فهرست مطالب

الجلسة السابعة عشر: الحبّ فی الله

تاریخ سخنرانی: 
1393/02/03

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 23 نیسان 2014م الموافق للثالث والعشرین من جمادى الثانیة 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

17

الحبّ فی الله

 

 

 

أحبّ عمل إلى الله

وصلنا فی المحاضرات الماضیة إلى نتیجة مفادها أنّ محبّة الله عزّ وجلّ لا تجتمع مع محبّة أعدائه، لكنّها تجتمع مع محبّة ما یحبّه الله أو محبّة ما لا یحبّه ولا یبغضه (على فرض وجوده). وبالطبع فإنّ مراتب مطلوبیّة هذه المحبّة مختلفة. ونأمل هنا أن نفید من الآیات القرآنیّة والأحادیث الشریفة فی التوسّع فی هذا المبحث.

لقد حثّت روایات كثیرة على حبّ المؤمنین عبر تعابیر شتّى من قبیل «الحبّ فی الله»، و«حبّ المؤمن»، و«حبّ أحبّاء الله»، و«المتحابّین فی الله». فقد روی عن إمامنا زین العابدین (علیه السلام) قوله: «إذا جمع الله عزّ وجلّ الأوّلین والآخرین قام منادٍ فنادى یُسمِع الناس فیقول: أین المتحابّون فی الله؟ قال: فیقوم عُنُق من الناس فیُقال لهم: اذهبوا إلى الجنّة بغیر حساب. قال: فتلقّاهم الملائكة فیقولون: إلى أین؟ فیقولون: إلى الجنّة بغیر حساب. قال: فیقولون: فأیّ ضرب أنتم من الناس؟ فیقولون: نحن المتحابّون فی الله»[1].

كما ویقول الباری عزّ وجلّ فی حدیث المعراج: «وجبَتْ محبّتی للمتحابّین فِیَّ»[2]. وقد وردت فی بعض الأحادیث القدسیّة أیضاً مضامین نادرة تتضمّن نقولاً غایة فی الروعة. فقد أوحى الله عزّ وجلّ فی بعض هذه النقول إلى موسى (على نبیّنا وآله وعلیه السلام) فقال: «هل عملتَ لی عملاً قطّ؟ قال: إلهی صلّیت لك، وصمتُ وتصدّقتُ وذكرتُ لك. فقال: إنّ الصلاة لك برهان، والصوم جُنّة، والصدقة ظلّ، والذكر نور [بمعنى أنّ جمیع ما ذكرتَ من أعمال فهو لك]، فأیّ عمل عملتَ لی؟ فقال موسى (علیه السلام): دُلّنی على عمل هو لك. فقال: یا موسى! هل والیتَ لی ولیّاً وهل عادیت لی عدوّاً»[3]؛ أی إنّ ما یكون لی هو أن تحبّ أحداً من أجلی أو أن تبغض شخصاً بسبب بغضه لی. وقد جاء فی ختام هذه الروایة ما نصّه: «فعَلِم موسى أنّ أحبّ الأعمال الحبّ فی الله والبغض فی الله».

كما ونُقل عن الإمام الجواد (علیه السلام) فی حدیث آخر: «أوحى الله إلى بعض الأنبیاء: أمّا زهدك فی الدنیا فتَعَجُّلك الراحة، وأمّا انقطاعك إلیّ فیُعَزِّزُك بی، ولكن هل عادیت لی عدوّاً ووالیت لی ولیّاً»؟[4] فإنّ عدم تعلّقك باُمور الدنیا وانتهاجك الزهد یخلّصك من بعض الهموم، فلا ینبغی أن تَعدّ الزهد لحسابی، بل إنّه من أجل دَعَتك وراحتك، وإنّ انقطاعك إلیّ وقطع آمالك بغیری فهو یهبك العزّة. «ولكن هل عادیت لی عدوّاً ووالیت لی ولیّاً»؟ فالمحبّة والمعاداة هما من أجلی أمّا الأعمال الاُخرى فهی من أجلك.

وهنا یطرح السؤال التالی: ما میزة المحبّة فی الله كی یقول تبارك وتعالى: إنّ الصلاة والصیام وباقی العبادات هی لك، لكن أن تحبّ فیَّ فهو لی؟ فما الذی یمیّز هذه المحبّة عن غیرها من العبادات؟

یبدو أنّ الدلیل على ذلك هو أنّ محبّة الإنسان الآخرین فی الله هی – فی الحقیقة - عین محبّة الله ولیست عملاً مستقلاًّ. فكلّ من الصلاة والصیام والزكاة وسائر العبادات هی أعمال مستقلّة عن غیرها وعندما ینجز المرء أیّ واحدة منها فهو یتوقّع منها المثوبة، لكن من الواضح أنّه عندما یحبّ الإنسان الله تعالى فإنّه سیحبّ أولیاءه أیضاً. فحینما یحبّ المرء أحداً حبّاً جمّاً فإنّه سیحبّ كلّ ما یتعلّق به أیضاً. فحبّ الإنسان لصورة المحبوب - على سبیل المثال - لیست منفصلة عن حبّه للمحبوب نفسه، فكلّ امرئ یحبّ صورة حبیبه. ومن هنا فإنّ حبّ الإنسان مخلوقاً من مخلوقات الله من أجل الله یمثّل امتداداً لمحبّة الله یشعّ على محبوبه ولیس شیئاً آخر. وهذا هو ما یحبّه الله كثیراً وما یبعث على تكامل الإنسان.

من هذا المنطلق فقد جاءت روایات كثیرة فی حبّ المؤمن تؤكّد على أنّ هذا العمل هو من أسمى العبادات وهو لا ینافی محبّة الله. لیس هذا فحسب بل إنّه محطّ تأكید الله أیضاً، فهو تعالى ینتظر من الإنسان المؤمن أن یتحلّى بهذه الفضیلة إلى جانب ممارسته باقی العبادات. هذا وقد جاء فی بعض الأحادیث أنّه إذا التقى المؤمنان فإنّ أفضلهما هو أشدّهما حبّاً لصاحبه: «إنّ المسلمَین یلتقیان فأفضلهما أشدّهما حبّاً لصاحبه»[5].

محبّة المؤمنین الفقراء هی محبّة لله!

ومن جملة روایات هذا الباب هی تلك التی تحثّ على محبّة الفقراء. فقد روی عن النبیّ الأعظم (صلّى الله علیه وآله) أنّ الله تعالى قد أمره بحبّ المؤمن الفقیر. كما ورد فی حدیث المعراج أنّ الله أوحى إلى نبیّه (صلّى الله علیه وآله): «یا أحمد! محبّتی محبّة الفقراء»[6]. ویقول أیضاً فی فقرة اُخرى من الحدیث ذاته: «فادن الفقراء وقرّب مجلسهم منك، وأبعد الأغنیاء وأبعد مجلسهم عنك»!

ومن جملة ما ورد فی هذا الباب هو ما قاله رسول الله (صلّى الله علیه وآله) لأمیر المؤمنین (علیه السلام): «یا علیّ! إنّ الله تبارك وتعالى وهَب لك حبّ المساكین والمستضعفین فی الأرض فرضیتَ بهم إخواناً ورضوا بك إماماً»[7]. وهذا التأكید یطرح هذا التساؤل: ما هی المیزة التی تدعو الإنسان إلى حبّ المؤمنین الفقراء أكثر من سائر المؤمنین؟

التقرّب إلى الله هو مقتضى الفقر

یبدو أنّ أحد أسباب التأكید على حبّ الفقراء هو استحقاقهم للحبّ أكثر من غیرهم. فمناط كون المرء محبوباً هو قربه من الله وإنّ إمكانیّة تقرّب الفقراء إلى الله هی أكثر ممّا عند غیرهم. فالثراء بطبیعته یقضی بغفلة المرء عن ربّه وابتلائه بالغرور والتكبّر. فأمثال هؤلاء المصابین بالآفات والابتلاءات والذین تملأ طریقهم الموانع والعقبات قد لا یصلون إلى الهدف أو یبلغونه متأخّرین على الأقلّ. فقد ذكرت الآیات القرآنیّة أنّ الإنسان إذا شعر بالغنى والقدرة فإنّه لا یذعن للحقّ ویصاب بالغرور والعصیان: «كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَیَطْغَىٰ * أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَىٰ»[8]. بالطبع هذا لا یعنی أنّ الثروة هی العلّة التامّة للابتعاد عن الله جلّ شأنه. فكما هی الأعراض الجانبیّة التی تذكرها الكتب الطبّیة للأدویة فإنّ هذه المسائل هی من قبیل الاقتضاءات وهی تعنی أنّها قد تؤثّر فی بعض الظروف وقد لا تؤثّر فی ظروف اُخرى. فإنّ شعور الإنسان بالاستغناء یقتضی حالة الطغیان والغرور. لكنّه من الممكن أن لا یُبتلى المتربّی فی مدرسة الأنبیاء بالغرور والكبر، بل قد یكون أكثر تواضعاً من غیره بكثیر أیضاً. ولهذا فمن حیث إنّ الفقراء هم عادةً أقلّ ابتلاء من غیرهم بالغرور والتكبّر والطغیان وأمثال ذلك فإنّهم أقلّ مرضاً من غیرهم، وإنّ ما یكون أقلّ مرضاً یحظى بمحبوبیّة أكبر.

الإخلاص فی محبّة الفقراء

الدلیل الآخر على كون محبّة الفقراء مطلوبة یرتبط بالمحبّ نفسه. فقد لا تنطوی محبّتنا للفقراء على ما تحتویه محبّتنا للأغنیاء من الأغراض؛ إذ قد یكون حبّ المرء لذوی الامتیازات من قبیل أصحاب المناصب والعناوین والثروات وما إلى ذلك بدافع الإفادة من امتیازاتهم، ممّا لا یجعل محبّتهم خالصة لوجه الله. أمّا فی محبّة الفقیر فلا نعثر على هذا الدافع؛ إذ لیس لدى الفقیر ما یُسیل لعاب الإنسان. وعلى هذا فإنّنا عندما نحبّ المؤمنین الفقراء تكون محبّتنا أكثر خلوصاً، أمّا إذا تدخّلت عوامل اُخرى فی هذه المحبّة كالثروة ولوازمها، من قبیل المنصب والمكانة الاجتماعیّة، فقد یكون حبّ المرء لأمثال هؤلاء لأمله فی أنّهم قد ینفعونه فی ساعة العسرة ممّا یجعل حبّه لهم مشوباً بدوافع نفسانیّة ودنیویّة.

معیار معرفة الحبّ فی الله

الملاحظة الاُخرى التی تسترعی الانتباه فی هذا المجال هی أنّ قید «فی الله» قد جاء فی جمیع الروایات التی تشیر إلى كون محبّة الآخرین مطلوبة؛ كقوله: «المتحابّین فی الله». وهنا یكمن السؤال التالی: ماذا یعنی هذا القید «فی الله»؟ وما هو المعیار لمعرفة إن كان حبّ المرء للآخرین فی الله أم لیس فیه؟

فمن المؤكد أنّه ثمّة دوافع عدیدة للحبّ. وإنّ بمقدور الإنسان أن یختبر بعض هذه الدوافع بنفسه. فإذا كانت المحبّة لله مثلاً لم تؤثّر تصرّفات الطرف المقابل فیها؛ فإذا أحبّ الإنسان الشخص الفلانیّ فی الله ولأجله، سیكون الأمر عنده سیّان إن قابله هذا الشخص بالوفاء أو بالجفاء.

المعیار الآخر الذی باستطاعة الإنسان قیاسه بنفسه نوعاً ما هو أنّه إذا كانت محبّته فی الله فإنّها ستكون أكبر لكلّ من هو أكثر قرباً من الله، وإلاّ فعلیه أن یشكّ فی كون هذه المحبّة لله أو لأمر آخر.

لقد ذكرت الأحادیث الشریفة خصوصیّات لاُولئك الذین یحبّون الآخرین فی الله، ومن جملتها ذلك الحدیث المعروف الذی یقول فیه الحواریّون لعیسى (على نبیّنا وآله وعلیه السلام): «یا روح الله مَن نجالس؟ قال: مَن یُذَكّركم اللهَ رؤیتُه ویزید فی عِلمكم منطقُه ویُرَغّبكم فی الآخرة عملُه»[9]. فمن الواضح أنّ المرء سوف یحبّ مثل هذا الشخص فی الله؛ فرؤیته تذكّرك بالله لا بالشیطان والهوى، وكلامه یزید فی علمك ولا یجرّك إلى الغفلة ویلهیك بلغو لا طائل تحته، بل وحتّى إذا صمت فإنّ مشاهدة سلوكه یُرَغّبك فی الآخرة والعمل لها. ولابدّ أنّكم رأیتم من العظماء من هم على هذا النحو.

آیة الله المشكینیّ كان رمز التقوى

المرحوم الشیخ المشكینیّ كان هكذا، فهو حتّى فی فصل الشتاء كان یرتدی عباءة رقیقة ورخیصة الثمن. فما كانت الألبسة الفاخرة والزینة وأمثال ذلك لتخطر فی بال المرء أبداً عند رؤیته. فعلى الرغم من أنّنی عاشرته قرابة الأربعین عاماً، فإنّنی لم أسمع منه یوماً كلاماً فی غیر محلّه أو غیر نافع، فكلامه كان إمّا فی العلم والتقوى أو فی المسائل الاجتماعیّة لمعرفة التكلیف. ویندر أن یوجد شخص لا یتأثّر من مجلسه.. أذكر أنّه أثناء لقاء أعضاء مجلس خبراء القیادة مع السیّد القائد (حیث كنّا نتشرّف بلقاء سماحته مرّتین فی السنة) كان سماحته یأمره بوعظ الحاضرین فكان المرحوم المشكینیّ یعظ أعضاء المجلس فی حضرة السیّد القائد. كان یطرح فی موعظته روایات عالیة المضامین ومباحث مفیدة ونفیسة وما كان من أمثالی إلاّ ویقع تحت تأثیر كلامه ویشعر بالتحوّل. فمن الواضح أنّ المرء یحبّ أشخاصاً كهؤلاء، وأنّ حبّه لا یكون من أجل اُمور دنیویّة. فهذا الحبّ نابع من أنّ رؤیة الشیخ المشكینیّ، وسلوكه، والاستماع إلى كلامه، ومعرفته بالحقّ، وعرفانه بالجمیل وتواضعه كانت جمیعها تذكّر الإنسان بالله. لكنّه ثمّة أمثلة اُخرى غیر الشیخ (رحمه الله) تكون مشتبهة وقد تتدخّل فیها دوافع اُخرى.

تأثیر العمل الخالص

من المناسب أن یسعى الإنسان إلى معرفة دوافعه عن كثب ویحاول نبذ الاُمور التی تنطوی على طابع دنیویّ وشخصیّ. فعندما یكون العمل خالصاً لوجه الله، یكون أثره عمیقاً جدّاً؛ وهو أثر لا یمكن مقارنته حتّى بالعمل الذی یشوبه واحد بالمائة من الشوائب. فالخلوص بالنسبة لتأثیر الأعمال هو إكسیر لا یمكن قیاسه بأیّ شیء آخر. إذ یقول الباری عزّت آلاؤه: «أنا خیر شریكٍ مَن أشركَ معی غیری فی عملٍ عمِلَه لم أقبله إلاّ ما كان لی خالصاً»[10] وساُسلّم سهمی لهذا الشریك قائلاً له: هذا أیضاً لك! بالطبع إنّ الله لا یبخل فی تقبّل هذا أیضاً ولا یدعه من دون أثر، لكنّ ما یكون ذا أثر أصیل وعمیق كالكیمیاء التی تحوّل النحاس إلى ذهب فهو العمل الخالص. فإن كان العمل كذلك فسیكون ذا أثر فی دنیا فاعله وفی آخرته أیضاً. رزقَنا الله وإیّاكم ورزق الجمیع من ذلك.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرین 


[1]. الكافی، ج2، ص126.

[2]. بحار الأنوار، ج74، ص21.

[3]. جامع الأخبار، ص128.

[4]. تحف العقول، ص455.

[5]. الكافی، ج2، ص127.

[6]. إرشاد القلوب إلى الصواب، ج1، ص201.

[7]. بحار الأنوار، ج36، ص347.

[8]. سورة العلق، الآیتان 6 و7.

[9]. الكافی، ج1، ص40.

[10]. الكافی، ج2، ص295.