فهرست مطالب

الجلسة الثالثة والثلاثون: افتح عین القلب وسترى الحبیب

تاریخ سخنرانی: 
1393/04/17

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 8 تموز 2014م الموافق للیلة الحادیة عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

افتح عین القلب وسترى الحبیب

33

 

إشارة

متابعةً لتوضیح مقاطع من حدیث المعراج القدسیّ الشریف وصلنا إلى حیث یقول الله عزّ وجلّ: إنّ الذین نالوا الشروط المذكورة فی الحدیث هم عباد الله الخاصّون وإنّه تعالى سیثیبهم ثواباً عظیماً على مساعیهم وذلك بأن یودع فی قلوبهم محبّته التی هی كالجوهرة الثمینة: «فإذا فعل ذلك أسكنتُ فی قلبه حبّاً حتّى أجعلَ قلبَه لی»[1]. والمقاطع التی سبقت هذه الفقرة أكّدت على أنّه إذا حظی الإنسان بالأهلیّة اللازمة فإنّ الله تعالى بعنایاته سیتصرّف بعواطفه وأحاسیسه كی ینحصر التفاته لربّه ویتّجه سیره نحوه عزّ وجلّ حتّى یبلغ مقاماً یكون قلبه لله وحده: «حتّى أجعلَ قلبَه لی». أمّا فی هذا المقطع من الحدیث فإنّ الله تعالى یجعل «القلب» مستقَرّاً للمحبّة. وقد استُخدمت لفظة «القلب» فی المقاطع التالیة أیضاً، لكن باختلاف قلیل عن المثال الأوّل. یقول الله سبحانه وتعالى فی هذا المقطع: «وأفتحُ عینَ قلبه وسمعَه حتّى یسمع بقلبه وینظر بقلبه إلى جلالی وعظمتی». ویُفهم من هذه الجملة أنّ لقلب الإنسان عیناً واُذناً وهما مغلقتان عادة، فإن توفّرت الشروط والمقدّمات المطلوبة فسیشمله الله بعنایته ویثیبه بفتح عین قلبه واُذنه. وفی هذه الحالة فإنّه: «یسمع بقلبه وینظر بقلبه إلى جلالی وعظمتی» أی إنّ فی میسور الإنسان حینئذ أن یسمع بإذن قلبه وینظر بعین قلبه إلى جلالی وعظمتی. فلقد عُدّ «القلب» فی هذا المقطع من الحدیث كوسیلة لأنواع المعرفة الخاصّة؛ الرؤیة الخاصّة، والسماع الخاصّ، والإدراك الخاصّ؛ حیث إنّ له عیناً واُذناً وهما إذا فُتحتا بعنایة من الله ورحمته فسیرى القلب ویسمع اُموراً لا یراها ولا یسمعها الآخرون. وباستطاعتنا أن نفهم من هذا البیان أنّ القلب یمثّل وسیلة للمعرفة والشهود والرؤیة، وهو یمثّل استخداماً آخر لكلمة «القلب» یختلف عن كونه موضعاً للمحبّة والعواطف.

بالالتفات إلى ما تقدّم یتبادر السؤال التالی إلى الذهن: ما هو القلب أساساً كی یكون تارةً موضعاً للمحبّة، ویمتلك تارة اُخرى عیناً واُذناً؟ وما هو شكل عین القلب واُذنه اللتین تكونان مغلقتین حیناً ومفتوحتین طوراً؟ وعندما تفتحان فما الذی سیراه القلب وما الذی سیسمعه؟ وما معنى مشاهدة جلال الله وعظمته بواسطة عین القلب؟ إنّ الموضع الرئیسیّ للبحث حول هذه المباحث یكمن فی أواخر الآیات التی تتضمّن مفردة «القلب». لكن بما أنّ الكلام حول هذا الحدیث الشریف قد بلغ بنا إلى هذا الموضع فلابدّ من البحث فی هذا الموضوع لرفع الإبهامات والإجابة على الأسئلة المطروحة فی هذا الباب.

استخدامات كلمة «القلب»

لقد ذكر القرآن الكریم والأحادیث الشریفة للقلب - باعتباره جزءاً من وجود الإنسان - میزتین اثنتین: أولاهما هی أنّه موضع العواطف والأحاسیس. وإنّ تعابیر من قبیل «التعلّق» و«الشغف» ناظرة إلى هذه المیزة. ویشاهد فی القرآن الكریم أیضاً مثل هذا الاستخدام ﻟ «القلب» ومرادفه «الفؤاد»؛ كقوله تعالى: «وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِی بِهِ لَوْلاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ»[2]؛ فلقد استولى القلق على اُمّ موسى بعدما رمت رضیعها فی النیل واضطربت اضطراباً شدیداً، لكنّنا ربطنا على قلبها وأزلنا اضطرابها وألقینا فیه السكینة والطمأنینة. وقد نُسبت فی هذه الآیة إلى القلب الحالات العاطفیّة. ویقول تعالى فی موضع آخر: «أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»[3]. ومن هنا فإنّ القلب هو الشیء الذی یكون هادئاً تارةً ومضطرباً هائجاً تارةً اُخرى؛ بمعنى أنّه وعاء أحاسیس الإنسان وعواطفه.

أمّا الاستخدام الثانی لمفردة «الفؤاد» أو «القلب» فهو باعتباره أداة للمعرفة؛ فعندما تصف آیةٌ أهلَ النار فإنّها تقول: «لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ یَفْقَهُونَ بِهَا»[4]؛ أی إنّهم اُناس لم یستعملوا قلوبهم للتعقّل والفهم الصحیح. كما ویقول تعالى فی موضع آخر: «أَفَلاَ یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»[5]؛ هل إنّ على قلوبهم أقفالاً یا ترى حتّى لا یفقهوا؟ ویُفهم من هذه الآیة أنّ القلب السلیم یستطیع الخروج بنتائج من خلال التفكیر والاستدلال وفهم الحقائق أمّا الذین لا یدركون الحقائق فإنّ على قلوبهم أقفالاً.

كما ویمكن أن نستنتج من خلال دراسة موارد استعمال لفظة «المعرفة» فی القرآن الكریم أنّ لهذه اللفظة أیضاً استخداماتٍ شتّى. فقد نُسب ضرب من المعرفة إلى القلب والفؤاد وهو ما یكون فی متناول الجمیع وعلى الناس جمیعاً الإفادة منه؛ كقوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِی أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِیلاً مَّا تَشْكُرُونَ»[6] حیث ذُكر القلب هنا إلى جانب العین والاُذن؛ ویعنی: كما أنّ على الإنسان أن یسمع بعض الحقائق باُذنه، ویرى بعضها الآخر بعینه، فإنّ علیه أن یدرك قسماً منها أیضاً بفؤاده. ولعلّ فی ذكر أدوات المعرفة هذه فی عرض بعضها البعض إشارةً إلى أنّ جلّ المعلومات التی یحتاجها الإنسان فی حیاته تُستحصل إمّا بواسطة النظر أو عبر السمع أو عن طریق التفكیر والتعقّل.

ولقد نُسب إلى القلب فی آیات اُخَر نمط آخر من المعرفة لیس هو من نوع المفاهیم. فنحن نتصوّر أنّ ما نراه بأعیننا من ألوان یمثّل فی الحقیقة تركیباً من الأمواج الضوئیّة بتردّدات معیّنة. وأنّ ما نسمعه بآذاننا هو سلسلة من الأمواج الصوتیّة. لكن ما الذی تدركه قلوبنا یا ترى؟ إنّها المفاهیم التی ندركها بعقولنا؛ بمعنى أنّ أداة إدراك العقل هی المفاهیم الذهنیّة وهی لا تصنَّف ضمن الاُمور الحسّیة. لكنّه ثمّة شكل آخر من أشكال المعرفة یُنسب إلى القلب لا تكون أدواته المفاهیم الذهنیّة. وقد استُخدمت فی مثل هذه المواطن تعابیر: «الرؤیة» و«النظر»؛ كما فی الروایة المعروفة لأمیر المؤمنین (علیه السلام): «لم تَرَه العیون بمُشاهَدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإیمان»[7]؛ فالله سبحانه لا تراه العین التی فی الرأس، إنّما یراه القلب. فهنا لم یقل (علیه السلام) إنّ القلب «یدرك» الله، بل استعمل تعبیر «الرؤیة». وهذا ضرب من المعرفة یكون من صنف العلم؛ لكنّه غیر المفهوم الذی یكوّنه ذهن الإنسان.

إذن فقد أسند القرآن الكریم إلى القلب ثلاثة اُمور: الأوّل هو الأحاسیس الخاصّة كالخوف والاضطراب والسكینة، والعواطف التی هی من قبیل الحبّ والبغض، هذا وإن عَدّ بعض علماء النفس الأحاسیسَ والعواطف أمرین منفصلین. والثانی هو إدراك الحقائق بصورة مفاهیم ذهنیّة وهو ما یُطلق علیه اصطلاحاً العلم الحصولیّ. والثالث هو شهود الحقائق ورؤیتها قلبیّاً. لكن لماذا نُسبت هذه الأنواع من المعرفة إلى القلب؟ أولیس القلب هو ذلك العضو الصنوبریّ المستقرّ عادةً فی الجانب الأیسر من الصدر والذی یعمل على ضخّ الدم إلى كافّة أنحاء الجسم؟

وهنا قد تُطرح بحوث لغویة من قبیل: هل إنّ مفردة «القلب» تمثّل مشتركاً لفظیّاً أم معنویّاً؛ بحیث إنّها استُخدمت بصورة حقیقیّة فی أحد المعانی المذكورة وبصورة مجازیّة فی الآخر، أم إنّ هذه المفردة قد وُضعت ابتداءً لواحدة من هذه المعانی ثمّ انتقلت إلى المعانی الاُخرى فیما بعد، أم انّ بعض استعمالاتها یكون من باب الكنایة والاستعارة؟ فالخوض فی مثل هذه المسائل هو من اختصاص علماء اللغة والاُدباء حیث من الممكن، من خلال القرائن، التوصّل إلى المعنى الذی استُخدمت له المفردة فی كلّ موضع. لكن ما یهمّنا هنا هو معرفة الاستخدامات المختلفة للفظة «القلب» كی لا نخلط بینها.

یقول الباری عزّ وجلّ فی مقطع من الحدیث القدسیّ محطّ البحث: «أسكنتُ فی قلبه حبّاً»؛ إنّنی اُسكن حبّی فی قلب المؤمن الذی وفّر فی نفسه شروطاً معیّنة. لكنّه یقول فی الفقرة التالیة: «وأفتحُ عینَ قلبه وسمعَه»؛ فالجائزة الثانیة التی اُعطیها لهذا العبد هی أنّنی أفتح عینَ قلبه وسمعَه. فما هی عین القلب، وما هو سمعه، وكیف یتمّ فتحهما؟

إنّنا عادة ننسب ما لا ندركه بالنظر والسمع من الـمُدرَكات إلى القلب: «أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ». ویُستشفّ من استعراض الآیات القرآنیّة أنّ للإدراك الذی یُنسب إلى القلب وفقاً للاصطلاح القرآنیّ مراتبَ مختلفة؛ فمرتبةٌ منها لا تتجاوز حدّ الإدراك البسیط للمفاهیم الذهنیّة الذی یتمتّع به كلّ إنسان بمساعدة قوّته العاقلة سواء أكان كافراً أم منافقاً أم مسلماً، والذی یطلَق علیه اصطلاحاً بالعقل الأداتیّ، ویُعدّ التقدّم العلمیّ والصناعیّ والفنّی أحد ثماره. أمّا الاستخدام الآخر للإدراك القلبیّ فی القرآن الكریم فهو ما یطلَق بشكل خاصّ على إدراك الحقائق والإفادة منها من أجل المصالح الحقیقیّة. ووفقاً لهذا الاستخدام فإنّه لا عقل لمن لا یفید من إدراكاته فی الاتّجاه الصحیح. ومن هذا المنطلق یقول القرآن فی حقّ الكفّار: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْیٌ فَهُمْ لا یَعْقِلُونَ»[8]. فلربما یكون بعض هؤلاء أشدّ منّا ذكاءً. أفكان عمرو بن العاص ومعاویة من السذّج؟ كلاّ، فقد كانا حادّی الذكاء، لكنّهما استعملا ذكاءهما فی حرف المسلمین عن مسیرهم الصحیح. فهؤلاء – وفقاً للمنطق القرآنیّ – لیسوا عدیمی العقل فحسب، بل إنّهم صُمّ وبُكم أیضاً. «لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ یَفْقَهُونَ بِهَا»؛ فهم یملكون قلوباً، لكنّهم لا یدركون بها شیئاً؛ بمعنى انّهم لا یفهمون الحقائق التی لابدّ من إداركها فی اتّجاه مصالحها الحقیقیّة، بل یكتفون باللهث وراء إشباع غرائزهم الحیوانیّة. ومن هنا یقول فیهم عزّ من قائل: «أُوْلَـٰئِكَ كَالأَنْعَامِ»[9].

إذن فإنّ أحد استخدامات كلمة «القلب» فی القرآن هو بمعنى الأداة والمرتبة أو الحقیقة الموجودة فی روح الإنسان التی إذا أفاد منها الأخیر بالشكل الصحیح فإنّه یكون قد أفاد من قلبه، وإلاّ فإنّه قد تركه معطّلاً ولم یستعمله. وقد ذُكر هذا المضمون فی القرآن الكریم بالنسبة للعین والاُذن أیضاً؛ یقول تعالى: «وَلَهُمْ أَعْیُنٌ لا یُبْصِرُونَ بِهَا»[10]؛ فهم یملكون أعیناً، لكنّهم لا یستخدمونها بالشكل الصحیح، ولذا فإنّهم عُمْی. وقد وَضَّحت آیة اُخرى هذا المضمون بهذه الكیفیّة: «فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِی‏ فِی الصُّدُورِ»[11]. فالأعمى الحقیقیّ هو الذی لا یدرك قلبه الحقائق ولا یفكّر فیها، أو الذی لا یحملها على محمل الجدّ، بل یستخدمها سُلّماً وأداةً للوصول إلى مبتغیاته الدنیویّة. فشخص كهذا لم یستخدم فی واقع الأمر قلبَه، بل وكأنّه لیس له قلب، أو أنّ قلبه أعمى.

افتح عین قلبك!

فما هو إذن معنى كون عین واُذن قلب الإنسان مفتوحتین انطلاقاً ممّا ذُكر؟ فبصیرو القلوب هم الذین یدركون الحقائق - كالتوحید، والنبوّة، والمعاد، وباقی المعتقدات - ویعیشونها فی حیاتهم الیومیّة على النحو الصحیح. من هنا فإنّ كلّ مؤمن یؤمن بهذه الحقائق، یكون قلبه بصیراً. لكن لماذا قال فی حدیث المعراج: إنّ الله یمنّ بجائزة فتح عین القلب فقط على مَن ثابر وتحمّل الصعاب فی إخراج حبّ الدنیا من قلبه، وذِكْر الله بشكل مستمرّ، والحرص على العمل بأحكامه بدقّة؟ فالظاهر أنّ هذا الإبصار هو غیر ذاك، بل ویسمو علیه.

ویتعیّن القول توضیحاً لهذا التعبیر: إنّ القلب هو العامل الباطنیّ لإدراك الحقائق، بما فی ذلك الإدراك الحصولیّ والحضوریّ، وبما فی ذلك إدراك المفاهیم وشهود الحقیقة. والمراد من «عین القلب» هی قوّة باطنیّة فینا وظیفتها الإدراك. لكن مَن الذین تكون عیون قلوبهم مفتوحة؟ ومن أجل الإجابة على هذا السؤال لابدّ من الالتفات إلى ملاحظة هی أدقّ ممّا ذُكر أعلاه.

نحن نعتقد بأنّه ثمّة اُمور یراها ویسمعها بعض عباد الله كالأنبیاء والأولیاء، كالرنّة التی أطلقها الشیطان غیضاً أثناء نزول الوحی والتی سمعها أمیر المؤمنین (علیه السلام) فقال له النبیّ (صلّى الله علیه وآله): «إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَىٰ مَا أَرَىٰ إِلاّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِیٍّ»[12]؛ وعبارة «انّك لست بِنَبِیٍّ» هی كنایة عن أنّك لست المتلقّی المباشر للوحی. فهؤلاء العظام كانوا یسمعون صوت الوحی أمّا غیرهم من الحاضرین فلم یكونوا یسمعونه. فالسیّدة الزهراء (سلام الله علیها) والأئمّة الأطهار (صلوات الله علیهم أجمعین) كانوا یرون جبرئیل (علیه السلام) ویسمعون كلامه. ومن هنا فإنّه ثمّة فی هذا العالم – إجمالاً - بعض ما یُسمع وما یُرى ممّا لا نستطیع نحن سماعه أو رؤیته. ولتقریب المعنى إلى الذهن فلقد أثبت العلم الیوم أنّ اُذن الإنسان قادرة على سماع أمواج صوتیّة ضمن تردّدات معیّنة وهی غیر قادرة على سماع أمواج ذات تردّدات أخفض أو أعلى. كما أنّ الأمواج الرادیویّة التی تستلمها مستقبلة الرادیو لم تكن مسموعة من قبل البشر قبل اختراع الرادیو على الرغم من وجودها فعلاً بنفس هذا التردّد قبل ذلك الحین. كما أنّ النمط الآخر من مشاهدة الأشیاء غیر العادیّة هو ما یحدث للبعض فی حالة الخُلسة. وإنّه وفقاً لمعتقداتنا أیضاً فإنّ جمیع الناس، بما فیهم مكفوفو البصر، یشاهدون أمیر المؤمنین (علیه السلام) ساعة الموت، أمّا غیر المیّت فلا یشاهده. وهذا یدلّ على أنّ هذه الرؤیة لا تحصل من خلال العین الظاهرة.

لقد أطلق بعض أهل المعقول على ما یشاهَد بهذه الطریقة مصطلح الصورة المثالیّة أو الصورة البرزخیّة وقالوا: إنّها صورة تقع بین المادّیة والعقلیّة، أو بتعبیر آخر: بین المادّی المحض والمجرّد المحض. ویقول البعض الآخر: إنّ المیّت یرى بعینه البرزخیّة منكراً ونكیراً اللذین یأتیانه فی أوّل لیلة عند إنزاله فی القبر لسؤاله. كما أنّ هناك من یدّعی سماع أصوات لا یسمعها الآخرون. ومن الممكن نسبة مثل هذه المرئیّات والمسموعات إلى عین القلب واُذنه؛ بمعنى أنّ جزءاً من وجود الإنسان، الذی یصطلح علیه القرآن الكریم ﺑ «القلب» وتكون وظیفته الإدراك، یملك عیناً واُذناً تكونان مغلقتین عادةً وتُفتحان فی مواطن معیّنة وعند أشخاص خاصّین. ولعلّكم سمعتم أنّ العین البرزخیّة لفلان من الناس مفتوحة، أو أنّ بعض العظماء والأولیاء یرون باطن الأشخاص، أو یشاهدون بعض الناس على هیئة حیوانات بسبب ما ینطوون علیه من مَلَكات خبیثة. فمثل هذه الرؤیة وهذا السماع لا یكونان عبر عین الإنسان واُذنه الظاهرتین، بل إنّها رؤیة تحصل بواسطة أداة تسمّى عین القلب أو عین الباطن.

لكن هل المراد من قوله: «وأَفتَحُ عینَ قلبه وسمعَه» هو العین والاذن البرزخیّتان أم إنّه یعنی العینَ والاُذن اللتین یرى ویسمع بها أشخاص معیّنون اُموراً مادّیة غیر عادیّة؟ أو أنّ المراد منها هو المعرفة الأكمل التی یمتلكها أمثال هؤلاء عن الله تبارك وتعالى؟ أم أنّ القضیّة مختلفة تماماً؟

نقول: لو أن الحدیث كان قد اختتم كلامه بهذه العبارة لرضینا بهذه الاحتمالات، لكنّه عزّ وجلّ استطرد قائلاً: «وینظر بقلبه إلى جلالی وعظمتی». نفهم من هنا أنّ هذه العین لیست هی العین التی ترى وجه مُنكر ونكیر، وأنّ هذه الاُذن لیست هی التی تسمع صوتهما، فهی لیست مجرّد عین تنظر إلى بواطن الأشیاء، وإنّ ما یشیر إلیه الحدیث الشریف هو شیء أسمى من ذلك. یقول ربّ العزّة: إنّ جائزة الذین یعملون على توفیر هذه الشروط فی أنفسهم ویتحمّلون لذلك النَّصَب والعناء هی أن اُسكن محبّتی فی قلوبهم حتّى: «أجعلَ قلبَه لی، وفراغَه واشتغالَه وهمّه وحدیثَه من النعمة التی أنعمتُ بها على أهل محبّتی» وفی إثر امتلاء قلوب هؤلاء العباد بمحبّتی تنفتح أعین وآذان قلوبهم أیضاً كی: «ینظر بقلبه إلى جلالی وعظمتی» وهی جائزة خاصّة لمن لم یبق فی قلبه مجال لمحبّة غیر الله حتى طفح بمحبّته تعالى إلى درجة أنّه اُهِّل لمشاهدة جلال الباری تعالى وعظمته. وهذه العین هی غیر العین البرزخیّة والمثالیّة، وهی من مختصّات بعض أولیاء الله لیس غیر. وقد نستطیع أن نفهم من بعض الآثار أیّاً من الناس قد بلغوا هذه المراتب؛ فهم اُولئك الذین إذا سمعوا آیات ربّهم: «یَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ یَبْكُونَ وَیَزِیدُهُمْ خُشُوعاً»[13]. فأمثال هؤلاء قد فتح الله أعین قلوبهم، وظهرت آثار عظمة الله فی سلوكهم، فذُهلوا عن أنفسهم، واُلجِمت ألسنتهم، وهم لا یكفّون عن البكاء.

ذات مرّة سمعتُ المرحوم السیّد مصطفى الخمینیّ (رحمه الله) یقول: كان المرحوم الآخوند المولى محمّد الكاشانی، الذی اشتغل بالتدریس فی اصفهان، إذا قام فی جوف اللیل لصلاة اللیل سبّحتْ أبواب المدرسة وجدرانها وأشجارها لتسبیحه، أمّا إذا وقف بنفسه للصلاة اعترته رعدَة حتّى لا یستطیع السیطرة على نفسه. وهذه الحالة إنّما هی ناجمة عن إدراك حقیقیّ لعظمة الله تعالى. فإذا صار القلب لله، فإنّه عزّ وجلّ سیمنحه هذا النمط من الإدراك ویفتح عینه، كی یكون مصداق قوله تعالى: «ینظر بقلبه إلى جلالی وعظمتی».

رزقنا الله وإیّاكم ذلك إن شاء الله 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. سورة القصص، الآیة 10.

[3]. سورة الرعد، الآیة 28.

[4]. سورة الأعراف، الآیة 179.

[5]. سورة محمّد (صلّى الله علیه وآله)، الآیة 24.

[6]. سورة «المؤمنون»، الآیة 78.

[7]. الكافی، ج1، ص97، باب فی إبطال الرؤیة.

[8]. سورة البقرة، الآیة 171.

[9]. سورة الأعراف، الآیة 179.

[10]. سورة الأعراف، الآیة 179.

[11]. سورة الحجّ، الآیة 46.

[12]. نهج البلاغة، الخطبة 192 المعروفة ﺑ «القاصعة».

[13]. سورة الإسراء، الآیة 109.