قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 17 تموز 2014م الموافق لليلة العشرين من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

ثمار عدم التعلّق بالدنيا

42

إشارة

لقد جرى التأكيد مراراً في فقرات حديث المعراج التي تمّ بحثها في المحاضرات الفائتة على قضيّة أنّ محبّة الله تعالى لا تنسجم مع حبّ الدنيا وأنّ الذي يبغي الخوض في وادي محبّة الله عليه أوّلاً أن يصغّر الدنيا في عينه وينظر إليها بعين الاحتقار: «تهون‏ عليه‏ الدنيا»[1]. ثمّ يؤكّد الباري جلّ وعلا في ختام الحديث على أنّه لا مكان في جِواري لمن أجدُ في قلبه مثقال ذرّة من حبّ الدنيا ولذّاتها ورئاستها وزينتها، بل: «ولأَنزعَنَّ من قلبه محبتّي».

ولقد قدّمنا في المحاضرات الماضية توضيحاً لسبب التعارض بين محبّة الله وحبّ الدنيا، لاسيّما وأنّ حبّ الدنيا يكون في بعض المواطن مصحوباً بالهوى. بالطبع لقد تمّ التشديد أيضاً، وبشكل منفصل، على عدم التلاقي بين الهوى ومحبّة الله عزّ وجلّ، حيث بيّن الحديث أنّه يتعيّن على الذي يسعى لاكتساب محبّة الله أن يحارب هواه.

وهنا تكمن بضع نقاط يتطلّب تناولها من جميع أبعادها بحثاً مسهباً وشاملاً، لكنّنا سنشير إليها مجرّد إشارة لرفع بعض ما يكتنفها من لبس.

بُغض الدنيا، أم اجتناب أدناسها؟

أمثال حديث المعراج الشريف هي أشبه بالوصايا العامّة التي يقدّمها طبيب حاذق لعامّة الناس من أجل المحافظة على السلامة والصحّة. فالطبيب في مثل هذه المواطن يحذّر الناس بشكل عامّ من معاشرة مَن يحتمل أن ينقل المرض إلى الآخرين. فالنهي عن معاشرة أمثال هؤلاء المرضى لا يعني بالضرورة أنّهم يحملون مشاعر عداء تجاه الناس، بل هو تحذير من أنّ هذا المريض – الذي قد يكون من أعزّ أصدقائك – هو في ظرف وحال يجعل انتقال مرضه إليك لدى اقترابك منه أمراً محتمَلاً. بطبيعة الحال من الممكن أن يبيّت المريض، بدافع العداء، النيّة لنقل الأمراض للآخرين عن عمد وقصد، غير أنّه لا علاقة لهذا الأمر بتوصية الطبيب.

من هنا فإنّ النصائح والتوصيات التي يسديها الله تعالى وأولياؤه والمربّون الإلهيّون بتجنّب بعض الأشخاص والنأي عنهم لا تعني بالضرورة أنّهم يضمرون أحاسيس العداء تجاه الآخرين. نعم من الممكن أن يكون هناك من بين هؤلاء مَن ينوي حقّاً إضلال الناس أيضاً، كما أقسم إبليس الملعون بأنّه سوف يغوي بني آدم ويستميلهم: «لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ»[2]. وقد يعمد البعض أيضاً في هيئته الإنسانيّة إلى التصرّف كشيطان. لكن ليس كل مَن نُهي الناس عن معاشرته يضمر العداء لغيره ويحاول إضلاله. فبقطع النظر عن قصد الأشخاص ونيّاتهم فإنّه يتعيّن على المرء أن يجتنب كلّ مَن يؤدّي التواصل معه إلى الضلال والإثم، وأن يحذر التأثّر من حالاته الضارّة. كما يتحتّم عليه أن يحاول، مهما أمكن، إعادة كلّ من تورّط بالضلالة إلى جادّة الصواب وإعانته على إصلاح نفسه.

وكما ذكّرنا في المحاضرات الماضية فإنّ أحد موارد الانتفاع من الدنيا يرتبط بحقائقها العينيّة، وهو ممّا لا يستحقّ الذمّ. وبالالتفات إلى هذا الأمر فإنّ النهي عن الدنيا لا يعني اجتناب موجوداتها؛ ذلك أنّ نفس هذه الموجودات تُعدّ ضروريّة لابن آدم، بل إنّ حبّ الدنيا والتعلّق بها هو المضرّ. كما أنّ التواصل مع اُولئك الذين تجذّرت محبّة الدنيا في قلوبهم حتّى أنسَتهُم ذكر الله والحياة الأبديّة قد يبعث على ابتلاء المرء بنفس هذه الآثار السيّئة. فإنّه من هذا المنطلق نُهي عن معاشرة أمثال هؤلاء لئلاّ تجرّ معاشرتهم ومجالستهم إلى تغلغل حبّ الدنيا في قلب الإنسان فينسى، بسببه، ذكر ربّه واليوم الآخر.

ومن الطبيعيّ أن يكون الإنسان مضطرّاً في معاشرته الآخرين إلى مداراتهم إلى حدّ من الحدود، الأمر الذي قد يوجب تأثّره – تدريجيّاً - بسلوكهم المشين ويخلق في نفسه تحوّلاً في نهاية المطاف. وكما يقول أحد مربّي الأخلاق: الرفيق أشبه بعضلات البلعوم؛ فكما أنّ الأخيرة تُيَسّر على الإنسان عمليّة ابتلاع الطعام، فإنّ الرفيق يسهّل على المرء اعتماد أشكال مختلفة من السلوك، سواء الحسَن أو القبيح. فالصديق له دور مهمّ في تعلّم المرء بعض ألوان السلوك وتثبيتها في نفسه. ولهذا السبب فقد جاء النهي عن معاشرة أهل الدنيا. كما ورد التأكيد – في المقابل، ومن أجل الرُقيّ معنويّاً – على مجالسة من: «تذكّركمُ اللهَ رؤيتُه»[3].

اجتناب الدنيا وأهلها

لقد ذكرنا في المحاضرات السابقة أنّ المراد من أهل الدنيا هم اُولئك الذين سيطر حبّهم للدنيا على قلوبهم، فصاروا من المغرمين بها، وأصبحت لذّاتُها الفانية كلَّ همّهم وغمّهم، فغفلوا بذلك عن ذكر الله واليوم الآخر، ونسوا العلّة التي من أجلها خُلقوا، وكيف ستكون عاقبتهم.

والسبب من وراء تكرارنا هذه الاُمور هو أنّنا كلّما تحدّثنا عن بغض الدنيا والزهد بها ونبذ المادّيات تصوّر البعض خطأً أنّ القصد من ذلك هو اختيار الكهوف سكناً، واعتزال الخلق، وعدم السعي من أجل التقدّم العلميّ والصناعيّ والاقتصاديّ وبلوغ الدرجات الرفيعة من التحضّر. وقد أشرنا سلفاً إلى أنّ الزهد لا يعني ترك العمل والمثابرة، ولا يشكّل عائقاً أمام التطوّر في مختلف الميادين. بل إنّ ما يمنع الجدّ والاجتهاد للوصول إلى المدارج العالية للرقيّ والرفعة هو - تحديداً - التعلّق بالدنيا ولذّاتها.

وفي ميسورنا الوقوف على شواهد جمّة لهذه المسألة، وهي إمكانيّة أن تكون للمعاشرة آثار حسَنة أو سيّئة، وأنّ النهي عن بعض أنماط المعاشرة المضرّة نابع عن الحكمة. ففي أحد أسفاري إلى الولايات المتّحدة من أجل إلقاء محاضرة في جامعة «تمبل»، اصطحبني أحد الطلبة الجامعيّين الإيرانيّين المقيمين هناك - وكان شابّاً متديّناً وثوريّاً، وهو اليوم يشغل منصباً مهمّاً في البلاد – في جولة تفقّديّة على مختلف المراكز العلميّة والثقافيّة، كان أحدها الجامعة التي يدرس فيها. وأثناء تقديمه أحدَ أساتذته لي ذكر أنّه من الصين وأنّه خيرة أساتذة الجامعة. وكذا فإنّ طلبة الجامعة المتفوّقين هم بشكل رئيسيّ من الشرق، وأغلبهم إيرانيّون، ولا يتسنّى العثور من بين الأمريكيّين على اُستاذ فذّ أو طالب بارز إلاّ ما ندر. بالإضافة إلى ذلك فقد أطلعني على العدد الكبير من الأطباء الإيرانيّين الذين يقيمون في الولايات المتحدة. وهنا انبرى أحد مسؤولي مكتب الممثّليّة الإيرانيّة في الاُمم المتّحدة إلى تأكيد ذلك مضيفاً انّ معظم هؤلاء هم من الأطبّاء المشهورين في أمريكا. وعند استفساري عن سبب هذا الأمر قال: الأمريكيّون يمليون أكثر ما يميلون إلى السهرات الليليّة والسمَر والطرب وقلّما يفكّرون بالدراسة، خلافاً لاُولئك القادمين من بلدان مختلفة من العالم باذلين جهوداً مضنية وصارفين مبالغ ضخمة من أجل الدراسة في أمريكا، فهؤلاء يعرفون قدر أعمارهم وأوقاتهم وليسوا على استعداد لإنفاقها في العبث والترّهات.

وهذا على النقيض ممّا يتخيّله الكثيرون ممّن ينظرون إلى التطوّر القائم في الدول الغربيّة من بعيد. فنفس هذا الطالب الإيرانيّ المقيم في أمريكا يقول: في إحدى زياراتي لإيران لتفقّد الأهل والأقرباء قام بعض أقاربي - اعتقاداً منهم بأنّني آلَف مشاهدة الأفلام الإباحيّة - بوضع بعض هذه الأفلام في متناولي. فبادرتُهم بالقول: أنا لم اُشاهد طيلة عمري مثل هذه الأفلام، بل لا تتوفّر لديّ فرصة مشاهدتها أساساً!

كما أنّني أعرف طالبين آخرين كانا قد سافرا إلى الولايات المتّحدة للدراسة بمشورة المرحوم آية الله البهشتي (رحمه الله) وما يزالان هناك. فمن أجل أن يستفيد هذان الطالبان من وقتهما الفائدة المثلى فقد عمدا إلى تنظيم برنامج صارم لحياتهما، إلى درجة أنّهما لم يخصّصا للقاء أقاربهم وأصدقائهم القادمين من إيران لزيارتهما إلاّ نصف ساعة من ليالي معيّنة من الشهر خشية أن يضيع وقتهما ويتخلّفا عن منهاجهم الدراسيّ!

فلو بنى الإنسان أمره على معاشرة جميع الناس فسوف يصاب تدريجيّاً بعدوى الأمراض المتفشّية في محيطه وسينسى الدراسة، والدين، والصلاة، والحياء، والعفّة، وغيرها الكثير من الاُمور. فالذين يحذّرون المرء من هذه الأنماط من المعاشرة لا يفعلون ذلك بغضاً وعداءً له، بل لأنّ هذه السجايا - حالها حال بعض الأمراض – معدية وأنّ كلّ مَن يتعرّض لها سيصاب بعدواها. وبطبيعة الحال فإنّ الطبيب الماهر العالِم بسبل مراعاة الصحّة العامّة والعارف بطريقة معالجة المريض، يستطيع – إلى جانب وقاية نفسه من المرض – علاج المريض المصاب بالعدوى. فمرافقة الضالّين من أجل إصلاحهم أمرٌ حسن، علّهم إذا لمسوا من الإنسان العاطفة والشفقة وحبّ الخير لهم يكفّون عن المعاصي ويعودون إلى جادّة الصواب. هذا بشرط أن لا يكون المرء مصداقاً لقول سعدي: «ماءُ الجدول قد يجرف الغلام الذي مهمّته السقاية منه»[4]. فلربّما عكف بعض قليلي الخبرة على معاشرة أهل المعاصي طلباً لإصلاحهم فتورّطوا هم، شيئاً فشيئاً، في حبائل الإثم والخطيئة.

اجتناب اللذّات المادّية خطوة نحو النموّ الاقتصاديّ

بناءً عليه فإنّ مغزى تعابير الروايات التي تذمّ الدنيا، كتشبيه الأخيرة بعظْمَة خنزير ميت يقذفها شخص مصاب بالجذام[5]، هو أن نحذَر من الولَع بالدنيا كلّ الولع، وليس أن نذر الكدّ والعمل ونعتزل الخلق في ركن قصيّ سالكين مسلك الرهبان.

فالعمل لخدمة خلق الله، لاسيّما قضاء حوائج العيال والأقارب والجيران، إذا ما اُنجز طلباً لرضا الباري تعالى، فهو عبادة يسمو ثوابها على الكثير من الصلوات والصيام. وليس لهذا الأمر ارتباط بعدم الوَلَه بلذّات الدنيا؛ فالإنسان المنهمك في العمل والمثابرة من أجل خدمة الخلق عليه أن يتجنّب الشغف بأموال الدنيا وثرواتها، لأنّ الشغوف بثروته لا يتسنّى له انتزاع قلبه منها من أجل خدمة الآخرين، خلافاً لمن لا يحبّ مال الدنيا فهو ينفقه بكلّ سهولة. فحبّ الدنيا لا يؤدّي إلى التطوّر، ليس هذا فحسب، بل يبعث أيضاً على الإمساك الذي يقف حجر عثرة أمام النموّ الاقتصاديّ.

لقد طرح أحد علماء الاجتماع الكبار نظريّة استناداً إلى الأبحاث التي أجراها على الأوضاع الاقتصاديّة للدول المسيحيّة. ومع كون النظريّة محطّ مناقشة ولا يستطاع تعميمها، لكنّ الاستنباط الذي توصّل إليه لافت للنظر. يقول: «الدول البروتستانتيّة، التي تعيش شعوبها عيشة القناعة بالقليل، تتمتّع باقتصاد أكثر ازدهاراً من الدول الكاثوليكيّة. والسرّ في ذلك يكمن في سجيّة القناعة لدى البروتستانت. فنتيجةً لعيش الأخيرين البسيط وقناعتهم بالقليل، فإنّهم يدّخرون بعض دخلهم موفّرين بذلك رأسمال للمشاريع الاقتصاديّة الضخمة، في حين أنّ الكاثوليك ينفقون كلّ ما يكسبونه بإسراف. بناءً عليه فإنّ العيش البسيط والقناعة مفيدان حتّى لتطوّر الجانب الاقتصاديّ». بالطبع إنّ مناقشة مثل هذه المسائل تحتاج إلى بحث عميق ودراسة تخصّصيّة.

فالثناء والإطراء على الفقر والتوصية بتوقير الفقراء هو سبيل عظيمة من سبل التربية الاجتماعيّة هدفها عدم إحساس المحرومين والمعوزين بالحقارة. فوجود الفقراء والمحرومين هو واقع لا مفرّ منه يعيشه كلّ مجتمع. وإنّ الطبيعة المادّية للإنسان تقضي بإهماله هذه الطبقة، وهو ما يقود – عمليّاً – إلى تخلّف المعوزين مادّياً عن الباقين حتّى في سائر المجالات فينتابهم - نتيجة لذلك – الشعور بالحقارة في أغلب الأحيان، وهذا الأخير يوطّئ - من الناحية النفسيّة - لاقتراف المعصية والجريمة؛ ذلك أنّ الذي لا يقيم لنفسه وزناً سوف لا يلقي لإهانة الآخرين له بالاً ولا يكترث لسماع شتائمهم تجاهه.

ومن أجل أن يحول الإسلام دون سقوط أفراد المجتمع في هذا المستنقع الآسن فقد رفض اعتبار الثروة والملكيّة مناطاً لاحترام الناس وميزاناً لشخصيّتهم ضمن المجتمع الإسلاميّ. فالإسلام يوصينا بأن لا نحقّر المتديّن المتّقي لمجرّد كونه لا يتمتّع بالثروة، وارتدائه الثياب القديمة الخَلِقة، وأنّه يعيش عيشة الفقر والعوز، بل علينا أن نحبّه ونُظهر له الاحترام ونجلسه إلى جانبنا في المجالس: «فأَدنِ الفقراء وقرّب مجلسَهم‏»[6]. فسلوك من هذا القبيل من شأنه أن يحيي أفراد طبقة من المجتمع كانت قد تهيّأت لهم أرضيّة الفساد والانحراف من ناحية من النواحي، فيحول دون شعورهم بالحقارة جرّاء فقرهم، وهو ما يجعلهم أفراداً ناجحين في المجتمع، وهذه أعظم خدمة للمجتمع البشريّ ولحضارته وثقافته.

ومع كلّ ذلك فهناك مَن يصرّ، بدافع الجهل أو بتحريض من الأجانب، على ضرورة وضع الأخلاق والثقافة الإسلاميّتين جانباً من أجل الحصول على التطوّرات الاقتصاديّة والعلميّة والصناعيّة غافلاً عن أنّ الالتزام بالقيم الإسلاميّة ليس أنّه لا يعيق التقدّم فحسب، بل ويشكّل - من خلال تهيئة الأرضيّات المناسبة - عاملاً مساعداً مهمّاً على صعيد التقدّم مادّياً أيضاً. ومع أنّ التطوّر المادّي لا يمثّل الهدف الرئيسيّ، بل هو أداة لتحقيق التطوّرات في الجانب المعنويّ والإنسانيّ، غير أنّ للأوّل علاقة مباشرة مع التكامل المعنويّ للمجتمع. ففي المجتمع الذي يسود فيه الصدق والإخلاص في العمل، يُنجز العامل عملَه بإتقان أكبر، وهو قلّما يعامَل بإجحاف من قبل ربّ العمل، وهذه أنماط سلوكيّة من شأنها أن تُعدّ البيئة للنموّ الاقتصاديّ.

فهناك من يتصوّر أنّه لابدّ، من أجل الوصول إلى التقدّم الذي يوازي ذلك الموجود في الدول الغربيّة، من قبول الثقافة الفاسدة لتلك الدول، غافلاً عن أنّ هذه الثقافة، ومن خلال إلهاء المرء باللهو والتمتّع باللذّات المادّية، تعمل على تلويث روح الإنسان وجسده وإمراضهما، وتحول بينه وبين الكدّ والعمل، ممّا يؤدّي إلى توقّف عجلة النموّ الاقتصاديّ في المجتمع. فالثقافة الغربيّة تجرّ إلى فساد أخلاقيّ، وهذا الأخير يقود إلى فساد اجتماعيّ واقتصاديّ أيضاً.

وإذا ما تصفّحنا تواريخ الاُمم البشريّة لَوقفنا على حقيقة أنّ معظم أشكال التطوّر، على المستويين المادّي والمعنويّ، إنّما حصلت على أيدي اُناس غير لاهثين وراء لذّات الدنيا عازفين عن التعلّق بها، بل كان أغلبهم من الطبقات الفقيرة ولم تكن هذه الاُمور متاحة لهم أساساً.

كما أنّ معظم الذين دافعوا عن نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله) ودينه في صدر الإسلام لم يكونوا يملكون من أموال الدنيا شيئاً. ومن الأمثلة على هؤلاء «أصحاب الصفّة» الذين لم يملكوا حتّى أثواباً تكفي لستر أبدانهم فكان كلّ تسعة منهم يشتركون في ثوب واحد. لكن المستعدّين لبذل أرواحهم ذوداً عن الإسلام كانوا من بين هؤلاء. وفي المقابل فالذين كانوا يملكون من العبيد والجواري الكثير كانوا من المحاربين للإسلام والحكومة الإسلاميّة.

وهذا ينسحب على زماننا أيضاً. فالذين بذلوا أرواحَهم في سبيل الثورة وجادوا بدمائهم أثناء الحرب المفروضة من دون أدنى منّة أو توقّع شيء في المقابل هم من عامّة أفراد الشعب الذين يملأون الأزقّة والأسواق ويعاني معظمهم من الفقر والفاقة.

هذا وإنّ التطوّرات الاقتصاديّة والعلميّة والصناعيّة التي نشهدها اليوم (في بلادنا) هي الاُخرى من صنيعة أشخاص من هذا القبيل. فعلى يد مَن حصل كلّ هذا التطوّر على المستوى العلميّ والصناعيّ والبحثيّ يا ترى؟ ومن أيّ اُسَر انحدر يا ترى اُولئك الذين وضعوا أرواحهم على أكُفّهم في سبيل التقدّم العلميّ النوويّ حتّى استُشهدوا في هذا الدرب؟ معظم هؤلاء ينحدرون من عوائل متوسّطة أو فقيرة. إنّهم أشخاص متديّنون يحضرون في صفوفهم الدراسيّة ومختبراتهم وهم على وضوء. وما كان إطراء الإمام الخمينيّ الراحل (قدّس سرّه) على «الحفاة» والافتخار بهم، وإطلاق تسمية «المرفّهين المترَفين» على أصحاب الثروات ورؤوس الأموال إلاّ انطلاقاً من هذه الثقافة الإسلاميّة.

إذن لا ينبغي أن نتصوّر أنّ توصية الإسلام باحترام الفقراء تعني التخلّي عن التقدّم المادّي ونبذ العلم والصناعة، بل إنّ مراد الإسلام منها هو عدم التعلّق بالثروة والانشداد إلى المادّيات، وضرورة انتزاع القلب من التشبّث بالمال والممتلكات وذلك من أجل خدمة خلق الله تعالى. فمَن هم الذين أسّسوا المرافق ذات المنفعة العامّة يا ترى؟ إنّهم الذين آمنوا بأنّ الله سيعوّضهم على إنفاق أموالهم في مثل هذه المواطن سبعمائة ضعف من الثواب، «وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ»[7].

فلنعلم أنّ إشاعة الثقافة الإسلاميّة الموصية باحترام الفقراء وببساطة العيش والقناعة هو ممّا يمهّد للتطوّرات المادّية، والعلميّة والصناعيّة أيضاً، ويورث – في نفس هذا العالم – المجتمعَ الإسلاميّ العزّة والمنَعة. ولا ينبغي أن نتصوّر أنّ أوضاع البلد الاقتصاديّة ستتحسّن إذا تصدّى للمسؤوليّة أشخاص همّهم اكتناز الثروة عن أيّ طريق، حلال أو حرام. فأمثال هؤلاء لا تحترق قلوبهم على أحوال الجياع، وهم يسعون في كلّ واد لحصد المزيد من الربح لأنفسهم. فلا يخدم الشعب إلاّ أمثال الشهيد رجائي الذين ذاقوا بأنفسهم مرارة الفقر.

هذا هو الدرس الذي يتعيّن لنا استلهامه من هذا المقطع من حديث المعراج الشريف. يقول ربّ العزّة جلّ وعلا في هذا الحديث لنبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله): «يا أحمد! أَبغِض الدنيا وأهلَها وأَحِبَّ الآخرةَ وأهلَها»[8].

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.


[1]. بحار الأنوار، ج74، ص28.

[2]. سورة الإسراء، الآية 62.

[3]. الكافي، ج1، ص95، باب مجالسة العلماء وصحبتهم.

[4]. بيت شعر للشاعر الإيراني سعدي جرى مثلاً يقول فيه: «شد غلامي که آب جو آرَد / آب جو آمد و غلام ببرد».

[5]. «ولَدنياكم أهوَن عندي من ورقة في فِيّ جرادة تقضمُها وأقذر عندي من عُراقَةِ خنزير يقذف بها أجذَمُها» بحار الأنوار، ج40، ص348.

[6]. إرشاد القلوب، ج1، ص201.

[7]. سورة البقرة، الآية 261.

[8]. إرشاد القلوب، ج1، 201.

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org