقة – بعبارة اُخرى - هی إتیان الإنسان فعلاً یؤدّی فی نهایة المطاف إلى خسرانه حتّى وإن تصوّر أنّه یحسن صنعاً. وإنّه من هذا المنطلق جاءت التوصیة فی الأحادیث بعدم مشاروة الأحمق، فهو وإن قصد خدمتك، لكنّه سیضرّك بسبب عدم معرفته[5].

قِصَر النظر الناشئ عن الحمق

لكن كیف تكون حماقة أهل الدنیا زائدة؟ أوَلیس ما نعیشه الیوم من تنمیة وتطوّر على مختلف المستویات العلمیّة والصناعیّة هو صنیعة نفس طلاّب الدنیا هؤلاء؟ على خلاف أهل الآخرة الذین لا یجیدون – كما یتخیّل أهل الدنیا – غیر الصلاة والدعاء والعبادة، بل ولربما اكتفى معظمهم بمجرّد إظهار القداسة! هذا مضافاً إلى أنّه من خلال مشاهدة المرء اُولئك الذین یطلبون الدنیا، واُولئك الذین لا یفكّرون إلاّ بالآخرة فبإمكانه أن یدرك أنّه ثمّة عقلاء وثمّة حمقى فی كلا الفریقین، وأنّه لیس هناك تلازم بین العقل وطلب الآخرة، ولا بین حبّ الدنیا والحمق.

یبدو أنّ الحدیث القدسیّ ینظر إلى المسألة من زاویة هی غیر تلك التی ننظر منها نحن، الذین نُعَدّ - إلى حدّ ما - من أهل الدنیا. فإنّه إذا نظر امرؤ من الزاویة التی ینظر منها قائل الحدیث فسیفهم كم أنّ أهل الدنیا حمقى.

فابن آدم - فطریّاً - هو طالب دَعة وراحة، وهو – بالطبع - یسعى لنیل الراحة الأكثر هناءً والأطول أمداً. ولهذا السبب یحبّ كلّ امرئ أن یطول عمره وهو یبذل كلّ ما بوسعه فی سبیل أن یزداد عمره قلیلاً. إذ یقول عزّ من قائل: «یَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ یُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ»[6]. وسبب ذلك هو أنّ الإنسان یسعى بالفطرة وراء اللذّة والسرّاء. وكلّما كانت لذّته أكثر هناءً وبقاءً كان أشدّ سعادةً ورضىً. ولهذا فإنّ كلّ تصرّف یصدر فی هذا المجال یُعدّ عقلانیّا. لكنّ أصحاب الدنیا - الذین یرون فی تقدیم لذّة ساعة من الزمن على لذّة خمسین دقیقة أمراً عقلانیاً – فإنّهم یؤثرون مسرّات الدنیا الضیّقة العابرة على المتعة الأبدیّة وغیر المحدودة للآخرة!

لكن أیّ واحدة من اللذّتین ینبغی للإنسان العاقل أن یختار: هذه العابرة القصیرة، أم تلك الأبدیّة الطویلة؟ وإذا كان الحال كذلك، فما الذی یجعل أصحاب الدنیا یغضّون الطرف عن لذائذ الآخرة الباقیة بغیة نیل مُتع الدنیا الفانیة؟ «الَّذِینَ یَسْتَحِبُّونَ الْحَیَاةَ الدُّنْیَا عَلَى الآخِرَةِ»[7]. ألیست هذه حماقة؟ فلقد تحدّث الأنبیاء (علیهم السلام) جمیعاً عن الآخرة. وإنّ أكثر من ثلث القرآن الكریم یتناول الحیاة الآخرة. أمّا أهل الدنیا فمشغولون بإمرار معیشة یومهم الحاضر، ولیَجْرِ غداً ما یجری! والله تعالى یقول: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَیَاةَ الدُّنْیَا * وَالآخِرَةُ خَیْرٌ وَأَبْقَىٰ»[8]. فوفق أیّ منطق یفرّط بعض الناس بمسرّات الآخرة الأكثر عذوبةً والأطول بقاءً؟ فلو أطلنا التأمّل فی هذه القضیّة واستوعبناها خیر استیعاب لاكتشفنا أنّ فعلاً كهذا لیس هو إلاّ الحماقة بعینها.

النسیان عن حماقة

من وحی التجربة، التی قد تكونون أنتم أیضاً مررتم بنماذج متعدّدة منها، فإنّ المرء إذا أنجز نفس هذه الاُمور الدنیویّة المألوفة وفقاً لتعالیم الله عزّ وجلّ وطمعاً فی مرضاته فإنّ الله سیرفُده بإمدادات غیبیّة لا یسعه حتّى تصوّرها. هل هی قلیلة تلك التجارب المشابهة التی مرّت بنا إبّان فترة الدفاع المقدّس (أثناء الحرب بین العراق وإیران)؟ فلقد كان مجاهدونا فی جبهات القتال یشهدون یومیّاً مثل هذه الأیادی الغیبیّة من جانب الله تبارك وتعالى ممّا لم یكن یُصدَّق حتّى من قِبلهم هم؟ فلقد نهض نفرٌ من الناس العادیّین دونما تجهیزات یُعتَدّ بها، بل كان أغلبهم لا یجیدون استخدام السلاح أیضاً، لمواجهة عدوّ مدجّج بالسلاح مدعوم من العالم بأسره. لكن بما أنّ هؤلاء القوم قد هبّوا لقتال عدوّ الله عن إخلاص فی نیّاتهم وابتغاءً لوجه الله جلّ وعلا، فلقد مدّهم الله بالعون فانتصروا فی الحرب. أمّا بعد الحرب، وكأنّه لم یبق فی هذا العالم إلاّ نحن والأدوات الدنیویّة، فقد نسینا أنّه ثمّة ربّ فوق رؤوسنا أیضاً!

إنّ أهل الآخرة لا ینسون مثل هذه التجارب، وهم یفیدون منها باستمرار. أمّا أهل الدنیا فهم غارقون فی النسیان. أوَلیس نسیان وعود الله جلّ شأنه ووعود نبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله)، والكمّ الهائل من الآیات والروایات، والتجارب العینیّة التی تُذكّرنا بحضور الله تعالى فی جمیع المجالات والمیادین – أوَلیس كلّ ذلك من الحماقة؟

فالله عزّ وجلّ یُذَكّرنا باستمرار بأنّه تعالى قد جعل فی شؤون الدنیا من السنن ممّا لو أفاد منه الإنسان جیّداً فسوف یظفر فی نفس هذه الحیاة الدنیا بضروب من النجاح فی نیل رغباته الدنیویّة. إحدى هذه السنن هی البركات المترتّبة على الشكر؛ كما فی قوله تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِیدَنَّكُمْ»[9]. أمّا أهل الدنیا فعوضاً عن شكر أنعم ربّهم، فإنّها تُمحى من أذهانهم، وتراهم دائمی الشكوى من عدم تلبیة بعض حوائجهم.

والسنّة الاُخرى هی الثمار الحاصلة من الاستغفار. یقول عزّ وجلّ: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَیْهِ یُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَیْكُمْ مِدْرَاراً وَیَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى‏ قُوَّتِكُم»[10]. فإنّكم إن استغفرتم ربّكم ثمّ تبتم من ذنوبكم فسیرسل الله السماء علیكم برحمة المطر ولا تُبتلون بالجفاف والقحط، وسوف تتعاظم قوّتكم أیضاً. لكن ماذا یصنع الإنسان عوضاً عن الالتفات إلى هذه السنّة واستغلالها؟ إنّه یصنع سحاباً صناعیّاً كی یحصل منه على أمطار اصطناعیّة! ولربّما فاقت تكالیف هذا العمل ثمارَ نفس المطر الذی سیهطل. غیر أنّ أهل الدنیا، وبدلاً من أن یتوبوا إلى بارئهم ویستغفروا ربّهم، ویصطفّوا لأداء صلاة الاستسقاء، فإنّهم یضعون آمالهم فی مطر اصطناعیّ ینزل علیهم من سحاب مُصطنع! أوَلیست هذه حماقة؟

أو ترى اُولئك الذین كانوا إلى الأمس القریب رفاقَ درب وقتال وزملاءَ عمل، یعمل كلّ واحد منهم الیوم على تخریب صورة زمیله فی السباق السیاسیّ، فیتغاضى عن أعماله الحسنة ویتحدّث كما لو لم یبدر من زمیله أیّ صنیع إیجابیّ أبداً. وعوضاً عن العمل على تلاقح الأفكار ووضع الید فی ید الصدیق، تراه یمدّ - سرّاً - ید الحاجة إلى العدوّ فیطلب منه المعونة! ألیست هذه حماقة؟ أوَلیس من الحماقة أن یتخلّى المرء عن أصدقائه ورفاقه ویمدّ ید العوز والحاجة إلى عدوٍّ قد ثبت منه الخداع والمصلحیّة الدنیئة مراراً؟!

الكِبْر الناشئ عن الحمق

إنّ أهل الآخرة ینظرون أوّلاً إلى ربّهم، فإن شقّت علیهم معیشتهم، وكان الله راضیاً عنهم، لم یشتكوا أبداً، بل یكون كلّ اعتمادهم على الله وجمیع أملهم فیه سبحانه، فهم یقولون: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ‏ الْوَكِیلُ»[11]. بل حتّى إذا اجتمع الأعداء لإبادتهم وإفنائهم قالوا: «هٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»[12]. فلقد وعدَنا الله سابقاً مثل هذا الرزق، «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ‏ الْوَكِیلُ»، فإنّ الله كافٍ لنا. فلو مال عنّا جمیع الأنصار والأحبّة أیضاً فسوف لا یساورنا القلق، إذ أنّ الله عزّ وجلّ معنا، وهو العوض عن الكلّ وهو فوق الجمیع. هكذا هم أهل الآخرة. أما أهل الدنیا فقد یُظهرون الأمل فی نصرة الله على ألسنتهم، لكنّهم یتّكلون، فی قلوبهم، على القدرات المادّیة، وصراعهم مع الآخرین، ثمّ فی النهایة على المعونات الخارجیّة، حتّى تلك التی من عدوّهم. فهل یصحّ منّا – مع كلّ ما مرّ – أن نعتبر هؤلاء عقلاء؟

بطبیعة الحال إنّ أهل الدنیا یتفاخرون بكونهم یفهمون فنون السیاسة ویعلمون من أین تُؤكَل الكتف وكیف یستغلّون العدوّ، وهم یعدّون أنفسهم من العقلاء ویرون الآخرین اُمّیین جَهَلة، والحال أن ّالله تعالى یقول فی حدیث المعراج: «وهم عند أنفسهم عُقَلاء، وعند العارفین حُمَقاء».

فمَن هو الأحمق إذن؟ إلیس ذلك الذی نسی الله والیوم الآخر، وأدار ظهره إلى الإمدادات الغیبیّة، ولم یُلقِ بالاً إلى توسّل الناس ودعائهم فی لیالی القدر، وتشبّث – عوضاً عن ذلك كلّه – بأذیال أمریكا علّها تعید إلینا بعض الذی سرقته هی منّا؟ أوَلیست هذه حماقة؟ «وهم عند أنفسهم عُقَلاء، وعند العارفین حُمَقاء».

فإن كان الأمر كذلك فما هو إذن معنى الآیات والأحادیث الكثیرة التی توصی الإنسان بالأمل فی نصرة الله تعالى؟ ألم یقل ربّ العزّة: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ»[13]. فما كان من المسلمین یوم وقعة بدر، وقد كانوا قلیلی العدد وخالی الوفاض من العُدّة والسلاح وهم یواجهون جیش قریش الجرّار المدجّج بالسلاح فی حالة من الذلّ والبؤس – ما كان منهم إلاّ أن یلجأوا إلى الله تعالى ویستغیثون به: «إِذْ تَسْتَغِیثُونَ رَبَّكُمْ‏»[14]، وما كان من الله تعالى فی المقابل إلاّ أن یمدّهم  «بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِینَ»[15]. أوَتكذب علینا هذه الآیات یا ترى؟!

لقد سمعتُ من لسان نفس السیّد حسن نصر الله حفظه الله إذ نقل: «بعد حرب تمّوز التی دامت ثلاثة وثلاثین یوماً بین حزب الله والكیان الصهیونیّ، وُجّهت فی لقاء مع بعض قادة جیش الاحتلال فی تلفزیون العدوّ أسئلة حول أسباب هزیمتهم أمام جنود حزب الله وهم قلّة، فكان جوابهم: لقد هُوجِمنا فی هذه الحرب من قِبل أشخاص كانوا یرتدون ثیاباً بیضاً ویحملون فی أیدیهم السیوف فلم نستطع الصمود بوجههم ولم نجد بُدّاً من الفرار أمامهم». هذه كانت تصریحات قادة جیش الكیان الصهیونیّ حول علّة انكسار جیشهم أمام جند حزب الله والتی بثّها تلفزیون الكیان نفسه. فما الذی كان یملك جنود حزب الله یا ترى غیر الإخلاص والتضحیة فی سبیل الدین؟ وقد مدّ الله تعالى لهم ید العون حتّى استطاعوا بمفردهم وبأیدٍ خالیة هزیمة أكبر قوّة عسكریّة فی الشرق الأوسط، كانت قد هزَمتْ یوماً بضع دول عربیّة فی غضون ستّة أیّام فقط!

فهل یصحّ لمن آمن بالقرآن والسنّة وبهذه التجارب الواقعیّة أن یقول: لا نستطیع التفوّه بكلمة فی وجه إسرائیل؟! أوَلیس هذا من الحماقة؟

خداع النفس على خلفیّة الحمق

إنّ مَثَل أصحاب الدنیا كمَثَل أطفال یفرّطون فی لعبهم الصبیانیّ بجواهر نفیسة ثمناً لبضعة أكیاس من رقائق البطاطس المقلیّة ثمّ یتفاخرون بصفقتهم تلك! فأهل الدنیا یفرحون بخداع الناس وتخریب صورة الآخرین من أجل الحصول على مناصب تدوم لهم بضعة أیّام فی هذه الدنیا غافلین عن قوله تعالى: «أَوَلَمْ یَهْدِ لَهُمْ كَمْ‏ أَهْلَكْنَا مِنْ‏ قَبْلِهِمْ‏ مِنَ الْقُرُونِ»[16]؟ فأین یا ترى ذهب فرعون، الذی كان یقول: «أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَىٰ»[17] فیخرّ الناس أمامه سُجَّداً؟ أوَنَنسى الله تعالى، ونضع الدین جانباً، ونمنّی أنفسنا فرحین بأنّ العدوّ سیعید لنا أموالنا؟ وكلّ ما نأمله من الإسلام هو أن یكون طلبتنا وأساتذة جامعاتنا على معرفة بثقافتهم الإسلامیّة بمستوى إطّلاعهم على ثقافتهم الوطنیّة! لكن لنسأل أنفسنا: ما هو المراد من معرفة الإسلام؟! أوَلم یكن طلبتنا الجامعیّون فی زمان النظام الشاهنشاهیّ على معرفة بالإسلام؟ بل وحتّى الكیان المحتلّ للقدس یمتلك الیوم مراكز أبحاث حول التشیّع یقصدها الناس من جمیع أنحاء العالم للاطّلاع على مذهب التشیّع!

فلطالما أكّد قائد الثورة الإسلامیّة (دام ظلّه) على أنّ المراد من الثقافة هی تلك الثقافة الإسلامیّة الثوریّة، وأنّه لابدّ من إشاعتها بین الناس، لا أن یُكتفى بتعرّف الطالب الجامعیّ على هذه الثقافة. فهل یكفی یا ترى أن یتعرّف الطالب والاُستاذ الجامعیَّان على الثقافة الإسلامیّة، بالضبط كما یطّلعان على الثقافة الوطنیّة وتاریخ إیران القدیمة؟ هل هذا هو هدف الثورة الإسلامیّة؟ فكیف لنظام یصبو إلى هدف سیادة الثقافة الإسلامیّة على العالم بأسره أن تصل به الاُمور إلى التفكیر بمجرّد تعریف الطلبة بالثقافة الإسلامیّة إلى جانب الثقافة الإیرانیّة؟ أیكون لهذا معنى آخر غیر الحماقة؟

«هم عند أنفسهم عُقَلاء، وعند العارفین حُمَقاء». نسأل الله تبارك وتعالى أن ینجینا جمیعاً من هذا اللون من الحماقة وكلّ حماقة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص23.

[2]. إرشاد القلوب، ج1، ص201.

[3]. إرشاد القلوب، ج1، ص201.

[4]. سورة البقرة، الآیة 67.

[5]. «لا تُشاور أحمقَ.. الأحمق یجهدُ لك نفسَه ولا یَبلغُ ما ترید»، بحار الأنوار، ج75، ص230.

[6]. سورة البقرة، الآیة 96.

[7]. سورة إبراهیم، الآیة 3.

[8]. سورة الأعلى، الآیتان 16 و17.

[9]. سورة إبراهیم، الآیة 7.

[10]. سورة هود، الآیة 52

[11]. سورة آل عمران، الآیة 173.

[12]. سورة الأحزاب، الآیة 22.

[13]. سورة آل عمران، الآیة 123.

[14]. سورة الأنفال، الآیة 9.

[15]. سورة الأنفال، الآیة 9.

[16]. سورة السجدة، الآیة 26.             

[17]. سورة النازعات، الآیة 24.