فهرست مطالب

الجلسة الثانیة والعشرون: حدیث المعراج بحر من المعارف للسیر والسلوك

تاریخ سخنرانی: 
1393/03/07

بسم الله الرحمـٰن الرحیم

هذا الذی بین أیدیكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آیة الله مصباح الیزدیّ (دامت بركاته) ألقاها فی مكتب سماحة ولیّ أمر المسلمین بتاریخ 28 أیار 2014م الموافق للثامن والعشرین من رجب 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزید توجیهات سماحته من بصیرتنا وتكون نبراساً ینیر لنا درب هدایتنا وسعادتنا.

 

حدیث المعراج بحر من المعارف للسیر والسلوك

 

22

 

إشارة

ذكرنا فیما مضى انّ لمحبّة الله مراتبَ لا تُحصى ولا تُعدّ وانّ بعضها عصیّ على الفهم بالنسبة لنا، أمّا بعض مراتبها الاُخرى فإنّها من لوازم الإیمان وإنّ كلّ مؤمن لابدّ أن یملك المرتبة الاُولى من مراتب محبّته سبحانه وتعالى. كما وقلنا أیضاً إنّ محبّة أولیاء الله لها درجات، وقد أوردنا فی المحاضرة الماضیة بعض الأحادیث فی درجات محبّة أهل البیت (علیهم السلام). وقد أشرنا كذلك إلى أنّ أعلى مراتب محبّة الله هی من مختصّات الأولیاء الذین لیس لهم سوى محبوب أصیل واحد؛ فهؤلاء لا یرون غیر الله أهلاً للمحبّة أصالةً، ومن بعد الله فإنّ شعاعاً من محبّتهم لله تبارك وتعالى یشعّ على الأنبیاء والأئمّة المعصومین (علیهم السلام) وأولیاء الله والمؤمنین بما یتناسب ومقدار قربهم من الله. بالطبع الذین هم من أمثالی بعیدون كلّ البعد عن تمنّی مثل هذه المراتب، لكن لـمّا كان الاطّلاع على هذه المراتب یؤدّی أحیاناً إلى رفع هممنا، وعدم تعلّق قلوبنا بالأشیاء الدنیئة، وإلى التفكیر برفع مستوى محبّتنا لله ولأولیائه، فسنحاول، بالإفادة من أقوال أهل بیت العصمة والطهارة (صلوات الله علیهم أجمعین)، استخلاص بعض الإشارات إلى هذه المراتب.

عاقبة طلاّب الدنیا وطلاّب الآخرة

انطلاقاً من تعالیم القرآن الكریم والسنّة الشریفة فإنّ بوسعنا - إجمالاً - الخروجَ بنتیجة مفادها أنّه ثمّة اُناس ینظرون إلى الحیاة والوجود بنظرة مختلفة، ویرون العالم بشكل یختلف بعض الشیء عمّا نراه نحن، وحتّى مطالبهم فإنّها تختلف قلیلاً عن مطالباتنا. فالقرآن الكریم یقسّم الناس، ضمن تصنیف عامّ، إلى قسمین؛ وهو تصنیف واسع جدّاً بحیث إنّ كلّ قسم من هذین القسمین ینشعب إلى طوائف مختلفة. ولعلّ أوضح هذه التصنیفات هو ما جاء فی قوله تعالى: «مَّن كَانَ یُرِیدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِیهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِیدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ یَصْلَـٰهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْیَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعْیُهُم مَّشْكُوراً»[1]. فمن جملة الألقاب التی یطلقها القرآن الكریم على الحیاة الدنیا هو «العاجلة»؛ أی: العابرة. یقول عزّ من قائل: بعض الناس یحبّ هذه الحیاة العابرة ذات اللذائذ المحدودة جدّاً والتی تنقضی بلمح البصر. فنحن نعطی هؤلاء بعض ما یحبّون ومن ثمّ یدخلون النار بتوبیخ وحالة من الاندحار. لكن هناك فی المقابل من یحبّ الآخرة ویبذل كلّ ما بوسعه من أجلها. وهنا یسوق القرآن الكریم بخصوص أمثال هؤلاء تعبیراً هو غایة فی علوّ المضمون فیقول: إذا كان هؤلاء مؤمنین فإنّ الله سیعمد بنفسه إلى شكرهم وتثمین جهودهم. وفی هذا التصنیف یستعرض القرآن الكریم القمّتین؛ فهناك قطبان وهناك مراتب عدیدة تقع بینهما یقترب بعضها من قطب، ویدنو بعضها من القطب الآخر.

محبّة الله هی تحفة منه سبحانه

استعرضنا فی المحاضرة السابقة روایة تجعل للجنّة ثلاث درجات. وقد ورد بخصوص بعض هذه الدرجات أنّ أصحابها یبذلون غایة مجهودهم فی عبادة ربّهم. ثمّ یقول: هؤلاء حتّى عندما یدخلون الجنّة فإنّهم لا یدخلونها طمعاً فی طیورها وفاكهتها: «قد أعطوا المجهود من أنفسهم لا من خوفِ نارٍ ولا من شوقِ جنّة، ولكن ینظرون فی ملكوت السماوات والأرض فیعلمون أنّ الله سبحانه وتعالى أهلٌ للعبادة»[2]. فالنظر فی ملكوت السماوات والأرض هو مقام یناله أمثال نبیّ الله إبراهیم (علیه السلام). تقول الروایة: هؤلاء المؤمنون ینظرون فی ملكوت السماوات والأرض فیعرفون أنّ الله هو أهل للعبادة ولیس غیره لها بأهل. فلا شیء أرفع من عبادة الله بالنسبة لهؤلاء، فلیس ثمّة خوف من جهنّم ولا طمع فی الجنّة. فإذا نال هؤلاء مثل هذه المعرفة أعطاهم الله تعالى تحفة، وهی أن یودع محبّته الخاصّة فی قلوبهم. فإذا ما استقرّت محبّته عزّ وجلّ فی قلوبهم علموا أنّه لیس دون الله شیء هو أهل للحبّ أو العبادة. وعندها لا تلتفت قلوبهم إلى غیر الله تبارك وتعالى ولا تتعلّق إلاّ بما یحبّه.

حدیث المعراج بحر من المعارف لطالبی السیر والسلوك

عندما بلغ رسول الله (صلّى الله علیه وآله) مقام المعراج دار بینه وبین الله حوار خاصّ، حیث كان الله عزّ وجلّ یتحدّث وهو (صلّى الله علیه وآله) یصغی، أو كان النبیّ یسأل والله یجیب. وحتّى جبرئیل فإنّه لم یكن موجوداً هناك. وقد أورد كتاب «إرشاد القلوب» للدیلمی مقتطفات من هذا الحوار یبتدئ كلّ مقطع منها ﺑ «یا أحمد». هذا الحدیث ینطوی على بحر من المعارف، وإنّ ما ذكره وخاض فیه كبار العرفاء ومُدَّعو المقامات العالیة فی هذا المضمار یُعدّ هابطاً جدّاً قیاساً به. ولا شكّ أنّ الحوار الذی یدور بین ربّ الأرباب وأعزّ عباده لابدّ أن یكون على هذا المستوى. فالحدیث المذكور هو بمثابة دورة كاملة للسیر والسلوك ترسم – من خلال أسالیب تربویّة خاصّة - الطریق لمعرفة الله ومحبّته من ناحیة، وتزوّد المرء بالشحنة والحافز لسلوكها من ناحیة اُخرى.

السبیل لبلوغ الحیاة ا لباقیة والعیش الهنیء

    فی هذا المقطع من الحدیث یبادر الله عزّ وجلّ رسولَه الكریم (صلّى الله علیه وآله) بالسؤال فیما إذا كان یعلم بالأمر أم لا؟ فیجیبه النبیّ الأكرم: لا، قُل لأتعلّم. فیبیّن الله تعالى ذلك حتّى یقول: فإذا فعل المرء ذلك أسكنتُ فی قلبه حبّی: «فإذا فعل ذلك أسكنتُ فی قلبه حبّاً»[3]. لكنّ اُسلوب البیان الذی اتّبعه الحدیث هو ممّا یثیر الدافع فی الإنسان أیضاً. فكلّنا نرغب فی محبّة الله وتهفوا قلوبنا إلى مرتبة عالیة منها، لكنّنا نفتقد الدافع إلى ذلك، فی حین أنّنا نملك – مع الأسف - حافزاً أكبر بالنسبة لشؤون حیاتنا الحیوانیّة الیومیّة. بالطبع نحن لا ننزعج من كوننا نحبّ الله تعالى، بید أنّه لیس لدینا الحافز لعقد العزم على ذلك والمثابرة علیه والتقدّم فی هذا الطریق.

من الناحیة التربویّة یتّصف بیان الحدیث بأنّه مُرَبٍّ للغایة، فهو یبدأ بهذا السؤال: «یا أحمد» أیّها الرسول العزیز! «هل تدری أیّ عیش أهنىٰ وأیّ حیاة أبقىٰ»؟ فالالتفاتة التربویّة فی هذا السؤال هی أنّ كلّ كائن حیّ یحبّ حیاته فطریّاً ویرغب فی استمرارها ویرید أن یهنأ بها. وهذا مبدأ مهمّ قد استخدمه نصّ القرآن الكریم أیضاً؛ وذلك فی قوله تعالى: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَیَوٰةَ الدُّنْیَا * وَالآخِرَةُ خَیْرٌ وَأَبْقَىٰ»[4]؛ فإنّكم تؤثرون الحیاة الدنیا على الآخرة. لكن ألستم تسعون وراء خیركم وتفتّشون عن سعادتكم؟ ألستم تبحثون عن حیاة باقیة؟ فإنّ ما تطلبونه من الدنیا لیس متوفّراً فیها. إنّها الآخرة التی سرّاؤها أكبر ودوامها أكثر. فالحیاة الدنیا فانیة، فحتّى لو عمّرنا فیها مائة عام – على سبیل المثال – فإنّها لا تعادل حتّى لمح البصر فی مقابل العمر الذی لا نهایة له. فهی فانیة من ناحیة، ویتحتّم علینا فیها تحمّل مئات الأعباء والمشقّات كی نحظى بساعة من الهناء والراحة. فكم من الأعباء یتعیّن على الإنسان تحمّلها لبناء منزل، وكم من الترتیبات ینبغی له تهیئتها لتشیید أربع جدران بسقف لیعیش فیها؟! ویندر جدّاً أن یُوَفّق المرء إلى زواج خالٍ من المتاعب والمشاقّ؛ فلابدّ أن یفتّش لفترات طویلة ویخطب ویتنازل أمام بعض الشروط، وما الذی سیحصل فی النهایة؟ وهل سیحصل على قرین یتّفق مع رغبته أم لا؟ هذا هو حال الدنیا. فمن أجل تناول وجبة طعام كم على المرء أن یعدّ من المقدمات؟ بدءاً من زارع الحنطة والرزّ، وصولاً إلى مربّی الأغنام، والقصّاب الذی یهیّئ اللحم، انتهاءً بالطاهی الذی یحضّر الطعام ویضعه أمامك جاهزاً على المائدة. كلّ هذه الخطوات هی مقدّمات وإنّ على المرء تأمین ودفع نفقاتها، كلّ ذلك من أجل أن یضع لقمة الطعام فی فیه ویبتلعها فیلتذّ بمذاقها. فما من لذّة تسبقها، كما ولیس ثمّة بعدها سوى التعب والنصب. هذه هی الدنیا. أمّا فطرتنا فتطالب دوماً بعیش هنیء، وحیاة طیّبة بعیدة عن المصاعب والمتاعب، وأن تتّصف بالبقاء. من أجل ذلك یخاطب الله عزّ وجلّ نبیّه الكریم (صلّى الله علیه وآله) لیلة المعراج قائلاً: «هل تدری أیّ عیش أهنى وأیّ حیاة أبقى»؟ فمن الواضح أنّ ذكر شیء كهذا یثیر - بحدّ ذاته - فی نفس الإنسان الدافع للسعی وراءه. «قال: اللهمّ لا»، وهذا تحدیداً هو ما یقتضیه الأدب؛ فكلّ أحد فی مقابل الله تبارك وتعالى لا یعلم أیّ شیء. «قال: أمّا العیش الهنی‏ء فهو الذی لا یفتر صاحبه عن ذكری»؛ فصاحب العیش الباقی والهنیء هو ذلك الذی لا یكلّ عن ذكر الله. وهل یملّ الإنسان من ذكر حبیبه یا ترى؟! وهل انّ فی ذكر المحبوب كللاً أو مللاً؟! «ولا ینسىٰ نعمتی». فقد وهبتُ الإنسان فی هذه الدنیا نعماً جمّة، لكنّه أوّلاً لا یلتفت إلى كونها من النِعَم أساساً ویغفل عن ذلك، وثانیاً إنّه ینسى أنّنی أنا الذی وهبته إیّاها. فإنْ طلبتَ تلك الحیاة المثلى فینبغی أن لا تنسى آلائی. «ولا یجهل حقّی»؛ فإنّ إعطائی إیّاه هذه النعم یوجب لی حقّاً علیه، وینبغی أن لا ینسى هذا الحقّ. «یطلب رضای لیلَه ونهارَه» فمثل هذا الإنسان یسعى طوال اللیل والنهار وراء ما یرضی ربّه عنه.

هذا ما یخصّ العیش الهنیء أمّا فیما یتعلّق بالحیاة الباقیة فیقول عزّ من قائل: «وأمّا الحیاة الباقیة فهی التی یعمل لنفسه حتّى تهون علیه الدنیا وتصغر فی عینیه». فمن أجل نیل الحیاة الباقیة ینبغی أن تهون علیك الحیاة الدنیا وتصبح عدیمة القیمة بالنسبة لك، أی علیك أن تبرمج حیاتك وتمنهج لسلوكك بما یؤدّی إلى تضاؤل الدنیا فی عینك. فهذا أمیر المؤمنین (علیه السلام) یقول أیضاً فی نهج البلاغة فی السیاق ذاته: «كان لی فیما مضى أخ فی الله وكان یُعظِمه فی عینی صِغَر الدنیا فی عینه»[5]. فالكبیر فی عین علیّ (علیه السلام) هو من تصغر الدنیا فی عینه. وهنا أیضاً یقول عزّ وجلّ: إذا أردتَ الحیاة الباقیة فعلیك أن تنتهج من السلوك ما یصغّر الدنیا فی عینك، وتنظر إلى ما هو أعظم منها كی تصغر فی نظرك، وإلاّ فإنّ بیتاً مساحته مائة متر هو كبیر بالنسبة لنا، ولا نستطیع التغاضی عنه. وناهیك عن المنزل الذی مساحته مائة أو ألف متر، فإنّ الكرة الأرضیّة بما فیها من البراری والبحار، بل وحتّى المنظومة الشمسیّة والمجرّات فإنّها لن تصغر فی أعیننا إلاّ إذا شاهدنا عظمةً یتلاشى أمامها كلّ ما ذكرنا. «ویُؤثِر هوایَ على هواه»؛ أی یقدّم ما اُرید على ما یرید. «ویبتغیَ مرضاتی ویُعظِّمَ حقّ عظمتی ویذكرَ علمی به ویراقبَنی باللیل والنهار» فهو دائم الذكر لی، یراقبنی باعتباری حاضراً وعالِماً بكلّ ما یفعل، یعلم أنّنی مشرف على كلّ حیاته وأحواله وأفكاره وسلوكیّاته. فلابدّ من البدء من هذه النقطة، فهذا هو الطریق.

لابدّ من تغییر عقلیّتنا!

إذا وفّقنا الله فسنتعرّف فی محاضراتنا القادمة بعض الشیء على رؤیة أنبیاء الله وأولیائه إلى الوجود وكیف ینظرون إلى هذا العالم والناس والملذّات وإلى الاُمور التی نعدّها غایة فی الأهمّیة والقیمة ونبذل فی سبیلها كلّ وجودنا وكیاننا، وكیف أنّهم یغضّون الطرف عن كلّ ما ذُكر فی لحظة واحدة وبكلّ سهولة؟ فإذا استوعبنا رأیهم فی الوجود، وكیف كانوا ینظرون إلى هذا العالم، وما الذی كانوا یسعون وراءه فیه، فسیساعدنا ذلك على عدم الانخداع بهذه الدنیا التی یقول فیها القرآن الكریم: «فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَیَوٰةُ الدُّنْیَا»[6]. فلو أجرینا بعض الحسابات لوجدنا أنّ هذا تحدیداً هو رأس كلّ فساد؛ فإنّ سبب كلّ أشكال الفساد هو لهث الناس وراء اللذائذ الحیوانیّة الدنیویّة. فلو أنّهم ترفّعوا عن ذلك ووسّعوا اُفق نظرهم لَصغُرَت هذه الاُمور فی نظرهم ولعرفوا أنّها لا تستحقّ التكالب والتصارع. ولحسبوا هذه الاُمور لُعباً یلعب بها الأطفال ویتشاجرون ویتصالحون علیها ثمّ یرمونها بعیداً. فالقرآن الكریم یرى الدنیا برمّتها بهذه الرؤیة حین یقول: «وَمَا الْحَیَوٰةُ الدُّنْیَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ»[7]. فالحیاة الدنیا بأجمعها ما هی إلاّ آلة للخداع والتحایل، أمّا الحقیقة فهی شیء آخر. وبما أنّ عقولنا لا تصل إلى ذلك، فإنّ قلوبنا تَنشَدّ إلى هذه الاُمور على نحو تافه. رحم الله الشیخ غلام رضا الیزدیّ فقد كان صلب كلامه من على المنبر هو: عزیزی! غیّر عقلیّتك! لذا یتعیّن علینا أن نبدّل عقلیّاتنا، ونغیّر نظراتنا. بل إنّ هذا المبدأ یمثّل روح القرآن، ونهج الأنبیاء، وصُلب حیاة الأئمّة الأطهار (علیهم السلام)، لكنّهم كانوا یتسامحون معنا علّهم یفلحون فی دفعنا تدریجیّا خطوة إلى الأمام. وإلاّ فإنّ أساس القضیّة هو أنّ علینا أن نغیّر نظرتنا إلى الوجود، وأن نعلم بأنّ المطلوب هو شخص وشیء آخر. فحذار من أن یبهرنا زخرف هذه الدنیا وزبرجها، فما دمنا منبهرین بها فلن ننال تلك المحبّة المنشودة. صحیح أنّ المرء إذا آمن بأنّ الله هو من وهب هذه النعم فإنّه سیحبّ الله بمقدار إیمانه. أمّا إذا أراد حصر حبّه بالله سبحانه وتعالى، فهو لیس بالأمر الهیّن. فمثل هذه المحبّة لا ینالها إلاّ مَن أفرغ قلبه من كلّ ما سوى الله، والسبیل إلى ذلك هی تلك التی علّمها عزّ وجلّ نبیَّه لیلة المعراج. بالطبع هذه الكلمات تفصح عن حادثة وقعت هناك كی یرویها النبیّ الأكرم (صلّى الله علیه وآله) لنا، وإلاّ فنحن نعلم أنّ الذی یبلغ مقاماً بحیث یخلّف وراءه جبرئیل لیس هو بحاجة لمثل هذه الموعظة. فهذه الكلمات هی – بتعبیر المعقول - من أجل تحویل العلم الحضوریّ إلى علم حصولیّ. فقد رأى (صلّى الله علیه وآله) كلّ شیء، لكنّه طلب بیانه، فبیّنه الله تعالى له كی ینقله لنا.


 


[1]. سورة الإسراء، الآیتان 18 و19.

[2]. بحار الأنوار، ج74، ص26.

[3]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[4]. سورة الأعلى، الآیتان 16 و17.

[5]. نهج البلاغة، الحكمة 289.

[6]. سورة لقمان، الآیة 33. وسورة فاطر، الآیة 5.

[7]. سورة آل عمران، الآیة 185. وسورة الحدید، الآیة 20.