فهرست مطالب

الجلسة السابعة والثلاثون: وصَلَ العبد مكاناً لا یرى - فیه غیر الواحد الحقّ الإلٰه

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/21

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 12 تموز 2014م الموافق للیلة الخامسة عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

وصَلَ العبد مكاناً لا یرى - فیه غیر الواحد الحقّ الإلٰه

37

 

 

«فهذا هو العیش الهنی‏ء والحیاة الباقیة، وهذا مقام الراضین. فمَن عمِل برضائی اُلزِمُه ثلاث خصال: اُعَرِّفه شكراً لا یخالطُه الجهل، وذكراً لا یخالطه النسیان، ومحبّة لا یؤثِر على محبّتی محبّةَ المخلوقین، فإذا أحبّنی أحببتُه، وأفتحُ عینَ قلبه إلى جلالی، فلا اُخفی علیه خاصّة خلقی، فاُناجیه فی ظُلَم اللیل ونور النهار، حتّى ینقطع حدیثُه من المخلوقین ومجالستُه معهم»[1].

 

طرح الحدیث القدسیّ فی الفقرات السابقة من هذا المقطع توجیهات فیما یتّصل بنیل السالك الحیاةَ الأبدیّة الهنیئة؛ وهو المقام الخاصّ باُولئك الذین ینجزون أعمالهم كافّة طلباً لمرضاة الله تبارك وتعالى. وفی نهایة المقطع، وفی إشارة إلى خلاصة المباحث السابقة، یقول عزّ من قائل: «فمَن عمِل برضائی اُلزِمُه ثلاث خصال». وخلافاً للفقرات السابقة، فإنّه تعالى لم یتطرّق هنا إلى المنهج الذی على السالك اتّباعه، بل تعرّض للخصوصیّات والخصال التی یهبها للسالك نتیجة سلوكه ویجعلها ملازمة له بحیث لا تنفكّ عنه. فهذه هی عطیّة الباری عزّ وجلّ لاُولئك الذین بذلوا قصارى جهدهم لتطبیق تعالیمه، ثمّ انّه سبحانه – ومن باب إثابتهم على جهودهم ومساعیهم – یحوّل هذه الخصال فیهم إلى مَلَكات كی یصعدوا بواسطتها إلى مراتب أرفع وأعلى.

الشكر الدائم

الخصلة الاُولى: «اُعَرِّفه شكراً لا یخالطُه الجهل». فلقد أوصى الله فی آیات جمّة المؤمنین - بشكل عامّ - بشكر أنعم الله، بل وذمَّ المقصّرین فی العمل بهذه الوصیّة وأنذرهم بالابتلاء بعقوبات مختلفة. لكنّ الكلام فی هذا المقطع من حدیث المعراج یدور حول الشكر الذی هو من لوازم حیاة الذین اجتازوا مراحل من السلوك إلى الله عبر تطبیق التعالیم الإلهیّة ووصلوا إلى مرتبة لا یحتاجون فیها إلى بذل جهد لتذكُّر كلّ واحدة من آلاء الله وشكرها، بل لقد أصبح الشكر ملازماً لحیاتهم.

لعلّكم شاهدتم بعض عظماء علمائنا ممّن هم فی حالة شكر مستمرّ لله؛ فهم یشكرونه على ما وفّقهم إلیه من طاعته، وعلى ما وهبهم من المادّی والمعنویّ من آلائه، بل وعلى ما ابتلاهم به من النوائب لیختبرهم فیعلی به درجاتهم، فهم یسبّحون بحمد ربّهم على كلّ ما یواجهونه فی حیاتهم. فحیاة أمثال هؤلاء مقرونة دائماً بالشكر. بالطبع نحن أیضاً نشكر الله، لكنّنا، خلال ساعات نهارنا ولیلنا، لا نتذكّر شكره إلاّ إذا تذكّرنا نعمة، أو دُفعت عنّا نقمة، أو حظینا بموهبة خارقة للعادة. فهذا السلوك لا یشبه حال العبد الذی یكون مشتغلاً بشكر لله طیلة ساعات لیله ونهاره. بل وقد یشتغل أمثال هؤلاء بشكر الله حتّى أثناء النوم.

الذكر الخالص

إنّ من جملة ما یختلف به هؤلاء عن الناس العادیّین هو أنّ مقدار غفلة الأخیرین عن مواهب الله وجهلهم لها یعادل عادةً مئات أضعاف شكرهم إیّاها؛ فنحن نشكر نعمةً، لكنّنا نغفل عن نعم قد تكون أكبر وأنفس منها. أمّا مَن تحوّل الشكر إلى ملَكَة فی نفسه فإنّ شكره لا یعتریه جهل، ولا یشوبه نسیان: «وذكراً لا یخالطه النسیان». فغایة ما یفعله أمثالنا هو أن نتذكّر الله ونرفع أیدینا بالدعاء أثناء الصلاة أو عندما تعرض لنا معضلة، أمّا السالكون الواصلون إلى هذا المقام فإنّهم لاینسون الله على الإطلاق.

وأمّا الخصلة الثالثة التی یهبها الله تعالى لهؤلاء فهو أنّه یُلهب فی قلوبهم محبّته حتّى لا یبقى فیها محلّ لمحبّة غیره: «محبّة لا یؤثِر على محبّتی محبّةَ المخلوقین». ففی هذه المرحلة یخبو ضیاء جمیع أنواع المحبّة أمام محبّة الله. نعم، قد یوجد إلى الآن من یشكّك فی محبّة الله وكیفیّتها، لكنّ لله عباداً لا یحبّون أیّ شیء غیره، وإنّ ما یكنّونه لغیره من حبّ فهو من أجل محبّته هو لیس إلاّ. وحتّى بالنسبة للنبیّ وأهل بیته (صلوات الله علیهم أجمعین) فلا یحبّهم هؤلاء إلاّ لمحبّة الله لهم. فلیس لغیر محبّة الله وما أوصى به جلّ وعلا من سبیل إلى قلب هؤلاء، كما ولیس لأیّ عامل أن یزاحم هذه المحبّة. فلا معنى عند أمثالهم - الذائبین فی ذات الباری تعالى - لدوران الأمر بین محبّة الله ومحبّة محبوب آخر. هذا النمط من الحبّ یمثّل ذروة محبّة الإنسان لمحبوبٍ ما، وهو إذا ما ناله العبد صدق علیه قوله: «فإذا أحبّنی أحببتُه». ولعمری فإنّنا لنعجز عن استیعاب أهمّیة هذه المنزلة، فالذی یملك القدرة على فهم هذا المقام سیندهش ویُغشى علیه من شدّة الشوق. فالعبد الذی یكنّ لله كلّ هذا الحبّ، فإنّ الله سیحبّه أیضاً.

العشق الغزیر

فنحن عندما نحبّ أحداً فإنّنا نلهج دائماً بذكره ونحاول أن نسدی له أیّ خدمة نقدر علیها. أمّا وعاء محبّة الله فهو غیر محدود: «ولا یشغَلُه شأن عن شأن»[2]، فالتفاته إلى أحد العبید لا یسلبه التفاتَه إلى الآخرین، وهو إن أحبّ أحداً لم یبخل علیه بأیّ أثر من آثار تلك المحبّة. فمن جملة آثار محبّة الله للعبد هی أنّه یودع محبّته فی قلوب الآخرین: «إِنَّ الَّذِینَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَیَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدّاً»[3]؛ فالله یودع محبّة المؤمنین الحقیقیّین الذین یأتون بالصالحات فی قلوب عباده. والنموذج البارز لمثل هؤلاء فی عصرنا هو الإمام الخمینیّ الراحل (رضوان الله تعالى علیه) وقائد الثورة الإسلامیّة (دامت بركاته). فأنتم تلاحظون كیف أنّ الناس یتهافتون على التمتّع بنظرة واحدة إلیه. ففی أیّام الإمام الراحل كان البعض یقطع مسافات شاسعة ویبقى منتظراً لساعات كی یمتّع ناظریه للحظة بالنظر إلى وجه الإمام. فهذا صنع الله إذ یودع مثل هذه المحبّة تجاه محبوبه فی قلوب عباده. «فإذا أحبّنی أحببتُه» وإذا أحببته، حبّبتُه إلى خلقی، ثمّ بعد ذلك «أفتحُ عینَ قلبه إلى جلالی».

لقد ذكر الله تعالى فی هذا الحدیث الشریف من قبل بأنّ من جملة عنایاته لعباده المخلصین هو أنّه یفتح عیون قلوبهم. وهنا یطرح نفس القضیّة لكن بصورة أشدّ فیقول: إنّنی أفتح عینه إلى جلالی بحیث لا یرى تجلّیاتی فحسب، بل لا یخفى علیه المقربّون من عبادی أیضاً: «فلا اُخفی علیه خاصّة خلقی».

فالله تعالى لا یُعرِّف عباده الخاصّین إلى كلّ أحد عادةً، وكما ذكر عزّ وجلّ فی حدیث قدسیّ آخر بأنّ من جملة ما اُخفیه على الناس هم خاصّة عبادی فهم مجهولون بین عامّة الناس ولا یعرفهم أو یطّلع على مقاماتهم المعنویّة إلا الله[4]. ومع ذلك فقد یكون طرَق مسامعكم بأنّ ولیّین من أولیاء الله قد یعیشان فی مدینتین مختلفتین ولم یر أحدهما الآخر لكنّ كلاّ منهما مطّلع على مقامات صاحبه المعنویّة بل ویحبّه أیضاً. فهذه واحدة من الخصال التی یهبها الله للسالك الذی اجتاز بعض المقدّمات اللازمة. فعندما یصبح السالك محبوباً عند الله یجعله الله محبوباً عند الآخرین، ثمّ یعرّف إلیه عباده الخاصّین: «فلا اُخفی علیه خاصّة خلقی».

وصلَ العبدُ مكاناً لا یرى - فیه غیر الواحد الحقّ الإلٰه

«فاُناجیه فی ظُلَم اللیل ونور النهار». ینتظر معظمنا السنة بطولها كی یحظى بفرصة كشهر رمضان المبارك لیناجی فیها ربّه، أو یناجیه فیه غیره فیستمع إلى صوت مناجاته. لكنّ الله جلّ وعلا یقول فی هذه الفقرة من الحدیث القدسیّ: إذا صار العبد محبوبی فإنّنی ساُناجیه لیس فقط فی جوف اللیل المظلم، بل وحتّى فی وضح النهار. بالطبع لا یراد بهذا الكلام الوحی، بل یراد به مرتبة من الحدیث الذی یدور بین الله تبارك وتعالى وأولیائه. بل إنّ مناجاة الله لمحبوبه تستمرّ «حتّى ینقطع حدیثُه من المخلوقین ومجالستُه معهم». فهو یرى الله أمامه طول الیوم واللیلة ویفصح له باستمرار عن مكنونات صدره. فالناس یتصوّرون أنّه یخاطبهم، لكنّه یخاطب غیرهم. فهو یتكلّم بكلام یحبّه الله؛ فلأنّه یرى نفسه فی حضرة الباری جلّ شأنه فهو لا یتحدّث إلاّ بما یحبّ. فی الحقیقة إنّ مخاطبه الرئیسیّ هو الله تعالى، وجلیسه هو الله سبحانه أیضاً. كما یقول جلّ اسمه فی حدیث قدسیّ آخر: «أنا جلیس مَن ذَكَرنی»[5].

فالعبد الذی یصیر محبوباً لله تعالى ینسى مجالسة الآخرین ویكون دائم الالتفات إلى ربّه؛ فیصنع ما یریده ربّه، ویرجو ما یطلبه ربّه. فأیّ حاجة لهذا العبد لجلیس آخر إذا كان الله جلیسه؟! وهذه آخر میزة یمنّ بها الله تعالى على عباد كهؤلاء؛ عباد مارسوا العبودیّة لله بكلّ صدق واستهلّوا أمرهم منذ البدایة لاستجلاب رضا بارئهم. أمّا فی هذه المرحلة فكلّ شیء هو من عند الله؛ فهو تعالى یعلّم عبده شكره، ویذكّره بذاته، ویودع محبّته فی قلبه كی لا تزاحمها علیه محبّة الآخرین، ویقطع حدیثه مع الآخرین كی لا تكون لدیه رغبة فی الحدیث معهم إلاّ بما یرضی الله. فجلیسه هو الله، ومناجیه هو الله، ومحبوبه هو الله، وأمله فی الله، وناصره ومعینه هو الله، فلا یلتفت إلى أحد غیره، إذ لیس لدیه أحد غیره، فكلّ ما لدیه هو الله.

فبأیّ ثروة أو قدرة یمكن مقارنة هذه الحالة یا ترى؟ وأیّ عزّة أو سلطة یمكن أن توازی هذا المقام؟ فكلّ الأشیاء تفقد ألوانها فی هذا المقام. فالواصل إلى هذه الدرجة یرى كلّ شیء من عند الله، وهو لهذا لا یتكلّم مع غیر الله، إلاّ إذا طلب هو سبحانه منه ذلك.

وفّقنا الله وإیّاكم لشیء من هذا إن شاء الله 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. بحار الانوار، ج88، ص71.

[3]. سورة مریم، الآیة 96.

[4]. «أولیائی تحت قبائی، لا یعرفهم غیری»، راجع روضة المتّقین فی شرح من لا یحضره الفقیه، ج9، ص285.

[5]. الكافی، ج2، ص496.