فهرست مطالب

الجلسة السادسة: طریقة لاستجلاب المحبّة

تاریخ سخنرانی: 
1392/10/18

(6)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 8 كانون الثانی 2014م الموافق للسادس من ربیع الأول 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

طریقة لاستجلاب المحبّة

المحبّة حاجة سامیة

 

یؤكّد بعض علماء النفس، لاسیّما أتباع النزعة الإنسانیّة والكمالیّة، على أنّ إحدى الحاجات الفطریّة للإنسان هی أن یكون محبّاً ومحبوباً. ویمكننا نحن أیضاً أن نخوض هذه التجربة. بالطبع إنّنا – وبسبب تعلّق خاطرنا، فی أغلب مراحل حیاتنا، بأشخاص كالأب والاُمّ والأقرباء والأصدقاء – لا ندرك جیّداً الفراغ الناجم عن غیاب المحبّة، لكنّ من شأن إجراء دراسة تحلیلیّة لأحوال بعض الأشخاص المصابین بضروب الشعور بالانعزال والاكتئاب وبعض الأمراض النفسیّة، والذین یصل بهم الأمر أحیاناً إلى الانتحار، یبیّن أنّ من جملة الأسباب الرئیسیّة لذلك هو عدم تعلّقهم بالآخرین، وعدم تعلّق الآخرین بهم. ولعلّكم سمعتم فی المقابلات التی تُجرى مع المدمنین وأمثالهم بأنّ أشدّ دواعی الانتحار لدیهم هی شعورهم بأنّه لا أحد یحبّهم ولا هم یحبّون أحداً. وهذه الشواهد تدلّ على فطریّة هذه المسألة. ولعلّ هذا الأمر هو أحد الجذور الفطریّة لمعرفة الله وعبادته، حیث تسوق فطرة الإنسان صاحبَها إلى معرفة الله ومعرفة صفاته الكمالیّة، فیحبّه ویعبده عن حبّ. ومن هنا فإنّه لیس ببعید أبداً أنّ أصل نزوع المرء إلى أن یكون محبّاً ومحبوباً هو نزوع إلهیّ، الغایة منه هدایة الإنسان إلى الله تعالى بصفته المحبوب الحقیقیّ.

فإنّ میلنا إلى أن نكون محبّین ومحبوبین هو حاجة نشعر بها عادةً، لاسیّما عندما تُسَدّ سائر حاجاتنا الطبیعیّة. وبما أنّ مستوى هذه المیول یفوق مستوى الحاجات المادّیة والفیزیائیّة، فإنّ المرء قلّما یهتمّ بها أثناء حالات المرض والجوع والفقر وأمثال ذلك. فالحاجات التی تأتی فی الدرجة الاُولى لاهتمامات الإنسان هی تلك المرتبطة بحیاته. فالطفل – على سبیل المثال – یبكی عند الإحساس بالجوع، لكنّه یبدأ بالاُنس باُمّه - شیئاً فشیئاً - ویستمتع حینما تحتضنه وتلاطفه، وهو ینزعج جدّاً إذا لم تلاطفه أو إذا غضبت علیه. ولقد صنّف بعض علماء النفس حاجات الإنسان وسَمّوا تلك الحاجات التی تقع فی المستویات الأعلى بالحاجات السامیة أو العالیة. والمحصّلة هی أنّ الإنسان یتألّم من العزلة ویرغب فی أن یأنس بشخص آخر وأن تربطه معه رفقة ومحبّة.

آفات المحبّة الدنیویّة

لقد أشرنا فی المحاضرات الماضیة إلى أنّ من جملة علل حبّ الإنسان للآخرین هو إدراكه شكلاً من أشكال الكمال فی المحبوب. وهذه الحاجة موجودة فی كیان الإنسان، وهو لذلك یكنّ لبعض الناس مشاعر الحبّ. فالطفل - بدایةً - یحبّ والدیه من حیث إنّ كلّ وجوده متعلّق بهما. وشیئاً فشیئاً یضاف الأقارب والأصدقاء إلى القائمة حتّى یصل الأمر إلى حبّ أشخاص على خلفیّة ما یتمتّعون به من كمال. لكنّ جمیع هذه الأشكال من المحبّة تنطوی على آفات عدیدة. فلیس من بین هذه الأشكال ما یدوم؛ ذلك أنّ الأب والاُمّ والأرحام سیرحلون یوماً عن هذه الدنیا. كما أنّ كمال المحبوب وجماله لیسا بالأمرین الدائمیّین. وناهیك عن هذه الآفة فإنّ جمیع الذین یحبّهم المرء لكمالهم یملكون - فی الغالب – عیوباً أیضاً. فالإنسان فی بدایة المطاف لا یلتفت إلى هذه العیوب، لكنّ الأخیرة تبدأ بعد برهة بالظهور تدریجیّاً، الأمر الذی یقود إلى خفوت المحبّة، بل وقد یصل الأمر إلى أن یحلّ البغض والعداء محلّها، إلى درجة محاولة المحبّ قتل من كان یحبّه. وهذه من جملة آفات المحبّة الدنیویّة. وحتّى فی یوم القیامة فسیتحوّل الذین كانوا یودّون بعضهم فی الدنیا إلى أعداء لما یرونه من ارتكابهم - بسبب حبّهم - أعمالاً ما كان ینبغی لهم أن یرتكبوها؛ كَأَن یتغاضوا – فی حالة المحبّة - عن عیوب الطرف المقابل فیعمدوا – من أجلهم - إلى فعل اُمور لا یرضى بها الله عزّ وجلّ. أی إنّهم یشعرون بأنّ محبّتهم تلك قد غدت سبباً فی عذابهم، وعندها ستتحوّل محبّتهم إلى عداوة؛ كما فی قوله تعالى: «الأَخِلاّءُ یَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاّ الْمُتَّقِینَ»[1]؛ أی إنّ جمیع الأصدقاء والأحبّة سیصبحون أعداء لبعضهم البعض إلا الذین كانت محبّتهم قائمة على التقوى.

سبیل إلى استجلاب محبّة الحبیب!

البحث الذی خضناه إلى الآن كان یدور حول قیمة محبّة الله وسبل نیلها. وانّ إحدى هذه السبل هی الإفادة من النماذج الطبیعیّة والعادیّة للمحبّة. إذ علینا أن ننظر ما الذی یفعله المرء عندما یرید إقامة علاقة حبّ مع شخص آخر؟ إنّ أفضل لذّة یشعر بها المحبّ تجاه محبوبه هی عندما یبادله المحبوب الحبّ أیضاً. إذن یتحتّم على المرء أن یفعل ما یدفع المحبوب لإقامة علاقة حبّ معه أیضاً، وأن یتصرّف – من أجل ذلك – وفقاً لما یُرضیه. فإذا أراد المرء تكوین علاقة حبّ مع أحد ثمّ بدر منه سلوك لا یحبّذه المحبوب فسوف لن تقوم بینهما علاقة قویّة على الإطلاق؛ إذ لا تقوم علاقة عاطفیّة بین شخصین إلا إذا رضی كلّ منهما – فی اتّجاه معیّن - على صاحبه. وبالطبع فإنّ لهذه الرغبة حالات من الإفراط أیضاً؛ كَأَن یرغب الإنسان فی أن یحبّه محبوبه أكثر من الآخرین أو أن لا یحبّ أحداً سواه. وهذه هی عین الآفة التی ابتُلی بها إخوة یوسف (علیه السلام) فی محبّتهم البشریّة؛ إذ وَدّ كلّ واحد منهم أن یحبّه أبوه أكثر من یوسف (علیه السلام) لكنّهم شاهدوا أنّ أباهم یحبّ یوسف أكثر منهم. وهذا ما دفعهم إلى الإقدام على قتله حتّى انتهوا إلى إلقائه فی البئر. فعلى الرغم من أنّ الحقّ كان یستدعی منهم أن یَكنّوا لیوسف – الذی یتمتّع بكلّ هذه الفضائل والكمالات – أشدّ محبّة، لكنّ أنانیّتهم وحبّهم لذواتهم وصفة الاستئثار فیهم قد دفعهم لیس إلى عدم محبّة أخیهم فحسب، بل وإلى محاولة قتله أیضاً.

والمحصّلة هی أنّ الطریق الطبیعیّة للارتباط عاطفیّاً بالآخرین هی أن یفعل المرء ما یجلب رضاهم. فجمیع الناس یدركون هذا الأمر فطریّاً ویحاولون جاهدین عدم إظهار ما یؤذی محبوبهم كی لا یشكّل عائقاً أمام إقامة العلاقة العاطفیّة معه. فإنْ رغبنا فی إقامة صلة محبّة مع الله تعالى فلابدّ من اتّباع نفس الطریقة. فإذا أتینا بما یرضی الله عنّا، فإنّه تعالى سیحبّنا لا محالة، وسیُصار – تبعاً لذلك - إلى تقویة هذه العلاقة بشكل متصاعد. وقد ذكرت الأخبار التفاتات غایة فی اللطف فی هذا الصدد لا بأس أن نذكر بعضاً منها من باب التیمّن والتبرّك.

آثار الاُنس بالله

لقد امتاز نبیّ الله داوُد (علیه السلام) من بین سائر الأنیباء فی مناجاته مع الله عزّ وجلّ، وعندما كان (علیه السلام) یشتغل فی الدعاء والذكر وتنمیة الحبّ مع ربّه كانت الجدران والجمادات والطیور تردّد معه[2]. بل حتّى الكتاب الذی تركه نبیّ الله داوُد (علیه السلام) فإنّه یحتوی على هذه الحوارات المشحونة بالحبّ بین الله جلّ شأنه وداوُد. بالطبع داوُد هذا هو نفس ذلك الرجل الذی قتل جالوت فی حرب طالوت ضدّ الكفّار، وهو عین ذلك الشخص الشجاع اللامع الذی تمیز من بین سائر الجند بهذه المهارة؛ حیث تمكّن من قتل قائد جیش العدوّ وهزم جیشه شرّ هزیمة. فلقد اصطفاه الله بعد ذلك للنبوّة وأعطاه منصب القضاء والحكم فی الناس. أمّا الملاحظة التی ینبغی التنبّه إلیها هنا فهی أنّه خلافاً لبعض الفِرَق التی تدّعی العبادة والتقرّب إلى الله، والتی تزعم أنّ الإنسان إمّا أن یكون محبّاً لله عابداً له، أو أن یكون ناشطاً اجتماعیّاً، فإنّ الله تعالى اسمه یقدّم لنا اُنموذج داوُد (علیه السلام) الذی یظهر – من ناحیة - بمظهر البطل المغوار الذی یقتل قائد جیش الكفر ویكون سبباً فی النصر، ثمّ یمنحه الله بعد النبوّة منصب الحكم والقضاء، ثمّ تكون له – من ناحیة اخرى – مثل هذه العلاقة مع الله بحیث یتجاذب معه أطراف حدیث ملؤه التفانی والمحبّة. ونتلو الآن نموذجاً من كلام الله تعالى مع نبیّه داوُد (علیه السلام):

«یا داود أبلِغ أهل أرضی أنّی حبیب مَن أحبّنی»، فإنْ رغب امرؤ فی بناء علاقة مودّة معی فأنا على استعداد لذلك. «وجلیس مَن جالسنی، ومؤنسٌ لمَن أنِس بذكری» فاُخرِجُه من عُزلته ووحشته. «وصاحب لمَن صاحَبَنی» فأنا حاضر لرفقته. «ومختار[3] لِمَن اختارنی، ومطیع لمَن أطاعنی، ما أحبّنی أحد أعلَمُ ذلك یقیناً من قلبه إلا قبِلتُه لنفسی وأحببته حبّاً لا یتقدَّمُه أحد من خلقی»؛ أی لا یسبقه أحد من الخلق فی محبّتی له. «مَن طلبنی بالحقّ وجدنی ومَن طلب غیری لم یجدنی». ثمّ یبعث الله سبحانه وتعالى رسالة إلى الناس فیقول: «فارفضوا یا أهل الأرض ما أنتم علیه من غرورها وهلمّوا إلى كرامتی ومصاحبتی ومجالستی ومؤانستی»؛ فأسباب الخداع والغرور هذه لیست هی ضالّتكم الحقیقیّة. «وآنسونی أؤانسكم وأُسارع إلى محبّتكم»[4]؛ فإن أنتم أنستم بی فإنّنی لا أكون أنیساً لكم فحسب، بل ساُخرجكم من وحشتكم وعزلتكم، بل وساُحبّكم أیضاً.

الله خاصّة للمحبّین!

لقد ذكر كتاب «عدّة الداعی» ضمن أخبار نبیّ الله داوُد (علیه السلام) عبارةً تثیر العجب. وإنّ قراءتها - وإنْ كنّا لا نستوعبها جیّداً – لا تخلو من فائدة كی نعلم أنّه - مضافاً إلى الخبز والماء والجاه والمناصب التی نبذل من أجلها جهوداً جبّارة ونقدّم فی سبیلها الغالی والنفیس - فإنّه ثمّة اُمور اُخرى.

یقول ربّ العزّة: «یا داوُد! ذكری للذاكرین»؛ فإذا أنتم ذكرتمونی، فأنا أیضاً سأذكركم. فقد ورد فی بعض الأخبار [ما مضمونه] أنّكم إذا ذكرتمونی فی خلواتكم، فإنّنی سأذكركم فی عرشی ومقامی، وإنْ ذكرتمونی بین الناس، فإنّنی سأذكركم واُنوّه بأسمائكم أمام الملائكة وسكّان السماوات والملأ الأعلى. «وجنّتی للمطیعین، وحبّی للمشتاقین، وأنا خاصّة للمحبّین»[5]؛ أمّا بالنسبة للذین یكنّون لی حبّاً خالصاً، والذین وقفوا قلوبهم علیّ فقط، وطردوا كلّ أنواع الحبّ الاُخرى منها، فإنّنی لهم. ولعمری فإنّ هذا المقطع ینطوی على مبحث غایة فی علوّ المضمون؛ فإنّك عندما تحبّ امرأً فإنّك تقول له: إنّ أموالی تحت تصرّفك. فإن أحببته أكثر فستقول له: فی أیّ وقت تطلبنی فستجدنی فی خدمتك. أمّا فی المرحلة الأخیرة فإنّك ستقول له: روحی فداك. فإنّ آخر ما یتسنّى لامرئ هبته لغیره هو نفسه وروحه. یقول عزّ من قائل: «وأنا خاصّة للمحبّین»! وهذه الدرجة تخصّ الذی یحبّ الله حبّاً خالصاً، وهی، وإن كان التلفّظ بها جمیلاً، لكنّ تحقّقها عملیّاً لیس بالأمر الیسیر، وهی تتطلّب شخصاً كعلیّ بن أبی طالب (علیه السلام) مثلاً. نسأل الله تعالى ببركة محبّته (علیه السلام) أن یشملنا بنفحة من هذه الدرجات!

آثار الاعتصام بالله

وجاء فی حدیث آخر عن الإمام الصادق (علیه السلام) ما نصّه: «أیُّما عبدٍ أقبَلَ قِبَل ما یحبّ الله عزّ وجلّ أقبَلَ الله قِبَل ما یحبّ»؛ أی: أیّما عبد أقبل على ما یحبّ الله فإنّ الله سیقبل على ما یحبّ هذا العبد ویولیه اهتمامه. وبعبارة اخرى: فإنّ مَن یهتمّ بما یحبّه الله ویبذل جهده فی سبیل تحقیقه فإنّ الله سیقابله بالمثل. «ومَن اعتصم بالله عصمه الله»؛ أی حفظه. والاعتصام والاستمساك هنا هو كالإمساك بحبل أو عمود بالنسبة لمن سقط من مرتفع إلى الأرض لیحول دون سقوطه. فإذا شعر المرء بهذه الحالة مع الله وأحسّ بأنّه مُعرَّض لخطر السقوط فی جهنّم وفی هاویة الهلاك والضلال والغفلة والرذیلة، وعَلِم بأنّه ما من أحد قادر على إنقاذه إلا الله تعالى، فاعتصم بالله، فإنّ الله سیعصمه ویحفظه. «ومَن أقبَل الله قِبَلَه وعصمه لم یبال لو سقطت السماء على الأرض»؛ فهو مطمئنّ بحفظ الله له. «أو كانت نازلة نزلَت على أهل الأرض فشملتهم بلیّةٌ كان فی حزب الله[6] بالتقوى من كلّ بلیّة. ألیس الله عزّ وجلّ یقول: «إِنَّ الْمُتَّقِینَ فِی مَقامٍ أَمِینٍ‏»[7]»[8]؛ فالذی یعتصم بالله یكون من المتّقین المشمولین بقوله تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِینَ فِی مَقامٍ أَمِینٍ‏»، فلا یشعر بالخطر.

منهج عملیّ للوصول إلى الله

إنّ انتهاج المرء منهاجاً یجعله لا یروم إذا أفاق من نومه صباحاً إلاّ فعل ما یحبّه الله جلّ شأنه، لهو أمر یتطلّب أهلیّة عظیمة وهمّة عالیة لسنا نحن من أهلها. لكن لا ینبغی – فی هذا المضمار - أن نیأس تماماً فنحرم أنفسنا من هذا اللطف الإلهیّ. ویبدو أنّه لابدّ للمرء من وضع برنامج لحیاته وأن یبدأ بالاُمور البسیطة؛ كأن یقول: ساُكرّس الیوم هذا المقدار من وقتی لله سبحانه وتعالى فلا أطلب أثناءه غیر مرضاته. فهذا أمر مقدور علیه؛ إذ باستطاعة الإنسان تخصیص ربع ساعة أو نصف ساعة یومیّاً لهذا الأمر. فإذا تمكّن منه، بادر إلى تمدیده شیئاً فشیئاً. وفی المرحلة التالیة سیبادر الله سبحانه وتعالى إلى إعانة هذا العبد ویمدّه بالمزید من الموفقّیة والقدرة على إنجاز ما هَمّ به؛ إذ أنّه: «مَن تقرّب إلَیّ شبراً تقرّبتُ إلیه ذراعاً»[9]. وبغضّ النظر عن هذا، فحتّى الخطوة الاُولى هذه فإنّها لا تتمّ إلا بعنایة من الله عزّ وجلّ؛ إذ أنّه: «ما لم یبادر المحبوب إلى جذب المحبّ فإنّ مساعی المحبّ المسكین ستبوء بالفشل»[10]، فحتّى فی هذه الخطوة فإنّه هو عزّ وجلّ مَن یعینه علیها لكنّه تعالى لا یتظاهر أمام الإنسان بذلك. لكن حتّى هذا العمل، وهو تخصیص المرء لربع ساعة یومیّاً لفعل ما یرضی الله فقط من دون القیام بأیّ شیء آخر، فإنّ له مراتب؛ فإنّ فیه ثواب الجنّة وأمثال ذلك على الأقلّ ولا ینبغی أن نحرم أنفسنا منه ونصاب بالیأس. بید أنّه إذا استطاع الإنسان أن ینجز عملاً صغیراً لیس لشیء سوى لأنّ الله یحبّه، فإنّه سیحظى – تدریجیّاً – بالقدرة على فعل ما هو أكثر وأفضل وأشدّ خلوصاً. كأنْ یصلّی یومیّاً – على سبیل المثال – نافلة بركعتین ویخاطب ربّه قائلاً: إلهی! حتّى وإن ألقیتنی فی جهنّم فإنّنی ساُصلّی هاتین الركعتین لیس لشیء سوى لأنّك تحبّ ذلك.

وفّقنا الله وإیّاكم إن شاء الله 


1. سورة الزخرف، الآیة 67.

2. «وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ یُسَبِّحْنَ وَالطَّیْرَ وَكُنَّا فَاعِلِینَ» (سورة الأنبیاء، الآیة 79). نستنتج من قرینة ذكر الطیور مع الجبال أن متابعة الجبال لداود (علیه السلام) فی التسبیح لم تكن مجرّد رَجْع صوت. بالطبع إنّ القرآن الكریم یصرّح بأنّ الجمادات تملك ضرباً من الشعور والإدراك؛ وذلك فی قوله: «وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا یَهْبِطُ مِنْ خَشْیَةِ اللهِ» (سورة البقرة، الآیة 74). كما ویقول عزّ من قائل فی الطیور: «كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِیحَهُ» (سورة النور، الآیة 41).

3. تأتی كلمة «مختار» بمثابة اسم فاعل واسم مفعول أیضاً؛ فالیاء المتحرّكة ما قبل مفتوح فی «مُختَیِر» و«مُختَیَر» تُقلب إلى ألف فتصبح فی الحالتین «مختار». أمّا هنا فقد جاءت كلمة «مختار» اسم فاعل.

4. بحار الأنوار، ج67، ص26، نقلاً عن مسكّن الفؤاد للشهید الثانی.

5. عدّة الداعی ونجاج الساعی، ص252.

6. جاء التعبیر فی هذه النسخة «حزب الله»، لكنّه من المحتمل – كما جاء فی نسخ اُخرى – أن یكون «حرز الله». وعلى أیّة حال فهو إمّا أن یكون ضمن حزب الله، أو أن یكون فی حرز الله؛ أی فی حفظه.

7. سورة الدخان، الآیة 51.

8. الكافی، ج2، ص65.

9. عوالی اللئالی، ج1، ص56.

10. فی إشارة لبیت شعر بالفارسیّة یقول: تا که از جانب معشوق نباشد کششی    کوشش عاشق بیچاره به جایی نرسد.