فهرست مطالب

الجلسة الرابع عشر: العداء لأعداء الله لازم لمحبّته

تاریخ سخنرانی: 
1393/01/13

(14)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 12 آذار 2014م الموافق للعاشر من جمادی الاولى 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

العداء لأعداء الله لازم لمحبّته

 

ذكرنا فی المحاضرات الماضیة أنّه لا یمكن جمع محبّة الله مع حبّ ما یبغضه عزّ وجلّ. بل لقد ذكرَت بعض الروایات أیضاً أنّ السبیل لمحبّة الله هی خصومة أعدائه وبُغض ما لا یحبّه. فقد روی عن عیسى (على نبیّنا وآله وعلیه السلام) أنّه قال للحواریّین: «تحبّبوا إلى الله وتقرّبوا إلیه. قالوا: یا روح الله! بماذا نتحبّب إلى الله ونتقرّب؟ قال: ببُغض أهل المعاصی، والتمسوا رضا الله بسخطهم»[1]؛ أی: بغض أهل المعاصی - لمعصیتهم بالطبع – وإذا دار الأمر بین رضا الله ورضاهم، فأَسخِطوهم مرضاةً لله. «قالوا: یا روح الله! فمَن نجالس إذاً؟ قال: مَن یذكّركم اللهَ رؤیتُه، ویزید فی علمكم منطقُه، ویرغّبكم فی الآخرة عملُه»[2].

وكما تلاحظون فإن المنهاج العملیّ الذی تطرحه الروایة لاكتساب محبّة الله هو خصومة أهل المعاصی وأعداء الله. طبعاً لا ینبغی أن نتصوّر أنّ علینا معاداة كل من ارتكب معصیة. فالمراد بأهل المعاصی هم الذین بنوا أمرهم على المعصیة، وإلاّ فالمعصیة یمكن أن تصدر من أیّ شخص إلاّ المعصوم. والروایات مشحونة بمثل هذه التعابیر، وكلّ مطّلع على المصادر الإسلامیّة یدرك هذا المعنى. وبتعبیر أكثر علمیّة فإنّ تكرار بعض السلوكیّات یؤدّی إلى إكسابها حالة من الثبات فتتحوّل إلى ملَكَة عند الإنسان، حتّى تصبح جزءاً من شخصیّته. إذن لابدّ من معاداة كلّ سارق ومتعاطٍ للرشوة وغشّاش وكلّ من صار الخداع والكذب جزءاً لا یتجزَّأ من شخصیّته وأن یكون العداء له بسبب هذه الصفات. أمّا اُولئك الذین غلبتهم شهوتهم صدفةً فنظروا نظرة حرام، أو تفوّهوا بكلمة نابیة فی حالة سیطرة الغضب علیهم فهم لیسوا من أهل المعاصی. لأنّ حالات كهذه هی حالات عرضیّة تحصل مرّةً ثمّ سرعان ما تنتابهم حالة الندم فیتوبون.

ویُنقل عن الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) أنه قال فی حدیث آخر: «طلبتُ حبّ الله عزّ وجلّ فوجدتُه فی بغض أهل المعاصی»[3]. نفهم من ذلك أنّ بغض أهل المعاصی یُعِدّ قلب الإنسان لمحبّة الله تعالى.

كما ویقول أمیر المؤمنین (علیه السلام) فی روایة اُخرى: «إیّاك أن تحبّ أعداء الله أو تصفی ودّك لغیر أولیاء الله»[4]. وهنا توجد التفاتة مهمّة: فهو (علیه السلام) لم یقل: إیّاك أن تحبّ غیر الله أو غیر أولیائه. فقد تكون المحبّة أحیاناً سطحیّة وتحصل للمرء فی حالة معیّنة ثمّ تزول؛ كأن یرى المرء فی شخص ما عملاً جمیلاً أو صفة حسنة فیحبّها لكنّه ینساها بعد مدّة، وهذا النمط من المحبّة یختلف عن تلك المحبّة الصافیة والنقیّة التی تستقرّ فی قلب الإنسان وتترسّخ فیه. یقول (علیه السلام): اجعل محبّتك الصافیة والنقیّة والراسخة خاصّة لأولیاء الله، ولا تُكنّ مثل هذه المحبّة لغیر أولیاء الله! ثمّ یتابع (علیه السلام) فیقول: «فإنّ مَن أحبّ قوماً حُشر معهم». وقد ذكرنا فی المحاضرات الماضیة أنّ هذا المضمون إذا لم یكن متواتراً فهو على الأقلّ مستفیض. حتّى أنّه ورد بعد إحدى تلك الروایات ما نصّه: «ولو أنّ رجلاً أحبّ حجراً لَحشره‏ الله‏ معه یوم القیامة»[5]. نسأل الله تعالى أن یحشرنا یوم القیامة مع تربة سیّد الشهداء (علیه السلام).

محبّة أولیاء الله لازمة لمحبّة الله

وعلى أیّة حال فإنّ من لوازم محبّة الله هی محبّة أولیائه، لكنّ هذه الأخیرة لها مراتب. فتارةً یحبّ المرء الإنسانَ العابد والمتّقی والمحسن والعالِم، ...الخ وهو یعلم أنّ الله تعالى یحبّه أیضاً. فإنّ الدافع لمحبّة مثل هذا الإنسان فی هذه الحالة هو هذه الصفات، هذا على الرغم من أنّه إذا التفت المرء لمحبّة الله لهذا الإنسان لزاد حبّه له طبعاً. فقد جُبل الإنسان على حبّ كلّ ما هو حسَن حتّى وإن لم یلتفت إلى درجة إیمان المحبوب ومقدار ارتباطه بالله جلّ وعلا. أمّا إذا كانت المحبّة لله أكثر خلوصاً، فإنّها ستوصل المرء إلى درجة أنّه إذا أحبّ شخصاً آخر فلا یكون حبّه إلا لانتساب الأخیر إلى الله من دون أن یكون فی قلبه أیّ شیء آخر یدفعه لذلك. بالضبط كما لو أحبّ المرء إنساناً ما فإنّه سیحبّ صورته أیضاً، وهو - فی هذه الحالة - لا یحبّ شیئین اثنین. فلیس ثمّة فی حبّ الصورة موضوعیّة، لكنّ حبّها یمثّل فی الحقیقة شعاعاً من محبّة صاحبها. فاُولئك الذین تصبح قلوبهم خالصة لله تعالى، فإنّهم سیحبّون - فی الدرجة الاُولى - النبیّ الأكرم وأهل بیته (صلوات الله علیهم أجمعین) من باب كونّهم مرایا له جلّ شأنه.

بالطبع بما أنّ محبّة الله تعالى لم تغمر تمام قلوبنا وبما أنّنا نحبّ الله إلى جانب آلاف الأشیاء سواه، فنحن - أحیاناً - قد نحبّ النبیّ الأعظم، أو الإمام المعصوم، أو أبا الفضل العبّاس (علیهم السلام) أكثر من الله نفسه! وهذا یعود إلى عدم معرفتنا الله جیّداً. أمّا الذین كملت محبّتهم لله فإنّهم – أساساً – لا یلتفتون إلى ما سواه التفاتاً رئیسیّاً ومستقلاًّ، ولا یرون لأنفسهم شیئاً سوى العبودیّة لله تعالى. ومثل هؤلاء إذا أحبّوا أشخاصاً غیر الله فإنّهم سیحبّونهم من منطلق كونهم عباداً لله، والعبد لا یملك شیئاً ولیس له شیء من نفسه.

فلیس ثمّة أیّ تنافٍ بین حبّ الصالحین وحبّ الله تعالى. بل إنّنا معاشر البشر نعرف الله بأعماله ونعتقد بأنّه هو الذی خلقنا. وإنّ معرفتنا بأفعاله - التی هی من قبیل كونه رحیماً وغفّاراً ورزّاقاً، والتی تُعدّ سائغةً لنا وتتناغم مع مصالحنا - یدفعنا إلى حبّه عزّ وجلّ. ولعلّ هناك من الناس ممّن لو فكّر فی بدایة الطریق فی غضب الله وعذابه لما تولّدت حتّى هذه المحبّة فی قلبه. ولكن إذا كملت المحبّة، فلا یعود المرء یحبّ الله على خلفیّة أفعاله، بل إنّه سیقف على علمه وقدرته وحیاته وصفاته الذاتیّة. ففی هذه المرحلة سیدرك المرء صفات الله الذاتیّة وكمالاته وسیعرف الله على هذه الخلفیّة فیحبّه. بل إنّ بعض عباد الله یَصِلون إلى مقام بحیث إنّ الله یریهم نفسه بنحو من الأنحاء؛ لقوله تعالى: «فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقاً»[6]. فأمثال هؤلاء یحبّون ذات الله جلّ شأنه، ویدركون – فی حدود معرفتهم – كمالاً لا نهایة له فیفنون فی هذا الكمال والجمال. وتلك مراتب أعلى من مستویاتنا.

وعلى أیّة حال فإنّه لیس ثمّة تضادّ بین هذه الأنماط من المحبّة كما أنّها لیست محظورة أیضاً. فإنّ محبّة غیر الله إنّما تكون محظورة إذا تعارضت مع محبّته عزّ وجلّ. فإنّ المرء فی هذه الحالة إذا أطاع الله، عُلِم بأنّه یحسب لله حساباً أكبر ویحبّه أكثر. أمّا إذا طفح قلب الإنسان بمحبّة الله فاستوعبته بأجمعه فلا یعود حینئذ لمحبّة أولیاء الله حساب منفصل عن محبّته تعالى، وسیصبحون كصورة المحبوب وثیابه حیث إنّ المرء یحبّها لمحبّته لصاحبها؛ فحبّ صورة المحبوب وثیابه هو شعاع من محبّة المحبوب یشعّ على هذه الأشیاء.

درجات معاداة أعداء الله

ما ذُكر من مراتب ودرجات للمحبّة یصدُق أیضاً على البغض والعداء. فإنّ من لوازم محبّة الله هی محبّة أولیائه وبغض أعدائه. وإذا لم تكن المحبّة هكذا فهی لیست كاملة ولا تدوم. ومن هذا المنطلق تُعدّ معاداة أعداء الله واحدة من السبل لاكتساب محبّته جلّ وعلا. فإنّ محبّة أحبّاء الله ومعاداة أعدائه تشبه – من الناحیة العملیّة – قوّتَی الجذب والدفع اللتین تتوفّران فی أیّ كائن حیّ. إذ أنّ لكلّ كائن حیّ صنفین من النشاطات التی تبقیه حیّاً؛ فهو یجتذب إلى نفسه - من ناحیة - الاُمور المفیدة التی تتلاءم مع ذاته، ویدفع عنها - من ناحیة اُخرى - الأشیاء التی تتنافى مع وضعه وحاله. وهذا ینطبق أیضاً على المعنویّات؛ فمن أجل أن تنمو المحبّة فی قلب الإنسان فلابدّ من تغذیتها. فكلّما فكّر الإنسان فی صفات الله تعالى الحسنة وآلائه، نَمَت هذه المحبّة، وكلّما زادت محبّته لأولیاء الله، نَمَا حبّه له جلّ شأنه أیضاً. والمثال الواضح على ذلك هو ثوب الشهید؛ فكلّما اشتاق أهل الشهید إلیه نظروا إلى ثوبه وضمّوه إلى صدورهم وقبّلوه، فهم بذلك یحیون ذكراه فی قلوبهم. فلو قُطِعت هذه العلاقة تماماً ولم یكن من آثار الشهید فی البیت شیء، فستخبو هذه المحبّة تدریجیّاً ویطویها النسیان. وبناء على ذلك فكلّما أظهر المرء المزید من المحبّة لآثار محبوبه، ترسّخ، بل نَمَا، حبّه له. والأمر كذلك بالنسبة للبغض؛ فكلّما أبدى الإنسان المزید من العداء لأعداء الله، زاد بغضه لهم ونَمَت - نتیجة لذلك – محبّته لله أكثر، ممّا سیحثّه على دفع كلّ ما یضرّ بمحبّة الله من قلبه. وهذه حقیقة قابلة للإثبات حسب قواعد علم النفس وعبر التجربة من جهة، وثمّة شواهد جمّة علیها فی الآیات القرآنیّة والأحادیث الشریفة من جهة اُخرى.

ضرورة الفصل بین الصدیق والعدوّ

لقد أكّد قائد الثورة المعظّم (دام ظلّه) فی لقائه الأخیر بأعضاء مجلس خبراء القیادة، استناداً إلى الآیات القرآنیّة – أكّد على هذه القضیّة، وهی أنّ من جملة واجباتنا هی تعیین الحدّ الفاصل بین الصدیق والعدوّ، فإنّه: «لا تَجِدُ قَوْماً یُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ یُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِیرَتَهُمْ»[7]. یعنی: إذا آمن المرء بالله وبیوم القیامة فمن غیر الممكن أن یودّ أعداء الله. ثمّ یقول تعالى: «أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِی قُلُوبِهِمُ الإِیمَانَ وَأَیَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَیُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِینَ فِیهَا رَضِیَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ». فعلامة حزب الله فی القرآن هی أنّهم لا یوادّون أعداء الله جلّ شأنه. فمن الواضح أنّ مودّة الإنسان لأعداء الله هی من أجل نیل لمنفعة وإنّ النأی بالنفس عنها یحتاج إلى مجاهدة. فأوّل آثار هذه المجاهدة هو أنّ الله یرسّخ الإیمان فی قلب هذ المرء. والجائزة الثانیة التی یمنحها الله لأمثال هؤلاء هی تأییده إیّاهم بروح إلهیّة ورِزْقهم فی الآخرة والجنّة. وفی نهایة المطاف فإنّ منتهى ما یمنّ الله علیهم هناك هو حالة من الرضا المتبادل بین الله وبینهم وهو مقام غایة فی العلوّ ولذّة ما بعدها لذّة.

عاقبة محبّة أعداء الله

سورة الممتحنة أیضاً تستهلّ آیاتها بقوله تعالى: «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ ءَامَنُواْ لا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّی وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِیَاءَ تُلْقُونَ إِلَیْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ یُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِیَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِی سَبِیلِی وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِی تُسِرُّونَ إِلَیْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَیْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن یَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِیلِ». فإنّكم – أیّها المؤمنون – تریدون أن تودّوا كفّاراً قد أنكروا ما نزل علیكم من القرآن والدین. وهم لم ینكروهما فحسب، بل إنّهم قد أخرجوا النبیّ (صلّى الله علیه وآله) وإیّاكم من دیاركم وشرّدوكم بسبب إیمانكم هذا. أفتقیمون علاقات مودّة وصداقة مع أمثال هؤلاء؟! فإن كنتم تدّعون أنّكم تجاهدون فی سبیل الله وتحبّونه وتبتغون مرضاته، فلا یجوز أن تفعلوا ذلك، إذ یستحیل الجمع بین هذین الأمرین. ثمّ یقول عزّ من قائل: «تُسِرُّونَ إِلَیْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَیْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ»؛ فإنّكم تبادلونهم خفیة علاقات الودّ والمحبّة متصوّرین أنّه لن یحیط أحدٌ علماً بذلك؟! فأنا أعلم أفضل من غیری بما أخفیتم وما أعلنتم. فإنّ من یفعل ذلك فقد ضلّ سواء السبیل.

استثناء فی التأسّی بإبراهیم (علیه السلام)

فی آیة اُخرى من نفس السورة، والتی قد تلاها السیّد القائد (حفظه الله) أیضاً، یقول ربّ العزّة: «قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِی إِبْرَاهِیمَ وَالَّذِینَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَیْنَنَا وَبَیْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِاللهِ وَحْدَهُ»[8]. أی: یجب علیكم أن تتأسّوا بإبراهیم (علیه السلام)، حیث كان یعیش مع ثلّة قلیلة فی مدینة یعبد كلّ أهلها الأصنام. بل إنّ مهنة عمّه أو والد زوجه - الذی كان یعیش معه – كانت هی الاُخرى نحت الأصنام. لكنّ إبراهیم وأصحابه، وعلى الرغم من كلّ المضایقات، كانوا قد صمدوا أمام قومهم وقالوا لهم بكلّ صراحة: إنّنا بریئون منكم جمیعاً على الرغم من سطوتكم وعظمتكم وحضارتكم وصناعاتكم وتقنیتكم، ولیس منكم فحسب، بل وممّا تعبدون أیضاً. فنحن أعداء لكم إلى الأبد حتّى تؤمنوا بالله الواحد. ثمّ یستثنی القرآن الكریم من حالة التأسّی بإبراهیم فیقول: «إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِیمَ لأَبِیهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ». فقد كان إبراهیم (علیه السلام) یدعو آزر إلى عبادة الله الواحد ونبذ عبادة الأصنام، لكنّه لم یكن یصغی إلیه. فقال له فی نهایة الأمر: بما أنّنا نعیش معك وأنّ لك حقّاً فی رقبتنا، فسأستغفر لك الله. تقول الآیة الكریمة: حتّى هذه العبارة لا تقولوها لأعداء الله، ولا تَعِدوهم بالاستغفار أیضاً!

لكن لماذا استُثنی هذا الاستغفار یا ترى؟ فقد یكون استغفارنا لهم من باب الدعاء لهم بالهدایة والمغفرة. فلماذا لا ینبغی أن نفعل ذلك أیضاً؟!

یوضّح الله عزّ وجلّ هذه القصّة فی آیة اُخرى فیقول: «وَمَا كَانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِیمَ لأَبِیهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِیَّاهُ فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ»[9]. فصحیح أنّ إبراهیم (علیه السلام) قد وعد آزر بهذا الوعد لكونه عمّه ولأنّه كان قد تكفّل بتربیته، لكنّه عندما علم أنّ آزر لا یتخلّى عن بغضه لله تبارك وتعالى فقد أعلن براءته منه. فقد یكون بغض الإنسان ناجماً عن الغفلة وسوء التفاهم والخطأ أحیاناً فیبغض أحداً عن غیر قصد. فشخص كهذا قد یبادر إلى الاعتذار إذا علم بخطئه. فمن منطلق أنّ الإنسان یرجو لمثل هذا الشخص الهدایة ونبذ العداء فلا مانع من الاستغفار له. لكنّه إذا تمكّن العداء والبغض من قلبه واستفحل فیه، فلا تعود هناك فائدة، بل لا یعود الاستغفار له جائزاً حینئذ.

فلا یُنتظَر من زعماء الولایات المتّحدة أن یتحلّوا بخصال الآدمیّین. فقد تمّ اختبارهم لمئتی سنة، ولقد اختبرناهم نحن على مدى ثلاثین أو أربعین سنة على الأقلّ وخبرنا بغضهم وعداءهم جیّداً. وأفضل اختبار لهم كانت هذه المفاوضات الأخیرة وما بدر منهم من كلام، حیث لم تزل المفاوضات فی مراحلها الاُولى حتّى أجهزوا بأطماعهم على كلّ اتّفاق ولم یلتزموا بأیّ تعهّد. یقول القرآن الكریم: إذا بلغ الإنسان هذا الحدّ فلا یجوز لك حتّى أن تستغفر له، أو تُظهر له طلاقة الوجه. إذ حتّى إبراهیم (علیه السلام) فإنّه عندما علم أنّه لیس ثمّة من سبیل لهدایة آزر وأنّ عداءه لربّه قد بات جزءاً لا یتجزّأ من شخصیّته، فقد تبرّأ منه. لكنّ الله تعالى فی الوقت ذاته ینهانا عن التأسّی بإبراهیم (علیه السلام) فی هذه القضیّة وأن لا نَعِد أعداء الله بالاستغفار. فصحیح أنّ الإنسان قد یبرم مع عدوّه صفقة لمصلحةٍ ما، ولا بأس فی ذلك. لكنّه ینبغی أن أقول له: إنّنی عدوٌّ لك، وإنّك عدوٌّ لی، ولیس هناك أمل فی الوفاق والوئام بیّننا. فبما أنّك بحاجة إلیّ وأنا بحاجة إلیك فإنّنا نبرم معاً هذه الصفقة؛ لكنّ – بالطبع – ینبغی أن تكون صفقة واضحة المعالم، ووفقاً للقوانین، وخاضعة لظروف متماثلة؛ لا أن تفتح لهم الباب للدخول إلى بلدنا متى ما شاءوا، والاتّصال بكلّ مَن یرغبون الاتّصال به، وارتكاب أیّ حماقة وحیاكة أیّ مؤامرة تخطر فی بالهم، فی الوقت الذی لا یسمحون لدبلوماسیّینا حتّى باجتیاز مجالهم الجوّی! فهذا لیس بتصرّف منطقیّ، والإسلام لا یسمح بذلك.

وقد نزلت سورة قرآنیّة كاملة فی هذا الشأن. فسورة المممتحنة تستهلّ آیاتها بالقول: إیّاكم ومودّة أعداء الله، فالله یعلم أنّ منكم من یذهب خفیة للحوار معهم وإعطائهم الوعود. یقول: «وَأَنَا أَعْلَمُ». وهذه من المواطن التی ینسب الله تعالى فیها العلم لنفسه من دون القول: «والله یعلم» أو: «إنّا نعلم». بل یقول: «أنا أعلم»؛ بمعنى: إنّ شأنكم مع شخصی أنا. «وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَیْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ». فحتّى لو لم یطّلع أحد على ذلك، فأنا على علم بما تقیمونه فی الخفاء مع أشخاص معیّنین من علاقات، وبما تقدّمون لهم من وعود. فمَن یرتكب منكم هذه الحماقة فقد ضلّ!

لقد وقف إبراهیم (علیه السلام) مع أنصاره القلیلین بكلّ صلابة قائلین: نحن لا نمزح معكم ولا نجاملكم. ومع أنّه لیس بیننا من ثأر، فبما أنّكم مشركون بالله تعالى وأعداءٌ له، ونحن مؤمنون بالله وأحباؤه فإنّ العداوة والبغضاء بیننا لا تزول، اللهمّ إلاّ أن تؤمنوا بالله. فلابدّ أن یكون المؤمن صلباً وأن لا ینتابه الضعف أمام الكفّار، وأن یعلنها بوضوح: إنّنی نذرت وجودی وكیانی للدین ولله ولأولیائه، أمّا أنتم فقد كرّستم حیاتكم لبغض الله وعدائه وتحاولون جاهدین إبادة الدین وإهلاك أولیاء الله. إذن فلا یمكن أن تقوم بیننا علاقة صداقة واُخوّة. هكذا ینبغی أن یكون المؤمن، وحتّى لو كانت قواه الظاهریّة والبدنیّة فی منتهى الضعف، فلا یجوز أن یركع أمام الكافر؛ ذلك أنّه: «للهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنینَ»[10]


[1]. تحف العقول، ص44.

[2]. لقد ذُكرت هذه الروایة فی بعض الكتب الروائیّة كاُصول الكافی بشكل مستقلّ: «یا روح الله! مَن نجالس؟ قال: مَن یذكّركم اللهَ رؤیتُه ویزید فی علمكم منطقُه ویرغّبكم فی الآخرة عملُه» (الكافی، ج1، ص39).

[3]. مستدرك الوسائل، ج12، ص173.

[4]. غرر الحكم ودرر الكلم، ص170.

[5]. وسائل الشیعة، ج14، ص502.

[6]. سورة الأعراف، الآیة 143.

[7]. سورة المجادلة، الآیة 22.

[8]. سورة الممتحنة، الآیة 4.

[9]. سورة التوبة، الآیة 114.

[10]. سورة «المنافقون»، الآیة 8.