فهرست مطالب

الجلسة الثالث عشر: الحمد لله هو ذروة المحبّة

تاریخ سخنرانی: 
1392/12/07

(13)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 26 شباط 2014م الموافق للسادس والعشرین من ربیع الثانی 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

الحمد لله هو ذروة المحبّة

 

استعرضنا فی المحاضرة السابقة العلاقة بین محبّة الله وغیرها من أشكال المحبّة، وذكرنا أنّ بعض هذه الأشكال - كمحبّة أعداء الله - لا تجتمع مع محبّة الله مطلقاً؛ أمّا البعض الآخر فقابل للجمع معها إلى حدّ ما. كما أنّ نفس هذه الأنماط من المحبّة تنقسم إلى عدّة مجامیع. فمنها ما لا تضادّ بینه وبین محبّة الله. ففی المراحل الأوّلیّة لمحبّة الله فإنّه طالما لم یتعارض هذا النمط من الحبّ مع لوازم محبّته تعالى ولم یمنع الإنسانَ من أداء ما علیه من تكلیف شرعیّ، فإنّه مسموح به، بل وقد یعمل أحیاناً - من باب تقویة العاطفة - على ترقیق القلب ویساعد على ظهور المحبّة لله وزیادتها. وبناءً علیه فإنّ هذا النوع من الحبّ مُجاز طالما لم یزاحم أداء التكلیف ولم یؤدّ إلى ارتكاب المعصیة.

أمّا المجموعة الثانیة من المحبّة فهی تُعدّ من لوازم محبّة الله وغیر قابلة للانفكاك عنها. فعلى سبیل المثال إذا علم المرء أنّ شخصاً معیّناً محبوب من قبل الله، فإنّ من لوازم محبّة الله أن یحبّه هو أیضاً. ولا حاجة للدلیل والبرهان لفهم هذا الأمر إذ أنّنا نمارسه فی حیاتنا الیومیّة. فكلّنا نحبّ كلّ ما یتعلّق بمن نحبّ، اللهمّ إلاّ إذا كان لهذه المتعلّقات من الخصوصیّات ما یتنافر مع أصل هذه المحبّة، حیث تصیر المحبّة – فی هذه الحالة - من جنس القسم الأوّل، أی انّها مذمومة ولا یمكن جمعها مع محبّته عزّ وجلّ.

المحبّة فی الله

تحتوی الروایات الشریفة على مباحث جمّة تفصح عن عدم انفكاك محبّة الله عن محبّة أولیائه. بالطبع إنّ تحدید مصادیق ما ورد فی الروایات فی هذا الشأن یتطلّب بحوثاً موسّعة سنتناول بعضها – إن شاء الله – فی المحاضرات القادمة، لكنّ المصداق الأبرز، والذی یعلمه ویعتقد به جمیع المسلمین، هو محبّة أهل بیت النبیّ (صلوات الله علیهم أجمعین) والتی جُعلت فی بعض هذه الروایات لازمة لمحبّة الله عزّ وجلّ، بل ووردت فی حقّها أحیاناً تعابیر غایة فی العمق والدلالة.

رُوی عن أبی عبد الله الصادق (علیه السلام) أنّه قال: «المحبّ فی الله مُحبّ لله والمحبوب فی الله حبیب الله لأنّهما لا یتحابّان إلا فی الله»[1]. فإن أحبّ امرؤ  أحداً فی الله ومِن أجله تعالى، فهو فی الحقیقة یحبّ الله، وفی هذه الحالة فإنّ محبوب هذا الشخص هو محبوب الله أیضاً. فإنّ مَن تتوفّر فیه الأهلیّة لیكون محبوباً فی الله فإنّ الله یحبّه أیضاً. فهذان الأمران هما بمثابة لازم وملزوم. فالمحبّ والمحبوب كلاهما فی الله وإنّ محبّة كلیهما هی محبّة إلهیّة؛ یقول: «لأنّهما لا یتحابّان إلا فی الله». ثمّ یروی الإمام الصادق (علیه السلام) حدیثاً عن رسول الله (صلّى الله علیه وآله) إن لم نقل انّه متواتر فهو مشهور على الأقلّ وقد نقله الفریقان بشكل مكرّر؛ یقول: «قال رسول الله (صلّى الله علیه وآله): المرءُ مع مَن أَحَبّ». بمعنى أنّ المحبّة تؤدّی إلى شكل من أشكال العلاقة بین المحبّ والمحبوب وتتحقّق بینهما المعیّة.

عاقبة ألوان المحبّة الدنیویّة

فعندما یحبّ المرؤ شخصاً فی الله یتولّد بینهما نمط من المعیّة محورها الله عزّ وجلّ؛ فهذا یحبّ ذاك فی الله، وذاك أیضاً یصیر محبوباً لهذا فی الله. «فمن أحبّ عبداً فی الله فإنّما أحبّ الله تعالى». ومتابعةً للروایة یستدلّ (علیه السلام) بحدیث آخر لرسول الله (صلّى الله علیه وآله) فیقول: «قال رسول الله (صلّى الله علیه وآله): أفضل الناس بعد النبیّین فی الدنیا والآخرة المُحبّون لله المتحابّون فیه، وكلّ حبّ معلول یورِث بُعداً فیه عداوَةً إلاّ هذین وهما من عین واحدة یزیدان أبداً ولا ینقصان أبداً»؛ فالمحبّة التی لا تكون فی الله، كالمحبّة الدنیویّة، تكون محطّ تزاحم وتظهر آفاتها وتؤدّی – شئنا أم أبینا – إلى العداوة. فقد یظهر من شخص حُسنٌ حیناً فیكون سبباً فی حبّ إنسانٍ له، لكن قد یظهر منه عیبٌ حیناً آخر فیكون مدعاة للعداوة معه. بناء علیه فإنّ كلّ أشكال المحبّة الدنیویّة مصیرها العداوة وتنتهی بضرب من الفراق بین المحبّ والمحبوب وهو ما یستلزم العداوة والبغضاء.

ویستدلّ إمامنا الصادق (علیه السلام) فی هذا الجزء من الروایة بقوله تعالى: «الأَخِلاّءُ یَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاّ الْمُتَّقِینَ»[2]؛ فالذین كانوا أخلاّء وأصدقاء فی الدنیا سیصیرون أعداءً لبعضهم البعض یوم القیامة، أمّا المتّقون فإنّهم مستثنون من هذه القاعدة، وهم الذین یحبّ بعضهم البعض فی الله، ولیس من أجل أغراض ومآرب دنیویّة. ولذا فإنّ كلّ محبّة هی تؤدّی إلى عداوة إلاّ أن یحبّ المرء غیره فی الله؛ فیكون محبّاً فی الله ویكون الآخر محبوباً فی الله، وهی محبّة لا تزول أبداً: «یزیدان أبداً ولا ینقصان أبداً... لأنّ أصل الحبّ التبرّی عن سوى المحبوب». فالمحبّة تقضی بأن یستغرق المحبّ فی حبّ محبوبه ویترك من سواه. فعندما یتبادل شخصان الحبّ فی الله یكون الله المحور الأساسیّ لمحبّتهما، إذ أنّ كلیهما یحبّ الله، كما أنّ هذا یحبّ ذاك لأنّ الله یحبّه، وذاك یصبح محبوباً لأنّ لدیه من المحبّة والكمال بحیث یحبّه الله.

ثمّ یستند أبو عبد الله (علیه السلام) استطراداً فی روایته إلى حدیث عن أمیر المؤمنین (علیه السلام) فیقول: «قال أمیر المؤمنین (علیه السلام): إنّ أطیبَ شی‏ء فی الجنّة وألَذَّه حبّ الله والحبّ فی الله والحمد لله»؛ أی إنّ اللذّة التی یشعر بها أهل الجنّة بسبب هذه الاُمور تفوق تلك الناجمة عن جمیع نعم الجنّة.

«الحمد لله» من أطیب نعم الجنّة

تحدّثنا سابقاً عن لذّة محبّة الله وحبّ الآخرین فی الله، لكنّه (علیه السلام) یعدّ الحمد لله هنا من ألذّ النعم إلى جانب هذین الأمرین وهو أمر یدعو إلى العجب بعض الشیء ویحتاج لتوضیح. فنحن البشر عندما نحمد الله نمنّ علیه – عادة - فنقول: «صحیح أنّ الله أنعم علینا هذه النعمة، لكنّنا حمدناه علیها وأدّینا حقّها» فلا نَعُدّ الحمد نفسه نعمة كی نلتذّ بها هی الاخرى. لكنّ السؤال المطروح هنا هو: ما معنى قوله (علیه السلام) «إنّ أطیبَ شی‏ء فی الجنّة وألَذَّه حبّ الله والحبّ فی الله والحمد لله»؟ فكیف یكون الحمد لله من أطیب الأشیاء؟ بالطبع فقد استدلّ (علیه السلام) هنا بهذه الآیة: «وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِینَ»[3]. فعندما یستقرّ أهل الجنّة فیها وینتهی الأمر ویعلمون أنّهم غیر خارجین منها وباقون فیها إلى أبد الآبدین فإنّهم ینبرون بالقول: «الْحَمْدُ للهِ الَّذِی... الَّذِی أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ»[4]. ومن الواضح أنّ قول ذلك یمثّل منتهى العرفان بالجمیل، لكن كیف یكون هذا الفعل أطیب وألذّ نعمة؟

فلنفترض أنّ امرأ یحبّ شخصاً ما، فإنّ من لوازم هذه المحبّة هو أن یقیم مع محبوبه علاقة حوار رومانسیّ ویخبره بأنّه یحبّه، وهو یلتذّ من نفس هذا الإخبار أیضاً. وبتعبیر آخر فإنّ غایة اللذّة عند المرء هو أن یستطیع أن یصارح صدیقه بأنّه یكنّ له حبّاً جمّاً، وهو یفتّش عن الفرصة المناسبة لمصارحته بذلك. فمجرّد الحبّ القلبیّ هو حالة مریحة ومُرضیة لكنّ لذّة إظهار المحبّة وإقامة العلاقة مع المحبوب تفوق الاُولى بكثیر. فالمحبّة الـمُضمَرة هی كالبذرة المودَعة فی التراب، فمع أنّ الموادّ الموجودة فی براعم وأزهار وثمار الشجرة النابتة من هذه البذرة هی عین المواد التی كانت موجودة فی البذرة، وهی الآن قد نمت وبلغت هذه المرحلة، لكنّ الفاصلة بین البذرة وثمرة هذه الشجرة كبیرة جدّاً. فصحیح أنّ هذه الشجرة قد نمت من نفس تلك البذرة وظهر فیها ما كان مخفیّاً فی البذرة من كمالات، لكنّ للثمرة لذّة مختلفة تماماً.

وكذا أهل الجنّة فإنّهم یلتذّون بآلاء ربّهم. لكنّ بعضهم یحبّ نفس النعم ویأنس بها. فكلّنا یحبّ قصور الجنّة المشیّدة من اللؤلؤ والمرجان وفاكهة الجنّة وأطعمتها و«وَفَوَاكِهَ مِمَّا یَشْتَهُونَ»[5]، و«لَحْمٍ مِّمَّا یَشْتَهُونَ»[6]. لكنّنا لا نتذّكر أنّ الله قد وهبها لنا وأنّنا نحبّ الله لأنّه أسبغ علینا هذه النعم إلاّ بعد التمتّع بها. أمّا محبّو الله فإنهم لیسوا هكذا، فهؤلاء یحبّون نعم الجنّة من باب أنّ الله قد وهبها لهم. فلو اشترى صدیقك كتاباً وأهداه لك، فإنّك ستحبّ هذا الكتاب جدّاً وستشكر صدیقك على أن أهداك إیّاه. لكنّك قد تحبّ الكتاب بسبب أنّ صدیقك هو الذی أهداه لك، وأنّه لو لم یكن منه، لما أعرتَه أهمّیة.

فأحباب الله تعالى یلتذّون بنعیم الجنّة كما نلتذّ نحن به، لكنّ التذاذهم یختلف كثیراً عن التذاذنا؛ فنحن نفرح بنفس النعم، أمّا هؤلاء فینصبّ كلّ اهتمامهم على محبوبهم، وإذا نالوا نعمة فإنّهم سیحبّونها من جهة كونها منه. وهناك بون شاسع بین هذه اللذّة وتلك التی تأتی من نفس النعمة.

وحتّى أولیاء الله فإنّهم یفیدون من نعم الجنّة ویلتذّون بها، لكنّ التذاذهم لا یشبه التذاذنا. فهؤلاء یعدّون هذه النعم لطفاً وعنایةً من الله عزّ وجلّ ویقولون: إنّنا لم نكن نستحقّ كلّ هذا، لكن أیّ كَرَم لله فی أن یغفر لنا ذنوبنا، ویتجاوز عن سیّئاتنا، ویُدخلنا الجنّة، ثمّ لا یكتفی بهذا، بل ویغدق علینا كلّ هذه النعم باستمرار. فهؤلاء العباد تزداد محبّتهم لله یوماً بعد یوم وهم یلتذّون بالنعم من باب كونه هو الذی یمنّ بها علیهم. وهذا هو المراد من أنّ قول: «الحمد لله ربّ العالمین» یمثّل الحوار الرومانسیّ الذی یدور بین أهل الجنّة وربّهم. أمّا نحن، وانطلاقا من الحالة التی نحن علیها الآن، فإنّنا سنلهو فی الجنّة بالورد والعطور والفاكهة وغیرها من النعم وسننسى أساساً أنّه ثمّة إله، وأنّه هو الذی أنعم علینا بكلّ هذا! أمّا قلوب أولیاء الله فإنّها مُلتفتة إلى الله ومُنتظرة لعنایاته منذ الیوم الذی فارقوا فیه هذه الحیاة. وحتّى عندما یمنّ علیهم ربّهم بالاستقرار فی جنّة الخلد فإنّ أكبر لذّة لهم هی أن یتلقّوا من یده نعمة.

كلّنا یعتقد بأنّ أهل الجنّة سیصلون فی یوم القیامة إلى حوض الكوثر وسیشربون من ید أمیر المؤمنین (علیه السلام) بكأسٍ شراباً فردوسیّاً سیمحو كلّ عیوبهم ویطهّرهم من كلّ دنس ورذیلة. ومن الواضح أنّ الإنسان إذا أحسّ بأنّ كلّ هذه الأدناس كانت فیه وأنّها مُحِیَت بید أمیر المؤمنین (علیه السلام) فإنّه سیشعر بلذّة ما بعدها لذّة، لكنّ علیّاً (علیه السلام) له أحباب یشعرون بالنشوة والدهشة لمجرّد أنّهم یشربون هذه الكأس من یده (علیه السلام).

الحمد لله هو ذروة المحبّة

یمارس بعض عباد الله هذا النمط من الحبّ مع محبوبهم. فعندما تكون جمیع النعم فی أیدیهم ویتمتّعون بها یقولون: «الحمد لله»، وهم یلتذّون من هذا الحمد. ولو لم یُذكر ذلك فی الروایات لما تجرّأتُ على نقله بكلّ هذه الصراحة وهذا الحزم. لكنّ الروایة التی ذكرنا تقول: «قال الله عزّ وجلّ: «وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِینَ» وذلك أنّهم إذا عاینوا ما فی الجنّة من النعیم هاجَت المحبّة فی قلوبهم فینادون عند ذلك: «أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِین»»[7].

كلّنا یعلم بأنّ لله آلاء عظیمة. فالماء البارد فی الصیف - مثلاً - لذیذ جدّاً، لاسیّما إذا كان المرء تائهاً وقد مسّه العطش فی وسط صحراء لاهبة، لكنّ الإنسان لا یجد الدافع إلى الشكر إلاّ حینما یتمتّع بالنعم. فنحن جمیعاً نعلم بأنّ الله قد وهب لنا نعماً جمّة، فكلنا یملك عیناً واُذناً ویداً ورجلاً و...الخ، لكنّنا ننسى أنّها جمیعاً نعم الله عزّ وجلّ، ولهذا فنحن لا نشعر باللذّة من استخدامها، بل ولا نلتفت إلى وجودها أساساً. بالطبع ینبغی الالتفات إلى كونها نعماً، ثمّ الانتباه إلى أنّها من عند الله. وعندها ستحصل حالة هیجان المحبّة فی قلوبنا عند تمتّعنا بها: «هاجَت المحبّة فی قلوبهم». فأولیاء الله عندما یتنعّمون بنعیم الجنّة تهیج المحبّة فی قلوبهم فیقولون نتیجة هذا الهیجان: «الحمد لله ربّ العالمین». وعندما یحصل هذا الهیجان، تنتابهم محبّة جدیدة. وهذه المحبّة الجدیدة أیضاً تقتضی أن تُشبَع بتوثیق العلاقة مع الله، وإشباعها إنّما یكون فی قولهم: «الحمد لله ربّ العالمین».

نسأل الله تعالى أو یمنّ علینا ببركة عنایات ولیّ العصر (أرواحنا فداه) بالتوفیق لأن تجد قطرة من بحار معارف أهل البیت (علیهم السلام) تلك سبیلاً إلى قلوبنا فنطّلع أكثر على عظمة الله وكماله وجماله، ونعلم كم هو محبوب، ثمّ نحبّ – فی ضوء محبّته – أحبّاءَه وأولیاءَه، حتّى نقول: «الحمد لله ربّ العالمین» إنّ شاء الله. 


1. مصباح الشریعة، ص194 – 196.

2. سورة الزخرف، الآیة 67.

3. سورة یونس، الآیة 10.

4. سورة فاطر، الآیتان 34 و35.

5. سورة المرسلات، الآیة 42.

6. سورة الطور، الآیة 22.

7. مصباح الشریعة، ص194 – 196.