قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 16 تموز 2014م الموافق لليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

العلاقة بين الزهد والنهوض الاقتصاديّ

41

 

إشارة

تعرّضنا في المحاضرات الفائتة إلى توضيح مقاطع من حديث المعراج القدسيّ دار محورها الأساسيّ حول محبّة الله وأوليائه وبغض أعدائه. وقد تكلّمنا في الليلة الماضية في عبارة: «إنّ المحبّة لله هي المحبّة للفقراء»[1] وغيرها من التي توصي بالتقرّب من الفقراء وحبّهم، ومجانبة الأغنياء. وقد ورد في حديث المعراج مراراً التأكيد على اجتناب لذائذ الدنيا وعلى بغضها، وكذا احترام الفقراء في المقابل حتّى عدّ محبّة الله هي عين محبّة الفقراء في قوله: «إنّ المحبّة لله هي المحبّة للفقراء».

هذا وقد رُوي في سيرة أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين)، لاسيّما سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) سلوك من الزهد والإعراض عن الدنيا ممّا يثير العجب حقّاً. فقد استعمل الإمام عليّ (صلوات الله عليه) في كتابه إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف تعابير هي غاية في الغرابة في هذا المجال، فقال فيما قاله: «فما خُلِقتُ لِيشغَلَني أكلُ الطيّبات»[2]، «وإنّما هي نفسي أَرُوضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر»، أي يوم القيامة، «إنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطِمرَيه ومن طُعمِه بقُرصَيه»، أي إنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بثوبين باليين ومن طعامه برغيفين من الشعير، في حين أنّه كان لو شاء وفّر لنفسه أفضل الأطعمة وأشهاها. كما أنّه (عليه السلام) يقول في موضع آخر: «وَأيْمُ الله... لأَرُوضَنّ نفسي رياضةً تَهِشّ معها إلى القرص»، أي لأجوِّعنّ نفسي جوعاً حتّى تلتذّ برغيف الشعير الجاف. لكن أين نحن من هذا يا ترى؟! فنحن نُفلت زمام أنفسنا إذا وقعت أبصارنا على أطعمة متنوّعة شهيّة. ومن أجل ذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَلا وإنّكم لا تقدرون على ذلك» فأنا أعلم أنّكم لا تستطيعون العيش مثلي ولكن حاولوا أن تتشبّهوا بي على الأقلّ «ولكن أعينوني بورع واجتهاد». وقد روي في موضع آخر أنّه (عليه السلام) عندما أدلى بآخر خطبة له قبل شهادته كان قد برز إلى الناس بجبّة من صوف، ينتعل حذاء من ليف النخل، وجبينه كأنّه ثفنة بعير، وقد ارتقى صخرة[3]. هذا هو زهد عليّ (عليه السلام).

أمّا اليوم فهناك من يشكّك في هذه الممارسات وينبري، بذريعة التنمية الاقتصاديّة والتطوّر، إلى توجيه الانتقادات اللاذعة لمدرسة الإسلام وثقافته بسبب اهتمامهما بمثل هذه القضايا.

الزهد، أم النهوض الاقتصاديّ؟

هنا يكمن سؤال: إنّ التمسّك بتعاليم القرآن الكريم والسنّة الشريفة والنظر إلى الحياة الدنيا بوصفها لعباً ولهواً، وعدم الاكتراث بها، وعدّها وسيلة للخداع، هل ينسجم مع التنمية والتطوّر؟ فكيف يمكن الجمع بين بغض الدنيا وأهلها، وهو ما قامت عليه السيرة العمليّة لأهل بيت النبوّة (صلوات الله عليهم أجمعين) وبين السعي في طريق التنمية الاقتصاديّة؟

لقد استغلّ مناهضو الدين هذا النمط من المسائل للنيل منه، خاصّة الدين الإسلاميّ، وأشاعوا في دعاياتهم بأنّ الثقافة الدينيّة والمتديّنين يقفون حجر عثرة أمام التقدّم، ذلك أنّ الدين وتطوّر الحياة، في نظرهم، ضدّان لا يمكن الجمع بينهما. ولعلّ البعض يتذكّر كيف أنّ بعض المنظّرين كانوا، في الأيّام الاُولى التي تلت انتصار الثورة الإسلاميّة، يروّجون علناً في كتاباتهم وتصريحاتهم لمسألة أنّ التطوّر الذي شهده الغرب على الصعيد الاقتصاديّ والعلمي والصناعيّ يقتضي ثقافة خاصّة لا مناص منها؛ فإنّ تراجع الحجاب أو تفشّي ظاهرة السفور، واختلاط الجنسين، وحالة التسيّب والتحرّر من القيود، وتفتّت الاُسرة، بل وحتّى المثليّة هي من اللوازم الثقافيّة للحياة الراقية الحديثة، وأنّه يتعيّن على كلّ مَن يسعى في سبيل التطوّر أن يقبل بلوازمه، وانّ كلّ مَن يرفض هذه الثقافة فإنّه لا مفرّ أمامه سوى القناعة بالحياة الرجعيّة التي تعود إلى عهد ما قبل الحداثة، ففي ميسور شخص كهذا أن يقنع من طعامه بالخبز والجبن ويمارس عبادته ويتمسّك بمعنويّاته بزهد. هذا الكلام ظلّ يُرَدَّد في بلدنا ويُكرَّر بإصرار من قبل البعض وبصور مختلفة منذ ثلاثين عاماً وإلى يومنا هذا أملاً في أن يجد لنفسه موطئ قدم في المجتمع. ولذا فإنّ من المناسب التطرّق لهذه القضيّة ودحض هذه الشبهات. بالطبع لقد تمّ الردّ على مثل هذه الشبهات مراراً وتكراراً وبأساليب شتّى، لكن بالنظر إلى استمرار طرحها من قبل وسائل الإعلام المكتوبة والالكترونيّة، نرى من الضروريّ تناولها من جديد.

إنّ الاهتمام بالاُمور الدنيويّة وبذل الجهود على الصعيد الصناعيّ والعلميّ والتكنولوجيّ له أبعاد مختلفة يتعيّن مناقشة كلّ واحد منها على حدة، وإنّ جانباً من هذه القضيّة يتمثّل في النظرة التربويّة إلى هذا الأمر.

لقد سبق أن ذكرنا بأنّه عندما يُمتدَح أو يُذَمّ أمر ما في الأحاديث الشريفة من دون أخذ الموارد الاُخرى في نظر الاعتبار فلا يمكن التمسّك بإطلاق هذه الروايات أو عمومها، ذلك أنّ أغلب الروايات المذكورة ليست هي في صدد بيان التفاصيل، بل إنّها تتصدّى لطرح الموضوع الأساسيّ بصورة القضيّة المهمَلة، أمّا بيان ظروف القضيّة، وأجزائها، وسائر تفاصيلها فيوكل إلى البحث والمناقشة المسهبتين في محلهما المناسب.

ففيما يخصّ الأمر بالصلاة فقد أمر الله تبارك وتعالى في آيات من الذكر الحكيم بإقامة الصلاة بصورة عامّة، كقوله: «أَقِيمُواْ الصَّلَوٰةَ»[4]، وقوله: «يُقيمُونَ الصَّلَوٰةَ»[5]، أمّا بيان أجزائها وتفاصيلها فقد عهد به إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله). فمهمّة النبيّ والأئمّة المعصومين من ولده (صلوات الله عليهم أجمعين) هي: «لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ»[6]. وإنّ صعوبة مهمّة الفقيه تكمن في هذه النقطة تحديداً، وهي أنّ تفاصيل المسألة الواحدة ليست مذكورة في مكان واحد، بل هي مبعثرة في مواضع شتّى بما يتناسب مع مقتضيات وظروف الزمان والمكان والمخاطب. إذ يتعيّن على الفقيه جمع هذا الشتات وتحديد الارتباط بين أجزائه كي يتسنّى له الإفتاء. ومن الواضح أنّ هناك لكلّ فتوى قيوداً واستثناءاتٍ يتطلّب كلّ واحد منها بحثاً ودراسة منفصلة. وكذا هو الحال في المسائل الأخلاقيّة مثل: «أبغِض الدنيا وأهلَها»[7].

اختلاف قابليّة الأشخاص في انتفاعهم من الدنيا

وللإجابة على الأسئلة أعلاه فلابدّ أن نعرف ما هي الدنيا، ومن هم أهلها؟ وهل انّ الدنيا هي هذا العالم وانّ أهلها هم الذين يحيون فيه؟ وهل يستحقّ الإنسان المؤمن الذي يحمل معتقدات صائبة لكنّه وقع فريسة الذنوب لأيّ سبب كان، هل يستحقّ اللعنَ والسبّ، وهل يحقّ لنا سلوك اُسلوب مشين معه؟ وهل يتعيّن علينا نحن أيضاً أن نتشبّه بعليّ (عليه السلام) فيما عاشه من حياة زهد وبساطة؟ وهل إنّ كلّ من يملك داراً واسعة وسيّارة فخمة وحياة مرَفّهة فهو من أهل الدنيا وأنّ علينا تصنيفه في خانة الأعداء؟ وهل الزاهد هو كلّ مَن لا يملك داراً جيدة أو حياة مناسبة، ويكون أشعث الشعر، بالي الثياب، لا يملك قوتاً يأكله؟ أوَيستطيع كلّ امرئ أن يعيش عيشة عليّ وفاطمة (سلام الله عليهما) ويكابد كلّ هذه المحن والمشقّات؟ وكيف يتسنّى لنا الجمع بين هذه التوصيات والروايات التي توصي بالتوسيع على العيال وتأمين عيش رغيد، وتهيئة أسباب السكينة والرفاهية لهم؟ أَوَليس من شأن التشدّد الفائق عن الحدّ أن يؤدّي إلى يأس الناس من الدين والثقافة الدينيّة وسوء ظنّهم بهما؟

ولعلّ هذه القصّة قد طرقت أسماعكم، وهي أنّ رجلاً مسلماً، وبعد مدّة من النقاش والحوار، تمكّن من إقناع جاره النصرانيّ باعتناق الإسلام. فما كان منه، وصاحبه لازال جديد العهد بالإسلام، إلا أن أيقظه من رقدته في جوف الليل ليصطحبه إلى المسجد لأداء صلاة الليل. فرافقه المسلم الجديد إلى المسجد وظلّ حتّى طلوع الصبح مشغولاً بصلاة الليل والمناجاة. وبعد ارتفاع الأذان وإقامة صلاة الصبح همّ المسلم الجديد بالذهاب إلى بيته لكنّ صاحبه استوقفه طالباً منه البقاء في المسجد لأداء التعقيبات حتّى طلوع الشمس، ففعل. وفي الليلة التالية وعندما شخَصَ المسلم إلى بيت صاحبه لإيقاظه قال له صاحبه: إنّ لديكم ديناً حسناً، لكن ليس لأمثالي، فإنّ لي عيالاً وانّ عليّ أن أكدّ لتأمين معاشهم. فلو أنّني أمضيت الليل بطوله حتّى الصباح في العبادة معك في المسجد فسوف لا أجد في نفسي القوّة على العمل. فدينكم ينفع العاطلين عن العمل! فروى بعض الشيعة هذه القصّة للإمام الصادق (عليه السلام) فقال: «أَدخَلَه في شي‏ء أَخرَجَه منه»[8]؛ يعني إنّ هذا الرجل المسلم قد أخرج هذا الشخص النصرانيّ من الدين من حيث أدخله. فإنّ هيئة الزهد والتشدّد التي عرضها عليه للإسلام قد دفعته إلى تركه. وهذا يعني أنّه لابدّ من معرفة قابليّة الأشخاص أوّلاً، ومن ثمّ تزويدهم بالمنهج السلوكيّ المناسب لكلّ واحد منهم. بالطبع إنّ إظهار القمّة التي تبيّن اتّجاه المسير والسلوك أمر حسن، لكن لا ينبغي تصوّر أنّ بإمكان كلّ فرد أن يبلغ هذه القمّة من البداية. فالقمّة هي زهد عليّ (عليه السلام). لكن لا ينبغي أن نتصوّر أنّ بإمكاننا العيش كما عاش هو (عليه السلام). فامرأة الزاهد وأولاده لا يستطيعون بالضرورة العيش مثله. إنّ سوء تربيتنا جعلنا لا نفيد من القيم بالشكل المناسب والصحيح.

فالشخص المؤمن المعتقد بالله واليوم الآخر لا ينبغي أن يكترث بالحياة الدنيا ولذّاتها. بالطبع إنّ لهذه المسألة مراتبَ، فليس الجميع في مستوى واحد. فعلى كلّ امرئ أن يقيس مدى قابليّته ولا يحمّل نفسه فوق طاقتها. فتحميل النفس فوق طاقتها يورث مرضاً في البدن، وأذىً في النفس، أو خللاً في معاشرة الآخرين. فصحيح أنّ علينا الابتعاد عن أهل الدنيا وأصحاب المعاصي، لكن أَوَيعني هذا الكلام النأي بالنفس عن جميع الناس والعزلة في كهف؟

فلا ريب أنّ هذا السلوك ليس هو السلوك الذي ينشده الإسلام. فالمبدأ الثابت هو أن يبذل الإنسان في حياته جهده، ما أمكن، لئلاّ يتعلّق بلذّات الدنيا، وأن ينمّي قابليّته الاُولى، الحاصل عليها نتيجة التربية الاُسريّة التي انشئ عليها في هذا المجال، أن ينمّيها باتّجاه اكتساب العلوم الدينيّة والاُنس بالآيات القرآنيّة والروايات الشريفة. لكنّ عليه أن لا يوغل في هذا الطريق أكثر ممّا ينبغي. بيد أنّ هذا الكلام لا يعني أن يتوقّع من الآخرين أن يحذوا حذوه أيضاً.

الزهد في الحياة الفرديّة مع السعي لتلبية حاجات الآخرين وتحقيق عزّة المجتمع المسلم

لقد راضَ الإمام عليّ (عليه السلام) نفسَه بالجوع حتّى غدت لقمة خبز الشعير اليابس لذيذة لها، لكنّه لم يكن غير مبال بأمر الدنيا، بل كان دائماً في حالة كدّ ومثابرة؛ كان يحفر البئر حتّى يبلغ الماء ومن ثمّ يوقفه، ولازالت بعض هذه الآبار موجودة في المدينة المنوّرة وتسمّى «آبار عليّ».

فمراد أمير المؤمنين من توصياته تلك هو أن يقنع ابن آدم بالقليل من نعم الدنيا ولذّاتها ولا يتعلّق بها، وليس أن يذر العمل والسعي وينزوي إلى ركن منهمكاً في الذكر والعبادة. فإنّ السعي من أجل التقدّم المادّي والاقتصاديّ، وسدّ مثل هذه الحاجات، والحيلولة دون إذلال المسلمين، والسعي لتحقيق عزّتهم، لَهي – بالعنوان الثانويّ – تكليف واجب ومن العبادة. المهمّ هو أن لا يتعلّق الإنسان بالحياة الدنيا ويضع طلب لذّاتها نصب عينيه. فممارسة العمل، وخدمة الرعيّة، والنظر في أحوال الجيران والفقراء، والتوسيع على العيال، هي من جملة واجبات المؤمن. أَوَلم توصِ الأحاديث المسلمينَ بالسؤال عن أحوال جيرانهم إلى أربعين جار، وتحضّ على حلّ مشكلاتهم؟ وهل يمكن، عن طريق الدخل المحدود الذي لا يكفي حتّى لسدّ حاجة الشخص نفسه، أن يحلّ المرء مشكلات أربعين اُسرة يا ترى؟

يُحكى أنّ شخصاً شكى لأحد الأئمّة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) حاجته فقال (عليه السلام) لخادمه: «كم عندنا من المال في الدار»؟ فقال: عشرة آلاف درهم. فقال (عليه السلام): «اعطها له». والحال أنّ السائل كان يرضى بألف درهم، ومع ذلك قال الإمام: اعطه كلّ ما لدينا في الدار. وهذا يعني أنّ حال الإمام المادّية جيّدة لكنّه، في الوقت ذاته، لا يتعلّق بما يملك.

روي أنّ يهوديّاً كان يرتدي الأسمال البالية قابل الإمام الحسن (صلوات الله عليه) وهو راكب على فرس جميلة. فقال اليهوديّ للإمام: «جدّك يقول: إنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر»، فلماذا أعيش، وأنا لست على دينك، حالة الفقر والبؤس وتعيش أنت المؤمن في رفاهية ودعة؟ أوَتكون هذه الدنيا جنّة لي، أم هي جنّة لك؟ فقال الإمام (عليه السلام) في جوابه: «لو علِمتَ ما لك وما يرقُب لك من العذاب لَعلِمتَ أنّك مع هذا الضرّ هاهنا في الجنّة، ولو نظرتَ إلى ما أُعدّ لي في الآخرة لَعلمتَ أنّي مُعَذّب في السجن هاهنا»[9].

والمراد من هذا كلّه هو أنّ الروايات التي تحذّر المؤمن من حبّ الدنيا وتوصيه ببغض أهلها ليس هدفها أن يعيش المؤمن في ضنك من العيش. أَوَلم يدعُ نبيّ الله سليمان (عليه السلام) ربّه: «وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي»[10]؟ فإنّ عظمة وجلال ملك سليمان (عليه السلام) كانا على جانب من الضخامة بحيث كان لكلّ حيوان، وكلّ فرد من الجنّ، والإنس موضع خاصّ في حضرته، حتّى أنه مكان طائر واحد مثل الهدهد كان يُعلَم بكلّ سهولة إذا خلا عند غيابه. لكنّ نبيّ الله سليمان لم يكن متعلّقاً بتلك الاُمور، فقد كان يحوك الحصران بيديه ويعيش من دخل عمله ويكتفي من الطعام بخبز بسيط. أمّا ملكه فكان (عليه السلام) يستخدمه لإشاعة دين الله تبارك وتعالى، وتعظيمه في مقابل الكفّار.

ومن هنا فإنّه ليس ثمّة من صلة بين الحياة الشخصيّة، وخدمة المجتمع، وإنّ لكلّ واحد منهما حكمه الخاصّ المنفصل. فعندما تقتضي الظروف إظهار عزّة الإسلام أمام الكافرين والدول المستعمرة فإنّه تُستحدَث للمرء تكاليف هي غير الواجبات الشخصيّة، ولا يمكن التهاون فيها بدعوى توصية الإسلام بحياة الزهد والقناعة بخبز الشعير. ففي ذات الوقت الذي كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يعيش حياة الزهد والفاقة كان الإمام الحسن (عليه السلام) يعيش حياة مرفّهة. بالطبع كان يستغلّ ثروته تلك في رفع حوائج الفقراء والمعوزين، أمّا هو فكان يذهب إلى الحجّ مشياً على الأقدام! فالإمام عليّ (عليه السلام) كانت في رقبته مسؤوليّة إدارة الاُمّة الإسلاميّة، وكان يتحتّم عليه أن يحيا بطريقة يستطيع كلّ مسلم يعيش تحت لواء دولته أن يحيا مثله؛ ناهيك عن أنّه كان يعيش حياة الزهد كي لا يهفو قلبه إلى الدنيا ولذّاتها.

إذن لابدّ من الفصل بين الأمرين؛ فالتوصية بالزهد وبحبّ الفقراء هي قضيّة أخلاقيّة وتربويّة غايتها ردع الإنسان عن إهانة الفقراء وتحقيرهم بدافع من غرائزه الحيوانيّة. فلابدّ للفقير من أن يُحترَم كي لا يشعر بالذلّ والمهانة، وليعلم أنّ إسلامه يمثّل قيمة بالنسبة له. لكنّ إشاعة هذه القضيّة الأخلاقيّة لا ينبغي أن يحول دون القيام بالواجبات؛ فلا تقع مسؤوليّة حماية الفقراء على عاتق الحكومة فحسب، بل يتعيّن على كلّ فرد في المجتمع، بما اُوتي من وسع، أن يبذل في هذا السبيل جهده، وليس لأحد كائناً مَن كان أن يتنصّل عن أداء واجبه بحجّة توصية الدين بالزهد والتقوى.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


[1]. بحار الأنوار، ج74، ص23.

[2]. نهج البلاغة، الكتاب 45.

[3]. «روي عن نوف البكاليّ قال: خطَبَنا بهذه الخطبة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) بالكوفة وهو قائم على حجارة نصبها له جَعدة بن هُبَيرة المخزوميّ وعليه مِدرَعة من صوف وحمائل سيفه ليف وفي رجليه نعلان من ليف وكأنّ جبينه ثفنة بعير، فقال (عليه السلام)..»، نهج البلاغة، الخطبة 182.

[4]. سورة البقرة، الآية 43، وغيرها.

[5]. سورة البقرة، الآية 3.

[6]. سورة النحل، الآية 44.

[7]. بحار الأنوار، ج74، ص23.

[8]. الكافي، ج2، ص44.

[9]. روي أنّ يهوديّاً تعرّض للحسن بن عليّ (عليه السلام) وهو في شظف من حاله وكسوف من باله والحسن (عليه السلام) راكب بَغلة فارهة عليه ثياب حسنة فقال: جدّك يقول: «إنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر»، فأنا في السجن وأنت في الجنّة. فقال (عليه السلام): «لو علمتَ ما لك وما يرقُب لك.. الحديث»، بحار الأنوار، ج65، ص220.

[10]. سورة ص، الآية 35.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org