قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 4 تموز 2014م الموافق لليلة السابعة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

خطوةً خطوةً نحو السماء

 

29
 

إشارة

«وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا وتصغر في عينيه، وتعظُم الآخرة عنده، ويُؤْثِرَ هوايَ على هواه، ويبتغي مرضاتي ويُعَظِّمَ حقّ عظَمتي‏»[1].

قلنا في المحاضرات الماضية إنّ الله تبارك وتعالى يشير في هذا المقطع من الحديث القدسيّ إلى خصوصيّات للحياة الأبديّة السعيدة؛ أوّلها أن تصغُر الدنيا في عين الإنسان. وقد ذكرنا بهذه المناسبة، ومن خلال التطرّق إلى مختلف استخدامات مفردتَي «الدنيا» و«الآخرة»، انّ العلم بكون الدنيا أحقر وأقلّ أهمّية من الآخرة لا يستلزم بالضرورة أن ينطبق سلوكنا على هذا العلم. ونحن جميعاً واقفون على هذا الأمر في تصرّفاتنا؛ فعلى الرغم من اعتراف أغلبنا بأنّ الدنيا أقلّ أهمّية من الآخرة فإنّ سلوكنا يوحي بأهمّية الدنيا في نظرنا. ولعلّ هذا هو السبب في أنّ الله لم يجعل الحياة الباقية نتيجةً لهذه الرؤية، بل قال: «فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا»؛ فإنّ على الإنسان من أجل بلوغ الحياة الباقية أن يبذل غاية المجهود حتّى تصغر الدنيا في عينه، وإنّ العلم بحقارة الدنيا، وإقامة الدليل والبرهان على ذلك، ومطالعة الآيات والروايات حول هذا الموضوع لا تكفي وحدها لنيل هذا الهدف. فعلينا من أجل بلوغ هذه المرحلة أن نتمرّن كثيراً وبشكل مستمرّ وهو ما يصطلح عليه ﺑ «الترويض». والنتيجة هي أنّ مثل هذا الجهد والمثابرة هو الذي يظهر لنا حقيقة الدنيا ويجعلنا ندرك دناءتها، كما يصفها أمير المؤمنين عليّ (صلوات الله عليه): «ولَدنياكم أهون عندي من ورقة في فَم جرادة تقضمها، وأقذر عندي من عُراقَة خنزير يقذف بها أجذمها»[2].

بناءً على ما تقدّم فبعد الاعتقاد بوجود الآخرة والإيمان بأنّها: «خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ»[3] فإنّ الخطوة الاُولى على طريق الوصول إلى الحياة الباقية التي أعدّها الله تعالى لأوليائه تتمثّل في السعي في الاتّجاه الذي يجعل الدنيا حقيرة في أعيننا. وأفضل اُسوة في هذا السبيل هو سلوك أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) حيث لا نعثر على سلوك هو أكمل منه وأكثر منه جاذبيّة. فلعلّكم سمعتم قصّة أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما كان يقود جيشاً في إحدى الحروب وكان ينبغي أن ينصبّ جلّ اهتمامه في أمر الحرب والقيادة لكنّ ابن عبّاس دخل عليه في الخيمة فرآه يخصف نعله، فتعجّب من ذلك وقال: ماذا تصنع؟! تخصف نعلك بدلاً من النظر في اُمور الحرب! فقال أمير المؤمنين: «ما قيمة هذه النعل»؟ فقال ابن عبّاس: لا قيمة لهذه النعل المقطوعة. فقال: «والله لهي أحبُّ إليّ من إمرتكم، إلاّ أن اُقيم حقّاً أو أدفع باطلاً»[4]؛ أي: أن آخذ حقّاً من ظالم لاُعطيه لصاحبه. ولسنا بحاجة إلى توضيح أنّ هدفاً كهذا ليس هو هدفاً دنيويّاً، بل هو إداءُ تكليفٍ واجب وتلبيةُ طلبٍ إلهي. فعليّ (عليه السلام) الذي كانت جميع بلاد الإسلام ما عدا الشام تحت إمرته كانت قيمة النعل المقطوعة عنده أكبر من هذه الإمارة. إلى هذا الحدّ كانت الدنيا حقيرة في عينه!

أوّل خطوة لقطع تعلّق القلب بالدنيا

من المستحيل بلوغ هذه الدرجة من عدم الاكتراث بالدنيا عن طريق الدراسة والبحث والاستدلال، بل يتعيّن الكدّ والمثابرة: «يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا». فبهذا الكدّ والسعي ستُرفع أكبر عقبة عن الطريق المفضية إلى الحياة الباقية، ألا وهي التعلّق بالدنيا. فطالما تعلّق القلب بالدنيا فسوف لا يفكّر المرء بشيء آخر، أمّا إذا انقطع تعلّقه بها فسيتساوى عنده تلّ الذهب وتلّ التراب. فالذي يسعى وراء المادّيات سيلجأ إلى أيّ فعل، وسيتفوّه بأيّ كلام، وسيوقّع على أيّ ورقة، وسيمارس أيّ حيلة وخداع من أجل بلوغ هدفه؛ لأنّ الدنيا في عينه مهمّة. أمّا الذي هانت الدنيا وصغرت في عينه فسيصبح عنده تلّ الذهب وتلّ التراب سيّان؛ فإن حوى كيسُه المالَ لينفقه في سبيل الله، فنعم المطلوب، أمّا هو فيكفيه أن يفطر بكسرة خبز شعير جافّة.

فما دام التعلّق بالدنيا والانشداد نحوها موجوداً فسوف لا ينال المرء الحياة الباقية حتّى إذا تحدّث على المنبر لساعات عن حقارة الدنيا. فلابدّ أوّلاً من رفع هذا المانع عن الطريق، وفصل القلب عن الدنيا، فإن هانت وصغرت الدنيا في نظر ابن آدم فستبدو الآخرة عظيمة أمامه. وقد قلنا إنّ لفظي «الدنيا» و«الآخرة» متضايفان مفهوماً، ولهذا فإنّ هوان الدنيا في نظر الإنسان سيصاحبه عظمة الآخرة. وهنا يأتي الدور إلى المرحلة التالية: «ويُؤْثِرَ هوايَ على هواه»، فبارتفاع هذا المانع ستمهَّد للإنسان الأرضيّة لتقديم هوى ربّه على هوى نفسه عند التزاحم.

بالطبع هذا الأمر ينطوي على درجات؛ فقد يدور الأمر بين تكليف واجب وفعل حرام، لكنّه قد يدور في مراتبه الاُخرى بين المستحبّات والمشتبهات. المهمّ هو أن يقدّم الإنسان إرادة الله تعالى إذا دار الأمر بينها وبين إرادته هو. وطالما يوجد تعلّق بالدنيا فسوف لا يتحقّق ذلك؛ والسبب هو انّ «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة»[5]. فإنّ اجتثاث هذه العلاقة سيجعل الدنيا حقيرة في نظر الإنسان وعندها فإنّه قد يتأمّل في أنّه: هل إنّ الله عزّ وجلّ يحبّ ما أهُمّ بالقيام به أم لا؟ وما الذي سأرجّحُه من بين هوى ربّي وهوى نفسي؟ فمثل هذه الاُمور لا تخطر ببال عاشق الدنيا بتاتاً.

الخطوة الثانية: ابتغاء مرضاة الله

فما إن يتمكّن الإنسان بالتمرين والممارسة وتزكية النفس من تغليب هوى ربّه على هواه فسيستطيع وضع قدمه في مرحلة أعلى، فيها «يبتغي مرضاتي ويُعَظِّمَ حقّ عظَمتي‏». فالمرحلة السابقة كانت في الحقيقة مقام العمل، أمّا في هذه المرحلة فإنّ مبادئ الفعل الاختياريّ هي التي تكون منشأ العمل وإنّ التغيير فيها هو أصعب ممّا في سابقتها. إذ من الممكن في مقام العمل أن يقرّر الإنسان فجأةً القيام بأمر ما، لكنّ الوصول إلى حالة يصبح فيها إيثار هوى الربّ على هوى النفس ملَكَة في نفس الإنسان فإنّه بحاجة إلى تربية تدريجيّة.

وفي مقام التربية فإنّه - إلى جانب المحافظة على العلاقة المنطقيّة بين مراحل التربية المختلفة - يتعيّن أخذ إمكانيّة وسهولة العمل بالتوصيات في نظر الاعتبار فلا يوصي المربّي بدايةً إلاّ بما يكون تطبيقه سهلاً ويسيراً على المتربّي. فيجب أن تكون عمليّة التربية تدريجيّة، وتبدأ بالسهل ثمّ الصعب، وأن تكون بالتمرين والممارسة حتّى يجد المتربّي في نفسه الاستعداد للقيام بعظيم الأعمال. فهل في ميسور المرء يا ترى أن يأتي – منذ البداية - بجميع ألوان سلوكه - من إشباع الغرائز، والأكل والشرب، وارتداء الثياب، وصولاً إلى المطالبات والنشاطات الاجتماعيّة، واستقطاب احترام المقابل، ونيل المكانة والمحبوبيّة الاجتماعيّة – قربةً إلى الله تعالى؟ فهذا يتطلّب تمريناً وممارسة طويلة الأمد للوصول إلى هذه المرحلة بالتدريج.

ففي المرحلة السابقة وهي إيثار هوى الربّ على هوى النفس كان هناك نوعان من الهوى وينبغي للإنسان تغليب أحدهما على الآخر. أمّا في هذه المرحلة فالحديث لا يدور بتاتاً عن هوى النفس، وإنّ الدافع الأساسيّ لتحرّك الإنسان هو ابتغاء مرضاة الله؛ بالضبط كالشخص الذي من فرط محبّته لحبيبه فإنّه لا يرى في مقابله أيّ ميل إلى نفسه، بل هو دائم التفتيش عمّا يريد محبوبه ويرغب فيه.

فباستطاعة الإنسان أن يصل إلى مقام يكون فيه دائم الالتفات إلى ربّه والاهتمام به من منطلق أنّه العبد وذاك هو المولى. فلا ينبغي للعبد أن يفكّر ببطنه لاسيّما إذا عرف أنّ مولاه الكريم يعلم كيف يضيّف عبده. وهنا لا يحصل أيّ تضادّ حتّى يكون الكلام في ترجيح شيء على آخر؛ ذلك أنّ المرء قد بلغ هنا مقامَ انّه «يبتغي مرضاتي» فصار كلّ همّه وغمّه فيما يرضي ربّه ويسُرّه.

الخطوة الثالثة: إدراك عظمة الله

المبحث الآخر الذي يتناوله الحديث هو: «ويُعَظِّمَ حقّ عظَمتي‏». وهنا يطرح سؤال وهو أنّ سلوك أولياء الله المحبّين في حضرته يوحي بأنّهم لا يرون من المحبوب سوى الخير والرحمة واللطف والعناية. هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى فإنّ أنينهم في جوف الليل، وبكاءهم وتضرّعهم وعبارات مناجاتهم تفصح عن خوف وخشية من ربّهم. ويمكن العثور على نماذج جمّة لهذه التعابير في دعاء كميل ودعاء أبي حمزة الثماليّ. فهذا سيّد الساجدين (عليه السلام) يخاطب ربّه بكلّ خضوع: «فمَن يكون أسوأ حالاً منّي إنْ أنا نُقلتُ على مثل حالي إلى قبري؟!... أبكي لخروجي من قبري... أبكي... أبكي...»[6]. فلماذا كلّ هذا البكاء والتضرّع مع الالتفات إلى محبّة الله ولطفه ورحمته؟

ولعمري فإنّ هذه من بدائع صنع الله في خلقة ابن آدم وهي أن يودع فيه حالات تبدو متضاربة ولا يمكن الجمع بينها في الظاهر، مثل سمات أمير المؤمنين (عليه السلام) المتضادّة؛ حيث كان – من جهة - يظهر في ساحة الوغى من الشجاعة والهيبة ما لا يمكن لأيّ قوّة أن تصمد أمامه، لكن دموعه – من جهة ثانية – تسيل على وجنتيه إذا شاهد ألَمَ طفلٍ يتيم. فقد خُلقت روح الإنسان بأوجه وأبعاد مختلفة، أو بتعبير آخر: بخليطٍ من عناصر شتّى يتعيّن لكلّ واحدة منها أن تظهر في موطن من المواطن في مسيرة العبوديّة كي يصل الإنسان إلى أكمل مراتب الأخيرة.

أحد هذه الأبعاد هو حالة الخوف الانفعاليّة، وهي أن ترتعد فرائص العبد بين يدي الله. لكن يتعيّن – إلى جانب هذه الحالة – أن يكون راجياً ربَّه رجاءً يؤهلّه لأن يقول بكلّ جرأة: لو أبقيتَ عليَّ في جهنّم ألف سنة لما انقطع رجائي منك! وكلّ واحدة من هذه الحالات تنبع من صفات الله عزّ وجلّ؛ فواحدة تنبع من حكمته، واُخرى من رحمته، كما وتنشأ رابطة بين جميع هذه الأبعاد وبين حالاتنا النفسانيّة. لكنّ الله يحبّ أن تسير روح الإنسان في جميع أبعادها على طريق عبوديّته.

فإنّ من المسائل المطروحة في مقام العبوديّة لله تبارك وتعالى هي إدراك عظمته وإظهار حالة تتناسب مع مقامه وعظمته تلك. فلعلّ جميعنا قد مرّ بهذه التجربة وهي أن نصاب بحالة من الذهول إذا واجهنا شخصيّة عظيمة، بل وقد ننسى – بمقدار إدراكنا لعظمة هذه الشخصيّة – الكلام العاديّ في حضرتها أيضاً. وليس السبب وراء هذه الحالة هو الشعور بالذنب أو الخوف، بل إنّها تعود إلى إدراك عظمة شخصيّة هذا العظيم. فإذا اعتقد المرء بعظمة الله جلّ وعلا، فإنّه حتّى وإن وعَى لطفه ورحمته ومحبّته وعنايته غير المتناهية فإنّه سيجد نفسه ولهانَ في حضرته، وهذا الولَه لا ينافي رحمته تعالى، فهو نتيجة طبيعيّة لإدراك عظمة الطرف المقابل. فإن اعتقدنا بعظمة الباري جلّ شأنه فمن الطبيعيّ أن تحصل لنا مثل هذه الحالة عندما نلتفت إلى هذه العظمة. بالطبع نحن لا نتوقّع مثل هذه الحالات حينما تكون أذهاننا منشغلة باُمور اُخرى.

فهذه الحالة تتناسب مع مقدار ما يدركه المرء من عظمة ربّه. يقول عزّ من قائل: «فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقاً»[7]. فنتيجة لتجلّي جانب من عظمة الله تعالى فقد تهدّم الجبل وخرّ موسى (عليه السلام) مغشيّاً عليه. فلو أدرك امرؤ عظمة الله حقّاً لظهرت عليه مثل هذه الآثار. وقد أشار القرآن الكريم إلى نموذج من سلوك عباد الله الذين أدركوا عظمته فقال: «إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً»[8]. فإنّ تجلّي عظمة الله من خلال تلاوة آيات الذكر الحكيم يؤدّي هو الآخر بعباد الله إلى أن يخرّوا إلى الأرض سجّداً باكين بين يدي ربّهم، وهي حالة لا تتنافى بتاتاً مع لطف الله ورحمته. فإنّ مَن يخرّ ساجداً وباكياً نتيجة إدراكه عظمة ربّه، فإنّه يعلم برحمة ربّه حتّى في هذه الحالة. وإنّ ما يشعر به من لذّة في تلك الحالة لا يشعر به أيّ عاشق بوصال معشوقه، في الوقت الذي نتأسّف على حاله نحن الذين نجهل بكلّ شيء! وإنّها لمن روائع صنع الباري تعالى أنّه خلق الإنسان على هذا النحو وأودع في وجوده كلّ تلك الحالات كي تظهر كلّ واحدة منها حيثما سنحت الفرصة وتوفّرت الظروف وتتكامل لتشكّل مظهراً من مظاهر عبوديّة الإنسان في مقابل ربّه. بل إنّ الإنسان أساساً قد خُلق لهذا الغرض؛ يقول عزّ وجلّ: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ»[9].

اُخطُ خطوة خارج نفسك لتشاهد الطريق

إنّ أوّل عائق يعيق الإنسان عن بلوغ هذه الدرجات هو حبّ الدنيا. وبإزالة هذا المانع فإنّه: «تهون عليه الدنيا وتصغر في عينيه، وتعظُم الآخرة عنده». ومن ثمّ يحصل صراع بين ما يريده هو وما يريده ربّه حتّى يفلح، عبر بذل الجهد والتمرين والممارسة، في تقديم هوى ربّه على هواه. لكنّه في المرحلة الأكثر تقدّماً يصل إلى درجة لا يعود يلقي فيها لهواهُ بالاً، بل «يبتغي مرضاتي»؛ فلا يفكّر العبد في هذه المرحلة إلاّ فيما يرضي بارئه. بيد أنّ هذا لا يمثّل إلاّ وجهاً واحداً من وجهَي العملة؛ فالعبد، وبدافع حبّه وعشقه لربّه، يصنع ما يريد محبوبه وهو يُسرّ غاية السرور ويصاب بمنتهى النشوة جرّاء امتثاله لإرادة محبوبه وعمله بما يرضاه. أمّا الوجه الآخر لها فهو أنّ العبد العاشق يحسّ بالحقارة والضآلة في مقابل عظمة المحبوب. فإنّ كمال المحبوب يكمن - من ناحية - في إيصاله معرفتَه بصفات جمال محبوبه إلى مستوى الكمال والعمل على تلبية طلباته من منطلق العشق والمحبّة تجاهه، ومن ناحية اُخرى في إدراكه صفات جلاله أفضل ما يكون الإدراك وهَوِيِّهِ إلى الأرض مدهوشاً بأنينٍ وبكاءٍ إذا تجلّت له عظمته جلّ وعلا. فقد كانوا أحياناً يخبرون الزهراء (سلام الله عليها) بأنّ عليّاً (عليه السلام) قد سقط في بستان النخيل مُغمىً عليه، ولـمّا كانت (عليها السلام) عارفة بما يصيب زوجها من حالات فإنّها كانت تقول: «هي والله... الغشية التي تأخذه من خشية الله»[10] فهذا شأنه في كلّ ليلة، ولقد تعوّدنا على مثل هذه الحالات منه.

فإذا جمعنا بين حبّ صفات الله الجماليّة، والشعور بالحقارة والصغر في مقابل عظمته جلّ وعلا فليس في ميسورنا أن نصف ذلك إلاّ بأنّه من بدائع خلقة الله، وهو تعالى يرغب في أن يصل جميع عباده إلى هذه المراتب، وقد بيّن سبحانه وتعالى السبيل إلى ذلك في هذا الحديث القدسيّ. فما علينا بدايةً إلاّ إزاحة ما يقف أمامنا حجرَ عثرة في هذا الطريق، ألا وهو حبّ الدنيا، كي تصغر الأخيرة في أعيننا ويتساوى لدينا تلّ الذهب وتلّ التراب، ولا نأبه إن هتف الناس «يعيش» أو «يسقط» في حقّنا، ولا نكترث سواء أشتَمَنا الناس وسبّونا أم قبّلوا أيدينا واحترمونا، فلا ننظر إلاّ إلى ما يرضيه هو عزّ وجلّ. فإن وصلنا إلى هذه المرحلة فالمرحلة التالية هي: «يُؤْثِرَ هوايَ على هواه» ومن ثمّ «يبتغي مرضاتي» وهو ما يمثّل وجه العملة الأوّل، أمّا وجهها الثاني فهو أن يعلم العاشق المفتّش عن رضا محبوبه بأنّ هذا المحبوب هو غاية في العظمة، وكلّما أدرك عظمة محبوبه وحقارة نفسه أكثر، زاد التذاذه بملاطفته ومداعبته له.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. الأمالي للصدوق، ص623.

[3]. سورة الأعلى، الآية 17.

[4]. مجموعة ورام، ج2، ص9.

[5]. الكافي، ج2، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها، ص131.

[6]. مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، ج2، ص591، دعاء أبي حمزة الثماليّ.

[7]. سورة الأعراف، الآية 143.

[8]. سورة مريم، الآية 58.

[9]. سورة الذاريات، الآية 56.

[10]. الأمالي للصدوق، ص79.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org