فهرست مطالب

الجلسة الثمانیة والاربعون : علاقة المحبّة بین العبد والمعبود

تاریخ سخنرانی: 
1393/05/01

(48)

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 23 تموز 2014م الموافق للیلة السادسة والعشرین من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

علاقة المحبّة بین العبد والمعبود

«دعاؤُهم عندَ اللهِ مرفوع، وكلامُهُم مسموع، تَفرحُ الملائكةُ بهم، یدورُ دعاؤهُم تحتَ الحُجُب، یحبُّ الربُّ أن یسمعَ كلامَهُم كما تحبُّ الوالدةُ ولدَها، ولا یشغَلُهم عنِ اللهِ شیءٌ طرفَةَ عین»

عنایة الله بحدیث أهل الآخرة

دار كلامنا فی المحاضرات الفائتة حول خصوصیّات أهل الدنیا وأهل الآخرة الواردة فی حدیث المعراج القدسیّ. وإنّ من أوصاف أهل الآخرة التی یذكرها جلّ جلاله فی الحدیث هی: «دعاؤُهم عندَ اللهِ مرفوع، وكلامُهُم مسموع». وإذ كنّا قد نوّهنا فیما سبق بأنّ كلّ صفة من صفات أهل الدنیا هی مقابلة لصفةٍ عند أهل الآخرة، فإنّ المفهوم من ظاهر الوصف المبیَّن لأهل الآخرة فی هذا المقطع أنّ كلام أهل الدنیا غیر مسموع عند الله عزّ وجلّ. لكنّنا نعلم، من جانب آخر، أنّ من صفات الباری تعالى أنّه یعلم بكلّ شیء، ویسمع كلّ مسموع، ویرى كلّ مرئیّ، فكیف یمكن إذن أن لا یسمعَ سبحانه صوتاً ما؟ ومثل هذا السؤال یُطرح أیضاً فیما یتعلّق بنظر الله إلى عباده المطیعین وعدم نظره إلى الكفّار وأهل المعصیة.

لعلّ من أشدّ ألوان العذاب التی تحیق بالكفار یوم القیامة، بحسب القرآن الكریم، هو ما جاء فی قوله تعالى: «وَلا یُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا یَنْظُرُ إِلَیْهِمْ یَوْمَ الْقِیَامَةِ»[1]. لكنّ السؤال الذی یتبادر إلى الذهن حول هذه الآیة هو: أنّى للكّفار أن یغیبوا عن نظر الله عزّ وجلّ وهو الذی عِلمُه ذاتیّ، وكلّ شیء حاضر أمامه، وما من شیء یغیب عنه؟

أجاب البعض على نظائر هذه الاستفسارات بأنّ المقصود من النظر والسمع هنا هو ذلك الذی یحصل منه الأثر المطلوب، ذلك أنّه لیس كلّ سمع أو نظر بِمُنتهٍ إلى فائدة. فلتتصوّروا شخصاً لا یحفَل بكلام غیره حتّى وكأنّه لا یسمعه وهو یبغی بذلك إهانته والاستخفاف به. فلیس أنّ صوت ذلك الشخص لا یصل إلى أذنه، بل إنّه لا یلتفت إلیه ویقال هنا: إنّه لم یسمع كلامه. وعلى العكس، إذا اعتنى المرء بشخص عنایة خاصّة التفت إلى قوله وأصغى إلیه بدقّة. وهذا الاستماع غیر ذاك السماع ووصول الصوت إلى الأذن، فهو سماع تحصل منه نتیجة.

بناءً علیه فإنّ المراد من العبارة المساقة فی هذه الفقرة من حدیث المعراج هو أنّ الله عزّ وجلّ یرتّب الأثر على كلامهم، فیستجیب دعاءهم، ویجزیهم عن كلامهم الطیّب ثواباً. وفی المقابل، وبحسب بعض الأخبار، فإنّ دعاء بعض المذنبین، وبسبب ما اجترحوا من المعاصی وكفَروا به من النعم، یُرَدّ علیهم ویُضرب على رؤوسهم، أی إنّه لا یصل إلى المقام الذی یكون فیه مسموعاً ومُنتجاً للأثر المطلوب.

فرح الملائكة بكلام أهل الآخرة

ثمّ یأتی الحدیث على ذكر أمر مثیر للعجب یشقّ علینا إدراك كُنهه، وهو حینما یقول سبحانه وتعالى: إذا دعا أهل الآخرة فرحَ الملائكةُ من سماع أصواتهم. وفوق ذلك: إذا بلغ دعاؤهم العرش والكرسیّ دارَ تحت ما یوجد هناك من الحُجُب، وإنّ الله یُسَرّ بسماع أصوات هؤلاء العباد. وشبیه بهذا ما جاء فی بعض الروایات من أنّ العبد الذی یحبّه الله إذا دعا ربّه لحاجة لم یقضِ الله له حاجتَه من فوره وذلك من أجل أن یلحّ أكثر فی الدعاء فیسمع الله صوته: «إنّ العبد لَیدعو الله وهو یحبّه فیقول لجبرئیل: اقض لعبدی هذا حاجتَه‏ وأخّرها فإنّی أحبّ أنْ لا أزال أسمع صوته»[2].

ثمّ یعرّج الحدیث، متابعةً للموضوع، على تشبیهٍ یدعو المرء إلى المزید من التعجّب والاستغراب، وذلك حینما یشبّه اللهَ سبحانه وتعالى بالأمّ التی تحبّ ولدها وتفرح بسماع صوته، حینما یقول: «كما تحبُّ الوالدةُ ولدَها»!

إنّ إدراك مفاهیم هذه الأوصاف فیما یتّصل بالله تعالى تتخّطى حدّ فهم ابن آدم، اللهمّ إلاّ إذا بلغ مقاماً یشاهد فیه هذه الصفات وتجلّیاتها بنفسه. على أنّ الله عزّ وجلّ، ومن أجل رفع مستوى فهم عباده وحثّهم على معرفته أكثر، یخاطبهم بلغة یفهمونها. فتارةً یقول: «لَیسَ كَمِثلِهِ شَیْءٌ»[3]. بمعنى: على الرغم من إمكانیّة العثور على صفات لدى بنی آدم شبیهة بتلك المذكورة لله تعالى، إلاّ أنّه ما من مخلوق یشبهه سبحانه. لكن من حیث إنّ الألفاظ والمفاهیم لا تتّسع لأزید من استیعاب فهم الإنسان فإنّه لا مناص من الإفادة من نفس هذه الألفاظ لبیان صفات الله تعالى، وإنّنا نحاول تدارك هذا الضعف عبر تنزیه الله عزّ وجلّ من أوجه النقص. فهو عالِم، لكّن علمه لیس كعلمنا، وهو قدیر، بید أنّ قدرته لیست فی عضلات ساعده المفتولة. وإنّ من صفات الله السلبیّة التی ینبغی لنا جمیعاً الاعتقاد بها هو أنّ صفاته لیست زائدة على ذاته، بل هی عین ذاته، فما بالك بكون أفعاله زائدة على ذاته!

وقد یظنّ البعض أنّ غضب الله الوارد فی بعض التعابیر القرآنیّة كقوله: «وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَیْهِ»[4] یشبه غضب الإنسان فی احمرار الوجه وانتفاخ الأوداج وارتفاع الصوت! وجمیعنا یعلم طبعاً أنّ حالات من هذا القبیل لا تلیق بشأن مقام الألوهیّة، لكن لابدّ، بشكل من الأشكال، من بیان تفاوت سلوك الله جلّ وعلا تجاه أعمال عباده الحسنة والقبیحة.

التعبیر الآخر الذی یتطلّب توضیحاً أكثر هو قوله تعالى: «فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ»[5]. وتُستعمل كلمة «آسَفَ» إذا انزعج المرء غایة الانزعاج من سلوك قبیح غیر لائق صدر من غیره. والتبریر العامّ لاختلاف هذه الصفات بین الله عزّ وجلّ والبشر یكمن فیما جاء فی القرآن الكریم تحدیداً كقوله تعالى: «لَیْسَ كَمِثلِهِ شَیْءٌ»[6]. ولعلّ من أروع ما جاء فی الروایات والأدعیة فی تنزیه الله تبارك وتعالى من وجوه نقص الصفات المستخدَمة بشكل مشترك بین الله ومخلوقاته هو ما ورد فی دعاء عرفة: «إلهی تَقدَّسَ رضاك أن تكون له علّةٌ منك فكیف یكون له علّةٌ منّی»[7]. فقد نحسَب أحیاناً أنّنا قد أرضَینا الله عنّا بما جئنا به من فعل. وتحلیل مثل هذا التصوّر هو أنّ الله سبحانه قد وقع تحت تأثیر فعلنا وانفعلَ به. لكنّ قولاً كهذا لا ینسجم مع التوحید. إذ یقول سیّد الشهداء (صلوات الله علیه) فی المقطع المنقول من دعاء عرفة: إلهی، إنّ رضاك أكبر من أن تُحدِث أنتَ علّةً له. فحتّى لو أوجد اللهُ نفسُه علّةً لرضاه كان الرضى الحاصل معلولاً لهذه العلّة وحالةً انفعالیّة، والحال أنّ الرضى لیس بأمر خارجٍ عن ذات الله كی توجِدَه علّةٌ، حتّى وإن كان الله نفسُه هو الموجِد لها. «إلهی تَقدَّسَ رضاك أن تكون له علّةٌ منك فكیف یكون له علّةٌ منّی»، أی إذا كانت الحال هذه فكیف یكون فِعلی هو العلّةُ لرضاك؟!

تحلیلٌ لاستخدام الأوصاف البشریّة للذات الإلهیّة

فی میسورنا القول - إجمالاً - فیما یتعلّق بهذه الأوصاف: إنّ بعض المفاهیم هی معانٍ إضافیّة تُتَّخذُ لموجودَین. فإذا كان أحدُ طرفی النسبة هو الله الذی لیس له حالات متعدّدة، جُعلَت التغیّرات النسبیّة للطرف المقابل لكونه مخلوقاً وخاضعاً للتغیُّر. فإذا قیل، مثلاً: «وَلَمَّا یَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِینَ جَاهَدُواْ مِنْكُمْ وَیَعْلَمَ الصَّابِرِینَ»[8] فالكلام فی اختبار العباد هنا من قبل الله تعالى، لیعلم أیّهم أهل جهاد وأیّهم أهل ضعف وقعود، لا یعنی حدوث العلم لله، فإنّ علمَه عزّ وجلّ ذاتیّ قدیم، بل یعنی أنّ علم الله من حیث إنّه منتسب إلى هذا المخلوق فهو حادث. وتندرج فی هذا السیاق أوصافٌ مثل «الرضى» و«الغضب» أیضاً؛ فرضى الله عن أحد لا یعنی حدوث حالة جدیدة فی ذات الباری تعالى، بل إنّ ما بین الله وهذا الشخص من نسبة قد تغیّرت باعتبار كون الأخیر متغیّراً.

ویتعیّن القول، على الرغم من هذه التبریرات، إنّ التعابیر الحاكیة عن سموّ محبّة الله لعبده على حبّ الأمّ لولدها، أو المبیّنة لشدّة شوقه عزّ وجلّ لسماع صوت المؤمن هی تعابیر قاصرة لا تُفصح عن حدود ونطاق محبّة الله جلّ شأنه.

وشبیه بهذا المعنى ما نجده فی حدیث عن الباقر (علیه السلام) فی باب التوبة یقول فیه: «إنّ الله تعالى أشَدُّ فرحاً بتوبةِ عبدهِ من رجلٍ أضلَّ راحلتَهُ وزادَه فی لیلةٍ ظلماءَ، فوجدها؛ فاللهُ أشدُّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحِلَتِه حین وجدها»[9]؛ أی إنّ الله عزّ وجلّ أشدّ فرحاً بتوبة عبده العاصی من فرحة الرجل إذا وجد زاده وراحلته بعد أن ضاعا منه فی لیلة ظلماء حتّى أشرف على الهلاك. فهل الله تعالى بحاجة إلى توبة عبده المذنب؟!

والتحلیل الذی یمكن تقدیمه فی هذا الصدد هو أنّه لابدّ لنا من التنبّه إلى أمر كمبدءٍ وأصل وهو أنّه لیس لأیٍّ من كمالات الله حدّ تنتهی عنده؛ فلا نهایة لرحمته عزّ وجلّ، بحیث إنّه – على حدّ قوله تعالى – لو وَزّع كلّ ما خلقَ فی الجنّة لجمیع أهلها من النعم على كلّ عبد من عباده لم تنقص خزائنه مثقال ذرّة، فخزائن رحمته لا نفاد لها وهی لا تنقص مهما أُخذ منها. هذا هو المفتاح الأصلیّ لحلّ مثل هذه المسائل. فالله یحبّ ذاته حبّاً لا نهایة له لأنّ كمالاته لا نهایة لها، وهو یحبّ آثاره كذلك، إذ قد سبق القول بأنّ هاتین المحبّتین لا انفصام لهما، وهذا شبیه بحبّنا نحن لآثارِ مَن نُحبّه. فمع أنّ الآثار ذاتها محدودة، إلاّ أنّ ارتباطها مع الله غیر محدود، ولیس ثمّة من قصور فی عنایة الله ولطفه ورحمته لها. على أنّ الآثار والمخلوقات أوعیتُها محدودة، ولهذا ففی مقدور الله أن یهب كلّ إنسان كلّ ما فی الجنّة من أنعُم لا نهایة لها دون أن ینقص مِلكُه قید أنملة، هذا على الرغم من أنّ وعاء الإنسان لا یتّسع لهذه النعمة غیر المتناهیة. وعلى المنوال نفسه، فلیس جزافاً أن نقول إنّه لا نهایة لاشتیاق الله لتوبة عبده؛ إذ لا محدودیة من جانب الله عزّ وجلّ، وكلّ نقص فی هذا المضمار فهو من جانب العبد.

فإنّ لنا إلهاً كهذا، إلهاً یحبّ المذنبین إلى هذا الحدّ، ویفرح لتوبتهم وأوبتهم أشدّ من فرح ذاك المسافر بلُقیا مائِه وزاده وراحلته بعد ضیاعها. والغرض من استخدام هذه الأمثلة والمفاهیم هو كشف جانب من عظمة لطف الله ورحمته لنا، على أنّ أیّاً منها لا یؤدّی حقّ الموضوع كما هو، فعظمة كهذه لا یمكن بیانها. فهل سیبقى فی قلب المرء أثر لمحبّة غیر الله إذا تبلور لدیه تصوّرٌ - ولو ناقص - لهذه العظمة، خصوصاً وأنّ الله غنیّ كلّ الغنى عن عبده؟

لا یصحّ أن ننسى الله

فالله عزّ وجلّ، ولبیان لطفه ورحمته لمخلوقاته، یسوق مثل هذه التعبیرات كی نستأنس قلیلاً بأمثال هذه المفاهیم، فنزداد معرفة به وإقبالاً على طاعته. وإنّ من بین عباد الله تبارك وتعالى مَن بلغ هذا المقام، وهو كلّما دعا ربّه قال الله لملائكته: أخّروا إجابة دعوته كی أُطیل الاستماع إلى صوته وأُسَرّ به، بل إنّ الملائكة هی الأخرى تبتهج وتفرح لدى الإصغاء لصوت هؤلاء العباد وتفتخر بهم: «تَفرحُ الملائكةُ بهم». أیّ عباد هؤلاء؟ إنّهم الذین: «لا یشغَلُهم عنِ اللهِ شیءٌ طرفَةَ عین».

إنّ بعض بنی البشر یُفسد فی الأرض، وإن الملائكة لتشكوا لربّها فسادَه قبل خلقِه: «أَتَجْعَلُ فِیهَا مَنْ یُفْسِدُ فِیهَا»[10]، كأولئك الذین أحرقوا «صبرا وشاتیلا»، وسفكوا دماء الأطفال والنساء الأبریاء. غیر أنّ الله یعرف من بین هؤلاء البشر أناساً لا تعلمهم الملائكة: «إِنِّی أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون»[11]. فمن بین ملیارات من الأراذل المنحطّین من الناس ممن تعلّقت قلوبهم بزخرف الدنیا وزبرجها، یوجد أُناس لا یغفلون عن الله طرفة عین «لا یشغَلُهم عنِ اللهِ شیءٌ طرفَةَ عین»، و«رِجَالٌ لا تُلْهِیهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَیْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه»[12]. أَوَیمكن ذلك؟!

لقد أثبتت التجارب العلمیّة وتجارب علماء النفس أنّ باستطاعة الإنسان أن یدرك سبعة أمور، بل قال بعضهم ثمانیة، فی آنٍ واحد. ففی الوقت الذی یسمع فیه ویرى یمكنه أن یلمس شیئاً، ویشمّ رائحة، ویتذوّق طعاماً، ..الخ. على أنّ هذا یعنی تقسُّم التفاته على ثمانیة أمور مختلفة. فلربما لا یستطیع المرء، إذا ركّز على أمر واحد، أن یلتفت إلى سائر ما حوله. فالذی یطالع كتاباً مثلاً لا ینتبه إلى الضوضاء المحیطة به. فالإنسان فی الوقت الواحد یستطیع أن یركّز على أمر واحد بشكل كامل، ویتناقص هذا التركیز بمقدار التفاته إلى أمر آخر. بل لقد ورد فی الخبر أنّ الله قد یتجّلى لعباده الصالحین فی الجنّة فیجلب انتباههم إلیه بحیث یذهلون معه عن كلّ شیء. وإنّ هذا النمط من الالتفات إلى الله والتركیز علیه محال فی هذا العالم. فحینما قال موسى (علیه السلام) لربّه: «رَبِّ أَرِنی‏ أَنْظُرْ إِلَیْكَ»، أجابه ربّه: «لَنْ تَرَانِی»[13]، ذلك أنّ هذا العالم لا یستوعب رؤیة الله تبارك وتعالى. ومن أجل أن یُثبت تعالى لموسى (علیه السلام) ذلك قال له: «وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِی»، فإن تحمّل الجبل بعض التجلّی رأیتَنی أنت أیضاً. غیر أنّ الله عندما تجلّى للجبل اندكّ الأخیر وخرّ موسى (علیه السلام) مصعوقاً: «فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقاً».

فالله الذی خلقنا ویعلم بأوعیتنا قد طلب منّا أن نبذل جهدنا كی لا ننساه فی كلّ حال. ومن الواضح أنّ الالتفات والتركیز الكامل فی كلّ حال لیس ممكناً بالنسبة لنا فی هذا العالم، ولذا فهو تعالى لم یطلب منّا مثل هذا التركیز، بل هو یتوقّع منّا أن نخصّص، أثناء انشغالنا بأعمالنا، بعضَ انتباهنا له عزّ وجلّ. إذ یقول الله سبحانه للطبقة العادیّة من الناس: «اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِیراً»[14]، ویخاطبهم فی موطن آخر: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً»[15]، وكذا فی الأحادیث الشریفة فإنّه لم یُطلَب منّا ما لا طاقة لنا به. والمراد هو أن نتمرّن على حبّ الله وذكره بمقدار ذكر المرء لمن یحبّ والتفاته روحیّاً إلى محبوبه حتّى فی خِضَمّ انهماكه فی سائر أعماله. ونتیجة لهذا التمرین ستنشأ لنا تدریجیّاً مع الله فی كل نواحی حیاتنا آصرة وإن كانت ضعیفة وباهتة، وسوف لا ننساه ولا نغفل عنه مع كل حادثة تافهة. وإنّ عباد الله الذین یجتهدون للوصول إلى هذه المرتبة هم الذین یحبّهم الله جلّ وعلا، ویشتاق لسماع أصواتهم، الأصوات التی تفرح الملائكة أیضاً لسماعها.

نسأل الله ببركة أولیائه أن ینیلنا جمیعاً نفحة من معرفتهم.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین



[1]. سورة آل عمران، الآیة 77.

[2]. وسائل الشیعة، ج7، ص63.

[3]. سورة الشورى، الآیة 11.

[4]. سورة النساء، الآیة 93.

[5]. سورة الزخرف، الآیة 55.

[6]. سورة الشورى، الآیة 11.

[7]. إقبال الأعمال، ج1، ص349.

[8]. سورة آل عمران، الآیة 142.

[9]. الكافی، ج4، ص231.

[10]. سورة البقرة، الآیة 30.

[11]. سورة البقرة، الآیة 30.

[12]. سورة النور، الآیة 37.

[13]. سورة الأعراف، الآیة 143.

[14]. سورة الأحزاب، الآیة 41.

[15]. سورة البقرة، الآیة 200.