قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

 

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 14 أيار 2014م الموافق للرابع عشر من رجب 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

مراتب محبّة الله

20

 

كما أشرنا فيما مضى فقد يكون سبب المحبّة اللذّة التي يشعر بها الإنسان من علاقته بالمحبوب. فإنّ مشاهدة زهرة أو سماع تغريد بلبل مثلاً يبعث على لذّة آنيّة في نفس الإنسان ممّا يدفعه إلى حبّ منشئهما. فإذا تكرّرت هذه العلاقة فإنّها سترسخ بشكل من الأشكال ممّا يؤدّي إلى اُنس المرء بالمحبوب. وفي مثل هذه الحالة فإنّ المحبّة ترتبط بما يحسّه الإنسان من لذّة تجاه المحبوب، فإذا اختفت هذه اللذّة، تلاشت المحبّة أيضاً. لكنّ المرء أحياناً يحبّ شخصاً لصفة أو لكمال ثابت فيه. فقد يحبّ الإنسان عالِماً لعلمه وتقواه ومعرفته. فمثل هذا الإنسان سيستمرّ في حبّ هذا العالِم حتّى وإن لم يره لمدّة من الزمن، إلاّ إذا طرأ تحوّل على نفس هذا العالِم.

فقد خلق الله تعالى الإنسان في هذا العالم وأودع فيه قابليّة التحوّل. وقد ضرب القرآن أمثلة على ذلك كي ننتبه ولا نتخيّل أنّ الإنسان إذا حافظ لمدّة على سلوك حسن وكمال خاصّ فإنّه سيبقى هكذا حتّى أبد الآبدين. فالله عزّ وجلّ يقول: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ»[1]. لقد كان هذا الرجل عالماً من علماء بني إسرائيل وكان عابداً ومستجاب الدعوة، لكنّه بات يفقد تدريجيّاً روح التقوى والإخلاص ويميل إلى الدنيا ولذائذها، حتّى وصل به الأمر شيئاً فشيئاً إلى درجة قول القرآن الكريم فيه: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ»[2]. فإنّ مقتضى المسير المنطقيّ والعقليّ في مثل هذه الحالات هو أن تتغيّر المحبّة إذا تغيّر المحبوب؛ فإذا كنّا نحبّ امرأ لكونّه عبداً لله ومن أهل التقوى والإخلاص والعبادة، فلا يعود ثمّة معنىً لحبّنا إيّاه إذا تحوّل إلى منافق وصار عبداً للدنيا.

بيد أنّه قد يكون لموجود صفة ثابتة لا تقبل الزوال. فإن عَلِم الإنسان بثبات هذا الكمال في المحبوب، فسيدوم حبّه له ويظهر هذا الحبّ - بالتناسب - على أعماله؛ فسيذكره دوماً، ويتلفّظ باسمه باستمرار، ويحبّ كلّ سلوك منسوب إليه؛ اللهمّ إلاّ إذا ظهَرَ في المحبّ نفسه إِشكال معيّن حال دون استمرار محبّته له؛ وإلاّ فإنّ مقتضى الكمال الراسخ في المحبوب هو دوام المحبّة له. فالإنسان نفسه قد يصاب أحياناً بآفة كالنفاق مثلاً فإذا به - بعد أن كان يحبّ امرأً لإيمانه - يبغضه لنفس هذا الإيمان.

المحبّة من أجل منفعة للمحبّ

إنّ أخفض درجة من المحبّة يمكن أن نكنّها لله تعالى هو حبّه من أجل آلائه التي أسبغها علينا. بالطبع إذا اقتصر سبب محبّتنا على هذه النعمة الآنيّة، فإنّها ستزول بزوالها. فلو أحبّ العليل اللهَ لمجرّد أنّه شفاه من علّته، فإنّ هذه المحبّة ستخبو إذا عاوده المرض ثانية أو أنزل الله عليه - لمصلحة ما - مصيبة أو بلاءً آخر. وهذا ما يجعل بعض الناس يُظهرون الحبّ لله تعالى حيناً ولا يشعرون بأيّ محبّة له عزّ وجلّ حيناً آخر. أمثال هؤلاء كانوا يتوقّعون من الله اُموراً لكنّ الله لم يرَ المصلحة في إعطائهم إيّاها أو أنّه قد امتحنهم ببعض المصائب. فإذا علموا أنّ كلّ ما يحصل لهم هو من عند الله لم تصمد محبّتهم له تعالى. هذه الآفة تتعلّق بالمرتبة النازلة من المحبّة التي يكنّها الإنسان لربّه؛ فلمّا كانت العلّة المسبّبة لها ضعيفة وقابلة للتغيير كان معلولها (أي المحبّة) ضعيفاً أيضاً.

الحبّ لكمال المحبوب

لكنّ الإنسان عندما يكون في مستوى أعلى من المحبّة فإنّه يحبّ الله لكمالاته. فكما أسلفنا فإنّنا إذا أحببنا شيئاً فهو بسبب ما يملكه هذا الشيء من الكمال. بناءً على ذلك فكلّما صدّقنا أكثر بأنّ كلّ كمال فهو موجود بشكل غير نهائيّ عند الله سبحانه وتعالى، فإنّ حبّنا له عزّ وجلّ سيزداد أكثر. لكنّه، وكما عبّر الإمام الراحل (رحمه الله)، فإنّ قضيّة تمتّع الله بهذه الكمالات لم تدخل إلى قلوبنا.

المرتبة الأعلى من المحبّة هي أنّه إذا اقتضت بعض صفات الله هذه - وهي صفات كماليّة - ضررَنا في بعض الأحيان فإنّنا نستمرّ في إنجاز واجباتنا الإلهيّة والثبات على إيماننا. فبالنتيجة إنّ نفس صفة الحكمة الإلهيّة هذه هي التي تقضي بأن نُمتَحن: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ»[3]. فالله عزّ وجلّ يسلب منّا بعض الاُمور ويبتلينا ببعض المصائب كي يمتحننا. وفي مثل هذه الحالة إذا كان الإيمان والمعرفة، وتبعاً لهما المحبّة، ضعيفة، فقد ينتهي الأمر إلى البغض أيضاً. فإنّ سبب خروج بعض الأشخاص من الدنيا كفّاراً وعدم استعدادهم للتلفّظ بالشهادتين ساعة الاحتضار هي أنّ لهم تعلّقات وهم يرون أنّ الله يفرّق بالموت بينهم وبين ما يحبّون. يرون كيف أنّ الله يبعدهم عن الأشياء التي بذلوا من أجلها على مدى سنين طويلة جهوداً مضنية وأحبّوها حبّاً جمّاً، ولهذا فهم غير حاضرين لنطق الشهادتين. بيد أنّ الإيمان إذا كان أكمل فسيلتفت الإنسان إلى أنّ كلّ ما يجري حوله ينمّ عن حكمة، وإنّ ملاحظة ذلك ستكون بحدّ ذاتها سبباً لنشوء المحبّة في قلبه. وهذا ما يفسّر سبب عدم انخفاض محبّة الأولياء لربّهم عند نزول النوازل، بل إنّ الأخيرة تدعوهم إلى المزيد من الالتفات لربّهم. فهم يخاطبون ربّهم بالقول: إلهي! لك الحمد أنّك أنت الذي وهبتنا هذه النعمة، ولك الحمد على أن سلبت منّا ما رأيت صلاحنا في سلبه منّا؛ ونحن نعلم أنّك ستعطينا بسبب ذلك أفضل منه في الجنّة. لك الحمد أن ألهمتنا الصبر كي نكون شاكرين لك في هذه المصيبة. ولهذا فإنّ نفس هذه المصيبة تدفع أولياء الله إلى ممارسة المزيد من العبادة لربّهم.

محبّة الله وخشيته

قد يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: كيف يكون الله محبوباً مع كلّ هذا الإنذار بالعذاب وبجهنّم؟ فإنّ ربّاً كهذا هو مخيف أكثر منه محبوباً! وإنّ كثرة ما ورد في الشرع المقدّس من الأمر بالخوف من الله وخشيته يدلّ على ضرورة الخوف من الله، وإنّ الإنسان لا يحبّ من يخشاه.

أمّا الجواب على هذا السؤال فهو لا شكّ أنّ المحبّة البسيطة والسطحيّة تكون متزعزعة، فهي توجَد يوماً وتنعدم يوماً آخر. وفي مثل هذه الحالة فإنّنا سنحبّ الله تعالى حيناً، ونبغضه - والعياذ بالله - حيناً آخر: «وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ»[4]. فقد يصل الأمر بابن آدم إلى أن يكره سماع اسم الله عزّ وجلّ، وهي حالة تأتي من سحطيّة المعرفة. أمّا إذا فكّرنا في كمالات الله سبحانه وتعالى، فسوف لا نكون هكذا. فإنّ لله جميع الكمالات بصورتها غير المتناهية، ولا يمكن قياسها بأيّ مقياس. فإن آمن الإنسان وصدّق بأنّ موجوداً ما يتمتّع بكلّ هذه الكمالات فهو لا يقدر إلاّ أن يحبّه، وكلّما زادت معرفته به، زاد حبّه له بنفس النسبة. فهو في حالة كهذه سيعدّ المصيبة والبلاء امتحاناً من قبل الله تبارك وتعالى وهو ما يهيّئ له المناخ للمزيد من التكامل. وكذا الحال مع إنذارات الله عزّ وجلّ فسيراها من دافع رحمته. يقول لنا: اخشوا جهنّم فإنّ نارها تفعل كذا وكذا، كي لا نفعل ما نستوجب به جهنّم؛ فجهنّم هي نتيجة أعمالكم؛ أي إنّ أعمالكم الدنيويّة تتحقّق في عالم الآخرة بهذه الصورة، وإنّكم أنتم الذين توقدون هذه النار بأنفسكم. فإنذار الله لنا هو لردعنا عن الوقوع في ورطة. فهو يريد منعنا عن فعل ما نستوجب به العذاب. وبناء على ذلك فإنّ نفس هذا الإنذار لابدّ أن يدعونا إلى حبّ الله أكثر.

كما أنّ من جملة الصفات التي توجب محبّة الله هي التفكير بأنّه تعالى قد أرسل إلى البشر رسلاً كي لا يؤول الناس إلى التعاسة والشقاء، وهو يحذّرنا باستمرار من أن نضلّ الطريق. فما هو الداعي من وضع علامات المرور مثلاً؟ أهي لمصلحة الناس أم للإضرار بهم؟ من الواضح أنّ وجود هذه العلامات هو لصالح الناس وهي موضوعة في الطرقات لتفادي الأخطار؟ فإن أدرك الإنسان أنّ الإنذارات الإلهيّة هي كعلامات الطريق وُضعت لتنبيه الناس إلى الأخطار ولئلاّ يضلّوا الطريق، فسيزداد لربّه حبّاً. وفي النهاية إذا علم المرء أنّ كلّ هذه الاُمور، حتّى الإنذار من العذاب الأبديّ، صادرة عن حكمة، فإنّه سيحبّ الله أكثر. فالحكمة هي صفة كماليّة، وإنّ كلّ كمال هو محبوب. ولمّا لم يكن للحكمة الإلهيّة من نهاية، فلابدّ من حبّها حبّاً لا نهاية له.

انتقال المحبّة إلى أولياء الله

سبق أن قلنا في المحاضرات الفائتة إنّ من جملة العلامات على كون محبّة الله حقيقيّة هي أنْ نرى كم نحن نحبّ أولياءه جلّ وعلا، ومدى اهتمامنا بالسلوكيّات التي ينصحنا الله تعالى بها. علينا أن نعلم أنّ محبّة النبيّ الأكرم وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) واتّباعهم في مقام العمل تُعدّ من لوازم محبّة الله عزّ وجلّ: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ»[5]. وقد مررنا في المحاضرة الماضية على رواية تذكر هذا المعنى؛ وهو أنّه إذا خُيّر الإنسان بين عملين أحدهما دنيويّ والآخر اُخرويّ فقدّم الاُخرويّ على الدنيويّ فهو دليل على حبّه لربّه، أمّا إذا فضّل العمل الدنيويّ فهو علامة على أنّ محبّته للدنيا أكبر. فعندما تحبّون الإمام الخامنئيّ (حفظه الله) فلابدّ أن تُكنّوا لولده الحبّ أيضاً لانتسابه إليه. فإنْ عشق الإنسانُ امرَأً فإنّه سيعشق حتّى الزقاق والمنزل الذي يعيش فيه. فهذه الاُمور هي من لوازم المحبّة. وبناءً عليه فإذا كنّا نحبّ أهل البيت (عليهم السلام) فيتعيّن أن نحبّ كلّ ما يتعلّق بهم. وأوّل مرتبة من هذا الحبّ هو حبّ السادة من أولادهم. وهذه أوّل نسبة. فإذا ارتكب شخص علويّ معصية فإنّ علينا أن نحبّه أيضاً لعَلَويّته. بالطبع لابدّ من بغض ما أتى به من معصية، لكنّ انتسابه هذا هو انتساب ثابت ويتعيّن محبّته لهذا السبب.

الفناء في المحبوب

إذا أحبّ المرء عليّاً (عليه السلام) فإنّه سيحبّ صفاته أيضاً، وإنّ من جملة صفات كماله، والتي يعرفه العالم بأسره بها، هي عدله. فما بالنا لو أنّنا كنّا في زمان عليّ (عليه السلام) فأصابنا بسبب عدله ضرر، فما كنّا سنصنع حينها؟ هل كنّا سنحبّه أيضاً؟ من الواضح أنّ ذلك سيخلّف في نفوس ذوي الدرجات الضعيفة من المحبّة – شاءوا أم أبوا - أثراً سلبيّاً وسيخفض من مستواها. لكنّ التاريخ يحدّثنا عن اُناس زاد حبّهم لعليّ (عليه السلام) بسبب عدله ذاك، بل وعندما كان يصيبهم ضرر مادّي فإنّ حبّهم تجاهه لم يكن يخفّ. ليس هذا فحسب، بل كان يتضاعف أيضاً.

روي أنّ غلاماً أسودَ دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام) وأقرّ أنّه سرق، فلم يقبل منه أمير المؤمنين ذلك حتّى سأله ثلاث مرّات وقال: «يا أمير المؤمنين طهّرني فإنّي سرقتُ». وحيث إنّ المجرم إذا اعترف ثلاث مرّات كان على القاضي إجراء الحدّ عليه، أمَر (عليه السلام) بقطع يده (أربع أصابع من يده). فحمل الأسود أصابعَه ومضى فاستقبله ابن الكوّاء فقال: «من قطع يدك؟ فقال: ليثُ الحجاز وكبش العراق ومُصادم الأبطال، المنتقم من الجُهّال، كريم الأصل، شريف الفضل، مَحِلّ الحرمين، وارثُ المشعرَين، أبو السبطين، أوّل السابقين، وآخر الوصيّين من آل يٰس، المؤيَّد بجبرائيل، المنصور بميكائيل، الحبل المتين، المحفوظ بجند السماء أجمعين، ذاك والله أمير المؤمنين..». فتعجّب ابن الكوّاء وقال له: «قطَع يدك وتثني عليه؟! قال: لو قطّعني إرباً إرباً ما ازددتُّ له إلاّ حبّاً. فدخل [ابن الكوّاء] على أمير المؤمنين وأخبره بقصّة الأسود. فقال (عليه السلام): يا ابن الكوّاء إنّ محبّينا لو قطّعناهم إرباً إرباً ما ازدادوا لنا إلاّ حبّاً، وإنّ في أعدائنا من لو ألعقناهم السمن والعسل ما ازدادوا لنا إلاّ بغضاً». ثمّ قال للحسن (عليهما السلام): «عليك بعمّك الأسود»؛ أي إذهب وأحضره إلى هنا. «فأحضر الحسن الأسود إلى أمير المؤمنين وأخذ [أمير المؤمنين] يده ونصبها في موضعها... وتكلّم بكلمات يخفيها فاستوت يده»[6]؛ أي شُفيت ببركة دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام). فمن الواضح أنّ محبّة من هذا القبيل لم تكن بسبب مال أعطاه إيّاه أمير المؤمنين أو لاحترامه له. لقد كانت نابعة من كون عليّ عبّداً لله ومظهراً لعدله وحبّه ولطفه و... عزّ وجلّ. وحيث إنّ هذه الصفات ثابتة فإنّ المحبّة في هذه الحالة تكون راسخة أيضاً ولا تتغيّر. أمّا لو كان سبب الحبّ مثلاً بعض الدنانير التي أعطاه إيّاها أمير المؤمنين، لَذَهب حبّه عندما يسترجع منه المال.

علينا أن نسعى لأن نُخرج محبّتنا من حالتها السطحيّة والطفوليّة وأن نعطيها عمقاً أكبر. فلابدّ أن يكون للمحبّة دعامة قويّة. يجب أن تكون لنا بالله وبأوليائه معرفة راسخة لا تهزّها الرياح وأن لا نكتفي بمجرد نقلٍ أو كلام أو شعر في وصفهم. يقول المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ (رحمة الله عليه): قمت - امتثالاً لنصيحة اُستاذي المرحوم العلاّمة القاضي - بمطالعة مجموعة كتاب «بحار الأنوار» لمرّة واحدة لأستخرج منه سنن النبيّ وما كان يحبّه (صلّى الله عليه وآله) واُحاول العمل بها ولو لمرّة واحدة على الأقلّ. فوصلت أثناء البحث إلى رواية تقول إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان يحبّ جراد البحر. يقول العلاّمة: فقرّرت أن أتناول هذا الطعام ولو لمرّة واحدة في عمري لمحبّة النبيّ له. ففتّشتُ عنه كثيراً حتّى عثرت عليه وتناولته في النهاية. هكذا تكون المحبّة؛ فالمحبّ يجتهد في مجال التشبّه بالمحبوب، واقتفاء أثره، والفناء فيه ما أمكنه ذلك.

مراتب محبّي أهل البيت (عليهم السلام)

جاء في الخبر أنّ رجلاً دخل على أبي عبد الله الصادق فقال (عليه السلام) له: «ممّن الرجل»؟ أي: من أيّ طائفة من الناس أنت؟ فقال: من محبّيكم ومواليكم؟ فقال له الإمام (عليه السلام): «لا يحبّ اللهَ عبدٌ حتّى يتولاّه، ولا يتولاّه حتّى يوجِب له الجنّة»؛ فإنّ الذي يحبّنا يحبّ الله والذي يحبّ الله تعالى يقبل الله ولايتَه ويصير وليّه، وإذا قبل الله ولاية امرئ فسيدخله الجنّة لا محالة. ثمّ قال له (عليه السلام): «من أيّ محبّينا أنت»؟ أي: من أيّ طائفة من محبّينا؟ فلم يحر الرجل جواباً. فبادر سدير الصيرفيّ، وكان من خواصّ أصحابه (عليه السلام)، الإمامَ بالسؤال: «وكم محبّوكم يا ابن رسول الله»؟ أي: كم هي أصناف محبّيكم؟ فقال: «على ثلاث طبقات: طبقةٌ أحبّونا في العلانية ولم يحبّونا في السرّ» فهم يظهرون لنا المحبّة لكنّهم لا يحبّوننا في الباطن. إنّهم يلهجون باسمنا في الظاهر، أمّا فكرهم وسلوكهم ومنهاجهم فمنهاج الطواغيت: «أحبّونا في العلانية وساروا بسيرة الملوك، فألسنتهم معنا وسيوفهم علينا». ولعلّ الإمام (عليه السلام) قد قصد بهذا المقطع بني العبّاس الذين كانوا يظهرون محبّة أهل البيت (عليهم السلام) أمام بني أميّة لكنّهم لم يقلّوا عن الأخيرين في تجاسرهم على أهل البيت (عليه السلام) وما أنزلوه فيهم من المصائب.

«وطبقة يحبّوننا في السرّ ولم يحبّونا في العلانية» لأنّ الظروف لم تسمح لإظهار محبّتهم لنا. فهم يسايرون الناس في الظاهر لكنّهم يُكنّون لنا في أعماق قلوبهم الحبّ؛ «ولعمري‏ لئن كانوا أحبّونا في السرّ دون العلانية، فهم الصوّامون بالنهار، القوّامون بالليل، ترى أثر الرهبانيّة في وجوههم، أهلُ سلمٍ وانقياد» فهم ينصاعون لنا دون نقاش.

أمّا الطبقة الثالثة: «وطبقةٌ يحبّوننا في السرّ والعلانية. هم النمط الأعلى، شربوا من العذب الفرات[7] وعلموا تأويل الكتاب، وفصل الخطاب، وسبب الأسباب، فهم النمط الأعلى؛ الفقر والفاقة وأنواع البلاء أسرع إليهم من ركض الخيل، مسّتهُم البأساء والضرّاء وزُلزلوا وفُتنوا، فمن بين مجروح ومذبوح، متفرّقين في كلّ بلاد قاصية، بهم يشفي الله السقيم، ويُغني العديم، وبهم تُنصَرون، وبهم تُمطَرون، وبهم تُرزَقون، وهم الأقلّون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً وخطراً»[8].

وهنا قال الرجل: فأنا من محبّيكم في السرّ والعلانية. قال جعفر (عليه السلام): «إنّ لمحبّينا في السرّ والعلانية علامات يُعرفون... خلالٌ أوّلها أنّهم عرفوا التوحيد حقّ معرفته، وأحكموا علم توحيده والإيمان بعد ذلك بما هو وما صفته، ثمّ علموا حدود الإيمان وحقائقه وشروطه وتأويله» وعملوا بها، فصاروا من محبّينا الخُلَّص بعد اجتيازهم هذه المراحل.

وفّقنا الله وإيّاكم إن شاء الله 


[1]. سورة الأعراف، الآيتان 175 و176.

[2]. سورة الأعراف، الآية 176.

[3]. سورة البقرة، الآية 155.

[4]. سورة الزمر، الآية 45.

[5]. سورة آل عمران، الآية 31.

[6]. مناقب آل أبي طالب عليهم السلام لابن شهرآشوب، ج2، ص336.

[7]. لعلّ في هذا التعبير إشارة إلى الرواية التي تقول بأنّ الله سبحانه وتعالى عندما خلق العالم خلقَ عينين من الماء إحداهما عذب فرات وماء الثانية ملح اُجاج، فخلق أولياءه من هذا العذب الفرات.

[8]. بحار الأنوار، ج65، ص275.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org