فهرست مطالب

الجلسة االرابعة والثلاثون: الله هو الذی یربّی السالك إلیه

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/18

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 9 تموز 2014م الموافق للیلة الثانیة عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

الله هو الذی یربّی السالك إلیه

34

 

إشارة

تناولنا فی المحاضرات الماضیة مقطعاً من حدیث المعراج القدسیّ الذی یبیّن الله تعالى فیه الشروط اللازمة لنیل العبد الحیاة الأبدیّة الهانئة، وقلنا إنّ الخصوصیّات المذكورة فی أحد مقاطع الحدیث تتطلّب من نفس العبد بذل الجهد والمثابرة لاكتسابها. كما وبیّن مقطع آخر من الحدیث العنایات التی یولیها الله عزّ وجلّ لمن یخطو فی هذا الطریق من عباده. إنّ التكالیف المبیَّنة فی القسم الأوّل هی مناهج عملیّة یمكن لكلّ مكلّف، ومن خلال همّته واجتهاده، أن ینجز ولو مرتبة من مراتبها. أمّا المراتب التی تسمو على ما ذُكر فی هذا المقطع فإنّ مستواها أعلى من قدرة الناس العادیّین ولیس فی المیسور بلوغها من دون مساعدة الله تعالى ومعونته. وفی الحقیقة فإنّ الله تبارك وتعالى یقوم فی هذه المرحلة بدور المربّی الخصوصیّ بالنسبة للعباد الذین اجتازوا المراحل السابقة حتّى وصلوا إلى هذه المرحلة ویعینهم على مواصلة الطریق.

لقد ذكرنا فیما سبق أنّ لله فی تربیة عباده سنناً إحداها هی أنّه یهدی جمیع مخلوقاته إلى الهدف الذی خُلقَت من أجله. وإنّ هدایة الله العامّة للإنسان لنیل الكمال النهائیّ تتحقّق عن طریقین: الأوّل هو العقل، والثانی هو الوحی وبمساعدة الأنبیاء. وإنّ جمیع البشر مشمولون بهذه الهدایة العامّة. لكن ثمّة لله أنماطاً خاصّة من الهدایة یختصّ بها مَن یعرف قدر الهدایة العامّة ویشكرها.

ولتقریب المعنى إلى الذهن فلنتصوّر شخصاً یرغب فی تعلیم ابنه فنون التجارة وأسرارها، فهل یُعقل أن یضع تحت تصرّفه منذ البدایة رأس مال ضخم؟ من الجلیّ أنّ وضع رأس مال ضخم تحت تصرّف امرئ عدیم الخبرة بالتجارة هو أمر عبثیّ وهو سیؤدّی إلى تلف المال وضیاعه. من هنا یتعیّن فی بادئ الأمر أن یعطیه رأس مال صغیر ویرشده إلى كیفیّة الاتّجار به وتحقیق الأرباح. فإن أتقن المبادئ الأوّلیّة للتجارة وعرف طرقها عمد الأب إلى إعطائه رأس مال أكبر، وهكذا إلى أن یعرف جمیع أسرار التجارة ویتمكّن بمفرده من إدارة جمیع الاُمور.

وكذا الحال بالنسبة لله عزّ وجلّ فهو تعالى لا یضع جمیع النعم المعنویّة دفعة واحدة فی متناول العبد: «وَالَّذِینَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدىً»[1]، بل یمنّ علیه فی البدایة ببعض نعمه، فإن عرف قدرها وشكرها زاده منها تدریجیّاً: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِیدَنَّكُمْ»[2]. ووفقاً للقاعدة ذاتها فمن أجل نیل العبد العیش الهنیء والحیاة الباقیة فإنّ الله یعیّن له فی بدایة الأمر مناهج فإذا طبّقها صار مؤهّلاً لنیل كمالات أسمى. وهذا لون من ألوان الولایة، والقیمومة، والربوبیّة على العبد وتدبیر اُموره وتربیته تربیة خاصّة.

والمناهج التی ذكرها القسم الأوّل من هذا المقطع من حدیث المعراج هی اُمور یستطیع كلّ امرئ تقریباً إنجازها. فإن عرف الإنسان قدر هذه الأنماط من الهدایة وعمل بموجب هذه المناهج فسیحظى بأهلیّة الولوج فی مراتب أعلى من الاُولى، لكنّ قدرته فی هذه المرحلة لا تكفی وحدها لمواصلة المسیر. وهنا یأتی القسم الثانی من المقطع محطّ البحث لیشیر إلى أشكال العنایات والمساعدات الخاصّة التی یولیها ربّ العزّة لعباده الصالحین من أجل طیّ ما تبقّى من الطریق وتربیتهم تربیة إلهیّة خاصّة.

مراحل التربیة

تدخل فی عملیّة تربیة الكائن الحیّ الواعی كالإنسان ثلاثة عوامل. ففی بدایة المطاف یحاول المربّی لفت انتباه المتربّی والمتعلّم إلى النموّ والرقیّ وتنمیة رغبته فیه. فإذا لم تبلغ رغبة المتربّی فی التربیة حدّ النصاب المطلوب فسوف لا یعمل بإرشادات المربّی وعندها تضیع جهود الأخیر سدىً. بناءً علیه فإنّ الشرط الأوّل فی عملیّة التربیة الصحیحة هو ترغیب المتربّی فی إنجاز العمل المطلوب. إذن فإثارة الرغبة فی المتربّی تُعدّ العامل الأوّل فی عملیّة التربیة وهی بمثابة تشغیل محرّك السیارة. وكلّما اشتدّت هذه الرغبة فسیُكَلّل العمل بمزید من النجاح. وإنّ أهمّ العوامل التی یفاد منها فی هذا المجال هی العواطف والأحاسیس.

العامل الثانی فی التربیة یتمثّل فی المعالم التی ینبغی تبیینها للمتربّی لترشده فی عملیّة طیّ الطریق؛ وهی بمثابة المصابیح التی تضیء الطریق المظلم الذی یتعیّن على صاحب السیّارة السیر فیه بعد تشغیل محرّكها. ویتمّ فی هذه المرحلة رفد معرفة السالك بالمعارف الخاصّة الضروریّة لطیّ الطریق.

لكنّ سلامة السیّارة وإضاءة مصابیح الطریق لا تكفی فی كثیر من الأحیان لمواصلة المسیر، بل یتعیّن رفع الصخرة التی تسدّ الطریق أمام السیّارة. وهنا أیضاً على المربّی مساعدة المتعلّم فی رفع الموانع التی تسدّ الطریق. لكنّه بالالتفات إلى أنّ أساس التكامل والرقیّ فی الحركات الإنسانیّة مبنیّ على السلوك الاختیاریّ، فإنّه إذا رفع المربّی المانع بنفسه من طریق المتربّی فسیضعف دور اختیار الأخیر، حیث إنّ المربّی هو الذی أنجز العمل فی واقع الأمر ولم یكن للمتربّی دور فیه. ومن هنا فإنّ على المربّی فی مثل هذه المواطن أن یسعى لتعلیم المتربّی، بأسالیبٍ خاصّة، كیفیّة رفع الموانع، ویساعده فی هذه السبیل عبر الترغیب بالشكل الذی لا یسلب منه عنصر الاختیار.

فالشابّ الیافع الذی یروم التدرّب على إحدى الألعاب الریاضیّة لابدّ أوّلاً أن یكون راغباً فی هذه اللعبة، ذلك أنّ جمیع أتعاب المدرّب ستضیع سدىً وسوف لا یتقدّم الشابّ فی هذه اللعبة إذا لم یكن راغباً فیها. وفی المرحلة الثانیة ینبغی على المربّی أن یعلّم الشاب قواعد اللعبة وفنونها ویزوّده بلوازمها وأدواتها. ثمّ یشیر فی المرحلة التالیة إلى الموانع التی یمكن أن تبرز أثناء التمارین وتنفیذ البرنامج الریاضیّ ویفتّش عن الحلول الكفیلة برفعها.

فإذا اجتاز العباد المراحل الابتدائیّة من الطریق بكدّهم وهمّتهم وشعروا بالحاجة إلى المربّی لمواصلة الطریق فسیتولّى الله عزّ وجلّ بنفسه مهمّة تربیتهم تربیة خاصّة ویساعدهم عبر الأخذ بأیدیهم. وأوّل ما یفعله الباری تبارك وتعالى فی هذه المرحلة هو الإفادة من العنصر العاطفیّ وذلك بإلقاء محبّته فی قلب العبد: «أسكَنتُ فی قلبه حبّاً». فالله جلّ وعلا یفید فی هذه المرحلة من أحاسیس الإنسان وعواطفه كمحرّك من أجل أن یبعث فی نفسه باستمرار الدافع لمواصلة المسیر.

وبعد العنصر العاطفیّ یأتی الدور إلى العامل المعرفیّ. فكلّما ازدادت معرفة الإنسان فإنّه سیطوی مراحل التكامل بشكل أفضل. وحتّى العبد المحبّ لربّه فإنّه كلّما ازداد معرفة بربّه فستزداد سرعة سیره نحوه، أمّا المعارف التی حصل علیها إلى الآن عبر المفاهیم فإنّها غیر كافیة لمواصلة هذا الطریق، بل لابدّ من أشكال المعرفة الشهودیّة للسیر فی هذه المرتبة. من هذا المنطلق فإنّ الله سبحانه وتعالى یفتح عین قلب العبد الذی وصل إلى هذه المرحلة كی یشاهد بعین قلبه جلال الله وعظمته فتزداد معرفته به عزّ وجلّ.

لكنّه قد تعرض للعبد فی مسیره موانعُ یحتاج إلى مساعدةٍ لإزالتها. فقد أشارت آیات مختلفة إلى أنّ المقصد النهائیّ لابن آدم هو القرب من الله تعالى: «فِی مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِیكٍ مُّقْتَدِرٍ»[3]. فإنّ ما یمنع الإنسان من السیر نحو هذا الهدف وبلوغ كماله المنشود هو تعلّقه بالدنیا الذی یعمل عمل الصخرة الضخمة التی تحول دون مواصلة الإنسان مسیره، ولابدّ من رفعها من أمامه. فإن أقدم المربّی على رفع هذه العقبة بنفسه ولم یكن للسالك دور فی ذلك فسوف لا یكون لهذا العمل من تأثیر على تكامل السالك وترقّیه. وهنا ینبغی للمربّی أن یوفّر الأرضیّة التی تمكّن المتربّی من مواصلة الطریق بإرادته واختیاره وتعلّمه كیف یصارع العقبات ویزیحها من طریقه.

فإنّ الراعی الذی یقود قطیع أغنامه نحو المرتع إذا واجه فی طریقه وادیاً سحیقاً فسوف لا یعمد إلى حمل خرافه على ظهره او لجمهم بلجام لتجنیبهم السقوط فی الوادی، بل یحاول إفهام الأغنام عبر رمی حجر، أو تحریك العصا أو إطلاق أصوات خاصّة بضرورة الابتعاد عن الوادی والعودة إلى الطریق الصحیح. فإنّ سیر الإنسان نحو ما اختاره الله له من التكامل والرقیّ هو سیر اختیاریّ، فهو لا یصل إلى النتیجة المرجوّة بالجبر والقوّة. فلابدّ أن یكون المرء راغباً فی السیر وبذل الجهد ومواجهة المشاكل والمصاعب وتجاوزها كی یصل إلى القمّة التی أعدّها الله تبارك وتعالى له.

فمحبّة الله تعالى تزوّد باطن الإنسان بالطاقة اللازمة لمواصلة سیره، كما أنّ أشكال المعرفة اللازمة ستظهر أیضاً عبر التجلیّات الإلهیّة بما یتناسب مع أهلیّة السالك لتنیر له الدرب. لكن ما هی السبیل إلى إزالة الموانع عن الطریق؟

الحوادث هی عامل لرفع المانع من طریق السالك

لقد بیّن حدیث المعراج القدسیّ السبیل لرفع الموانع حین قال: «واُضیِّق علیه الدنیا واُبغّض إلیه ما فیها من اللذات‏»[4]. فالله تعالى یصبّ على العبد المصائب ویعرّضه للحوادث بغیة انتزاع حبّ الدنیا من قلبه. فكل ّامرئ یحتاج من أجل انتزاع هذا الحبّ من قلبه إلى عامل معیّن یتناسب مع درجة معرفته. فهناك من لا یصیب قلبَه أبداً تعلّقٌ بالدنیا من خلال العمل بأوامر الشارع المقدّس، لاسیّما الواجبات والمستحبّات. وأهم هذه الأوامر هی الإنفاق: «لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ»[5]. فالإنفاق لا یطهّر مال الإنسان فحسب، بل روحه أیضاً؛ لقوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّیهِم بِهَا»[6]. فلم یقل عزّ وجلّ: لتَطْهُر أموالُهم، بل قال: لیطهُروا هم أنفسهم. فحینما یعطی الإنسانُ الآخرین ما یحبّ وما من شأنه أن یسبّب له التعلّق بالدنیا فسوف لا یحصل له مثل هذا التعلّق، بل ویزول ما كان لدیه من تعلّقات أیضاً. فالذین ینظرون إلى آلاء ربّهم، بما فی ذلك الأزواج والأولاد، باعتبارها نِعم الله علیهم وأنّها وسائل لاختبارهم، فسوف لا ینظرون إلى هذه الاُمور بما أنّها أصیلة ولهذا فإنّهم لا یتعلّقون بها.

أمّا إذا حصل التعلّق بالدنیا فلابدّ من طروء ظروف وحصول حوادث لیُدرك الإنسان أنّ هذه الدنیا لا تستحقّ التعلّق بها: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَیْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ»[7]. فالشدائد والمكاره والمصائب إنّما تحصل للمرء كی یجتثّ حبّ الدنیا من قلبه ویقنع منها بالأقلّ. فالله عزّ وجلّ یعلم جیّداً كیف یختبر كلّ عبد من عبیده وبأیّ صورة یقطع تعلّقه بالدنیا بما یتناسب مع آفاقه ومیوله. فإنّ المشاكل التی تواجه كلّ إنسان تمثّل فی واقع الأمر عوامل تربویّة تساعد المرء على اجتثاب حبّ الدنیا من قلبه.

فمن أجل أن یتمكّن الإنسان من الإفادة ممّا أودع الله فی قلبه من محبّته ومن نورانیّة مشاهدة تجلّیاته فإنّ علیه أن یتجنّب السقوط فی وادی حبّ الدنیا. ولهذا یتابع الباری عزّ وجلّ فی الحدیث محطّ البحث: «واُحذِّره من الدنیا وما فیها كما یحذّر الراعی غنمَه من مراتع الهلكة». فالله یمارس دور الراعی الحریص على غنمه فی تعامله مع العبد الذی یخطو فی طریق التكامل والرقیّ. فمن أجل حفظ الخراف یقوم الراعی بتوجیه قطیعه إلى الطرقات الآمنة الخالیة من الأخطار كی لا یسقط فی الوادی ویأمَن من خطر الذئاب. لكنّه لا یفعل ذلك معه عنوةً، بل یهیّئ الأرضیّة كی یختار بنفسه الطریق الصائبة.

فالله تعالى یقدّم نفسَه فی هذا المقطع بمثابة الراعی الذی یُبعد غنمه عن المراتع التی فیها هلاكهم. فالاُمور الدنیویّة هی عرصات قد تؤدّی بالعباد إلى الهلاك، ولذا فإنّ الباری عزّ وجلّ ینأى بعباده عن مراتع الهلاك. هذه هی التربیة الإلهیّة؛ فهو تعالى یبعث – من ناحیة - فی أنفس عباده الدافع عبر إسكان محبّته فی قلوبهم، ویریهم – من ناحیة اُخرى – ذرى الكمال عبر فتح أعین وأسماع قلوبهم، ثمّ یزیل عن طریقهم – من ناحیة ثالثة – موانع التكامل والترقّی عبر تحذیرهم من اُمور الدنیا.

إلهی! نسألك بحقّ مَن وهبتهم محبّتك وأفَضْت علیهم من نعمك أن تمنّ على قلوبنا القاصرة أیضاً بنفحة من تلك النعم.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین 


[1]. سورة محمّد (صلّى الله علیه وآله)، الآیة 17.

[2]. سورة إبراهیم، الآیة 7.

[3]. سورة القمر، الآیة 55.

[4]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[5]. سورة آل عمران، الآیة 92.

[6]. سورة التوبة، الآیة 103.

[7]. سورة البقرة، الآیة 155.