قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(2)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 27 تشرين الثاني 2013م نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

محبّة الله

تعريف المحبّة

محبّة الله في نظر القرآن الكريم

 

ذكرنا أنّ إحدى القيم الساميّة في الثقافة الإسلاميّة وأهمّ عوامل التقرّب إلى الله تعالى وفق الآيات والروايات والأدلّة العقليّة هي المحبّة. لكنّ مثل هذا الموضوع لا يُولَى في محافلنا العلميّة والثقافيّة والأخلاقيّة ما يستحقّه من الأهمّية، بل إنّ ثلّة من الناس، وباللجوء إلى تأويلات معيّنة، وعلى الرغم من أنّ دلالة بعض الآيات لا تذر أيّ فسحة للتأويل والتبرير، يتصوّرون أنّ نسبةَ المحبّة إلى الله هي نسبة مجازيّة. في حين أنّ الباري عزّ وجلّ، من باب المثال، يقول في آية ترتبط بحياتنا المعاصرة ارتباطاً وثيقاً: «يَـٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه»[1]؛ فالله عزّ وجلّ يحذّر في مقام الاستغناء قائلاً: نحن لسنا بحاجة لكم، ولا تتصوّروا أنّكم بإيمانكم تمُنّون على الله. وحتّى إن ارتَدَدتم عن دينكم، فإنّكم لن تضرّوا الله شيئاً، بل إنّه سبحانه سيأتي بقوم يحبّهم ويحبّونه. وهذه الآية تدلّ بصراحة على الحبّ المتبادل بين الله وبعض عباده، وتأبى التأويلات الواردة في هذا الباب. ولا تختصّ هذه الآية بالدلالة المذكورة، بل إنّ عشرات غيرها من الآيات، التي تنسب محبّة الله تعالى للصابرين، والصالحين، والتائبين، ...الخ، تشير إلى عين هذا المعنى.

محبّة الله من وجهة نظر الروايات

لقد وردت أحاديث كثيرة في محبّة الله، من جملتها الحديث التالي: «المُحبّ أخلصُ الناس سرّاً لله»؛ أي إنّ الذي يحبّ الله يخلص باطنَه بشكل كامل له عزّ وجلّ، ويخصّص أعماق قلبه له، ولا يدع محلاًّ لأيّ أحد غيره في قلبه. «وأصدقُهم قولاً»؛ فكلّ المؤمنين يتحدّثون عن محبّة الله وطاعته، والخشية من عذاب الله وسخطه، لكنّ ادّعاءاتهم تلك لا تترجَم في ميدان العمل، أمّا المحبّ لله فهو صادق في ادّعائه. «وأوفاهُم عهداً»؛ أي أوفى الناس في عهده مع الله تعالى. يقول عزّ من قائل: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللهَ عَلَيْهِ»[2]؛ فجميع المؤمنين يعاهدون الله على امتثال أوامره ومجانبة أعدائه، لكنّ الذين يوفون بعهدهم ويصدقون فيه قلّة. «وأزكاهُم عملاً»؛ فعملهم أطهر وأنظف من الجميع. «وأصفاهُم ذكراً» أي إنّ ذكرَه لله تعالى أنقى وأقلّ رتوشاً من ذكرِ غيره له عزّ وجلّ. «وأعبَدُهُم نفساً» فهو يقف كلّ كيانه على عبوديّة الله ولا ينفق ذرّة من وجوده في غير ذلك. «تتباهىٰ الملائكةُ عند مناجاته وتفتخر برؤيته»؛ وهذا من آثار هذه المحبّة. «وبه يعمُر الله تعالى بلادَه وبكرامته يُكْرِم الله عباده»؛ فالله جل وعلا يعمر البلدان والمدن بوجود مثل هذا المرء ويُكرِم باقي الناس بواسطة ما يَكُنّ له من احترام ويقيم له من وزن. «يعطيهم إذا سألوه بحقّه ويدفع عنهم البلايا برحمته»؛ فإن سأل الناسُ اللهَ شيئاً بحقّ هذا الإنسان، أعطاهم ما يطلبون، وهو عزّ وجلّ يدفع عنهم البلايا بما يُغدق عليه من رحمة. «ولو علم الخلقُ ما محلّه عند الله ومنزلته لديه ما تقرّبوا إلى الله إلاّ بتراب قدمَيه»[3].

ضرورة البحث في موضوع المحبّة

على الرغم من الأهمّية البالغة التي تتميّز بها محبّة الله في أقوال أهل البيت (عليهم السلام) فإنّنا قلّما نتطرّق إلى هذا الموضوع أو نفكّر فيه. وإنّ من آفات هذه الظاهرة هو جعل محبّة الله في مقابل محبّة أهل البيت (عليهم السلام) وعدم الاهتمام بالاُولى، وهذا من علامات ضعف الإدراك وضحالة المعرفة. فالحقيقة، على أيّة حال، هي أنّ الثقافة الدينيّة في مجتمعنا لم تنْمُ وتنضج كما ينبغي لتشقّ هذه المعارف طريقها في الاُمّة بقوّة وتغذّي أفئدة شباب هذا الجيل النقيّة بهذه الحقائق كي تصل إلى درجة رفيعة من التكامل. وفي واقع الأمر فإنّ تقصيرنا في مضمار اكتساب محبّة الله يعود إلى ضحالة معرفتنا. لذا نرى من المناسب أن نتحدّث بعض الشيء عن حقيقة المحبّة، وكيفيّة ظهورها، وما يطرأ عليها من شدّة وضعف. وحيث إنّ قضيّة الحبّ هي أمر يحتكّ الناس به ويتداولونه يوميّاً عشرات المرّات، ويدركون مصاديقه بالنسبة لأنفسهم وعوائلهم وأصدقائهم وما إلى ذلك حضوريّاً، فقد يبدو - للوهلة الاُولى - أنّ المحبّة ليست بحاجة إلى تعريف. لكن مع قليل من التمعّن نجد أنّ معرفتنا بهذه المسائل محاطة بالإبهامات ونحن لا نملك تعريفاً واضحاً لها، بل وإنّنا كثيراً ما نخطئ في هذا المجال.

آثار الحبّ

اعتماداً على الاُسلوب المتّبَع في علم المنطق في تعريف مفهومٍ ما، حيث يتمّ أوّلاً تحديد خصوصيّاته ومحمولات مصاديقه، ثمّ يصار ثانياً، وعن طريق استقصاء الصفات العارضة عليه وبالإفادة من ذاتيّاته، إلى تشخيص ذلك المفهوم ثمّ نقوم بصياغة تعريف له من خلال ترك الصفات العارضة والاعتماد على ذاتيّاته، فمن المستحسن أن نبدأ في تعريفنا للمحبّة من المصاديق التي نلمسها نحن حضوراً ووجداناً.

ونستهلّ بحثنا بمصداق بسيط يُعدّ أفضل وأطهر مصاديق المحبّة، ألا وهو حبّ الاُمّ لأولادها. فإنّ من آثار محبّة الاُمّ لولدها هو اهتمامها به اهتماماً بالغاً. فالمرء إذا لم يحبّ شيئاً فإنّه لا يلتفت إليه، وسيتساوى عنده وجوده وعدمه، أمّا إذا أحبّه فإنّه سيهتمّ به بدايةً، وسيزداد اهتمامه به كلّما نَمَت محبّته له. ومن آثار المحبّة الاُخرى هي رغبة الحبيب المستمرّة في البقاء إلى جانب محبوبه، وهي الرغبة التي تتجلّى في شوق الاُمّ إلى احتضان ولدها، وضمّه إلى صدرها، وتقبيله. كما أنّ من الآثار الاُخرى التذاذ المرء وإحساسه بالطمأنينة جرّاء اهتمامه وتعلّقه بحبيبه؛ فالأمّ عندما تضمّ طفلها تشعر بالطمأنينة والدفء، وما إن تنفصل عنه حتّى يساورها القلق.

محبّة؛ أم لذّة؟!

ما ذكرناه في الأمثلة آنفاً عن آثار المحبّة يرتبط بالحبّ بين موجودين. لكن أيمكن القول: إنّ المرء يحبّ نفسه؟ فقد نقول في حواراتنا المتعارفة: إنّني أحبّ نفسي. كما ويقال في البحوث العقليّة: إنّ أكثر ألوان المحبّة أصالة في الإنسان هو حبّ الذات. وهذه البحوث تمتدّ وتتوسّع كثيراً حتّى تصل في النهاية إلى مواطن دقيقة تثير الكثير من السؤالات والاستفسارات، من قبيل: لماذا نحن نحبّ الله؟ هل نحن نحبّه من باب أنّه يمنّ علينا بالنعم التي نحبّها ونلتذّ بها؟ فإذا كان الأمر كذلك، فإنّ ما نحبّه أصالةً هو لذّتنا. ولعلّنا نستطيع – إلى حدّ ما - الحديث عن هذا الضرب من المحبّة فيما يتّصل بالله أيضاً، بل إنّ هناك من الأحاديث الشريفة ما يؤيّد هذا الزعم. وقد أكون كرّرتُ هذه الرواية على مسامعكم مراراً في نفس هذا المجلس، وهي أنّ الله سبحانه وتعالى قد أوحى إلى نبيّه موسى (عليه السلام) فقال: «حبِّبني إلى خلقي وحبّب خلقي إليّ. قال: يا ربّ كيف أفعل؟ قال: ذكّرهم آلائي ونعمائي ليحبّوني»[4]، فإنّني قد أودعت في بني آدم فطرةَ حبِّ مَن أحسن إليهم، فإنْ هم علموا مقدار إحساني لهم ونعمائي عليهم لأحبّوني.

حبّ الإمام السجّاد (عليه السلام) لربّه

وهذه طريقة بسيطة، وسنتطرّق في بحوثنا القادمة إلى قضيّة أنّ أسهل الطرق لتنمية حبّنا لله هي التفكّر في آلائه. أوليس الذي أنعم علينا بكلّ هذه النعم محبوباً؟! لكنّنا إذا حلّلنا هذا النمط من الحبّ جيّداً للاحظنا أنّنا في هذه الحالة إنّما نحبّ لَذّاتنا بدايةً، وإنّنا نحبّ الله من حيث إنّه يعطينا ما نلتذّ به من النعماء. لكن هل يمكن أن يبلغ المرء في هذا المضمار إلى مقام يحبّ فيه الله بما أنّه هو الله؟ فإنّنا نعثر فيما لدينا من تراث الأدعية والمناجاة على ما نصّه: «إلهي! وعزّتك وجلالك لو قرنتني في الأصفاد... وأمرت بي إلى النار، وحُلْتَ بيني وبين الأبرار، ما قطعتُ رجائي منك... ولا خرج حبّك عن قلبي»[5]. لكنّ إمامنا زين العابدين (عليه السلام) هو مَن يعلن هذا اللون من الحبّ، وليس في ميسورنا ادّعاء مثله بهذه البساطة. فلتتخيّلوا بدقّة أنّهم اقتادونا في أوّل ليلة بعد نزولنا في القبر أو في يوم القيامة إلى جهنّم، فهل يا ترى أنّنا سنحبّ الله ونحن في مثل تلك الحالة؟! لكنّ الآيات القرآنيّة وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) تحدّثنا عن أنّ هناك عباداً يحبّون الله تعالى من أجله هو فحسب. ولعلّ بمقدورنا، من خلال التعمّق في الآيات والروايات والأدلّة العقليّة، أن نشمّ ولو نسمة من كيفيّة هذا الضرب من الحبّ، وصحيح أنّ المرء مالم يصبح هكذا، فإنّه لن يدرك كُنْه هذا الحبّ، غير أنّ مجرّد أن يبذل الإنسان جهداً لنيل ذرّة من هذه المحبّة فهو مَغْنَم عظيم.

ابتهاج الله بذاته

نعود الآن إلى تعريف المحبّة ونقول: إذا كان المراد من المحبّة هو حُبّ المرء شخصاً أو شيئاً آخر، فإنّه لا يعود لمحبّة الذات معنىً حينذاك. ولابدّ أن نُذكّر هنا بأنّ قولنا: «نحن نحبّ أنفسنا» إنّما يعود إلى أنّنا نرى نوعاً من الاثنينيّة بيننا وبين أنفسنا؛ فمرادنا من «نحن» هو روحنا المدرِكة، أمّا ما نقصده من «أنفسنا» فهو أبداننا. لكن فلنطرح هذه الشبهة بشكل آخر وبصورة أدقّ، وهو أنّ عين هذا الشخص الذي يقول إنّه يحبّ ذاته، فإنّه يحبّها حتّى وإن لم يدرك شيئاً اسمه «بدن». وهذا التساؤل مطروح أيضاً في مراتب أعلى فيما يتعلّق بالله سبحانه وتعالى، وهو: هل يمكننا القول: «إنّ الله يحبّ ذاته»؟

لقد ذكر بعض العلماء وأهل المعقول في هذا الخصوص: انّ أسمى لون من ألوان الحبّ في الكون هو حبّ الله ذاتَه، وإنّ كلّ أشكال المحبّة الاُخرى إنّما هي شعاع من تلك المحبّة. يقول المرحوم الشيخ محمّد حسين الاصفهانيّ، في حاشيته على «كفاية الاُصول» في باب الطلب والإرادة: إنّ أعظم ابتهاج عند الله عزّ وجلّ هو ابتهاجه بذاته. ولعلّ التعبير ﺑ «الابتهاج» يسمو قليلاً على لفظة «المحبّة»؛ فهو لا يحبّ ذاته فحسب، بل ويبتهج بها أيضاً[6]. أجل! فقد ساق بعض عظمائنا تعابير من هذا القبيل. لكن بالطبع هناك أيضاً من يقول في المقابل: هذا كلام غير صحيح، ولابدّ من القول بوجود مضافٍ محذوف أو بالمجاز. بل لقد ذكر قوم آخرون: كما جاء في الخبر بأنّ المراد من عبارة: «آسَفُونَا»، أي «أغضَبونا»، في قوله تعالى: «فَلَمَّا ءَاسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ»[7] هو «أغضبوا أولياءنا»، فلابدّ من القول فيما يتّصل بمحبّة الله: إنّ المقصود هو محبّة أولياء الله تعالى، فالله ليس ممَّن يُحَبّ. لكنّه هناك مَن يؤمن أيضاً بأنّ أحَبَّ موجودٍ في الكون هو الله جلّ شأنه، وأنّ أرقى درجات المحبّة هي محبّته جلّ وعلا لذاته، وأنّ جميع أنماط المحبّة الاُخرى إنّما هي شعاع محدود من تلك المحبّة غير المتناهية التي يكنّها الله لذاته.

المحبّة والانجذاب

في ميسورنا القول إنّه: عندما يحبّ المرء شيئاً يتولّد في نفسه إحساس يجذبه نحو ذلك الشيء. ومن هذا المنطلق يمكننا اعتبار أنّ المحبّة هي شكل من أشكال الانجذاب الروحيّ. فكما يجذب المغناطيس الأشياء الحديديّة، فإنّ المحبّة هي حالة من الانجذاب تصيب قلب الإنسان فتجذب روحه وقلبه باتّجاه محبوبه. وهنا يرد سؤال مفاده: كيف تحصل للإنسان هذه الحالة من الانجذاب إلى بعض الاُمور؟ وهل هي محض صدفة، أم إنّها تستبطن حكمةً ما؟

من الجليّ أنّ بعض الحالات لا تكون باختيار المرء؛ فحبّ الاُمّ لولدها مثلاً خارجٌ عن اختيارها كما يبدو، إذ ليست القضيّة أنّ الأمّ تفكّر بأنّه من الأفضل أن تحبّ ولدَها، ثمّ تقرّر الشروع بحبّه. فهي لا تستطيع أساساً أن لا تحبّه، بل وكأنّها هي غير مختارة في هذا الأمر. لكن هل يمكن أن يصنع المرء اختياراً ما يجعله يحبّ؟ وهل بالإمكان تقوية المحبّة أو إضعافها اختياراً؟ فعلى الرغم من أنّ الانجذاب القلبيّ هو أبسط تعبير يمكن استعماله بالنسبة للمحبّة، لكنّه لا يفصح أحياناً عن حقيقة المحبّة كما ينبغي، وهو لا يخبرنا عن حقيقة هذا الانجذاب وماهيّته أيضاً. فلو عثر المرء على سرّ هذا الانجذاب، لحصل على مفتاح من شأنه أن يحلّ الكثير من المسائل الاُخرى التي سيأتي ذكرها لاحقاً.

المحبّة وإدراك اللذّة

إنّنا عندما نحبّ شيئاً، مثلما إذا كان طعاماً أو لوحة فنّية أو زهرة جميلة مثلاً، فذلك يعني أنّنا سنشعر بالنشوة عند اتّصالنا بذلك الشيء أو اجتماعنا معه. فإذا كان الأمر كذلك فإنّنا سننجذب إليه، وإلاّ فلا. فلو افترضنا أنّ أحد شخصين يحبّ لوحة فنّية بينما لا يدرك الثاني، الذي لا يملك أيّ حسّ فنّي، مكمن الجمال فيها، فإنّ انجذاب الأوّل إلى اللوحة يعود إلى التذاذه بها، وسبب عدم انجذاب الثاني إليها هو عدم شعوره بهذه اللذّة. وهاهنا يُطرح سؤال: لماذا يلتذّ الأوّل باللوحة ولا يلتذّ الثاني بها؟ وهذا السؤال يُطرح بالنسبة لكلّ شيء يحبّه الإنسان. فالمرء سيبني مع ما يحبّه علاقة تؤدّي إلى التذاذه به. بالطبع إنّ محبّتنا محدودة بالاُمور التي نعرفها نوعاً ما أو نشعر بالنشوة تجاهها. وذات الشيء يصدق على عدم حبّ الناس لأمرٍ ما، وهو أنّ شعوراً كهذا لا ينتابهم؛ فإمّا انّهم لا يدركون جماله، أو إنّه – من باب الصدفة - لا ينسجم مع ذوقهم، فلا يشعرون باللذّة تجاهه. إذن لابدّ من إضافة قيد اللذّة إلى تعريف المحبّة والقول: المحبّة هي انجذاب المرء إلى ما يلتذّ بوَصْله. ونُضيف أيضاً: إنّ الالتذاذ يقتضي وجود تناسب بين الـمُدرَك وبين قوى المرء الإدراكيّة. ففيما يتّصل بحاسّة الذوق مثلاً نرى أنّ بعض الناس يحبّون طعاماً معيّناً قد لا يحبّه آخرون. إذن فلابدّ من تناسبٍ بين حاسّة الذوق والطعام الـمُذاق كي تحصل اللذّة. وهنا مكمن التغاير بين الناس في فهمهم للجمال، وهي قضيّة تصدق حتّى على الحيوانات أيضاً؛ فبعض الحيوانات قد تبعث رؤيتها الاشمئزاز في نفوسنا، لكنّ بعضها يحبّ البعض الآخر، بل وتلتذّ لرؤية بعضها البعض. وعلى هذا فإنّ التعريف المبسّط للمحبّة هو الانجذاب إلى ما يتناسب مع قوى الإنسان الإدراكيّة ويلتذّ المرء به.

محبّة الله والانجذاب

التعريف الآنف الذكر يختصّ بألوان المحبّة العاديّة التي يمارسها المرء. لكنّ السؤال «ما معنى انّني اُحبّ نفسي؟» ما زال من دون إجابة، وهو سؤال يُطرح حتّى بالنسبة للباري جلّ وعلا. بل ثمّة سؤال آخر أيضاً هو: أساساً كيف يحبّ الله أمراً؟ أوَيمكن أن يشعر الله بالانجذاب؟ فالانجذاب هو انفعال وضعف وتأثّر، والله لا يقع تحت تأثير شيء ما. فالانجذاب يصدق عندما تكون ثمّة جاذبيّة تجذب الطرف الآخر نحو الجاذب. فلو أحبّ الله شيئاً بهذه الصورة، لحصل له الانفعال، وهو محال على الله. وشبيه بهذا المضمون نقرأه في دعاء عرفة للإمام الحسين (عليه السلام) حينما يقول: «إلهي! تقدّس رضاك أن تكون له علّة منك، فكيف يكون له علّة منّي»[8]؛ وهو مبحث غاية في علوّ المضمون. فطالما نقول في حواراتنا: نفعل كذا لنرضي الله! لكنّ الإمام الحسين (عليه السلام) يقول في يوم عرفة: إلهي! لا يسعني أن أقول: إنّك ترضي نفسك، فما بالك بالقول: إنّني اُرضيك! فإذا كانت المحبّة بمعنى الانجذاب، فهل إنّ حبّ الله شيئاً يعني تأثّره بذلك الشيء؟! وهل ينجذب الله إلى أمرٍ ما يا ترى؟! وللردّ على مثل هذه المفاهيم العقليّة الدقيقة هناك عادةً بضعة طرق متعارفة. أحدها هو قول بعضهم: نحن لا نفقه أيّ شيء في هذا المجال، وعلينا التزام الصمت. وقد أراح أصحاب هذا الرأي أنفسهم من عناء البحث وألغوا الموضوع من الأساس. أمّا أصحاب الطريق الثاني فيقولون: هذه التعابير مجازيّة. فهؤلاء يقولون بشكل من أشكال التجوّز في هذا الباب ويلجأون إلى نمط من الفنون الأدبيّة لحلّ مشكلة الألفاظ.

وأمّا أهل الدقّة والتمعّن في هذا الوادي فقد توسّعوا في بحث هذه المفاهيم وقالوا: ليس لنفس الإنجذاب موضوعيّة، بل إنّ المطلوب هنا هو الاتّصال. وحتّى الاتّصال فإنّه لا يحصل إلاّ عندما يكون ثمّة اثنينيّة، أمّا عند غياب الاثنينيّة، فتحلّ الوحدة محلّها. فالله هو وجودٌ واحد يتّسم بالكمال، وهو بذاته يحبّ ذاته.

عينيّة ذات الله وصفاته

إنّ صفات الله تعالى هي عين ذاته، وليست خارجة عنها، وإنّ ما نشاهده نحن من التعدّد في هذا المجال يعود إلى نقصٍ في وجودنا. فكلّما كمُل الوجود أكثر، صار أكثر انسجاماً وبساطةً، وأصبح علمه عين حياته، وحياته عين قدرته. فعلم الله، ومحبّته، وكماله كلّها شيء واحد.

إذن فالمحبّة هي ضرب من الانجذاب، أو الارتباط، أو الاتّصال بموجودٍ ما؛ سواء أكان هذا الموجود ذاته، أم هو موجود آخر يُعَدّ كمال الوجود. فإذا تحقّق الكمال، التذّ به كلّ موجودٍ يمتلكه، هذا إذا عرف أنّه «كمال». من هذا المنطلق فإنّنا إذا رغِبْنا في محبّة الله، فما علينا إلا أن نتعرّف - على قدر ما ترقى إليه عقولنا - على كمالات الله عبر الطريق التي حدّدها هو نفسه، وأن نحاول اكتساب القدرة على إدراك الكمال. بالطبع هناك شروط اُخرى لذلك سنتعرّض لها فيما بعد.

هذه الأشكال من المحبّة هي اختياريّة. لكنّ الله، بطبيعة الحال، قد أودع معادنها في كياناتنا. أمّا إيصالها إلى مرحلة الوعي، وتفجيرها، والإفادة والانتفاع منها فقد تُرك لاختيارنا نحن، وإنّه يتعيّن علينا نيلها عن طريق تقوية المعرفة وتوفير الشروط.

رزقنا الله وإيّاكم إن شاء الله



 


[1]. سورة المائدة، الآية 54.

[2]. سورة الأحزاب، الآية 23.

[3]. مصباح الشريعة، ص192.

[4]. بحار الأنوار، ج2، ص4.

[5]. عدّة الداعي ونجاح الساعي، ص34.

[6]. الابتهاج هو حالة تُعدّ من لوازم المحبّة ودواعي نيلها.

[7]. سورة الزخرف، الآية 55.

[8]. إقبال الأعمال، ص349.  

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org