قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(8)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 22 كانون الثاني 2014م الموافق للعشرين من ربيع الأول 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

الخلوة الليليّة بالله ضروريّة لمحبّته

المناجاة الليليّة

 

لقد تلوتُ على مسامعكم في إحدى المحاضرات الفائتة رواية يوحي الله عزّ وجلّ فيها لأحد الصدّيقين: «أنّ لي عباداً من عبيدي يحبّونني واُحبّهم». ثمّ يقول سبحانه في الرواية نفسها ردّاً على سؤال الصدّيق عن علامات هؤلاء العباد: «يراعون الظلال[1] بالنهار كما يراعي الشفيقُ غَنَمَه، ويحِنّون إلى غروب الشمس كما تحنّ الطير إلى أوكارها عند الغروب» فعندما تمتدّ الظلال وتغيب الشمس  يتوجّهون إلى ركن يناجون الله فيه كما تتوجّه الطيور إلى أوكارها.

لقد أَولَت الآياتُ القرآنيّة والروايات الشريفة مناجاةَ الله تعالى والصلةَ به في جوف الليل اهتماماً بالغاً. وبمطالعتنا الأحاديث القدسيّة الموحاة إلى الأنبياء الماضين نكتشف أنّ هذا الأمر كان مطلوباً أيضاً حتّى في الديانات السابقة. يقول عزّ من قائل في مستهلّ سورة «المزمّل» التي نزلت على نبيّنا الكريم (صلّى الله عليه وآله) في أوائل أيّام رسالته: «يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ الَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلاً»[2]؛ أي: قم الليل واعكف أثناء نصفه أو ثلثيه أو على الأقلّ ثلثه على العبادة. ثمّ يقول تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ»[3]؛ فالله يعلم أنّك تقوم كلّ ليلة ما بين ثلثها إلى ثلثيها. فعندما يكون لديك متّسع من الوقت، فإنّك تقوم ثلثَي الليل، وأحياناً نصفه، لكنّ عبادتك لم تنقص في يوم من الأيّام عن ثلث الليل. والملفت أنّه جلّ وعلا يقول: «وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ»؛ فأنت لست وحدك الذي تعبدني بهذه الكيفيّة، بل إنّ جماعة ممَّن آمنوا بك يصنعون ما تصنع. ويقول تعالى في آية اُخرى: «كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»[4]؛ فهم لا يستريحون إلا في شطرٍ من الليل أمّا في الجزء الأكبر منه فإنّهم يمارسون العبادة. وعلى أيّة حال فإنّ للّيل مكانة خاصّة. بالطبع إنّ العبادة مطلوبة دوماً، بل لابدّ لبعض العبادات من أن يُؤتىٰ بها نهاراً، كفريضة الظهر والعصر ونوافلهما وأدعيتهما، لكنّ هذه العبادات تُعدّ باهتة أمام عبادة الليل وانّ الاهتمام بالأخيرة أكبر.

وروي في موضع آخر أنّ الله تعالى أوحى لنبيّه موسى (على نبيّنا وآله وعليه السلام): «يا ابن عمران! كذب مَن زعم أنّه يحبّني فإذا جنّه الليل نام عنّي» ولم يذكرني. ثمّ يقول تعالى: «أَليس كلّ مُحبّ يحبّ خلوة حبيبه»[5]. فهل يعقل أن تتهيّأ للمرء فرصة الخلوة بحبيبه ثمّ يفوّتها؟! فهل يُعقل من الإنسان الذي يحبّ شخصاً ويطول انتظاره لفرصة الاختلاء به ومجاذبته أطراف الحديث وبثّه ما يعتلج في صدره من هموم - هل يعقل، إذا سنحت له فرصة الخلوة به وليس ثمّة أيّما ضوضاء، أن يتركه ويخلد إلى النوم؟!

وقد وردت في كتب الأدعية وأمثالها ألوان من المناجاة الخاصّة باولئك الذين يُحيون أسحارهم ويحتوي بعضها على مضامين رائعة جدّاً تؤكّد على نفس هذا المعنى؛ وهو أنّ الواجبات الشرعيّة والاجتماعيّة ومشاكل الحياة اليوميّة في ساعات النهار لا تذر للإنسان مجالاً للمناجاة مع الله والتوسّل به، أمّا الليل، فهو الوقت الذي تهدأ فيه الأصوات ويحلّ السكون وتحلو الخلوة. وعلى الرغم من أنّ الليالي في هذه الأيّام صارت كالنهار وأنّ البعض ينام نهاره ويخرج ليلاً للتجوال والتسلية، غير أنّه – على أيّة حال - لا زالت هناك ساعات من الليل مخصّصة للنوم والاستراحة والخلوة.

في مناجاة منسوبة للإمام زين العابدين (عليه السلام) يصف فيها ساعات الليل بهذا الوصف: «إلهي! غارَت نجوم سماواتك، ونامت عيون أنامك... وغلَّقَتْ ملوك بني اُمَيّة عليها أبوابها، وطاف عليها حرّاسها»[6]؛ إلهي! لقد تغيّرت مواضع النجوم واقتربت إلى الاُفق بعد أن كانت في كبد السماء، ونامت أعين الناس، وهيمن الصمت والسكون على العالم. وغلّق الملوك أبواب قصورهم ووضعوا عليها حرّاسهم كي لا يَغِير عليهم أحد ليلاً. فكلّ الأبواب مغلَّقة ولا يؤذَن لأحد بالدخول، أمّا بابك فمفتوح وليس عليه من حاجب أو مانع: «أبواب سماواتك لمَن دعاك مفتَّحات، وخزائنك غير مغَلَّقات، وأبواب رحمتك غير محجوبات». وأنت تدعو أولياءك، وتوصيهم بإصرار أنْ: هلمّوا إليّ، فإنّني على استعداد لغفران ذنوبكم، وقضاء حوائجكم، والاُنس معكم.

ما هي حقيقة مناجاة الليل، ولماذا نهتمّ بها؟

وهنا يكمن سؤال: ما هي الخصوصيّة التي تتمتّع بها العبادة والمناجاة في الليل؟ وما الضرورة لاختلاء المرء بربّه، وعبادته أثناء الليل؟ لماذا كلّ هذا الإصرار على صلاة الليل، وأنّه إذا لم تستطع الإتيان بإحدى عشرة ركعة، فأتِ بثلاث ركعات (الشفع والوتر) على الأقلّ، وإن لم تقدر على الثلاثة، فصلّ ركعة الوتر وحدها. بل إذا لم تُصَلّ هذه الركعة بأكملها، فاكتَفِ - على أقلّ تقدير - بالحمد والسورة، أو حتّى بالحمد فقط؟ فما هي الخصوصيّة في الاستيقاظ في السحر والإفادة من وقت الفراغ في الليل؟ لقد دأب النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في سنّةٍ لَه على الاستيقاظ ثلاث مرّات في الليل؛ فكان يستيقظ في الاُولى فيأتي بأربع ركعات، ثمّ يستيقظ بعد استراحة قصيرة فيصلّي أربع ركعات اُخريات. ثمّ يعود للاستراحة حتّى يستيقظ للمرّة الأخيرة فيصلّي ثلاث ركعات هي الشفع والوتر. وقد كان بعض عظمائنا وعلمائنا ممّن التزموا بسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذه يسلكون نفس هذا السلوك.

يقول أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) في حديث مرويّ عنه: «أَليس كلّ مُحبّ يحبّ خلوة حبيبه»[7]. ألا يحبّ كلّ عاشق أن يخلو بمعشوقه؟! ألا يرجّح الإنسان الخلوة بمحبوبه على الاجتماع به بحضور الآخرين؟ قد تكون لهذا الموضوع بالنسبة لمختلف الناس أسباب وعللّ شتّى، لكنّ العلّة الأساسيّة والعقلائيّة – ناهيك عن البُعد النفسيّ – هي أنّ مقتضى المحبّة هو أنّ المحبّ يودّ أن تربطه بمحبوبه علاقة خاصّة ليبثّه همّه، ويحاوره، ويُظهر له حبّه. كما أنّ القضيّة الرئيسيّة في هذا المطلب هي أنّ الإنسان يرغب في أن يبادله حبيبه نفس العاطفة، وهو يريد – من أجل تقوية هذه العلاقة العاطفيّة الثنائيّة الجانب – أن ينصبّ كلّ اهتمامه على محبوبه، ويركزّ محبوبُه كامل اهتمامه عليه. فلا يخفى على أحد أنّ المحبّ إذا تحدّث إلى محبوبه أحبّ أن يلتفت محبوبُه إليه، فإذا أعرض الأخير عنه وتكلّم مع شخص آخر، استاء وانزعج. كما أنّ السبب الآخر في رغبة الإنسان في الخلوة بمحبوبه هو أنّه ليس ثمّة في هذه الحالة مَن يزاحمه على محبوبه، وما من شيء يحرِف انتباهه عنه، بل وقد يُجتَنَب أحياناً حتّى الضياء والضوضاء. ولعلّكم شاهدتم كيف أنّ بعض المطاعم تضيء مصابيح خافتة، بل شموعاً، ويحرص الأصدقاء الذين يرتادونها على أن لا ينتبه إليهم أحد. ولعلّ السبب من وراء الاهتمام الخاصّ الذي توليه القصائد الغزليّة والقصص الرومانسيّة لموضوع «المنافِس» هو هذا أيضاً. بالطبع إنّ هذا الأمر قد يكون بسبب الحسد أحياناً، غير أنّ له سبباً عقلائيّاً أيضاً وهو أنّ وجود المنافِس يستقطب نصف اهتمام المحبوب. فالمحبّ يوَدّ لو أنّ اهتمام المحبوب موجَّه له فحسب، وإذا شاهد أنّ قلب المحبوب يميل لشخص آخر وأنّه يحبّه أيضاً، أو أنّ شخصاً ثالثاً يضايق حوارهم، فسينزعج.

الفارق بين الخلوة بالله والخلوة بالإنسان

بما أنّ الناس لهم تعلّقات شتّى، فإنّه لا مفرّ لهم من هذه المعضلة. فقد لا نعثر في هذا العالم على عاشق ومعشوق يركّزان كلّ التفاتهما على بعضهما، ولا ينتبهان إلى شيء آخر قطّ. أمّا محبّة الله عزّ وجلّ فتختلف. فعلى الرغم من أنّ لله مليارات المخلوقين، فإنّهم لو أحبّوه جميعاً فهو جلّ وعلا يسلك مع كلّ واحد منهم وكأنّه ليس له عبد سواه. إذ أنّه: «لا يشغَلُه شأنٌ عن شأن»[8]. فالتفات الله تعالى لا يتجزّأ ليعطي مقداراً منه لأحد ويعطي مقداراً آخر لثانٍ. فالإنسان لا يخشى من اهتمام الله بغيره إذا علم أنّه تعالى مهتمّ به، وذلك لعلمه بأنّ التفات الله عزّ وجلّ لسواه لا ينقص من التفاته إليه. فالقلق ينشأ من قلّة اهتمام المحبوب بالمحبّ وخفوت العلاقة القائمة بينهما. لذا فلا مجال للمنافسة فيما يتّصل بالباري تعالى، إذ حتّى لو كان لله تعالى مليارات من المحبّين فسيتصرّف معهم جميعاً كما لو أنّه ليس له سوى عبد واحد، فيستطيع الجميع الاختلاء به واستقطاب اهتمامه من دون أن تضرّ كثرة المحبّين بذلك.

وحيث إنّنا معاشر البشر نقيس هذه الاُمور بأنفسنا، فإنّ استيعابها بالنسبة لنا أمر صعب. فنحن إن أحببنا شخصين فسنمنح نصف قلبنا لهذا ونصفه الآخر لذاك، ومن هنا نتصوّر أنّ حبّ الله هو أيضاً بهذه الطريقة وأنّه تعالى عندما يحبّ جميع عباده فإنّه – والعياذ بالله – يقسّم قلبه بينهم جميعاً. لكنّه ليس الله وحده المنزَّه عن ذلك، بل حتّى بعض عباده الخاصّين فإنّهم ليسوا على هذه الشاكلة أيضاً. فعندما ندخل إلى حرم السيّدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) نشاهد جموعاً غفيرة من الناس يخاطبونها بشتّى الألسن، ويسألونها مختلف الحوائج، فهل إنّها لا تسمعهم يا ترى؟!

إنّ فهم هذا الأمر صعب بالقياس بنا نحن البشر العاديّين. فلو تحدّث إلينا ثلاثة أو أربعة أشخاص في آن واحد فإنّنا لا نستطيع فهم كلامهم جميعاً ولا نستطيع توجيه الخطاب إلا لواحد أو اثنين منهم، وبمشقّة. صحيح أنّ الخبراء يقولون إنّ الإنسان إذا تمرّن وتدرّب فسيتمكّن من سماع سبعة أصوات كحدّ أعلى في آن واحد. لكن أين هذا من الاستماع إلى آلاف الناس معاً، والردّ عليهم أيضاً؟! ليس هذا فحسب، بل إنّ أولياء الله يعلمون أيضاً السبيل إلى قضاء حاجة كلّ فرد، فيسألون ذلك من ربّهم، فيتفضّل الله عليهم بقضائها. وهذا ما يتّصل بالسيّدة المعصومة (سلام الله عليها)، وهي ليست نبيّاً ولا إماماً، بل هي بنت عظيمة الشأن من ذرّية هذا البيت الطاهر. فأمر المعصوم مختلف؛ فلو نادى أهل العالم أجمع الوجود المقدّس لصاحب العصر والزمان (أرواحنا فداه) في آن واحد، لسمعهم قاطبة.

ذكرنا أنّ مُنية الإنسان هي في أن لا يلتفت محبوبه إلا إليه وأن يملأ وعاءَه. وهذه الحالة تتحقّق عادة في الخلوة. وهو أن يرغب الطرفان في تحقّق الوصل في الخلوة كي لا يلتفتا إلا إلى بعضهما وتقوم بينهما علاقة روحيّة بأكمل وجوهها. ففي مثل هذه الأحوال، حتّى الضياء قد يشكّل لهما مصدر إزعاج، فلا يُفيد المحبّ من النور إلا بالمقدار الذي يتيح له رؤية وجه حبيبه. بل وقد يصل الأمر إلى درجة لا يرغب المحبّ فيها حتّى في رؤية وجه الحبيب، إذ بمجرّد أن يعلم أنّ اهتمام الطرف الآخر منصبّ عليه فإنّه سيشعر باللذّة. ولهذا فمن الطبيعيّ أن يرغب الإنسان في الخلوة بحبيبه.

مناجاة الليل أداء حقّ المحبّة

السؤال هنا: هل إنّنا نحبّ الله حقّاً؟ فهل يصحّ أن نُعرض عن الربّ - الذي أسبغ علينا كلّ هذه النعم، ولا زال يحوطنا بلطفه ورحمته وكرمه، على الرغم من كلّ مساوئنا وأقذارنا – ونُسلِم أنفسنا للنوم طول الليل من دون أن نذكره ولو لمرّة؟! فلا بأس أن يتأمّل الإنسان في هذا الأمر قليلاً. فقد أكّدت الروايات أيضاً على أنّه: إذا كُنتَ طالب محبّة، فتفكّر. إذ أنّ التفكّر في آلاء الله جلّ شأنه، وصفات كماله، وألطافه، وتجاوزه، وتفضّله يبعث على ازدياد محبّة الإنسان لربّه.

وبالطبع ليست القضيّة هي أنّ الذين ينامون ليلهم حتّى الصباح ولا يستيقظون لصلاة الليل - مثلاً - لا يحبّون الله، لكنّهم – على أقلّ تقدير – لا يؤدّون حقّ المحبّة، وقد شغلت قلوبهم مشاغل الحياة الاُخرى، فلم تَعُد محبّتهم بالمقدار الذي يغلب عليهم. إذ يجب أن نعلم أنّ حدّ نصاب المحبّة هو أن يخصّص الإنسان - على الأقلّ - نصف ساعة من مجموع ساعات ليله لمناجاة ربّه. لاسيّما وأنّه عزّ وجلّ يدعوه، ويصرّ عليه، ويرسل له الرسل، وينزل عليه عدداً من الآيات في أهمّية هذا الأمر. فلعمري إنّ إهمال هذا الأمر لهو جفاء، وإنّ على الإنسان أن يبذل غاية وسعه كي يغترف من معين المحبّة هذا غُرفة. وليعلم أنّ نِعم الباري تعالى لا تنحصر في المأكولات والمشروبات.

تزاحم الواجب والمستحبّ

ثمّة سؤال آخر قد يتبادر إلى الأذهان، لاسيّما إلى أذهاننا نحن طلبة العلوم الدينيّة، وهو: صحيح أنّنا نحبّ الله، وأنّنا لا ندّعي ذلك كذباً، لكنّه ثمّة تكاليف قد أوجبها الله علينا؛ فطلب العلم بالنسبة لنا واجب، وعلينا أن نتباحث ونذاكر ونقوم بالبحوث العلميّة ونبلّغ الدين وما إلى ذلك. فهذه كلّها تكاليف واجبة، أمّا الاستيقاظ عند السحر وأمثال ذلك فمستحبّ. فهل يجوز، من أجل عمل مستحبّ، أن نترك بعض واجباتنا؟ فهذا السؤال قابل للطرح - لفظاً - ومن الواضح أنّ جميع الفقهاء سيجيبون قطعاً بأنّ الواجب مقدّم على المستحبّ، ولابدّ - عند التزاحم - من ترك المستحبّ وأداء الواجب. لكنّ الحقيقة هي أنّ الأمر ليس بهذه الصورة؛ فما عدا الساعات التي ننفقها طيلة النهار على طلب العلم والمباحثة وأداء الواجبات فإنّ لدينا أوقاتاً اُخرى بحيث إنّنا لو برمجنا وقتنا بشكل جيّد لتسنّى لنا الاستيقاظ ولو لربع ساعة قبل الفجر وتخصيصها لعبادة السحر، فإنْ أصابنا بعض التعب، ففي ميسورنا الاستراحة قليلاً بعد صلاة الصبح. صحيح أنّ النوم بين الطلوعين فيه كراهية، لكنّه إذا دار الأمر بين الاستيقاظ في السحر وترك النوم بين الطلوعين، لكان الأوّل أَولَى.

يُنقل أنّ أحد طلاب العلوم الدينيّة قد طرح على الشيخ الأنصاريّ (رضوان الله تعالى عليه) هذه المسألة فقال: إنّنا نرغب في أداء المستحبّات، لاسيّما نافلة الليل، غير أنّ لدينا دروساً وبحوثاً؛ فهل يجوز أن نُنقص شيئاً من مذاكرة الدروس لنتفرغّ – عوضاً عنها - لنافلة الليل؟[9] فسأله الشيخ الأنصاريّ: شيخنا! هل تدخّن النرجيلة؟ ولما أجاب الطالب: نعم يا شيخنا، فأنا ادخّنها كما يفعل الآخرون[10]، قال الشيخ الأنصاريّ: اُترك واحدة منها وصلّ صلاة الليل بدلاً عنها. فتدخين النرجيلة يتطلّب بعض المقدّمات، فتحضير التبغ وإعداد الفحم يستغرق وقتاً. إذن قم بحذف إحداها وصلّ صلاة الليل بدلاً عنها، فثواب الأخيرة أكبر من تدخين النرجيلة، وعندها لن يكون ثمّة تزاحم.

وفّقنا الله جميعاً إلى العمل بما يرضاه، وبما فيه سعادتنا إن شاء الله. 


1. هناك احتمال قويّ بأنّ المراد من ذلك هو انتظارهم ذهاب الظلّ قبل الظهر كي يهرعوا إلى صلاتهم في أوّل وقتها، ثمّ انتظارهم، بعد ذلك، امتداده حتّى يدركوا وقت فضيلة العصر.

2. سورة المزمّل، الآيات 1-4.

3. سورة المزمّل، الآية 20.

4. سورة الذاريات، الآيتان 17 و18.

5. أمالي الصدوق، ص356

6. دعائم الإسلام، ج1، ص212.

7. أمالي الصدوق، ص356

8. إقبال الأعمال، ج1، ص201.

9. لعلّ هذا الطالب لم ينظر إلى أنّ مذاكرةَ الدروس أمر واجب، وأراد أن يعرف أيّ هذين المستحبّين أفضل.

10. تدخين النرجيلة كان في الماضي أمراً شائعاً بين عامّة الناس، بل ومتعارفاً أيضاً حتّى بين أوساط طلبة الدين والعلماء.

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org