فهرست مطالب

الجلسةالسادسة والاربعون: حبّ مخلوقات الله

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/30

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 21 تموز 2014م الموافق للیلة الرابعة والعشرین من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

حبّ مخلوقات الله

46

«یا أحمد! إنّ أهل الخیر وأهل الآخرة رقیقةٌ وجوههم، كثیرٌ حیاؤهم، قلیلٌ حُمْقهم، كثیرٌ نفعهم، قلیلٌ مكرهم، الناسُ منهم فی راحة، وأنفسُهم منهم فی تعب، كلامهم موزون، مُحاسِبین لأنفسهم متعِبین لها»[1]

إشارة

بحثنا فی المحاضرات الفائتة حول بعض مقاطع حدیث المعراج التی یوصی الباری عزّ وجلّ فیها رسوله الكریم (صلّى الله علیه وآله) ببغض أهل الدنیا ومحبّة أهل الآخرة. وحینما سأله (صلّى الله علیه وآله) عن ماهیّة أهل الدنیا وأهل الآخرة، بیّن الله تبارك وتعالى له بعض خصوصیّات الفریقین، وهو ما تكلّمنا عنه فی المحاضرات القلیلة الماضیة.

ومتابعةً لاستعراض أوصاف أهل الآخرة یقول الباری تعالى: «كثیرٌ نفعهم، قلیلٌ مكرهم». وانسجاماً مع ما جرى فی الحدیث فی عرض بقیّة خصال أهل الآخرة فی مقابل صفات أهل الدنیا، فإنّه فی هذا المقطع أیضاً - وبعد أن وصم فی المقطع السابق أهل الدنیا بالأنانیة وعدم التفكیر إلاّ بأنفسهم، وأنّهم لا یعتذرون من سلوكهم المشین، ولا یقبلون عذر الآخرین – یعرّف طلاّب الآخرة، فی المقابل، بأنّ نفعهم للناس كبیر وأنّهم لا یستخدمون فی تعاملهم معهم أُسلوب النفاق والمكر.

التفكیر الفردیُّ المذهب

قلنا فی إحدى محاضراتنا الماضیة، لدى تصنیف خصوصیّات طلاّب الدنیا وفق أدبیّات عالمنا المعاصر إلى ثلاثة مذاهب فكریّة؛ هی مذهب أصالة المتعة، ومذهب أصالة الفرد، ومذهب أصالة الحرّیة الأخلاقیّة – قلنا: إنّ روح الأنانیة والمنفعیّة تنبع من القول بأصالة الفرد. وبالنظر إلى أنّ سجیّة حبّ نفع الآخرین هی فی مقابل النفعیّة الشخصیّة، نرى من المناسب أن نتوسّع بعض الشیء فی البحث حول مذهب أصالة الفرد.

یؤكّد أحد المذاهب الأخلاقیّة الشائعة على جعل مناط تقییم سلوك الإنسان فی مقدار اللذّة التی یصیبها من هذا السلوك. وقد قلنا فیما مضى أیضاً: یعتقد بعض أصحاب الرأی فی حقل فلسفة الأخلاق بأنّ جذور أصالة اللذّة تمتدّ إلى أصالة النفع. فلو انهمك الإنسان - استناداً إلى هذا المعتقد – فی إنجاز عمل لا متعة فیه، بل ویكلّفه تعباً ومشقّة أیضاً، غیر أنّ النفع الذی یعود علیه بسببه یفوق المشقّة التی یتجشّمها لأجله، عُدّ هذا العمل قیّماً.

ومن ناحیة أُخرى، وتأسیساً على المذاهب المادّیة – التی یُعدّ المذهب الدنیویّ واحداً من فروعها – فلیس هناك سبب لسعی الإنسان من أجل منفعة الآخرین. هذا النمط من التفكیر إنّما یُستقَى من عقیدة أنّ عالم الوجود وكأنّه قد وُجد بمحض صدفة، ومن دون أیّ هدف أو غایة، عبر انفجار فی المادّة، وأنّ العملیّة التطوّریّة لجمیع المخلوقات إلى ظهور الإنسان هی مجرّد سلسلة من الأحداث العفویّة غیر الهادفة، وأنّ كلّ فرد - وبعد أن یمضی فترة فی هذا العالم مصارعاً جملة من الحوادث العرضیّة – یموت صدفة ویتحوّل جسده مرّة أُخرى إلى تراب. فماذا عسى الإنسان أن یصنع فی هذه الدنیا، وفقاً لهذا الطراز الفكریّ، سوى الاستمتاع! فالإنسان الذی لیس وجوده فی هذا العالم إلاّ حصیلة سلسلة من الأحداث العفویّة غیر الهادفة، والذی لیس من عاقبة تنتظره سوى التحوّل إلى تراب، لماذا ینبغی له التفكیر فی نفع الآخرین؟ فإنّ رؤیة من هذا القبیل، بشكل طبیعیّ، لا تُنتج غیر مذهب أصالة الفرد، وضرورة تفكیر المرء براحة نفسه.

التفكیر الجماعیّ المذهب

لكنّ بعض الفلاسفة وجدوا، بعد تأمّلهم فی هذه الرؤیة، أنّها تتعارض مع أمور من قبیل التضحیة وبذل النفس فی سبیل الآخرین، ممّا یُعدّ من القیم الإنسانیّة المسلَّم بها. ومن هنا فقد ظهر فی مقابل مذهب أصالة الفرد مذهب یتّخذ من الجماعة والمجتمع محوراً، ویُرجِع جمیع القیم والمبادئ إلى نكران الذات. والإنسان فی هذا المذهب لا ینبغی أن یفكّر فی مصلحته الشخصیّة بتاتاً، بل یتعیّن أن ینحصر تفكیره فی كیفیّة إیصال المزید من النفع إلى الآخرین. وقد اصطُنعت لتبریر هذا المذهب أدلّة فلسفیّة، من جملتها: أنّه لیس لأیّ فرد من البشر كیان مستقلّ وأصیل غیر المجتمع، وأنّ الذی یتمتّع بالأصالة هو المجتمع البشریّ. فالفرد، وفقاً لهذا المذهب، هو فی الواقع خلیّة من خلایا جسد المجتمع. إذ من الممكن لخلایا جسم الإنسان أن تُفصَل عنه وتستمرّ فی الحیاة خارجه إذا توفّرت لها الظروف الطبیعیّة الملائمة، غیر أنّ الخلیّة الواحدة أو العضو الواحد من البدن لا یُعدّ بمفرده إنساناً. فإنّ ملیاراتٍ من الخلایا قد اجتمعت مع بعضها البعض وتآزرت فیما بینها لتبنی جسم إنسان، لكنّ أیّ واحدة منها لا تُعتبر بمفردها إنساناً.

وفقاً لهذه الرؤیة، التی تُصنّف فی عداد النظریّات الفلسفّیة المعروفة فی علم الاجتماع، فإنّ الأصالة والوجود الحقیقیّ هما للمجتمع، وهو جسد تكوّن من اجتماع أفراد البشر وتواصلهم مع بعضهم، وإنّ كلّ فرد یبقى متمتّعاً بالحیاة الحقیقیّة ما دام متّصلاً بهذه الجماعة، أمّا إذا قُطع الارتباط بینه وبین الجسد، فسیكون كالعضو المبتور من جسم الإنسان.

ولقد طُرحت على أساس هذا المذهب الفلسفیّ بحوث أخلاقیّة وقیمیّة من قبیل تبریر قضیّة نكران الذات. ووفقاً لهذه النظریّة فإنّ رغبة الإنسان فی نفع الآخرین تنطلق من كون حیاته الحقیقیّة متعلّقة بهم، وأنّه بغیاب التعامل والتعاون بین أفراد المجتمع باعتبارهم خلایا لجسد واحد فإنّ كیانههم سیكون عرضة للخطر. بل لقد ذهب البعض إلى عدّ أبیات الشاعر سعدی المعروفة (كلّ فرد من بنی آدم عضو فی المجتمع البشریّ والجمیع مخلوق من جوهر واحد. فإن اشتكى عضو منهم تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى)[2] شاهداً على صحّة هذه النظریّة.

بناءً على ما تقدّم فإنّ كون صفة التفكیر فی الآخر قیمةً أخلاقیّةً له جذور فلسفیّة وتُستخلَص منه نتائج حقوقیّة واجتماعیّة مختلفة. ومنها أنّ الفكر القائم على أصالة المجتمع قد أنتج الشیوعیّة والعلمانیّة، وهما مذهبان یتعیّن على جمیع القائلین بهما العمل لصالح المجتمع، وكلّ عضو لا یكون ذا نفع للمجتمع فهو إمّا أن ینفصل لوحده عن هذا الجسد (كما تنفصل خلایا الجلد المیتة المتقرّنة عن الجسد وتتساقط)، أو أن یتمّ إقصاؤه عنه باعتباره عضواً زائداً وضارّاً (كما یستأصل الجرّاح العضو المریض من البدن). وهذا ما كان یُعمل به فی البلدان الشیوعیّة حیث یصار، تحت ذرائع شتّى، إلى التخلّص من المسنّین والعاجزین الذین لا أمل فی أن یقدّموا نفعاً ما للمجتمع كی لا تذهب ثروات الأمّة سُدىً!

ولقد اجتذبت هذه النزعات – بطریقة أو بأخرى - أتباعاً من المدارس الفكریّة المختلفة، بل وحتّى من بین بعض المذاهب. ولقد راجت مثل هذه الأفكار الماركسیّة فی بلدنا أیضاً، فی مرحلة من المراحل، إلى درجة التحاق بعض المعمّمین رسمیّاً بحزب «توده»، واستدلالهم – من أجل الترویج للماركسیّة - ببعض الآیات والروایات، لاسیّما روایات نهج البلاغة. وانطلاقاً من تصوّر أنّ الفكر الماركسیّ یمثّل تبریراً علمیّاً وفلسفیّاً لتعالیم الإسلام الاجتماعیّة، فقد قدّم هؤلاء الإسلامَ كدین یدعو إلى أصالة المجتمع، هابطین – نتیجة لذلك - بالأحكام الفردیّة للإسلام، التی لا تجدی نفعاً للآخرین، كالصلاة، إلى مستوى الآداب والتقالید المحلّیة القلیلة الأهمّیة! فالمهمّ فی نظرهم هو خدمة المرء للمجتمع وكونه ذا فائدة للناس.

أثر الاعتقاد بالمعاد على الأخلاق الاجتماعیّة

نحن نعلم بالطبع أنّ للإسلام رأیاً آخر غیر ما ذكرنا. فالإسلام یعتبر لكلّ فرد وجوداً خاصّاً، وتكلیفاً محدّداً، ومصیراً معیّناً، وعاقبة مستقلّة، وهو قوله عزّ وجلّ: ﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِیهِ یَوْمَ الْقِیَامَةِ فَرْداً[3]، أی إنّ كلّ فرد من بنی آدم یُحشر یوم القیامة بمعزل عن الآخرین؛ ﴿فَلا أَنْسَابَ‏ بَیْنَهُمْ[4]، فالعلاقات الدنیویّة التی كانت تجمع الأفراد تتفكّك فی ذلك الیوم ولا یُسئل امرؤ عن أبیه أو أمّه، بل إنّه: ﴿یَوْمَ یَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِیهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِیهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِیهِ[5]. فكلّ امرئ یومئذ تشغله أعماله، والناس فی ورطة وابتلاء عظیم بحیث یفرّ بعضهم من بعض.

إذن فلكلّ فرد من البشر فی الإسلام – من ناحیة - استقلالٌ وكیان شخصیّ وهو یحاسَب بمعزل عن الآخرین، كما أنّ الإسلام - من ناحیة أخرى – قد سنّ أحكاماً وجعل قیماً اجتماعیّة أیضاً. فاهتمام الإسلام بخدمة الآخرین قد بلغ حدّاً بحیث إنّه أحیاناً یُجزِل ثواباً عظیماً على تقدیم خدمة صغیرة. فقد ورد فی بعض الأخبار انّ ثواب قضاء حاجة الآخرین، وعلاج مشكلاتهم، وكشف الهمّ والغمّ عن قلوب الأرحام، ومساعدة الناس یزید على ثواب مئات الحجج والعمرات المقبولة[6].

من هنا فمن المیسور القول إنّ الإسلام قد أقرّ بأصالة الفرد على الصعید الفلسفیّ، أمّا على المستوى الأخلاقیّ الاجتماعیّ فهو یقول بأصالة المجتمع ویقدّم منفعة الجماعة على مصلحة الفرد. فالإسلام یفصل بین الشخصیّة المستقلّة لكلّ فرد وما یتعیّن علیها من تكالیف فردیّة، وبین علاقات الأفراد مع بعضهم البعض وتعاملاتهم الاجتماعیّة، فلا ینبغی أن نقع فی فخّ المدارس الإلحادیّة عبر الخلط بین هاتین القضیّتین.

لكن على أیّ أساس یا ترى تمّ وصف أهل الآخرة بأنّهم «كثیر نفعهم» أو نعت أهل الدنیا بأنّ: «نفعهم قلیل»؟

لقد ذكرنا سابقاً أنّه ثمّة أُناس لا یؤمنون بوجود الآخرة، وهم یعتقدون: «إِنْ هِیَ إِلاَّ حَیاتُنَا الدُّنْیا نَمُوتُ‏ وَنَحْیا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثینَ»[7]، ویزعمون بأنّ الإنسان إنّما یولَد فی یوم من الأیّام، ویعیش فی هذه الدنیا بضع سنین، ثمّ یموت فی نهایة المطاف، وتنتهی دورة وجوده بتبدّل جسده إلى تراب. واعتماداً على وجهة نظر أمثال هؤلاء، الذین «نَسُواْ یَوْمَ‏ الْحِسَابِ‏»[8]، فإنّه لیس ثمّة تبریر عقلانیّ لإسداء الخدمات للآخرین والحرص على معالجة مشكلات الناس والنظر فی قضایاهم، لأنّه یتحتّم على كلّ امرئ أن یعمل قدر المستطاع على استغلال فرصته المحدودة فی هذه الحیاة الدنیا فی التمتّع باللذّات. فلو خُلِّیَ بین المرء ولذّاته، ولم یكن ثمّة مَن یحاسبه، فأیّ دافع من شأنه أن یدعوه إلى ترك اللذّة وتحمّل عناء خدمة الآخرین یا ترى؟

وفی المقابل فإنّ الذی یعتقد بوجود عالم آخر سوف یُثاب فیه أو یعاقَب على أعماله، فسوف یحذر من ظلم الآخرین، لعلمه بأنّ عذاباً سیحیق به فی الآخرة جرّاء ظلمه. كما أنّه یعلم أنّ أیّ خدمة یسدیها إلى الناس فی الحیاة الدنیا فسیثاب علیها أضعافاً مضاعفة فی العالم الآخر. فأیّ صفقة أعظم ربحاً من هذه؟!

إنّ التبعات التی أتحفنا بها الفكر الإلحادیّ المتمثّل بمذهب أصالة الفرد ونزوع طلاّب الدنیا نحو اللذّات هی تلك التی نشاهدها الیوم فی أغلب أصقاع العالم؛ ألا وهی تفكّك الأسرة، وعدم مبالاة الأولاد بآبائهم، ومحوریة الذات، و..الخ. وفی المقابل فإنّ الإیمان بالمعاد والحساب والكتاب یبعث فی الإنسان حالة المراقبة لأفعاله وأقواله وغضّ الطرف عن بعض اللذّات العابرة، لینال فی الآخرة أضعافها من الأجر والثواب. بالطبع من الممكن أن یعتقد البعض، على مستوى اللسان، بالمعاد كجزء من أصول دینه، غیر أنّ حیاته – من الناحیة العملیّة – لا تختلف عن حیاة الكافر! بل لربما كان لبعض الكفّار سلوك أكثر سلامة وأخلاقیّة من سلوك بعض مدّعی الاعتقاد بالله ورسوله. فهمّ هؤلاء المدّعین الزائفین هی أمور الدنیا، وإن زعموا بألسنتهم شیئاً آخر. بل إنّ أمثال هؤلاء یستغربون من مخاوف الآخرین حیال الآخرة! وهذه هی طبیعة النظر إلى الحیاة الدنیا بنظرة كونها أصیلة والتی من لوازمها الإیمان بمذهب أصالة الفرد، وطلب اللذّة، وحبّ الذات. وحتّى لو قدّم أمثال هؤلاء خدمة إلى غیرهم فهم – فی الواقع – یرومون استجداء منفعة دنیویّة منهم. فی حین أنّ الشخص المؤمن بالآخرة، الذی لا یروم من أعماله غیر الحصول على المزید من الثواب یوم القیامة، یؤْثِر خدمة الآخرین – ابتغاء أجرها الأخرویّ الجزیل – على لذّاته ومصالحه الشخصیّة فی هذه الدنیا.

وأعلى من هؤلاء أولئك الذین ذاقوا حلاوة محبّة الله وهم یعلمون أنّ الله تعالى فیّاض ورؤوف إلى درجة أنّه خلق الكون كلّه من أجل إفاضة رحمته، وأنّ كلّ مخلوق من مخلوقات هذا العالم هو رمز ومظهر للرحمة الإلهیّة. فالله یحبّ جمیع هذه الموجودات ویرغب فی أن تتكامل كی تستحقّ المزید من رحمته. ومن هذا المنطلق فإنّ الذی یحبّ الله تعالى ینبغی أن یحبّ عباده، ومثلما یرغب هو فی بلوغ الكمال، فإنّ علیه أن یسعى فی تكامل باقی العباد أیضاً. وهی نظرة تحتلّ مقاماً أعلى وألطف من مقام طلب ثواب الآخرة وخوف عقابها. وتأسیساً على هذه الرؤیة فإنّ محبّة الله ستمثّل الباعث الوحید لخدمة خلق الله تبارك وتعالى. فالمؤمن الذی یحبّ الله سوف لا یتحمّل حتّى رؤیة حیوان جائع، لأّنه مخلوق من مخلوقات الله عزّ وجلّ.

بالطبع هناك فی هذا المجال، كما فی المجالات الأخرى، إفراط وتفریط. فالبعض – على سبیل المثال – یعتقد، استناداً إلى هذه الفكرة، بأنّه لا ینبغی إعدام كائن حیّ أو قتل حیوان على الإطلاق، لأنّ الله هو الذی قد وهبه الحیاة. ولقد بلغ الإفراط فی هذا المضمار إلى حدّ تقدیس البقرة، مثلاً، بل وعبادتها فی بعض المذاهب الهندیّة. وحرّم بعضهم الآخر على نفسه أكل لحم أیّ حیوان.

لقد نسی هؤلاء بأنّ الله تعالى قد صاغ نظام هذا العالم بحیث لابدّ، من أجل خلق أیّ ظاهرة جدیدة، أن یصار إلى دمج الظواهر السابقة بها، أو محوها. من باب المثال، فإنّ المخلوق الحیّ بحاجة، من أجل البقاء على قید الحیاة، إلى الغذاء. وإنّ الإله الذی خلق هذه المخلوقات قد صمّم نظامَ العالم بحیث تفدی بعض هذه المخلوقات نفسها فی سبیل تكامل المخلوقات الأخرى. فالشاة مهما طال عمرها تبقى شاة، أمّا الإنسان فباستطاعته الرقیّ لیصبح «ابن سینا»، أو «سلمان الفارسی» (علیهما الرحمة). إنّه قانون الله. فالله تعالى هو الذی أمر الإنسان، من أجل أن یبقى حیّاً، بأكل لحم الشاة. لكن علینا أن نعلم أنّنا من دون إذن الله تعالى لا یجوز لنا القیام بذلك.

أهمّیة الأفكار الأساسیّة

بالرجوع إلى ما قیل سلفاً نفهم أنّ علینا أوّلاً إصلاح رؤیتنا، وأن نعلم ما نحن؟ هل نحن مجرّد هذا البدن المادّی الذی سیموت ذات یوم ویتحوّل إلى تراب؟ أم ثمّة جزء آخر فینا اسمه الروح قد نفخها الله فی أجسامنا: «نَفَخْتُ‏ فِیهِ‏ مِنْ رُوحِی»[9]، وسیستردّها مَلَك الموت یوماً منّا: «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا»[10]، «قُلْ یَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ»[11]؟ والاستیفاء یعنی أخذ الشیء كلّه دفعة واحدة، ویعنی أنّ ملَك الموت یأخذ روحكم ووجودكم مرّة واحدة. فالبدن الذی تراه هو ثوب ستخلعه یوماً ما وسیتحوّل إلى تراب. وإنّ هویّتك الرئیسیّة هی شیء آخر یبقى مصاناً محفوظاً حتّى بعد الموت، بل وإلى یوم القیامة، ثمّ تعود كرّة أخرى، وتُبصر ثمار أعمالك.

علینا أن نعلم أنّ الحیاة فی هذه الدنیا هی عبارة عن دورة جنینیّة، أمّا الحیاة الأصیلة فتشرع بعد الموت. بل هناك علاقة تربط هذه الحیاة بالحیاة فی الآخرة. فعلینا أن نزرع فی هذا العالم، كی نحصد ما زرعنا فی العالم الآخر. فلیس ذلك العالم محلاًّ للزرع والغرس.

نستشفّ من ذلك أنّ علینا الإفادة غایة الفائدة من أعمارنا، وأن نزرع ما استطعنا إلى ذلك سبیلاً، ونصون ما زرعنا، كی یوافینا یوم القیامة سالماً صحیحاً، فنكون قادرین فی ذلك الیوم على الانتفاع منه.

أمّا إذا أغفل المرءُ الآخرةَ فسیُبتلى بمذهب أصالة الفرد، واللهث وراء اللذة، وحبّ الذات، وسیكون كلّ ما یملك منحصراً فی هذه الدنیا، ولن یكون له فی الآخرة شیء یحصده.

وكلّما قویت هذه العقیدة فی النفس تراءَت القیم المذكورة للإنسان بشكل أوضح، لوجود علاقة منطقیّة بین تلك المعتقدات وهذه القیم. ومن باب المثال فإنّ الذین لا یحملون مثل هذا الإیمان هم كمَن: «أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِیعَةٍ یَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ یَجِدْهُ شَیْئاً»[12]. فهؤلاء یأتون بأعمال یتخیّلون أنّها ذات قیمة عظمى، لكن بمجرّد ما یفتحون أعینهم على عالم الآخرة، فهم لا یرون شیئاً: «وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً»[13]. أناس كهؤلاء لیست أعمالهم، كلّ أعمالهم، سوى هباء منثور لیس له أدنى قیمة.

فالعمل ذو القیمة هو ذلك الذی یؤتى به عن إیمان: «وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْیَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولـٰئِكَ كَانَ‏ سَعْیُهُمْ‏ مَشْكُوراً»[14]. فلو كان سعی الإنسان وجهده نابعاً عن إیمان، فهو قیّم.

بناءً على ما تقدّم، فنحن مطالَبون بتدعیم ركائزنا الفكریّة قدر ما نستطیع. فكلّما كان إیماننا أعظم قوّة، وأشدّ وضوحاً، وأكثر رسوخاً وتجذّراً، كانت أعمالنا أكبر قیمة، وكانت فی سعادتنا الأبدیّة أمضى أثراً.

وصلّى الله على محمّد وآله



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص24.

[2]. إشارة لأبیات سعدی، الشاعر والأدیب الإیرانی المعروف: «بنی ‌آدم اعضای یکدیگرند * که در آفرینش ز یک گوهرند؛ چو عضوی به درد آورد روزگار * دگر عضوها را نماند قرار».

[3]. سورة مریم، الآیة 95.

[4]. سورة «المؤمنون»، الآیة 101.

[5]. سورة عبس، الآیات 34 - 36.

[6]. على سبیل المثال ما جاء فی الأمالی للصدوق، ص237 عن الصادق (علیه السلام) یقول: «قضاء حاجة المؤمن أفضل من ألف حجّة مُتقبَّلة بمناسكها وعتق ألف رقبة لِوجه الله وحُملان ألف فرس فی سبیل الله بسُرُجها ولُجُمها».

[7]. سورة «المؤمنون»، الآیة 37.

[8]. سورة ص، الآیة 26.

[9]. سورة الحجر، الآیة 29.

[10]. سورة الأنعام، الآیة 61.

[11]. سورة السجدة، الآیة 11.

[12]. سورة النور، الآیة 39.

[13]. سورة الفرقان، الآیة 23.

[14]. سورة الإسراء، الآیة 19.