فهرست مطالب

الجلسة الخامسة والعشرون: الدنیا والآخرة

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/09

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 30 حزیران 2014م الموافق للیلة الثالثة من شهر رمضان 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

«وأمّا الحیاة الباقیة فهی التی یعمل لنفسه حتّى تهون علیه الدنیا وتصغُر فی عینیه وتعظُم الآخرة عنده»[1].

 

الدنیا والآخرة

25

 

إشارة

لقد ذكرنا فی المحاضرات الماضیة فی إشارة إلى المقطع أعلاه من حدیث المعراج أنّ الله یقول فی مقام تعریف أهنأ عیش وأبقى حیاة انّ الأخیرة تكون من نصیب من تصبح الدنیا فی عینه - نتیجة كدّه وسعیه - هیّنة وغیر ذات قیمة. وهنا قد یتبادر السؤال التالی إلى الذهن: ما هو السبب فی قوله إنّ الحیاة الباقیة هی من نصیب مَن یعمل على أن تكون الدنیا فی عینه هیّنة وحقیرة؟

من الواضح أنّه عندما یدور الكلام حول الحیاة الأبدیّة تكون للبحث اُصول ثابتة وقضایا مفروضة الصحّة، أوّلها أنّه ثمّة بعد الحیاة الدنیویّة العابرة حیاةٌ اُخرى باقیة. فطرح سؤال من هذا القبیل على مَن لا یؤمن بهذه الحقیقة لیس فی محلّه. والأصل الآخر هو أنّ علینا السعی والعمل من أجل نیل السعادة فی الحیاة الأبدیّة. إذ قد تُطرح حول جمیع هذه المسائل شبهات لدى بعض الشباب، نرى من المناسب أن نشیر إلیها.

إثبات المعاد أصعب ما واجهه الأنبیاء

إنّ أعقد معضلة كانت تواجه الأنبیاء هی إثبات قضیّة أنّه ثمّة عالم آخر بعد عالمنا هذا سنحیا فیه بعد الموت. فلم تواجه قضیّة إثبات وجود الله وضرورة عبادته صعوبة بالغة من قبل الأنبیاء؛ ذلك أنّ أصل وجود المعبود كان محطّ قبول الجمیع، فأغلب الناس كانوا معتقدین بوجود معبود یتعیّن عبادته. وقد اقتضت رسالة الأنبیاء فی هذا المجال تبلیغ شعار «لا إله إلا الله» والقول للناس: «...أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ»[2]. إذ كان على الأنبیاء (علیهم السلام) أن یخبروا الناس أنّ الآلهة التی تعبدونها لا تستحقّ العبادة؛ إذ كیف یمكن أن یكون الذی تنحتونه بأنفسكم من الحجر والخشب إلهاً لكم وأن یكون أهلاً للعبادة؟! ولم یكن لدى الناس جواب على هذا الاستدلال العقلیّ سوى القول: «بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَیْنَا عَلَیْهِ ءَابَاءَنَا»[3]؛ فهذه سنّة آبائنا وأسلافنا، فقد ألفیناهم یفعلون ذلك ونحن نقتفی آثارهم: «إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ»[4].

لكنّ المسألة الاُخرى التی كان الأنبیاء یؤكّدون علیها كثیراً هی قضیّة وجود الیوم الآخر، وهی أنّ الناس یحیون ثانیة بعد الموت ویحاسَبون على أعمالهم وأنّ كلّ امرئ سیثاب أو یعاقَب على ما قدّمه. فإثبات هذه المسألة كانت غایة فی الصعوبة، إذ لم یتمّ إحیاء قوم حتّى ذلك الحین كی یشاهدهم الناس. وهذا ما جعل الكثیر من الناس یقولون: «إِنْ هَـٰذَا إِلاّ أَسَاطِیرُ الأَوَّلِینَ»[5]. بل وكانوا أحیاناً یستهزئون بالأنبیاء لهذا السبب قائلین: لقد ظهر مجنون یدّعی أنّ الإنسان یتمّ إحیاؤه ثانیة بعد أن یموت ویُقبَر: «أَفْتَرَىٰ عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةُ»[6]!

التفاسیر الخاطئة للآخرة

إذن فإثبات المعاد للناس كان من أصعب ما واجهه الأنبیاء، فلم یكن الناس لیصدّقوا بسهولة أنّهم سیُبعثون مرّة اُخرى بعد موتهم وسیعیشون حیاة لا نهایة لها هی الحیاة الحقیقیّة. من أجل ذلك فقد حاول البعض - بغیة إظهار الانسجام والتكیّف مع من آمن بهذه العقیدة - تأویل هذا المفهوم كغیره من المفاهیم، فقالوا، مثلاً: «الآخرة هی مفهوم قیمیّ وأخلاقیّ». وقد تستغربون من سماع ذلك، لكن لا بأس أن تعلموا أنّه ثمّة شخص معمّم قبل الثورة كان یُدعى «آشوری»، وقد تمّ إعدامه بعد الثورة بسبب ارتداده، كان قد كتب فی كتاب له تحت عنوان التوحید: «لیس «الله» بموجود عینیّ وحقیقیّ، بل هو تصوّرنا الذهنیّ للكمال المطلق»! وكان یقول أیضاً: «عبارة «لا إله إلا الله» هی لإثبات وجود مثال أخلاقیّ، ولیس لنا فی هذا المجال أیّ مشكلة أو خلاف مع المادّیة الفلسفیّة التی تعنی إنكار الله؛ فنحن نختلف مع الماركسیّین فی المادّیة الأخلاقیّة». وكان ثمّة من یقول أیضاً: «الآخرة لا تعنی أنّ الإنسان سیُبعث بعد الموت حقّاً، بل هی فی مقابل الدنیا وتعنی القیمة؛ فالدنیا تعنی الربح، والآخرة هی القیمة! فلو فعلتم ما یدرّ علیكم بالنفع، فهذه هی الدنیا، أمّا إذا قمتم بنفس هذا الفعل لما یحمله من قیمة، فهذه هی الآخرة، وإنّ دعوة الأنبیاء إلى الآخرة إنّما هی دعوة إلى التمسّك بالقیم وفعل الخیرات لما لها من قیمة» (وهو تفسیر مشابه لنزعة «كانت» فی الأخلاق).

فلا یصیبنّكم العجب من سماع أمثال هذا الكلام! فبعض الشخصیّات المعمّمة، والتی تمارس الیوم نشاطات سیاسیّة واسعة أیضاً، كانت تروّج فی درس تفسیرها لرؤیة مفادها أنّ: «الیوم الآخر یعنی یوم الثورة! بمعنى أنّه على الشعب أن یمارس أوّلاً نشاطات سرّیة حتّى یحین زمان الثورة. وانّ ساعة الثورة هی تلك التی یقول عنها القرآن الكریم: «إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِیَةٌ»، لكنّه لا ینبغی لأحد أن یعلم بها: «أَكَادُ أُخْفِیهَا»[7]».

علاقة الدنیا بالآخرة

الأصل الثابت الثانی الذی افترضناه لهذا البحث كان ضرورة السعی فی هذه الدنیا لنیل سعادة الآخرة. بید أنّه كان هناك من الأشخاص مَن لم ینكر الآخرة، لكنّه یقول: «الآخرة عالم آخر قد یُبعث المرء فیه ثانیة بعد موته وكما أنّه كان یعمل فی هذه الدنیا فسیعمل فی ذلك العالم أیضاً. فالقرآن عندما یطرح الحوار القائم بین أخوین یشیر إلى هذه الرؤیة فیروی عن قول أحدهما: «مَا أَظُنُّ أَن تَبِیدَ هَـٰذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّی لأَجِدَنَّ خَیْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً»[8]. فعلى فرض وجود الآخرة، فلا ینبغی أن نقلق بسببها؛ فحتّى لو اقتادونا بین یدی الله فی ذلك العالم فمثلما سعینا فی هذه الدنیا وحصلنا على هذه الثروات فباستطاعتنا هناك أن نعمل بشكل أفضل ونحصل على ما هو أفضل من ذلك»! ومن المثیر أن تعلموا هنا أیضاً أنّ أحد السیاسیّین - ممّن كان یُظهر تدیّناً فائقاً وكان یشغل مناصب فی أوائل أیّام انتصار الثورة - كان قد كتب فی كتابه: «من المحتمل أن تكون الجنّة فی أحد الأجرام السماویّة وأنّه سیكون باستطاعة البشر بعد تفوّقهم العلمیّ والصناعیّ أن یصنعوا من الأجهزة ما یمكّنهم من المهاجرة إلى هناك؛ أمّا المتخلّفون علمیّاً والاُمّیون فسیبقون فی جهنّم هذه الأرض»!

لكنّ تفاسیر من هذا القبیل لا تنسجم مع الاُصول الثابتة الـمُقرَّة فی معتقداتنا. فنحن نعتقد بأنّ الإنسان وبعد رحیله عن هذه الدنیا وتفسّخ بدنه وتحوّل عظامه إلى تراب سیُبعث مرّة اُخرى ویرى ثمار أعماله التی قدّمها فی الحیاة الدنیا؛ وهذا یعنی أنّنا – أوّلاً - نؤمن بالآخرة، وثانیاً: نرى أنّ الآخرة هی مفهوم حقیقیّ، ولیس مفهوماً قیمیّاً وأخلاقیّاً، وثالثاً: نعلم أنّ الآخرة تأتی بعد عالم الدنیا وتبدأ بعد الموت، ورابعاً: نعتقد بأنّ سعادة الآخرة لا تُنال إلاّ من خلال أعمال هذه الدنیا: «إنّ الیوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل»[9]. وإنّه بالاستناد إلى هذه الاُصول الثابتة یخاطب الله نبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله) لیلة المعراج بقوله: «وأمّا الحیاة الباقیة فهی التی یعمل لنفسه حتّى تهون علیه الدنیا».

نسبة الدنیا إلى الآخرة

لكن لماذا أشار أوّلاً إلى هذا المبحث؟ والجواب هو: لأنّ الدنیا مهمة جدّاً فی نظر الكثیر منّا. فعلى الرغم من اعتقادنا بالآخرة فنحن لا نعتقد بأنّها على هذا القدر من الأهمّیة. وباستثناء بعض الدقائق التی نشغلها بأعمال من قبیل الصلاة فنحن نقضی أغلب أوقاتنا فی الیوم واللیلة بالكدّ والمثابرة فی سبیل الدنیا والتفكیر بها، بل حتّى وقت راحتنا ونومنا فنحن نخصّصه للدنیا أیضاً. فإذا تصوّرنا صبیّاً بلغ الحلم لتوّه، أو شابّاً على أعتاب تأسیس حیاته المستقلّة فإنّ كلّ همّه وغمّه ینصبّ على أنّه كیف سیؤمّن دخلاً جیّداً، وعن أیّ طریق سیكسب معاشه، وما السبیل لامتلاك بیت مناسب واقتناء سیّارة جیّدة والتزوّج من امرأة صالحة والتمتّع بحیاة كریمة؟ فهذه المسائل تشغل ذهنه باستمرار ممّا یجعل الدنیا فی نظره عظیمة ومهمّة. فإن أراد امرؤ إدارة مدینة أو دولة، أو المضیّ فی طریق التقدّم العلمیّ والصناعیّ، فسوف لا یجد الوقت للتفكیر فی المسائل الاُخرى. فإذا اقترحتَ علیه – والحال هذه – أن یتفرّغ ساعة لتلاوة دعاء أبی حمزة الثمالیّ عوضاً عن التفكیر بهذه الاُمور، فما هی ردّة الفعل التی تتوقّعها منه؟

أذكر فی أوائل عهد قدومی إلى مدینة قمّ المقدّسة حیث لم تكن شوارعها مُعبَّدة بیدَ أنّ البلدیة شرعت بتعبید أحد الشوارع. فإذا بامرأة عجوز على حاشیة الطریق كانت تمرّ على مقربة من العمال المشتغلین بتعبید الطریق فقالت وقد أثارتها آلات ومكائن التعبید: ماذا یصنع هؤلاء المعمّمون یا ترى؟ فإن كانوا صادقین فلیأتوا ویعبّدوا الطرق كما یفعل هؤلاء!

فمن الطبیعیّ أن تكون الامور المتعلّقة بالحیاة الدنیا مهمّة بالنسبة لنا؛ إذ أنّ لنا حاجات وعلینا السعی لتلبیتها. بل وقد نستغرق عشرات السنین فی نیل بعض مطالبنا. ولذا فمن الطبیعیّ جدّاً أن یقیم المرء لشؤون الدنیا - بدءاً من المأكل والملبس والمسكن والحاجات الجنسیّة وصولاً إلى المنصب والمكانة الاجتماعیّة - وزناً. فلو قیل لنا فی هذا الخضمّ: اعملوا على أن تعظم الآخرة فی أعینكم، فما معنى ذلك؟ هل یعنی أن نهتمّ بالآخرة بمقدار ما نقیم للدنیا من وزن؟ فهل من تناسب بین الدنیا والآخرة یا ترى كی نستطیع المقارنة فیما بینهما؟ فالدنیا متناهیة والآخرة غیر متناهیة، ولا یمكن تصوّر أیّ نسبة بین المتناهی واللامتناهی. ناهیك عن أنّه مَن من الناس له أن یدّعی أنّه یسعى لآخرته بمقدار ما یعمل لدنیاه؟ فالله الذی خلَقَنا والذی یعرفنا حقّ المعرفة یقول: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَیَوٰةَ الدُّنْیَا»[10]؛ أی: لیس أنّكم لا تساوون بین الآخرة والدنیا ولا تعملون لآخرتكم بالمقدار الكافی فحسب، بل إنّكم تؤثرون دنیاكم على اُخراكم. فلعلّ معظمنا قد واجه هذا التزاحم بین أمر دنیویّ وآخر اُخروی وقال: فلننظر فی أمر دنیانا فی الوقت الحاضر، ثمّ نفكّر قلیلاً بأمر الآخرة فیما بعد!

لقد جاء الأنبیاء لتفهیمنا بأنّ حیاتكم الدنیا وما تكسبون فیها لا یمكن أن تشكّل طرفاً فی عملیّة تناسب مع الآخرة التی هی الحیاة الأصیلة. فالأصل هناك وعلیكم أن تعرفوا ذلك ولا یمكنكم أن تتصرّفوا على هذا الأساس إلاّ إذا أصبحت الدنیا صغیرة فی نظركم ولم تكترثوا لها. بالطبع لابدّ من التذكیر هنا بأنّ أكثر الأعمال الدنیویّة حیوانیّة قد یتحوّل إلى تكلیف شرعیّ وأمر اُخرویّ وعندها سیكون له حساب آخر. فبحثنا یدور حول قضیّة أنّه إذا أردنا أن تكون الآخرة ذات أهمّیة عندنا وأن نبلغ ما تتحدّث عنه هذه الروایة فلا ینبغی أن نطلب الدنیا من أجل الدنیا وملذّاتها. فإن أفلحنا فی ذلك حصلنا على ذلك الثواب. والخطوة الاُولى فی هذا السبیل هی أن تصغر الدنیا فی أعیننا. لكن ما الذی ینبغی صنعه كی تصغر الدنیا فی أعیننا؟ فالسبیل إلى ذلك هو ما علّمنا القرآن الكریم فی قوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِی الدُّنْیَا وَالآخِرَةِ»[11]. إذن علینا أن نقارن بین الدنیا والآخرة. فینبغی أن نعلم أوّلاً ماهیّة هذه الدنیا، وخصوصیّاتها، وما توفّره لنا من لذّات، ثمّ نعرف فی المقابل ما هی الآخرة؟ لكنّ المشكلة تكمن فی أنّنا - فی مقام التصوّر - نعلم أنّ الدنیا تتضمّن اُموراً محدودة قلیلة القیمة، وأنّ الآخرة غیر محدودة، أمّا فی مقام التصدیق القلبیّ والإیمانیّ المؤثّر فی أعمالنا فنحن ضعفاء.

النیّة؛ مناط قیمة الأعمال

إذا أردنا المضیّ فی هذا الطریق فعلینا أوّلاً أن نحلّ هذه المسألة فی أنفسنا وهی أنّ الدنیا لیست هی غایتنا. فنحن – إن شئنا أم أبینا - منطلقون فی طریق سفرنا هذا وسوف نجتازه لا محالة. بالطبع إنّ تصدیق هذا الأمر لیس بالأمر الصعب جدّاً؛ ذلك أنّنا نرى باُمّ أعیننا أنّ طبیعة الدنیا لا ثبات فیها وأنّها فی حالة مرور. لكنّ المعضلة التی واجهها جمیع الأنبیاء هی إثباتهم للبشر أنّ غایتهم الأساسیّة من حیاتهم هی الآخرة وأنّه لا ینبغی أن یوظّفوا جمیع طاقاتهم ومساعیهم فی سبیل الدنیا: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَیَوٰةَ الدُّنْیَا * وَالآخِرَةُ خَیْرٌ وَأَبْقَىٰ * إِنَّ هَـٰذَا لَفِی الصُّحُفِ الأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِیمَ وَمُوسَىٰ»[12]. فإنّه باتّباعنا الأنبیاء والسیر على نهجهم، یمكن أن تصبح كلّ مساعینا التی نقوم بها لأجل الدنیا والتی نجنی ثمارها فی هذه الدنیا أیضاً ذات أثر فی آخرتنا. فنحن نكدّ لجنی المال من أجل توفیر الغذاء كی نُشبع بطوننا. فهذا الكدّ والسعی له آثار دنیویّة بالنسبة لنا، لكنّه فی المیسور أن یتحوّل نفس هذا العمل إلى عبادة فنجنی منه نتائج اُخرویّة. هذا هو فنّ الدین، ولعمری فإنّه ما من مدرسة بشریّة یمكنها أن تقدّم لنا مثل هذا الفنّ. فجمیع الاُمور الدنیویّة التی تُعدّ فی حدّ ذاتها صغیرة وحقیرة وغیر ذات قیمة، یمكن أن تكون لها قیمة بالتبَع أو بالعَرَض، وأن تحمل لنا أعلى درجات القیم فیما لو أنجزناها بهدف الآخرة ومن أجلها وفی سبیل الله. وفی هذه الحالة نكون قد لبّینا حاجاتنا المادّیة وأشبعنا لذّاتنا الدنیویّة من جهة، ونكون قد عمّرنا منزل آخرتنا وأمَّنّا سعادتنا النهائیّة التی خُلقنا من أجلها من جهة ثانیة.

فلقد أحببتُ أن اُشیر إجمالاً إلى أنّ الخطوة الاُولى على طریق الوصول إلى ما بیّنه الله عزّ وجلّ لنبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله) فی لیلة المعراج هو محاولتنا أن نفهم بأنّ الدنیا فی حدّ ذاتها لیست ذات قیمة، لكنّها من الممكن أن تكون وسیلة للآخرة وعندها ستحظى بقیمة هی غایة فی العلوّ والرفعة. والفارق بین الأمرین یعتمد على نظرتنا إلى الدنیا ونیّتنا من أعمالنا وسلوكیّاتنا.

وفّقنا الله وإیّاكم إن شاء الله 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. سورة الكهف، الآیة 110.

[3]. سورة البقرة، الآیة 170.

[4]. سورة الزخرف، الآیة 23.

[5]. سورة النمل، الآیة 68.

[6]. سورة سبأ، الآیة 8.

[7]. سورة طٰه، الآیة 15.

[8]. سورة الكهف، الآیتان 35 و36.

[9]. نهج البلاغة، الخطبة 42.

[10]. سورة الأعلى، الآیة 16.

[11]. سورة البقرة، الآیتان 219 و220.

[12]. سورة الأعلى، الآیات 16 – 19.