قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 21 تموز 2014م الموافق لليلة الرابعة والعشرين من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

حبّ مخلوقات الله

46

«يا أحمد! إنّ أهل الخير وأهل الآخرة رقيقةٌ وجوههم، كثيرٌ حياؤهم، قليلٌ حُمْقهم، كثيرٌ نفعهم، قليلٌ مكرهم، الناسُ منهم في راحة، وأنفسُهم منهم في تعب، كلامهم موزون، مُحاسِبين لأنفسهم متعِبين لها»[1]

إشارة

بحثنا في المحاضرات الفائتة حول بعض مقاطع حديث المعراج التي يوصي الباري عزّ وجلّ فيها رسوله الكريم (صلّى الله عليه وآله) ببغض أهل الدنيا ومحبّة أهل الآخرة. وحينما سأله (صلّى الله عليه وآله) عن ماهيّة أهل الدنيا وأهل الآخرة، بيّن الله تبارك وتعالى له بعض خصوصيّات الفريقين، وهو ما تكلّمنا عنه في المحاضرات القليلة الماضية.

ومتابعةً لاستعراض أوصاف أهل الآخرة يقول الباري تعالى: «كثيرٌ نفعهم، قليلٌ مكرهم». وانسجاماً مع ما جرى في الحديث في عرض بقيّة خصال أهل الآخرة في مقابل صفات أهل الدنيا، فإنّه في هذا المقطع أيضاً - وبعد أن وصم في المقطع السابق أهل الدنيا بالأنانية وعدم التفكير إلاّ بأنفسهم، وأنّهم لا يعتذرون من سلوكهم المشين، ولا يقبلون عذر الآخرين – يعرّف طلاّب الآخرة، في المقابل، بأنّ نفعهم للناس كبير وأنّهم لا يستخدمون في تعاملهم معهم أُسلوب النفاق والمكر.

التفكير الفرديُّ المذهب

قلنا في إحدى محاضراتنا الماضية، لدى تصنيف خصوصيّات طلاّب الدنيا وفق أدبيّات عالمنا المعاصر إلى ثلاثة مذاهب فكريّة؛ هي مذهب أصالة المتعة، ومذهب أصالة الفرد، ومذهب أصالة الحرّية الأخلاقيّة – قلنا: إنّ روح الأنانية والمنفعيّة تنبع من القول بأصالة الفرد. وبالنظر إلى أنّ سجيّة حبّ نفع الآخرين هي في مقابل النفعيّة الشخصيّة، نرى من المناسب أن نتوسّع بعض الشيء في البحث حول مذهب أصالة الفرد.

يؤكّد أحد المذاهب الأخلاقيّة الشائعة على جعل مناط تقييم سلوك الإنسان في مقدار اللذّة التي يصيبها من هذا السلوك. وقد قلنا فيما مضى أيضاً: يعتقد بعض أصحاب الرأي في حقل فلسفة الأخلاق بأنّ جذور أصالة اللذّة تمتدّ إلى أصالة النفع. فلو انهمك الإنسان - استناداً إلى هذا المعتقد – في إنجاز عمل لا متعة فيه، بل ويكلّفه تعباً ومشقّة أيضاً، غير أنّ النفع الذي يعود عليه بسببه يفوق المشقّة التي يتجشّمها لأجله، عُدّ هذا العمل قيّماً.

ومن ناحية أُخرى، وتأسيساً على المذاهب المادّية – التي يُعدّ المذهب الدنيويّ واحداً من فروعها – فليس هناك سبب لسعي الإنسان من أجل منفعة الآخرين. هذا النمط من التفكير إنّما يُستقَى من عقيدة أنّ عالم الوجود وكأنّه قد وُجد بمحض صدفة، ومن دون أيّ هدف أو غاية، عبر انفجار في المادّة، وأنّ العمليّة التطوّريّة لجميع المخلوقات إلى ظهور الإنسان هي مجرّد سلسلة من الأحداث العفويّة غير الهادفة، وأنّ كلّ فرد - وبعد أن يمضي فترة في هذا العالم مصارعاً جملة من الحوادث العرضيّة – يموت صدفة ويتحوّل جسده مرّة أُخرى إلى تراب. فماذا عسى الإنسان أن يصنع في هذه الدنيا، وفقاً لهذا الطراز الفكريّ، سوى الاستمتاع! فالإنسان الذي ليس وجوده في هذا العالم إلاّ حصيلة سلسلة من الأحداث العفويّة غير الهادفة، والذي ليس من عاقبة تنتظره سوى التحوّل إلى تراب، لماذا ينبغي له التفكير في نفع الآخرين؟ فإنّ رؤية من هذا القبيل، بشكل طبيعيّ، لا تُنتج غير مذهب أصالة الفرد، وضرورة تفكير المرء براحة نفسه.

التفكير الجماعيّ المذهب

لكنّ بعض الفلاسفة وجدوا، بعد تأمّلهم في هذه الرؤية، أنّها تتعارض مع أمور من قبيل التضحية وبذل النفس في سبيل الآخرين، ممّا يُعدّ من القيم الإنسانيّة المسلَّم بها. ومن هنا فقد ظهر في مقابل مذهب أصالة الفرد مذهب يتّخذ من الجماعة والمجتمع محوراً، ويُرجِع جميع القيم والمبادئ إلى نكران الذات. والإنسان في هذا المذهب لا ينبغي أن يفكّر في مصلحته الشخصيّة بتاتاً، بل يتعيّن أن ينحصر تفكيره في كيفيّة إيصال المزيد من النفع إلى الآخرين. وقد اصطُنعت لتبرير هذا المذهب أدلّة فلسفيّة، من جملتها: أنّه ليس لأيّ فرد من البشر كيان مستقلّ وأصيل غير المجتمع، وأنّ الذي يتمتّع بالأصالة هو المجتمع البشريّ. فالفرد، وفقاً لهذا المذهب، هو في الواقع خليّة من خلايا جسد المجتمع. إذ من الممكن لخلايا جسم الإنسان أن تُفصَل عنه وتستمرّ في الحياة خارجه إذا توفّرت لها الظروف الطبيعيّة الملائمة، غير أنّ الخليّة الواحدة أو العضو الواحد من البدن لا يُعدّ بمفرده إنساناً. فإنّ ملياراتٍ من الخلايا قد اجتمعت مع بعضها البعض وتآزرت فيما بينها لتبني جسم إنسان، لكنّ أيّ واحدة منها لا تُعتبر بمفردها إنساناً.

وفقاً لهذه الرؤية، التي تُصنّف في عداد النظريّات الفلسفّية المعروفة في علم الاجتماع، فإنّ الأصالة والوجود الحقيقيّ هما للمجتمع، وهو جسد تكوّن من اجتماع أفراد البشر وتواصلهم مع بعضهم، وإنّ كلّ فرد يبقى متمتّعاً بالحياة الحقيقيّة ما دام متّصلاً بهذه الجماعة، أمّا إذا قُطع الارتباط بينه وبين الجسد، فسيكون كالعضو المبتور من جسم الإنسان.

ولقد طُرحت على أساس هذا المذهب الفلسفيّ بحوث أخلاقيّة وقيميّة من قبيل تبرير قضيّة نكران الذات. ووفقاً لهذه النظريّة فإنّ رغبة الإنسان في نفع الآخرين تنطلق من كون حياته الحقيقيّة متعلّقة بهم، وأنّه بغياب التعامل والتعاون بين أفراد المجتمع باعتبارهم خلايا لجسد واحد فإنّ كيانههم سيكون عرضة للخطر. بل لقد ذهب البعض إلى عدّ أبيات الشاعر سعدي المعروفة (كلّ فرد من بني آدم عضو في المجتمع البشريّ والجميع مخلوق من جوهر واحد. فإن اشتكى عضو منهم تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى)[2] شاهداً على صحّة هذه النظريّة.

بناءً على ما تقدّم فإنّ كون صفة التفكير في الآخر قيمةً أخلاقيّةً له جذور فلسفيّة وتُستخلَص منه نتائج حقوقيّة واجتماعيّة مختلفة. ومنها أنّ الفكر القائم على أصالة المجتمع قد أنتج الشيوعيّة والعلمانيّة، وهما مذهبان يتعيّن على جميع القائلين بهما العمل لصالح المجتمع، وكلّ عضو لا يكون ذا نفع للمجتمع فهو إمّا أن ينفصل لوحده عن هذا الجسد (كما تنفصل خلايا الجلد الميتة المتقرّنة عن الجسد وتتساقط)، أو أن يتمّ إقصاؤه عنه باعتباره عضواً زائداً وضارّاً (كما يستأصل الجرّاح العضو المريض من البدن). وهذا ما كان يُعمل به في البلدان الشيوعيّة حيث يصار، تحت ذرائع شتّى، إلى التخلّص من المسنّين والعاجزين الذين لا أمل في أن يقدّموا نفعاً ما للمجتمع كي لا تذهب ثروات الأمّة سُدىً!

ولقد اجتذبت هذه النزعات – بطريقة أو بأخرى - أتباعاً من المدارس الفكريّة المختلفة، بل وحتّى من بين بعض المذاهب. ولقد راجت مثل هذه الأفكار الماركسيّة في بلدنا أيضاً، في مرحلة من المراحل، إلى درجة التحاق بعض المعمّمين رسميّاً بحزب «توده»، واستدلالهم – من أجل الترويج للماركسيّة - ببعض الآيات والروايات، لاسيّما روايات نهج البلاغة. وانطلاقاً من تصوّر أنّ الفكر الماركسيّ يمثّل تبريراً علميّاً وفلسفيّاً لتعاليم الإسلام الاجتماعيّة، فقد قدّم هؤلاء الإسلامَ كدين يدعو إلى أصالة المجتمع، هابطين – نتيجة لذلك - بالأحكام الفرديّة للإسلام، التي لا تجدي نفعاً للآخرين، كالصلاة، إلى مستوى الآداب والتقاليد المحلّية القليلة الأهمّية! فالمهمّ في نظرهم هو خدمة المرء للمجتمع وكونه ذا فائدة للناس.

أثر الاعتقاد بالمعاد على الأخلاق الاجتماعيّة

نحن نعلم بالطبع أنّ للإسلام رأياً آخر غير ما ذكرنا. فالإسلام يعتبر لكلّ فرد وجوداً خاصّاً، وتكليفاً محدّداً، ومصيراً معيّناً، وعاقبة مستقلّة، وهو قوله عزّ وجلّ: ﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً[3]، أي إنّ كلّ فرد من بني آدم يُحشر يوم القيامة بمعزل عن الآخرين؛ ﴿فَلا أَنْسَابَ‏ بَيْنَهُمْ[4]، فالعلاقات الدنيويّة التي كانت تجمع الأفراد تتفكّك في ذلك اليوم ولا يُسئل امرؤ عن أبيه أو أمّه، بل إنّه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ[5]. فكلّ امرئ يومئذ تشغله أعماله، والناس في ورطة وابتلاء عظيم بحيث يفرّ بعضهم من بعض.

إذن فلكلّ فرد من البشر في الإسلام – من ناحية - استقلالٌ وكيان شخصيّ وهو يحاسَب بمعزل عن الآخرين، كما أنّ الإسلام - من ناحية أخرى – قد سنّ أحكاماً وجعل قيماً اجتماعيّة أيضاً. فاهتمام الإسلام بخدمة الآخرين قد بلغ حدّاً بحيث إنّه أحياناً يُجزِل ثواباً عظيماً على تقديم خدمة صغيرة. فقد ورد في بعض الأخبار انّ ثواب قضاء حاجة الآخرين، وعلاج مشكلاتهم، وكشف الهمّ والغمّ عن قلوب الأرحام، ومساعدة الناس يزيد على ثواب مئات الحجج والعمرات المقبولة[6].

من هنا فمن الميسور القول إنّ الإسلام قد أقرّ بأصالة الفرد على الصعيد الفلسفيّ، أمّا على المستوى الأخلاقيّ الاجتماعيّ فهو يقول بأصالة المجتمع ويقدّم منفعة الجماعة على مصلحة الفرد. فالإسلام يفصل بين الشخصيّة المستقلّة لكلّ فرد وما يتعيّن عليها من تكاليف فرديّة، وبين علاقات الأفراد مع بعضهم البعض وتعاملاتهم الاجتماعيّة، فلا ينبغي أن نقع في فخّ المدارس الإلحاديّة عبر الخلط بين هاتين القضيّتين.

لكن على أيّ أساس يا ترى تمّ وصف أهل الآخرة بأنّهم «كثير نفعهم» أو نعت أهل الدنيا بأنّ: «نفعهم قليل»؟

لقد ذكرنا سابقاً أنّه ثمّة أُناس لا يؤمنون بوجود الآخرة، وهم يعتقدون: «إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ‏ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثينَ»[7]، ويزعمون بأنّ الإنسان إنّما يولَد في يوم من الأيّام، ويعيش في هذه الدنيا بضع سنين، ثمّ يموت في نهاية المطاف، وتنتهي دورة وجوده بتبدّل جسده إلى تراب. واعتماداً على وجهة نظر أمثال هؤلاء، الذين «نَسُواْ يَوْمَ‏ الْحِسَابِ‏»[8]، فإنّه ليس ثمّة تبرير عقلانيّ لإسداء الخدمات للآخرين والحرص على معالجة مشكلات الناس والنظر في قضاياهم، لأنّه يتحتّم على كلّ امرئ أن يعمل قدر المستطاع على استغلال فرصته المحدودة في هذه الحياة الدنيا في التمتّع باللذّات. فلو خُلِّيَ بين المرء ولذّاته، ولم يكن ثمّة مَن يحاسبه، فأيّ دافع من شأنه أن يدعوه إلى ترك اللذّة وتحمّل عناء خدمة الآخرين يا ترى؟

وفي المقابل فإنّ الذي يعتقد بوجود عالم آخر سوف يُثاب فيه أو يعاقَب على أعماله، فسوف يحذر من ظلم الآخرين، لعلمه بأنّ عذاباً سيحيق به في الآخرة جرّاء ظلمه. كما أنّه يعلم أنّ أيّ خدمة يسديها إلى الناس في الحياة الدنيا فسيثاب عليها أضعافاً مضاعفة في العالم الآخر. فأيّ صفقة أعظم ربحاً من هذه؟!

إنّ التبعات التي أتحفنا بها الفكر الإلحاديّ المتمثّل بمذهب أصالة الفرد ونزوع طلاّب الدنيا نحو اللذّات هي تلك التي نشاهدها اليوم في أغلب أصقاع العالم؛ ألا وهي تفكّك الأسرة، وعدم مبالاة الأولاد بآبائهم، ومحورية الذات، و..الخ. وفي المقابل فإنّ الإيمان بالمعاد والحساب والكتاب يبعث في الإنسان حالة المراقبة لأفعاله وأقواله وغضّ الطرف عن بعض اللذّات العابرة، لينال في الآخرة أضعافها من الأجر والثواب. بالطبع من الممكن أن يعتقد البعض، على مستوى اللسان، بالمعاد كجزء من أصول دينه، غير أنّ حياته – من الناحية العمليّة – لا تختلف عن حياة الكافر! بل لربما كان لبعض الكفّار سلوك أكثر سلامة وأخلاقيّة من سلوك بعض مدّعي الاعتقاد بالله ورسوله. فهمّ هؤلاء المدّعين الزائفين هي أمور الدنيا، وإن زعموا بألسنتهم شيئاً آخر. بل إنّ أمثال هؤلاء يستغربون من مخاوف الآخرين حيال الآخرة! وهذه هي طبيعة النظر إلى الحياة الدنيا بنظرة كونها أصيلة والتي من لوازمها الإيمان بمذهب أصالة الفرد، وطلب اللذّة، وحبّ الذات. وحتّى لو قدّم أمثال هؤلاء خدمة إلى غيرهم فهم – في الواقع – يرومون استجداء منفعة دنيويّة منهم. في حين أنّ الشخص المؤمن بالآخرة، الذي لا يروم من أعماله غير الحصول على المزيد من الثواب يوم القيامة، يؤْثِر خدمة الآخرين – ابتغاء أجرها الأخرويّ الجزيل – على لذّاته ومصالحه الشخصيّة في هذه الدنيا.

وأعلى من هؤلاء أولئك الذين ذاقوا حلاوة محبّة الله وهم يعلمون أنّ الله تعالى فيّاض ورؤوف إلى درجة أنّه خلق الكون كلّه من أجل إفاضة رحمته، وأنّ كلّ مخلوق من مخلوقات هذا العالم هو رمز ومظهر للرحمة الإلهيّة. فالله يحبّ جميع هذه الموجودات ويرغب في أن تتكامل كي تستحقّ المزيد من رحمته. ومن هذا المنطلق فإنّ الذي يحبّ الله تعالى ينبغي أن يحبّ عباده، ومثلما يرغب هو في بلوغ الكمال، فإنّ عليه أن يسعى في تكامل باقي العباد أيضاً. وهي نظرة تحتلّ مقاماً أعلى وألطف من مقام طلب ثواب الآخرة وخوف عقابها. وتأسيساً على هذه الرؤية فإنّ محبّة الله ستمثّل الباعث الوحيد لخدمة خلق الله تبارك وتعالى. فالمؤمن الذي يحبّ الله سوف لا يتحمّل حتّى رؤية حيوان جائع، لأّنه مخلوق من مخلوقات الله عزّ وجلّ.

بالطبع هناك في هذا المجال، كما في المجالات الأخرى، إفراط وتفريط. فالبعض – على سبيل المثال – يعتقد، استناداً إلى هذه الفكرة، بأنّه لا ينبغي إعدام كائن حيّ أو قتل حيوان على الإطلاق، لأنّ الله هو الذي قد وهبه الحياة. ولقد بلغ الإفراط في هذا المضمار إلى حدّ تقديس البقرة، مثلاً، بل وعبادتها في بعض المذاهب الهنديّة. وحرّم بعضهم الآخر على نفسه أكل لحم أيّ حيوان.

لقد نسي هؤلاء بأنّ الله تعالى قد صاغ نظام هذا العالم بحيث لابدّ، من أجل خلق أيّ ظاهرة جديدة، أن يصار إلى دمج الظواهر السابقة بها، أو محوها. من باب المثال، فإنّ المخلوق الحيّ بحاجة، من أجل البقاء على قيد الحياة، إلى الغذاء. وإنّ الإله الذي خلق هذه المخلوقات قد صمّم نظامَ العالم بحيث تفدي بعض هذه المخلوقات نفسها في سبيل تكامل المخلوقات الأخرى. فالشاة مهما طال عمرها تبقى شاة، أمّا الإنسان فباستطاعته الرقيّ ليصبح «ابن سينا»، أو «سلمان الفارسي» (عليهما الرحمة). إنّه قانون الله. فالله تعالى هو الذي أمر الإنسان، من أجل أن يبقى حيّاً، بأكل لحم الشاة. لكن علينا أن نعلم أنّنا من دون إذن الله تعالى لا يجوز لنا القيام بذلك.

أهمّية الأفكار الأساسيّة

بالرجوع إلى ما قيل سلفاً نفهم أنّ علينا أوّلاً إصلاح رؤيتنا، وأن نعلم ما نحن؟ هل نحن مجرّد هذا البدن المادّي الذي سيموت ذات يوم ويتحوّل إلى تراب؟ أم ثمّة جزء آخر فينا اسمه الروح قد نفخها الله في أجسامنا: «نَفَخْتُ‏ فِيهِ‏ مِنْ رُوحِي»[9]، وسيستردّها مَلَك الموت يوماً منّا: «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا»[10]، «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ»[11]؟ والاستيفاء يعني أخذ الشيء كلّه دفعة واحدة، ويعني أنّ ملَك الموت يأخذ روحكم ووجودكم مرّة واحدة. فالبدن الذي تراه هو ثوب ستخلعه يوماً ما وسيتحوّل إلى تراب. وإنّ هويّتك الرئيسيّة هي شيء آخر يبقى مصاناً محفوظاً حتّى بعد الموت، بل وإلى يوم القيامة، ثمّ تعود كرّة أخرى، وتُبصر ثمار أعمالك.

علينا أن نعلم أنّ الحياة في هذه الدنيا هي عبارة عن دورة جنينيّة، أمّا الحياة الأصيلة فتشرع بعد الموت. بل هناك علاقة تربط هذه الحياة بالحياة في الآخرة. فعلينا أن نزرع في هذا العالم، كي نحصد ما زرعنا في العالم الآخر. فليس ذلك العالم محلاًّ للزرع والغرس.

نستشفّ من ذلك أنّ علينا الإفادة غاية الفائدة من أعمارنا، وأن نزرع ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ونصون ما زرعنا، كي يوافينا يوم القيامة سالماً صحيحاً، فنكون قادرين في ذلك اليوم على الانتفاع منه.

أمّا إذا أغفل المرءُ الآخرةَ فسيُبتلى بمذهب أصالة الفرد، واللهث وراء اللذة، وحبّ الذات، وسيكون كلّ ما يملك منحصراً في هذه الدنيا، ولن يكون له في الآخرة شيء يحصده.

وكلّما قويت هذه العقيدة في النفس تراءَت القيم المذكورة للإنسان بشكل أوضح، لوجود علاقة منطقيّة بين تلك المعتقدات وهذه القيم. ومن باب المثال فإنّ الذين لا يحملون مثل هذا الإيمان هم كمَن: «أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً»[12]. فهؤلاء يأتون بأعمال يتخيّلون أنّها ذات قيمة عظمى، لكن بمجرّد ما يفتحون أعينهم على عالم الآخرة، فهم لا يرون شيئاً: «وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً»[13]. أناس كهؤلاء ليست أعمالهم، كلّ أعمالهم، سوى هباء منثور ليس له أدنى قيمة.

فالعمل ذو القيمة هو ذلك الذي يؤتى به عن إيمان: «وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولـٰئِكَ كَانَ‏ سَعْيُهُمْ‏ مَشْكُوراً»[14]. فلو كان سعي الإنسان وجهده نابعاً عن إيمان، فهو قيّم.

بناءً على ما تقدّم، فنحن مطالَبون بتدعيم ركائزنا الفكريّة قدر ما نستطيع. فكلّما كان إيماننا أعظم قوّة، وأشدّ وضوحاً، وأكثر رسوخاً وتجذّراً، كانت أعمالنا أكبر قيمة، وكانت في سعادتنا الأبديّة أمضى أثراً.

وصلّى الله على محمّد وآله



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص24.

[2]. إشارة لأبيات سعدي، الشاعر والأديب الإيراني المعروف: «بنی ‌آدم اعضای يکديگرند * که در آفرينش ز يک گوهرند؛ چو عضوی به درد آورد روزگار * دگر عضوها را نماند قرار».

[3]. سورة مريم، الآية 95.

[4]. سورة «المؤمنون»، الآية 101.

[5]. سورة عبس، الآيات 34 - 36.

[6]. على سبيل المثال ما جاء في الأمالي للصدوق، ص237 عن الصادق (عليه السلام) يقول: «قضاء حاجة المؤمن أفضل من ألف حجّة مُتقبَّلة بمناسكها وعتق ألف رقبة لِوجه الله وحُملان ألف فرس في سبيل الله بسُرُجها ولُجُمها».

[7]. سورة «المؤمنون»، الآية 37.

[8]. سورة ص، الآية 26.

[9]. سورة الحجر، الآية 29.

[10]. سورة الأنعام، الآية 61.

[11]. سورة السجدة، الآية 11.

[12]. سورة النور، الآية 39.

[13]. سورة الفرقان، الآية 23.

[14]. سورة الإسراء، الآية 19.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org