فهرست مطالب

الجلسة الثمانیة والثلاثون: أمارات المحبّة

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/22

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 13 تموز 2014م الموافق للیلة السادسة عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

أمارات المحبّة

38

 

إشارة

قلنا فی المحاضرات الماضیة، خلال شرح مقاطع من حدیث المعراج، إنّه بعد أن یمتثل العبد الخالص لله أوامر ربّه یحظى بأهلیّة أنْ یودِع الله محبّته فی قلبه فتظهر علیه، نتیجة لذلك، آثارٌ وبركاتٌ ذكَرنا بعضها فی المحاضرة الماضیة وسنتطرّق إلى تتمّتها اللیلة.

فمن جملة العطایا التی یمنّ الله تبارك وتعالى بها على عبده السالك فی هذه المرحلة هی أن یقطع تعلّقاته بكلّ شیء، فلا یعود راغباً فی محادثة الآخرین ومجالستهم إلاّ فیما یُرضی ربّه: «حتّى ینقطع حدیثُه من المخلوقین ومجالستُه معهم»[1]. ویشیر الحدیث بعد ذلك إلى ما یصیبه هذا العبد من بركات عند الموت وبعده: «واُنَوِّمه فی قبره واُنزِل علیه مُنكَراً ونكیراً حتّى یسألاه ولا یرى غمرة الموت وظُلمة القبر واللحد وهولَ المُطَّلَع»؛ فلا یحسّ بصعوبة نزع الروح، وینزلونه فی قبره بهدوء من دون أیّ انزعاج أو وحشة. «ثمّ أضعُ كتابَه فی یمینه» یوم القیامة؛ وهی أوصاف ترتبط بعالم الآخرة. ثمّ یقول بعد سرد هذه الخصوصیّات: «فهذه صفات المحبّین» لله. ویبیّن الله تعالى فی هذا المقطع من حدیث المعراج ما یترتّب فی الدنیا والآخرة من نتائج على محبّته جلّ وعلا.

أمارات المحبّة

وهنا، أی فی المقطع التالی، یضیف الباری عزّ وجلّ فصلاً آخر یوضّح فیه علامات المحبّین. فلیس كلّ مَن ادّعى حبّ الله بمحبّ له حقّاً. فإنّ للعاشق لله علاماتٍ یمكن من خلالها تشخیص حبّه لربّه. بالطبع إنّ محبّة الله هی من لوازم الإیمان؛ إذ أنّ كلّ مَن یؤمن بالله سیعرف أنّ النعم كافّة هی منه عزّ وجلّ وهو سیحبّه لا محالة. لكنّ هذه المحبّة - وبسبب ضحالة المعرفة، أو كمحصّلة لبعض التعلّقات الاُخرى أحیاناً – قد لا تنمو، بل وقد تذبل وتتلاشى تحت تأثیر أشكال اُخرى من المحبّة. فالإنسان یعلم أنّ جمیع ما لدیه من نعم هی من عند الله عزّ وجلّ، وهو – لهذا - یحبّ ولیّ نعمته، فیبادر إلى شكره والثناء علیه. لكنّ ضعف النفس، أو قلّة المعرفة، أو نقص الإیمان، أو بعض التعلّقات قد تؤدّی بالإنسان إلى التأثّر كثیراً من فَقْد نعمة أو الابتلاء بنازلةٍ ما وهو تأثّر ینسیه عِظَم النعم التی منّ الله بها علیه، وكم أنّ له جلّ وعلا حقوقاً علیه. بل، ومضافاً إلى نسیان محبّته تعالى، فقد یغمر قلبَه – والعیاذ بالله – بغض تجاهه عزّ وجلّ. فلعلّنا جمیعاً مررنا بهذه التجربة، وهی أنّنا ننسى الآخرین إذا أحببنا أحداً حبّاً شدیداً، بل وقد نضَحّی – عند التضادّ والتزاحم – بأشكال المحبّة الاُخرى فی سبیل الحبّ الأكبر والأشدّ. من هنا فإنّه لیس لكلّ مَن هبّ ودبّ الأهلیّة لأن یودعِ الله جوهرة محبّته فی قلبه ویجعل وعاء قلبه طافحاً بعشقه. فإنّ للوصول إلى هذه الدرجة شروطاً خاصّة قد تمّ بیانها فی الفقرات السابقة من الحدیث. لكن بما أنّ البعض قد یتظاهر بالإیمان بالله وحبّه، فقد خاطب تبارك وتعالى نبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله) فی القسم الأخیر من الحدیث القدسیّ بقوله: «یا أحمد! لیس كلّ مَن قال: اُحبّ الله، أحَبَّنی»؛ فلیس كلّ من لاكَ محبّةَ الله فی فمه بعاشق له حقّاً، اللهمّ إلاّ أن تبدو علیه آثار العشق والمحبّة؛ «حتّى یأخذ قوتاً ویلبس دوناً وینام سجوداً ویطیل قیاماً»؛ فالعاشق هو الذی یكتفی من غذائه بما یسدّ رمقه، ومن لباسه بالبسیط، وتخور قواه من طول السجود فیخرّ نائماً، ویطیل قیامه مصلّیاً.

یروی آیة الله الشیخ بهجت (رحمة الله علیه) أنّ الشیخ الأنصاریّ (رضوان الله تعالى علیه)، ولدى عودته من درسه فی یومٍ صیفیّ حارّ فی النجف الأشرف، طلب شربة ماء یروی بها ضمأه، فما لبث - فی الفترة التی استغرقوها لجلب بعض الماء البارد من السرداب - أن قام إلى الصلاة، فغاص فی أعماقها حتّى نسی عطشه، وطالت صلاته حتّى زالت برودة الماء. هكذا هم أحبّاء الله، إنّهم لا یفرّطون حتّى بهذه الفرصة القلیلة، فهم یمضونها فی الصلاة قائمین بین یدی المحبوب.

انطبقت الشفاه صوماً عن الطعام والكلام

«ویَلزَم صمتاً، ویتوكّل علیّ، ویبكی كثیراً، ویُقلّ ضَحِكاً، ویخالِف هواه، ویتّخذ المسجد بیتاً، والعِلم صاحباً، والزهد جلیساً، والعلماء أحبّاء، والفقراء رفقاء، ویطلب رضای، ویفرّ من العاصین فراراً، ویشتغل بذكری اشتغالاً، ویُكثِر التسبیح دائماً». فمن العلامات الاُخرى للمُحبّ لله تعالى هی أنّه من الساكتین وقلیلی الكلام، وأنّ توكّله علیّ، وبكاءه كثیر وضحكه قلیل، وهو یخالف كلّ ما أمره به قلبه، وأنّ بیته المسجد؛ فهو یذهب إلیه لیستریح من عناء الأشغال الیومیّة كلّما أنهكته لیشتغل بالعبادة، وأنّ العلم صاحبه والزهد جلیسه، وهو یصطفی أحباءه من بین العلماء وینتقی رفاقه من بین الفقراء، وهو یفرّ من المذنبین فراراً، وهو دائم الذكر والتسبیح لربّه. وقد أمر الله تعالى فی بعض آیات كتابه العزیز بتسبیحه؛ كقوله: «وَسَبِّحْ بِالْعَشِیِّ وَالإِبْكَارِ»[2]، وقوله: «وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِیلاً»[3].

ومن الخصوصیّات الاُخرى لهذا العبد هی أنّه: «یكون بالوعد صادقاً، وبالعهد وافیاً، ویكون قلبه طاهراً [لا یضمر ضغینة لأحد]، وفی الصلاة ذاكیاً [یحرص على أدائها صحیحة]، وفی الفرائض مجتهداً، وفیما عندی من الثواب راغباً، ومن عذابی راهباً، ولأحبّائی قریناً وجلیساً»[4]. فالمحبّ لله تظهر علیه مثل هذه الأمارات. لكنّ السؤال هو: ما هی العلاقة بین هذه العلامات ومحبّة الله؟

القلب الواحد لا یتّسع لحبیبین

نستطیع تقسیم هذه العلامات إلى ثلاث فئات. الفئة الاُولى تتضمّن الاُمور التی تكون علاقتها بمحبّة الآخرین واضحة؛ فالمحبّ یرغب فی ذكر أوصاف محبوبه، والاُنس معه، واللقاء به. فالمیل  إلى عبادة الله، وطول السجود، وكثرة الصلاة لهی من الأمارات الواضحة على محبّة المرء لربّه والرغبة فی الاُنس معه والحضور فی حضرته. فالذی لا یُكنّ حبّاً لله فهو یؤدّی حتّى صلاته الواجبة بتثاقل وعلى عجل.

والفئة الثانیة منها تتّصل باُسلوب التعامل مع الناس، والسلوك الصادق مع الآخرین والالتزام بالعهود. أمّا الفئة الثالثة فتتضمّن أشكال السلوك الفردیّ مثل قلّة الطعام، وبساطة اللباس. لكنّ ارتباط هذه العلامات بمحبّة الله لیس هو بوضوح ارتباط الفئة الاُولى بها. وقد قلنا إنّ الحدیث القدسیّ لا یتحدّث عن الحبّ الذی یكنّه الناس العادیّون. فجُلّنا یحبّ الله لِـما أسبغ علیه من النعم. بل إنّنا قد نغفل عن آلاء الله أحیاناً فننسى – من أجل ذلك - حبّه، بل ونعاتبه أحیاناً اُخرى. لكن ّكلام الباری تعالى فی هذا الحدیث یدور حول المحبّة التی یمنحها كأجر لمن طوى من عباده مراحل السلوك بجدّ واجتهاد ویجعل قلوبهم طافحة بها. فإنّ من مؤشّرات هذا اللون من الحبّ هی قلّة الطعام وبساطة اللباس.

ولإلقاء الضوء على العلاقة بین الأوصاف المذكورة مع محبّة الله تعالى علینا الالتفات أوّلاً إلى قضیّة أنّ وعاء ابن آدم محدود وأنّ كلّ ما یشغله عن ذكر الله فإنّه یأخذ حیّزاً من قلبه ویبعث على فقدان جزء من حبّه لربّه. فكلّما أضفنا شیئاً إلى الوعاء الذی لا یتّسع إلاّ لِلَتر واحد من الماء فإنّ حجماً مساویاً من مائه سیُراق منه. ومن هذا المنطلق تحدیداً فإنّ أیّ عامل یشغل انتباه العبد السالك فإنّه سیسلب منه نفس المقدار من التفاته إلى محبوبه، والحال أنّه لا یرضى بنقصان محبّته لربّه قید أنملة، اللهمّ إلاّ إذا أراد المحبوب نفسه ذلك. فاللباس الجمیل والغذاء اللذیذ مباحان، لكنّهما إذا حالا دون التفات المحبّ إلى محبوبه فسوف لا یطلبهما، فما بالك بالاُمور التی تتعارض مع محبّة الله عزّ وجلّ. فكیف یمكن أن یكون العبد عاشقاً لله ومتعلّقاً به فی الوقت الذی یمیل طرف من قلبه إلى ما یبغضه محبوبه؟ ألیس ذلك شركاً فی المحبّة؟ فإذا وصل العبد إلى مرحلة یكون قلبه فیها متعلّقاً بربّه فسوف لا یكون لما یبغضه الله أدنى سبیل إلى قلبه، بل سیفرّ منه؛ فهو سیفرّ من المعصیة، ویهرب من موجبات الأنانیة، ویحذر من كلّ ما یخلق فی نفسه حالة التعلّق بغیر الله. فالاكتفاء بالطعام القلیل واللباس البسیط، والابتعاد عن أهل المعاصی، والاُنس بأولیاء الله، هی من أجل أن لا ینحرف التفات العبد العاشق عن ربّه وأن یكون قلبه طوع أمر محبوبه. وهو لهذا یخالف كلّ ما یطلبه قلبه؛ لأنّ تلبیة ما یطلب القلب بمعزل عمّا یریده الباری تعالى هو ضرب من الشرك؛ وهو أن یحبّ اللهَ تعالى وأن یمیل إلى هوى نفسه أو یهتمّ بإطراء الآخرین! فإن آل الأمر إلى هذا المآل كان الهوى وإطراء الآخرین صنمین یعبدهما العبد إلى جانب ربّه! وهو ما لا ینسجم مع التوحید فی المحبّة. فإن تعلّق قلب المرء بشخص ما، فینبغی أن لا یرى غیره، وعلیه أن یسعى لإلفات انتباهه؛ فلا یجوز أن یكون لقلبه معبود سواه. فإنّ تسلُّل أیّ لون من النزعات الاُخرى إلى قلب العبد هو نوع من الشرك.

تنفیذ كلّ ما یطلبه الحبیب

فی موضع آخر من الحدیث القدسیّ محطّ البحث یوصَى النبیّ الكریم (صلّى الله علیه وآله) بترك بعض الاُمور: «یا أحمد لا تتزیّن بلِین اللباس وطِیب الطعام ولَین الوطاء»؛ أی لا تزیّن نفسك باللباس الناعم الجمیل، ولا تطلب الطعام الطیّب اللذیذ، ولتكتف منه بالمقدار الضروریّ لصحّتك وسلامتك، وتجنّب الفراش الوثیر الناعم؛ لأنّ فی هذه الاُمور ما تطلبه نفسك. «فإنّ النفْسَ مأوى كلّ شرّ ورفیق كلّ سوء»؛ فالنفس التی تطلب مثل هذه الأشیاء هی مكمن الشرّ.

ولطالما أكّد إمامنا الخمینیّ الراحل (رضوان الله تعالى علیه) فی كلامه على أنّ جمیع المآسی منبعها النفس، فإن عمد الإنسان إلى نفسه فهذّبها فستُحَلّ جمیع العُقَد. «فإنّ النفْسَ مأوى كلّ شرّ ورفیق كلّ سوء، تجرُّها إلى طاعة الله وتجرُّك إلى معصیته». فمثل هذا العدوّ یواجه الإنسان. فقد ورد فی الخبر: «أعدَى عدوّك نفسُك التی بین جنبیك»[5].

ثمّ یقول: «تطغى إذا شبِعَت، وتشكو إذا جاعت، وتغضب إذا افتقرَتْ، وتتكبّر إذا استغنَت، وتنسى إذا كبِرَت، وتغفَل إذا أمِنَت». فلقد بعث الله تعالى أنبیاءه لینذروا الناس حتّى لا یشعروا بأمان زائف، ولكی یلتفتوا دوماً إلى أنّه ثمّة خطر یتربّص بهم وعندئذ لا تستولی علیهم الغفلة.

«وهی قرینة الشیطان، ومثَل النفس كمثَل النعامة تأكل الكثیر وإذا حُمل علیها لا تطیر، وكمثّل الدِفْلَى لونُه حسَن وطعمُه مرّ»؛ فمَثَل النفس كمثل الزهرة الجمیلة والحسنة اللون لكنّها مرّة المذاق. ومن هنا فإنّه یتعیّن على المرء أن یحذر من الاغترار بمظهره الملیح، وأن لا یستجیب لشهواته إلاّ بمقدار الضرورة.

فالذی یودّ الإمساك بزمام نفسه علیه أن یأكل القلیل، ولا یسعى وراء الزینة، أو یطلب راحة الدنیا. فالنفس البشریّة هی بمثابة الدابّة التی لا ینبغی الاهتمام بها إلاّ فی حدود الضرورة والتی یجب استغلالها قدر المستطاع. فإن استجاب المرء لنفسَه فی دلالها وتغنّجها فسوف لا یستطیع امتطاءها. فزمام النفس هو الذی ینبغی أن یكون فی ید صاحبها، لا أن یكون المرء تحت تصرّف نفسه وطوع أمرها.

فالذی لا ینفكّ عن التفكیر فی الطعام اللذیذ واللباس الحسن لا تُستساغ منه دعوى محبّة الله عزّ وجلّ، فمحبوب شخص كهذا هو لباسُه وبطنُه. كما أنّ المحبّ لا یغیب اسم محبوبه عن لسانه، إلاّ لبعض الاعتبارات. فالذی یموج قلبه حبّاً لله یكون دائم اللهج باسمه تعالى، والإطراء علیه، والسعی فی القیام بكلّ ما یحبّه ویرضاه. فإن أصبح المرء هكذا، عُلِم حینئذ أنّه یحبّ ربّه حقّاً.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین 


[1]. بحار الأنوار، ج74، ص28.

[2]. سورة آل عمران، الآیة 41.

[3]. سورة الأحزاب، الآیة 42.

[4]. إرشاد القلوب، ج1، ص206.

[5]. عدّة الداعی ونجاح الساعی، ص314.