فهرست مطالب

الجلسة الاحدی والاربعون: العلاقة بین الزهد والنهوض الاقتصادیّ

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/25

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 16 تموز 2014م الموافق للیلة التاسعة عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

العلاقة بین الزهد والنهوض الاقتصادیّ

41

 

إشارة

تعرّضنا فی المحاضرات الفائتة إلى توضیح مقاطع من حدیث المعراج القدسیّ دار محورها الأساسیّ حول محبّة الله وأولیائه وبغض أعدائه. وقد تكلّمنا فی اللیلة الماضیة فی عبارة: «إنّ المحبّة لله هی المحبّة للفقراء»[1] وغیرها من التی توصی بالتقرّب من الفقراء وحبّهم، ومجانبة الأغنیاء. وقد ورد فی حدیث المعراج مراراً التأكید على اجتناب لذائذ الدنیا وعلى بغضها، وكذا احترام الفقراء فی المقابل حتّى عدّ محبّة الله هی عین محبّة الفقراء فی قوله: «إنّ المحبّة لله هی المحبّة للفقراء».

هذا وقد رُوی فی سیرة أهل البیت (صلوات الله علیهم أجمعین)، لاسیّما سیرة أمیر المؤمنین (علیه السلام) سلوك من الزهد والإعراض عن الدنیا ممّا یثیر العجب حقّاً. فقد استعمل الإمام علیّ (صلوات الله علیه) فی كتابه إلى عامله على البصرة عثمان بن حنیف تعابیر هی غایة فی الغرابة فی هذا المجال، فقال فیما قاله: «فما خُلِقتُ لِیشغَلَنی أكلُ الطیّبات»[2]، «وإنّما هی نفسی أَرُوضها بالتقوى لتأتی آمنة یوم الخوف الأكبر»، أی یوم القیامة، «إنّ لكلّ مأموم إماماً یقتدی به ویستضیء بنور علمه ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنیاه بطِمرَیه ومن طُعمِه بقُرصَیه»، أی إنّ إمامكم قد اكتفى من دنیاه بثوبین بالیین ومن طعامه برغیفین من الشعیر، فی حین أنّه كان لو شاء وفّر لنفسه أفضل الأطعمة وأشهاها. كما أنّه (علیه السلام) یقول فی موضع آخر: «وَأیْمُ الله... لأَرُوضَنّ نفسی ریاضةً تَهِشّ معها إلى القرص»، أی لأجوِّعنّ نفسی جوعاً حتّى تلتذّ برغیف الشعیر الجاف. لكن أین نحن من هذا یا ترى؟! فنحن نُفلت زمام أنفسنا إذا وقعت أبصارنا على أطعمة متنوّعة شهیّة. ومن أجل ذلك یقول أمیر المؤمنین (علیه السلام): «أَلا وإنّكم لا تقدرون على ذلك» فأنا أعلم أنّكم لا تستطیعون العیش مثلی ولكن حاولوا أن تتشبّهوا بی على الأقلّ «ولكن أعینونی بورع واجتهاد». وقد روی فی موضع آخر أنّه (علیه السلام) عندما أدلى بآخر خطبة له قبل شهادته كان قد برز إلى الناس بجبّة من صوف، ینتعل حذاء من لیف النخل، وجبینه كأنّه ثفنة بعیر، وقد ارتقى صخرة[3]. هذا هو زهد علیّ (علیه السلام).

أمّا الیوم فهناك من یشكّك فی هذه الممارسات وینبری، بذریعة التنمیة الاقتصادیّة والتطوّر، إلى توجیه الانتقادات اللاذعة لمدرسة الإسلام وثقافته بسبب اهتمامهما بمثل هذه القضایا.

الزهد، أم النهوض الاقتصادیّ؟

هنا یكمن سؤال: إنّ التمسّك بتعالیم القرآن الكریم والسنّة الشریفة والنظر إلى الحیاة الدنیا بوصفها لعباً ولهواً، وعدم الاكتراث بها، وعدّها وسیلة للخداع، هل ینسجم مع التنمیة والتطوّر؟ فكیف یمكن الجمع بین بغض الدنیا وأهلها، وهو ما قامت علیه السیرة العملیّة لأهل بیت النبوّة (صلوات الله علیهم أجمعین) وبین السعی فی طریق التنمیة الاقتصادیّة؟

لقد استغلّ مناهضو الدین هذا النمط من المسائل للنیل منه، خاصّة الدین الإسلامیّ، وأشاعوا فی دعایاتهم بأنّ الثقافة الدینیّة والمتدیّنین یقفون حجر عثرة أمام التقدّم، ذلك أنّ الدین وتطوّر الحیاة، فی نظرهم، ضدّان لا یمكن الجمع بینهما. ولعلّ البعض یتذكّر كیف أنّ بعض المنظّرین كانوا، فی الأیّام الاُولى التی تلت انتصار الثورة الإسلامیّة، یروّجون علناً فی كتاباتهم وتصریحاتهم لمسألة أنّ التطوّر الذی شهده الغرب على الصعید الاقتصادیّ والعلمی والصناعیّ یقتضی ثقافة خاصّة لا مناص منها؛ فإنّ تراجع الحجاب أو تفشّی ظاهرة السفور، واختلاط الجنسین، وحالة التسیّب والتحرّر من القیود، وتفتّت الاُسرة، بل وحتّى المثلیّة هی من اللوازم الثقافیّة للحیاة الراقیة الحدیثة، وأنّه یتعیّن على كلّ مَن یسعى فی سبیل التطوّر أن یقبل بلوازمه، وانّ كلّ مَن یرفض هذه الثقافة فإنّه لا مفرّ أمامه سوى القناعة بالحیاة الرجعیّة التی تعود إلى عهد ما قبل الحداثة، ففی میسور شخص كهذا أن یقنع من طعامه بالخبز والجبن ویمارس عبادته ویتمسّك بمعنویّاته بزهد. هذا الكلام ظلّ یُرَدَّد فی بلدنا ویُكرَّر بإصرار من قبل البعض وبصور مختلفة منذ ثلاثین عاماً وإلى یومنا هذا أملاً فی أن یجد لنفسه موطئ قدم فی المجتمع. ولذا فإنّ من المناسب التطرّق لهذه القضیّة ودحض هذه الشبهات. بالطبع لقد تمّ الردّ على مثل هذه الشبهات مراراً وتكراراً وبأسالیب شتّى، لكن بالنظر إلى استمرار طرحها من قبل وسائل الإعلام المكتوبة والالكترونیّة، نرى من الضروریّ تناولها من جدید.

إنّ الاهتمام بالاُمور الدنیویّة وبذل الجهود على الصعید الصناعیّ والعلمیّ والتكنولوجیّ له أبعاد مختلفة یتعیّن مناقشة كلّ واحد منها على حدة، وإنّ جانباً من هذه القضیّة یتمثّل فی النظرة التربویّة إلى هذا الأمر.

لقد سبق أن ذكرنا بأنّه عندما یُمتدَح أو یُذَمّ أمر ما فی الأحادیث الشریفة من دون أخذ الموارد الاُخرى فی نظر الاعتبار فلا یمكن التمسّك بإطلاق هذه الروایات أو عمومها، ذلك أنّ أغلب الروایات المذكورة لیست هی فی صدد بیان التفاصیل، بل إنّها تتصدّى لطرح الموضوع الأساسیّ بصورة القضیّة المهمَلة، أمّا بیان ظروف القضیّة، وأجزائها، وسائر تفاصیلها فیوكل إلى البحث والمناقشة المسهبتین فی محلهما المناسب.

ففیما یخصّ الأمر بالصلاة فقد أمر الله تبارك وتعالى فی آیات من الذكر الحكیم بإقامة الصلاة بصورة عامّة، كقوله: «أَقِیمُواْ الصَّلَوٰةَ»[4]، وقوله: «یُقیمُونَ الصَّلَوٰةَ»[5]، أمّا بیان أجزائها وتفاصیلها فقد عهد به إلى رسول الله (صلّى الله علیه وآله). فمهمّة النبیّ والأئمّة المعصومین من ولده (صلوات الله علیهم أجمعین) هی: «لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیْهِمْ»[6]. وإنّ صعوبة مهمّة الفقیه تكمن فی هذه النقطة تحدیداً، وهی أنّ تفاصیل المسألة الواحدة لیست مذكورة فی مكان واحد، بل هی مبعثرة فی مواضع شتّى بما یتناسب مع مقتضیات وظروف الزمان والمكان والمخاطب. إذ یتعیّن على الفقیه جمع هذا الشتات وتحدید الارتباط بین أجزائه كی یتسنّى له الإفتاء. ومن الواضح أنّ هناك لكلّ فتوى قیوداً واستثناءاتٍ یتطلّب كلّ واحد منها بحثاً ودراسة منفصلة. وكذا هو الحال فی المسائل الأخلاقیّة مثل: «أبغِض الدنیا وأهلَها»[7].

اختلاف قابلیّة الأشخاص فی انتفاعهم من الدنیا

وللإجابة على الأسئلة أعلاه فلابدّ أن نعرف ما هی الدنیا، ومن هم أهلها؟ وهل انّ الدنیا هی هذا العالم وانّ أهلها هم الذین یحیون فیه؟ وهل یستحقّ الإنسان المؤمن الذی یحمل معتقدات صائبة لكنّه وقع فریسة الذنوب لأیّ سبب كان، هل یستحقّ اللعنَ والسبّ، وهل یحقّ لنا سلوك اُسلوب مشین معه؟ وهل یتعیّن علینا نحن أیضاً أن نتشبّه بعلیّ (علیه السلام) فیما عاشه من حیاة زهد وبساطة؟ وهل إنّ كلّ من یملك داراً واسعة وسیّارة فخمة وحیاة مرَفّهة فهو من أهل الدنیا وأنّ علینا تصنیفه فی خانة الأعداء؟ وهل الزاهد هو كلّ مَن لا یملك داراً جیدة أو حیاة مناسبة، ویكون أشعث الشعر، بالی الثیاب، لا یملك قوتاً یأكله؟ أوَیستطیع كلّ امرئ أن یعیش عیشة علیّ وفاطمة (سلام الله علیهما) ویكابد كلّ هذه المحن والمشقّات؟ وكیف یتسنّى لنا الجمع بین هذه التوصیات والروایات التی توصی بالتوسیع على العیال وتأمین عیش رغید، وتهیئة أسباب السكینة والرفاهیة لهم؟ أَوَلیس من شأن التشدّد الفائق عن الحدّ أن یؤدّی إلى یأس الناس من الدین والثقافة الدینیّة وسوء ظنّهم بهما؟

ولعلّ هذه القصّة قد طرقت أسماعكم، وهی أنّ رجلاً مسلماً، وبعد مدّة من النقاش والحوار، تمكّن من إقناع جاره النصرانیّ باعتناق الإسلام. فما كان منه، وصاحبه لازال جدید العهد بالإسلام، إلا أن أیقظه من رقدته فی جوف اللیل لیصطحبه إلى المسجد لأداء صلاة اللیل. فرافقه المسلم الجدید إلى المسجد وظلّ حتّى طلوع الصبح مشغولاً بصلاة اللیل والمناجاة. وبعد ارتفاع الأذان وإقامة صلاة الصبح همّ المسلم الجدید بالذهاب إلى بیته لكنّ صاحبه استوقفه طالباً منه البقاء فی المسجد لأداء التعقیبات حتّى طلوع الشمس، ففعل. وفی اللیلة التالیة وعندما شخَصَ المسلم إلى بیت صاحبه لإیقاظه قال له صاحبه: إنّ لدیكم دیناً حسناً، لكن لیس لأمثالی، فإنّ لی عیالاً وانّ علیّ أن أكدّ لتأمین معاشهم. فلو أنّنی أمضیت اللیل بطوله حتّى الصباح فی العبادة معك فی المسجد فسوف لا أجد فی نفسی القوّة على العمل. فدینكم ینفع العاطلین عن العمل! فروى بعض الشیعة هذه القصّة للإمام الصادق (علیه السلام) فقال: «أَدخَلَه فی شی‏ء أَخرَجَه منه»[8]؛ یعنی إنّ هذا الرجل المسلم قد أخرج هذا الشخص النصرانیّ من الدین من حیث أدخله. فإنّ هیئة الزهد والتشدّد التی عرضها علیه للإسلام قد دفعته إلى تركه. وهذا یعنی أنّه لابدّ من معرفة قابلیّة الأشخاص أوّلاً، ومن ثمّ تزویدهم بالمنهج السلوكیّ المناسب لكلّ واحد منهم. بالطبع إنّ إظهار القمّة التی تبیّن اتّجاه المسیر والسلوك أمر حسن، لكن لا ینبغی تصوّر أنّ بإمكان كلّ فرد أن یبلغ هذه القمّة من البدایة. فالقمّة هی زهد علیّ (علیه السلام). لكن لا ینبغی أن نتصوّر أنّ بإمكاننا العیش كما عاش هو (علیه السلام). فامرأة الزاهد وأولاده لا یستطیعون بالضرورة العیش مثله. إنّ سوء تربیتنا جعلنا لا نفید من القیم بالشكل المناسب والصحیح.

فالشخص المؤمن المعتقد بالله والیوم الآخر لا ینبغی أن یكترث بالحیاة الدنیا ولذّاتها. بالطبع إنّ لهذه المسألة مراتبَ، فلیس الجمیع فی مستوى واحد. فعلى كلّ امرئ أن یقیس مدى قابلیّته ولا یحمّل نفسه فوق طاقتها. فتحمیل النفس فوق طاقتها یورث مرضاً فی البدن، وأذىً فی النفس، أو خللاً فی معاشرة الآخرین. فصحیح أنّ علینا الابتعاد عن أهل الدنیا وأصحاب المعاصی، لكن أَوَیعنی هذا الكلام النأی بالنفس عن جمیع الناس والعزلة فی كهف؟

فلا ریب أنّ هذا السلوك لیس هو السلوك الذی ینشده الإسلام. فالمبدأ الثابت هو أن یبذل الإنسان فی حیاته جهده، ما أمكن، لئلاّ یتعلّق بلذّات الدنیا، وأن ینمّی قابلیّته الاُولى، الحاصل علیها نتیجة التربیة الاُسریّة التی انشئ علیها فی هذا المجال، أن ینمّیها باتّجاه اكتساب العلوم الدینیّة والاُنس بالآیات القرآنیّة والروایات الشریفة. لكنّ علیه أن لا یوغل فی هذا الطریق أكثر ممّا ینبغی. بید أنّ هذا الكلام لا یعنی أن یتوقّع من الآخرین أن یحذوا حذوه أیضاً.

الزهد فی الحیاة الفردیّة مع السعی لتلبیة حاجات الآخرین وتحقیق عزّة المجتمع المسلم

لقد راضَ الإمام علیّ (علیه السلام) نفسَه بالجوع حتّى غدت لقمة خبز الشعیر الیابس لذیذة لها، لكنّه لم یكن غیر مبال بأمر الدنیا، بل كان دائماً فی حالة كدّ ومثابرة؛ كان یحفر البئر حتّى یبلغ الماء ومن ثمّ یوقفه، ولازالت بعض هذه الآبار موجودة فی المدینة المنوّرة وتسمّى «آبار علیّ».

فمراد أمیر المؤمنین من توصیاته تلك هو أن یقنع ابن آدم بالقلیل من نعم الدنیا ولذّاتها ولا یتعلّق بها، ولیس أن یذر العمل والسعی وینزوی إلى ركن منهمكاً فی الذكر والعبادة. فإنّ السعی من أجل التقدّم المادّی والاقتصادیّ، وسدّ مثل هذه الحاجات، والحیلولة دون إذلال المسلمین، والسعی لتحقیق عزّتهم، لَهی – بالعنوان الثانویّ – تكلیف واجب ومن العبادة. المهمّ هو أن لا یتعلّق الإنسان بالحیاة الدنیا ویضع طلب لذّاتها نصب عینیه. فممارسة العمل، وخدمة الرعیّة، والنظر فی أحوال الجیران والفقراء، والتوسیع على العیال، هی من جملة واجبات المؤمن. أَوَلم توصِ الأحادیث المسلمینَ بالسؤال عن أحوال جیرانهم إلى أربعین جار، وتحضّ على حلّ مشكلاتهم؟ وهل یمكن، عن طریق الدخل المحدود الذی لا یكفی حتّى لسدّ حاجة الشخص نفسه، أن یحلّ المرء مشكلات أربعین اُسرة یا ترى؟

یُحكى أنّ شخصاً شكى لأحد الأئمّة الأطهار (صلوات الله علیهم أجمعین) حاجته فقال (علیه السلام) لخادمه: «كم عندنا من المال فی الدار»؟ فقال: عشرة آلاف درهم. فقال (علیه السلام): «اعطها له». والحال أنّ السائل كان یرضى بألف درهم، ومع ذلك قال الإمام: اعطه كلّ ما لدینا فی الدار. وهذا یعنی أنّ حال الإمام المادّیة جیّدة لكنّه، فی الوقت ذاته، لا یتعلّق بما یملك.

روی أنّ یهودیّاً كان یرتدی الأسمال البالیة قابل الإمام الحسن (صلوات الله علیه) وهو راكب على فرس جمیلة. فقال الیهودیّ للإمام: «جدّك یقول: إنّ الدنیا سجن المؤمن وجنّة الكافر»، فلماذا أعیش، وأنا لست على دینك، حالة الفقر والبؤس وتعیش أنت المؤمن فی رفاهیة ودعة؟ أوَتكون هذه الدنیا جنّة لی، أم هی جنّة لك؟ فقال الإمام (علیه السلام) فی جوابه: «لو علِمتَ ما لك وما یرقُب لك من العذاب لَعلِمتَ أنّك مع هذا الضرّ هاهنا فی الجنّة، ولو نظرتَ إلى ما أُعدّ لی فی الآخرة لَعلمتَ أنّی مُعَذّب فی السجن هاهنا»[9].

والمراد من هذا كلّه هو أنّ الروایات التی تحذّر المؤمن من حبّ الدنیا وتوصیه ببغض أهلها لیس هدفها أن یعیش المؤمن فی ضنك من العیش. أَوَلم یدعُ نبیّ الله سلیمان (علیه السلام) ربّه: «وَهَبْ لِی مُلْكاً لا یَنبَغِی لأَحَدٍ مِّن بَعْدِی»[10]؟ فإنّ عظمة وجلال ملك سلیمان (علیه السلام) كانا على جانب من الضخامة بحیث كان لكلّ حیوان، وكلّ فرد من الجنّ، والإنس موضع خاصّ فی حضرته، حتّى أنه مكان طائر واحد مثل الهدهد كان یُعلَم بكلّ سهولة إذا خلا عند غیابه. لكنّ نبیّ الله سلیمان لم یكن متعلّقاً بتلك الاُمور، فقد كان یحوك الحصران بیدیه ویعیش من دخل عمله ویكتفی من الطعام بخبز بسیط. أمّا ملكه فكان (علیه السلام) یستخدمه لإشاعة دین الله تبارك وتعالى، وتعظیمه فی مقابل الكفّار.

ومن هنا فإنّه لیس ثمّة من صلة بین الحیاة الشخصیّة، وخدمة المجتمع، وإنّ لكلّ واحد منهما حكمه الخاصّ المنفصل. فعندما تقتضی الظروف إظهار عزّة الإسلام أمام الكافرین والدول المستعمرة فإنّه تُستحدَث للمرء تكالیف هی غیر الواجبات الشخصیّة، ولا یمكن التهاون فیها بدعوى توصیة الإسلام بحیاة الزهد والقناعة بخبز الشعیر. ففی ذات الوقت الذی كان أمیر المؤمنین (علیه السلام) یعیش حیاة الزهد والفاقة كان الإمام الحسن (علیه السلام) یعیش حیاة مرفّهة. بالطبع كان یستغلّ ثروته تلك فی رفع حوائج الفقراء والمعوزین، أمّا هو فكان یذهب إلى الحجّ مشیاً على الأقدام! فالإمام علیّ (علیه السلام) كانت فی رقبته مسؤولیّة إدارة الاُمّة الإسلامیّة، وكان یتحتّم علیه أن یحیا بطریقة یستطیع كلّ مسلم یعیش تحت لواء دولته أن یحیا مثله؛ ناهیك عن أنّه كان یعیش حیاة الزهد كی لا یهفو قلبه إلى الدنیا ولذّاتها.

إذن لابدّ من الفصل بین الأمرین؛ فالتوصیة بالزهد وبحبّ الفقراء هی قضیّة أخلاقیّة وتربویّة غایتها ردع الإنسان عن إهانة الفقراء وتحقیرهم بدافع من غرائزه الحیوانیّة. فلابدّ للفقیر من أن یُحترَم كی لا یشعر بالذلّ والمهانة، ولیعلم أنّ إسلامه یمثّل قیمة بالنسبة له. لكنّ إشاعة هذه القضیّة الأخلاقیّة لا ینبغی أن یحول دون القیام بالواجبات؛ فلا تقع مسؤولیّة حمایة الفقراء على عاتق الحكومة فحسب، بل یتعیّن على كلّ فرد فی المجتمع، بما اُوتی من وسع، أن یبذل فی هذا السبیل جهده، ولیس لأحد كائناً مَن كان أن یتنصّل عن أداء واجبه بحجّة توصیة الدین بالزهد والتقوى.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین 


[1]. بحار الأنوار، ج74، ص23.

[2]. نهج البلاغة، الكتاب 45.

[3]. «روی عن نوف البكالیّ قال: خطَبَنا بهذه الخطبة أمیر المؤمنین علیّ (علیه السلام) بالكوفة وهو قائم على حجارة نصبها له جَعدة بن هُبَیرة المخزومیّ وعلیه مِدرَعة من صوف وحمائل سیفه لیف وفی رجلیه نعلان من لیف وكأنّ جبینه ثفنة بعیر، فقال (علیه السلام)..»، نهج البلاغة، الخطبة 182.

[4]. سورة البقرة، الآیة 43، وغیرها.

[5]. سورة البقرة، الآیة 3.

[6]. سورة النحل، الآیة 44.

[7]. بحار الأنوار، ج74، ص23.

[8]. الكافی، ج2، ص44.

[9]. روی أنّ یهودیّاً تعرّض للحسن بن علیّ (علیه السلام) وهو فی شظف من حاله وكسوف من باله والحسن (علیه السلام) راكب بَغلة فارهة علیه ثیاب حسنة فقال: جدّك یقول: «إنّ الدنیا سجن المؤمن وجنّة الكافر»، فأنا فی السجن وأنت فی الجنّة. فقال (علیه السلام): «لو علمتَ ما لك وما یرقُب لك.. الحدیث»، بحار الأنوار، ج65، ص220.

[10]. سورة ص، الآیة 35.