فهرست مطالب

الجلسةالسادسة والثلاثون: هذا هو العیش الهنیء

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/20

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 11 تموز 2014م الموافق للیلة الرابعة عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

هذا هو العیش الهنیء

36

 

«فإذا كان هكذا یَفِرّ من الناس فراراً ویُنقَل من دار الفناء إلى دار البقاء ومن دار الشیطان إلى دار الرحمٰن. یا أحمد لأزیّنَنّه بالهیبة والعظمة فهذا هو العیش الهنی‏ء والحیاة الباقیة»[1].

إشارة

قلنا فی المحاضرات الفائتة، فی معرض بحثنا فی فقرات من حدیث المعراج، إنّه بعد أن یمتثل السالك الأوامرَ الاُولى المبیَّنة فی الحدیث تشمله رحمة وعنایة خاصّتین من الله عزّ وجلّ وأوّل ما یحصل علیه من أجر هو أن تودَع فی قلبه محبّة خاصّة تجاه الله تبارك وتعالى. أمّا أجره الثانی فهو أن تهون الدنیا فی عینه، ثمّ یتحوّل إلى بغض فی قلبه تجاهها وتجاه لذّاتها، وهو ما یمهّد له الأرضیّة لعدم الرغبة فی الدنیا وتجنّب السقوط فی حبائل الشیطان. وفی هذه المرحلة تنتهی التربیة الإلهیّة وتظهر فی السالك آثار تبیّنها الفقرات التالیة من الحدیث القدسیّ.

«فإذا كان هكذا» أی بعد اجتیاز هذه المراحل التربویّة «یَفِرّ من الناس فراراً ویُنقَل من دار الفناء إلى دار البقاء ومن دار الشیطان إلى دار الرحمٰن». وعندها یعمد الله إلى تزیینه بالهیبة والعظمة حتّى یحسّ الناس بالخضوع بین یدیه «فهذا هو العیش الهنی‏ء والحیاة الباقیة». ولـمّا كانت أذهاننا غیر مأنوسة بهذه المفاهیم فإنّنا نجد فی هذه التعابیر بعض الإبهام. أوّل إبهام هو: ما معنى الفرار من الناس، ولماذا یفرّ أمثال هؤلاء من الناس؟

السالك إلى الله فارٌّ من الناس

إنّ من جملة المسائل التی تتناولها كتب الأخلاق والتی یولیها أرباب السیر والسلوك اهتماماً بالغاً هی تلك الخصوصیّات التی بُیِّنت بلسان الشعر:

صـــــمتٌ وجـــوعٌ وسَــهَر      عَــــــــــزلٌ وذِكـــرٌ مـــســـتـــمِــــرّ

خَـمــسٌ إذا مورِسنَ أكـ      ـمَلنَ النقائص فی البشر[2]

یعنی انّه فی میسور الذین یشْكُون من النقص فی مقام العبودیّة أن یستعینوا بهذه العوامل الخمسة لیصلوا إلى كمال العبودیّة. أوّل هذه العوامل هو «الصمت» الذی تكرّرت الإشارة إلیه فی حدیث المعراج، وثانیها «الجوع»، وثالثها «السَهَر» وإحیاء اللیل، ورابعها «العزلة» عن الناس، وخامسها «ذكر الله» بشكل مستمرّ. جمیعنا تقریباً یعرف هذه المفاهیم ویعلم أنّه لا یراد بالتوصیة بها الإطلاق والعموم. فلیس المراد من الصمت هو السكوت المطلق؛ إذ قد یكون الكلام أحیاناً واجباً، كما فی الأمر بالمعروف والنهی عن المنكر، وتفقیه الآخرین فی الدین، والردّ على الأسئلة والشبهات. وكذا الحال مع «الجوع» فلا یراد منه الجوع المستمرّ، إذ یتعیّن على الإنسان - لدفع ضعف بدنه واكتساب القدرة على إنجاز واجباته – تناول بعض الطعام. ومن الواضح أنّ قائل هذا البیت لیس هو فی مقام بیان شروط وقیود المسألة ولیس قصده تبیین الحدّ المطلوب لكلّ واحد من هذه العوامل. كما أنّ «العزلة» هنا - والتی عبّر عنها الحدیث بالفرار من الناس – لا یراد منها اللجوء إلى غار أو العیش فی صومعة، فالإسلام یرفض مثل هذه الرهبانیّة: «لا رهبانیّة فی الإسلام»[3]. فالرهبانیّة كانت بدعة ابتدعها بعض النصارى للفرار من أذى أعدائهم من الیهود ثمّ أقرّتها الدیانة المسیحیّة تدریجیّاً بشكل من الأشكال ولا زالت رائجة لدى بعض فِرَقها؛ كما فی قوله تعالى: «وَرَهْبَانِیَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَیْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ»[4]. فالرهبانیّة غیر مقبولة فی دین الإسلام الذی استعاض عنها بالتوصیة بصلاة اللیل والاستیقاظ فی السحر[5]. ونستطیع أن نتبیّن، بالالتفات إلى ذلك، أن لا عمومیّة فی قضیّة العزلة عن الناس وأنّ لها قیوداً. لكن لماذا لم تبیَّن قیودها فی هذا الحدیث الشریف؟ هذا أمر طبیعیّ، فإذا لم نشأ فی محاوراتنا الیومیّة بیان تفاصیل الموضوع فإنّنا، وتجنّباً للإطالة والإسهاب، سوف لا نطرح جمیع قیوده وشروطه دفعة واحدة وسنكتفی ببیان أصل المبحث بصورة الإهمال. كما أنّ الكثیر من آیات الذكر الحكیم التی تتطرّق إلى أصل وجوب الصلاة تقول من دون أیّ قید: «أَقِیمُواْ الصَّلَوٰةَ»[6]، «یُقِیمُونَ الصَّلَوٰةَ»[7]. فهاهنا مقام الإهمال، أمّا أجزاء المبحث وقیوده وشروطه فیتمّ ذكرها فی مقام البیان التفصیلیّ.

والحدیث هنا یتصدّى لبیان اُسلوبٍ خلافُه هو الشائع بین الناس. فأغلب الناس یمیلون إلى قضاء أوقاتهم بتجاذب أطراف الحدیث مع الآخرین ومناقشتهم فی شتّى القضایا. فالله تعالى، ومن منطلق كونه المربّی لعباده، یرید هنا تغییر هذه العادة غیر الصائبة، والحدیث – لذلك – یكتفی بالإشارة إلى الفرار من الناس باعتباره عملاً محبّذاً. وهذا یشبه التوصیة فی الكثیر من الروایات بالإقلال من الطعام بشكل مطلق فی معرض تحذیر الناس من الإكثار من الأكل والذی یبدو أمراً طبیعیّاً عند الكثیرین. فمثل هذه الروایات هی فی مقام التحذیر من اُسلوب فی الحیاة غیر صحیح وضرورة السیطرة علیه وإصلاحه. ومن هنا فقد ذُكرت المسألة بصورة الإهمال، وتُرك بیان حدودها وقیودها وشروطها لمناسبة اُخرى.

أقسام المعاشرة

ممّا لا شكّ فیه أنّ معاشرة الآخرین هی من النعم الإلهیّة وقد مُهِّد لها من خلال التواجد فی كنف الاُسرة والمجتمع، ومن دونها سوف لا تتوفّر إمكانیّة تأمین الكثیر من حوائج الحیاة الضروریّة، بل وسوف یغیب المناخ اللازم لبلوغ بعض الكمالات المعنویّة أیضاً. فلو اُبقی على المرء منذ ولادته فی غار بعیداً عن أبناء جنسه فسوف لا یجید النطق، ولا یتعرّف على الآداب والتقالید، ولا یتعلّم أیّ عِلم، وستكون حیاته حیاة الحیوانات. وهذا ما دفع الفلاسفة إلى القول: إنّ الإنسان هو مدنیّ بالطبع؛ أی إنّ طبع الإنسان یقتضی المدنیّة والتحضّر. فلا ریب أنّ الإنسان بحاجة إلى المعاشرة من أجل تلبیة حاجیاته ومساعدة الآخرین. لكن عوضاً عن استغلال الإنسان معاشرةَ الآخرین من أجل تكامله ورقیّه فإنّ غفلته تؤدّی به إلى تضییع جزء كبیر من عمره الثمین فی اُمور لا تعطی أیّ ثمار اُخرویّة بل وحتّى دنیویّة، بل وقد یقضیها فی المعصیة والآثام أیضاً. ولتجنّب ذلك علینا أوّلاً أن نصنّف أنواع معاشرتنا.

فقسم من تعاملاتنا مع الناس یصنَّف فی خانة تلبیة ما نحتاجه فی حیاتنا المادّیة والدنیویّة؛ ذلك أنّنا غیر قادرین وحدنا على تلبیة كلّ هذه الحاجات، ونحن بحاجة إلى غیرنا لذلك. فالمعاشرة ضمن هذه الحدود هی من لوازم الحیاة الدنیویّة والأخیرة هی التی تحدّد مقدار الحاجة إلیها. أمّا القسم الآخر ممّا نمارسه من المعاشرة فیدرّ علینا منافع اُخرویّة؛ كمعاشرة علماء الدین، ومربّی الأخلاق، والإخوة فی الإیمان الذین یعلّموننا دیننا، وینبّهوننا إلى الصالح والطالح ویذكّروننا بالله تعالى: «قالت الحواریّون لعیسى: یا روح الله! مَن نُجالس؟ قال: مَن یُذكِّرُكم اللهَ رؤیتُه، ویزید فی عِلمكم منطقُه، ویُرَغِّبكم فی الآخرة عمله»[8]. لكنّ بعض أشكال المعاشرة تسوق المرء إلى ارتكاب المعاصی. فأیّ فائدة یجنیها المرء منها یا ترى؟ فهذا الضرب من المعاشرة هو مذموم لا محالة ویتعیّن الفرار منه.

الفرار من الناس للحفاظ على ثروة العمر

التصنیف الآنف الذكر للمعاشرة ینفع الأشخاص العادیّین، لكنّ هذا المقطع من حدیث المعراج یخاطب اُولئك الذین یبتعدون حتّى عن فعل المباحات ولیس هدفهم النجاة من نار جهنّم. فهذه التوصیات تخصّ المفتّشین عن المراتب العالیة من الكمال البشریّ. فأمثال هؤلاء یؤمنون بأنّ الحیاة فی هذه الدنیا لیست مطلوبة ذاتاً، بل هی أداة لاختبار ابن آدم ووسیلة لتكامله، ومن هنا فإنّه یتعیّن إنفاق كلّ لحظة منها فی سبیل نیل سعادة الآخرة. فهل یُعقَل أن یقضی مَن بلغ هذا المستوى من المعرفة وقتَه بالبطالة بحضوره فی أیّ مجلس كان، حتّى وإن خلا من كلّ معصیة أو غیبة أو تهمة؟!

فعمل كهذا بالنسبة لمن یرید توظیف كلّ لحظة من لحظات عمره فی النموّ والتكامل هو بمثابة هدر ثروة عظیمة. فالعمر ثروة ینبغی استغلال كلّ لحظة منها لنیل سعادة الآخرة. فكیف یتسنّى للسالك إلى الله أن ینفقه فی أمثال اللعب والتسلیة التی قد تكون غیر نافعة أحیاناً حتّى دنیویّاً؟! كالرجل الثریّ الذی یستعمل حزمة الأوراق المالیّة لإشعال النار! فإنّ من الحماقة أن یضع المرء ثروته فیما لا یعود علیه بأیّ ربح. فكیف یقضی هذا العمر – الذی یمكن الحصول فی كلّ لحظة منه على أجر عبر ذكر الله – بالمزاح والتسلیة؟! فأیّ وصف یمكن إطلاقه على هذا العمل غیر الحماقة؟

فالذی یعلم ما لثروة عمره من قیمة فإنّه یتجنّب إتلافها ویفرّ من مجالسة من یهدرها بهذه الطریقة. فهل من العقل فی شیء أن یعمد الفنّان - الذی یستطیع استغلال وقته لإنتاج عمل فنّی فاخر – إلى إنفاق وقته فی مسامرة أصدقائه ورفاقه بدلاً من ذلك، أم علیه الفرار من مجالسة الذین یحولون دون مزاولته عمله؟ فالذین تقع على عاتقهم مسؤولیّات ضخمة، ومن أجل توفیر فرصة أكبر لإنجاز مهمّاتهم، یمتنعون عن المشاركة فی الكثیر من الاجتماعات واللقاءات، حتّى وإن لم یرض بعض السذّج عن مثل هذا السلوك، لأنّ هدفهم هو إنجاز أعمالهم. وهذا - فی الحقیقة - هو فرار من الذین یمنعون المرء من إنجاز عمله الرئیسیّ، حتّى وإن كان المانع هو أحد الأصدقاء.

على هذا الأساس فمن أجل أن یتجنّب السالك إلى الله إتلاف ثروة عمره النفیسة ویستطیع الإفادة من وقته بشكل أفضل فإنّه یفرّ من الذین یحرّضونه على اللغو الذی لیس له نتائج إیجابیّة على سعادة الآخرة. ولعلّكم سمعتم قصّة عنوان البصریّ الذی كان یصرّ بإلحاح على الاجتماع ولو مرّة بالإمام الصادق (علیه السلام) لكنّ الإمام كان یرفض. وأخیراً - وبعد التردّد المتكرّر على دار الإمام (علیه السلام) والتوسّل بالنبیّ الأعظم (صلّى الله علیه وآله) – فقد أفلح فی التشرّف بالاجتماع بحضرته.

«فإذا كان هكذا یَفِرّ من الناس فراراً» فالعبد الذی یعرف قیمة عمره فإنّه یفرّ ممّن یعمل على إتلاف وقته ویمنعه من الإفادة من عمره على النحو الصحیح حتّى وإن لم یجرّه إلى ارتكاب الذنب وذلك لیستطیع استغلال عمره على أحسن وجه. فعبد كهذا لا یحبّ مجالسة أیّ أحد إلاّ إذا كان لمجالسته أثر على آخرته. فأمیر المؤمنین (سلام الله علیه) كان یجلس للقضاء، ویتفقّد الفقراء، ویعاشر الناس لحلّ مشكلاتهم، بل ویعتنی بأطفالهم أیضاً؛ فقد كان حاكماً وعلیه العمل بواجباته. لكنّه كان یفرّ من الذین یلهیه الجلوس معهم عن أداء مسؤولیّاته.

انطلاقاً ممّا ذُكر فلیس المراد من «الناس» فی الحدیث جمیعَ الناس، بل المراد منه الذین تؤدّی مجالستهم إلى ارتكاب الآثام، بل وحتّى ضیاع عمر الإنسان، فإنّه من مثل هؤلاء یتعیّن الهرب. بالطبع هذه المرحلة تشمل اُولئك الذین اجتازوا المراحل الأوّلیة المذكورة فی الحدیث. فالأشخاص العادیّون الذین لم یبلغوا هذه المرحلة لیس لدیهم القابلیّة لانتهاج مثل هذا السلوك، بل إنّهم لا یطیقونه، وقد یصابون بالاكتئاب جرّاءه. فلا ینبغی تبنّی هذا السلوك إلاّ بعد اجتیاز مقدّماته وأن یكون تحت إشراف مرَبٍّ.

الانتقال إلى دار رحمة الله

یقول تعالى فی تتمّة هذا المقطع: «ویُنقَل من دار الفناء إلى دار البقاء». ما نفهمه نحن عادة من «الانتقال» هو الانتقال من محلّ إلى آخر. وقد نعمّم المفهوم نفسه على الرحیل عن الدار الفانیة إلى الدیار الباقیة. لكنّ الروایة محطّ البحث تتحدّث عن إنسان ما یزال على قید الحیاة ویشتغل فی هذا العالم بالعبادة وأداء واجباته. الاختلاف الوحید الحاصل فی هذا الإنسان هو ما طرأ من تغییر على حالاته الروحیّة نتیجة العمل بالتوصیات المذكورة فأنار له قلبَه وزاد انشداده إلى المسائل المعنویّة. والتعبیر بالانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء هو – بشكل من الأشكال – كنایة عن أنّه مع كون هذا العبد السالك ما یزال فی عالم الدنیا وهو – على سابق عهده - یعیش فی كنف اُسرته ومع أصدقائه فإنّ موضع روحه – التی هی الأساس لإنسانیّته – قد تغیّر، فقد رحل عن الموجودات الحیوانیّة التی كان یعیش بین ظهرانیها والتحق بجمع الملائكة. فجسم هذا الشخص لم یطرأ علیه تغییر وظروف البیئة المحیطة به ما زالت على حالها، لكنّ التعلّقات الدنیویّة التی كانت لدیه إلى الأمس القریب قد زالت وحلّت محبّة الله عزّ وجلّ محلّها، وهذا تحدیداً هو ما غیّر هویّته. وفی الحقیقة فإنّ وعاء حیاة هذا الشخص، الذی كان مملوءاً بلذائذ الدنیا قد تبدّل إلى وعاء لرحمة الله وفیضه وتجلّیاته لعبده. فالإنسان الذی یتمتّع بحیاتین، حیوانیّة وملكوتیّة، قد تحوّل – بعملیّة التكامل وتحوُّل الهویّة هذه – إلى ما یشبه الملائكة، فرحل عن دار الفناء - التی هی وعاء الحیاة الحیوانیّة - إلى دار البقاء - التی تمثّل وعاء الحیاة الرحمانیّة. شخص كهذا ینصبّ اهتمامه والتفاته كلّه على الله ولا یجد الشیطان سبیلاً إلى قلبه؛ إذن فإنّه قد انتقل من دار الشیطان إلى دار الرحمٰن.

فی إثر هذه الحالات یمنّ الله عزّ وجلّ على هذا العبد بفضیلة اُخرى توجب له المزید من الكرامة والوجاهة بین الناس: «یا أحمد لأزیّنَنّه بالهیبة والعظمة». فإنّ الله تبارك وتعالى یهَب مَن یصبح عبداً له هیبة وعظمة خاصّتین. فهناك من الناس من یكنّ لهم المرء احتراماً خاصّاً بما یتناسب مع مكانتهم ومنزلتهم الاجتماعیّة لكنّه لا ینفعل أمامهم ولا یخضع لتأثیرهم. غیر أنّه هناك اُناس یصفهم أمیر المؤمنین (علیه السلام) بعبارة: «صُفْرُ الوجوه»[9]؛ فهم أشخاص نحیلو الأبدان، صفر الوجوه، تلتصق جلودهم بعظامهم، لا یبدو علیهم – فی الظاهر - ما یدعو إلى الانفعال تجاههم، لكنّ المرء - ومن دون اختیار منه - یشعر بالحقارة أمامهم بسبب هیبتهم فلا یدری ما یصنع. ولعلّكم شاهدتم من أمثال هؤلاء بین العلماء والصالحین. فالإنسان یشعر أمام هؤلاء بالحقارة والانفعال ویخضع لعظمتهم، وكأنّه یواجه جبلاً أشمّ. هذه هی الهیبة والعظمة التی یمنّ بها الله تعالى على أولیائه، هیبةٌ یخضع حتّى الملوك أمامها.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. إشارة لبیت شعر بالفارسیّة یقول: «صمت و جوع و سَهَر و عزلت و ذكر به دوام      ناتمامان جهان را کند این پنج، تمام».

[3]. دعائم الإسلام، ج2، ص193.

[4]. سورة الحدید، الآیة 27.

[5]. عن أبی الحسن (علیه السلام) فی قول الله عزّ وجلّ: «رَهْبانِیَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَیْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ» قال: «صلاة اللیل». (الكافی، ج3، ص488).

[6]. سورة البقرة، الآیة 43.

[7]. سورة البقرة، الآیة 3.

[8]. الكافی، ج1، ص39، باب مجالسة العلماء وصحبتهم.

[9]. قال أمیر المؤمنین (علیه السلام): «أنا الراعی راعی الأنام، أفَتَرى الراعی لا یعرف غَنَمَه». (فقیل له): مَن غنمك یا أمیر المؤمنین؟ فقال: «صُفرُ الوجوه ذُبُل الشفاه من ذكر الله». (وسائل الشیعة، ج7، ص157).