قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 15 تموز 2014م الموافق لليلة الثامنة عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

الفقراءُ الإلهيّون!

40

 

إشارة

تناولنا في المحاضرات الماضية بحثاً في مقاطع من حديث المعراج القدسيّ دار محوره الرئيسيّ حول محبّة الله وقد طُرحَت فيه اُمور من قبيل: كيفيّة تهيئة الأرضيّة في قلب الإنسان لتحقّق محبّة الله، وشروط بقاء هذه المحبّة، والآثار الناجمة عنها، والأمارات التي يستطيع الناس من خلالها التمييز بين المحبّ الحقيقيّ والذي يدّعي المحبّة كذباً. كما أشرنا في سياق البحث إلى قضيّة أنّ المحبّة هي حقيقة حيثما وُجدت، شعّ نورُها على آثارها وتوابعها ولواحقها. فالذي يحبّ امرأً سيحبّ متعلّقاته بالضرورة؛ فإنّه يقبّل صورته، ويشمّ ثيابه، ويطوف بداره، ويتباهى بمدينته وبلده. ولا يعني هذا السلوك احتواء قلب هذا العاشق على ألوان متعدّدة ومتمايزة من الحبّ، بل إنّ جميع هذه الأشكال من إظهار الودّ هي أشعّة من محبّة صاحب الصورة والثياب والدار تشعّ من قلب المحبّ. فالذي يشغفه حبّ الله تعالى فإنّه سيحبّ أولياءه بطبيعة الحال. وليس الحبّ الأخير بمنفصل عن سابقه، بل إنّ شعاع المحبّة لله إنّما يسطع أيضاً على أوليائه. ومع قليل من التأمّل سندرك أنّ المغرَم بالله تبارك وتعالى هو محبّ بالضرورة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وآله الأطهار (عليهم السلام) من أجل حبّه لله.

كذلك فإنّ حبّ الله عزّ وجلّ يتطلّب في بعض الأحيان معاداة بعض الناس. فليس في ميسورنا القول إنّ فلاناً من الناس يحبّ الله، لكنّه يحبّ عدوّه أيضاً! نعم قد لا يكون هذا الترابط واضحاً في بعض الأمثلة ويكون بحاجة إلى توضيح. كما أنّ التأكيد قد تمّ في حديث المعراج على حبّ بعض الأصناف من الناس، إلى درجة أنّه فسّر محبّة الله بمحبّتهم، لكنّ العلاقة بين حبّ الله وحبّ هؤلاء ليست واضحة المعالم. كذلك فإنّ التلازم بين محبّة الله ومعاداة المعاندين له ولدينه يمكن استيعابه بسهولة، إلا أنّه ليس على هذه الدرجة من الوضوح في بعض المواطن. ولعلّ تذكير حديث المعراج بهذه الاُمور يرجع إلى هذا السبب. وسنتعرّض فيما يلي إلى واحدة من هذه الموارد.

محبّة الله مودَعة في محبّة الفقراء!

«يا أحمد! إنّ المحبّة لله هي المحبّة للفقراء»[1]. وفي أدب العرب فإن «هي»، وهي ضمير الفصل، إذا دخلت على خبر معرَّف بالألف واللام فإنّها تفيد الحصر. أي: إنّ المحبّة لله هي نفسها المحبّة للفقراء. ولو أنّ الله تعالى كان قد قال، عوضاً عن هذا الكلام: إنّ محبّة الله هي محبّة الأنبياء أو الأولياء، فسوف لا يصعب على المتلقّي فهم الترابط بين المحبّتين، لكنّ إدراك قضيّة أنّ محبّة الله مخبّأة في محبّة الفقراء هو أمر صعب. ولعلّ سؤال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ربَّه عند سماعه هذا الكلام: «يا ربّ! ومَن الفقراء» الذين محبّتهم هي عين محبّتك؟ يرجع إلى هذا السبب.

يقول الله عزّ وجلّ جواباً لنبيّه الكريم: «الذين رضُوا بالقليل، وصبروا على الجوع، وشكروا على الرخاء، ولم يشكوا جوعَهم ولا ظمأَهم، ولم يكذبوا بألسنتهم، ولم يغضبوا على ربّهم، ولم يغتمّوا على ما فاتهم، ولم يفرحوا بما آتاهم». فالفقراء الذين محبّتهم هي عين محبّة الله هم المنزَّهون عن الطمع والجشع، والقانعون ببسيط العيش. ويُفهم من هذه العبارة أنّ محبّة الله لا تتماشى مع الطمع والجشع وحبّ التسلّط والاستعلاء على الآخرين. فالله عزّ وجلّ يقول في كتابه العزيز أيضاً: «تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذينَ لا يُريدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَساداً»[2]؛ فعالَم الآخرة، بكلّ عظمته، قد جعلناه للذين لا يسعون إلى الاستعلاء في الأرض ولا يفسدون فيها، أي ليسوا من الذين يقارنون أنفسهم بالآخرين ويرون أنفسهم أفضل منهم. بالطبع هذه السجيّة، حالها حال غيرها من خصوصيّات ابن آدم، تنطوي على نزوع إلى اللانهاية ولا تُحَدّ في حدود ضيّقة، فلو سنحت للإنسان الفرصة فإنّه سيدّعي الاُلوهيّة. ألم يدّعِ فرعون الربوبيّة؟ وقد قال عنه ربّ العزّة: «إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ»[3]. فالعلوّ والاستعلاء كانت الصفة الرئيسيّة لفرعون، وهي الخصوصيّة التي تسبّبت – بالالتفات إلى الآية السابقة لتلك الآية – في حرمانه من سعادة الآخرة. وطبقاً للرواية الواردة في تفسير هذه الآية، فحتّى الذي يرغب في أن يكون رباط حذائه أفضل من رباط حذاء غيره فإنّه مشمول بهذه الآية[4]! لأنّه أيضاً ضرب من العلوّ والاستعلاء، وهي صفة ذميمة تسلب من المرء سعادة الآخرة حتّى وإن كان في مراتب العبوديّة الدنيا، فما بالك بالمحبّة الخالصة لله التي لا تستقرّ إلاّ في قلبٍ لا سبيل لكلّ ما سوى الله إليه. إنّها من صفات الطفولة وهي لا تتناغم مع مقام المحبّة لله تبارك وتعالى.

صفات أولياء الله

إنّ اُولى خصوصيّات الفقراء، الذين محبّتهم هي محبّة الله تعالى، هي قناعتهم بالقليل ونزاهتهم من صفتي الاستعلاء والطمع. لكن إذا عرضت ظروف حالت دون تلبية حاجاتهم الأساسيّة فما الذي سيحصل؟ إنّهم، حتّى في مثل هذه الظروف، لا يجزعون؛ «وصبروا على الجوع». بل إنّهم إذا توفّرت لهم سبل الرفاهية والرخاء لم ينسوا الله وشكروه على ما أسبغ عليهم من نعَمِه: «وشكروا على الرخاء». «ولم يشكوا جوعَهم ولا ظمأَهم»؛ كما أنّهم ليسوا من أهل الشكوى والتبرّم إذا نزلت بهم نازلة أو أحسّوا بالظمأ أو الجوع. وإذا اضطرّوا إلى عرض حاجتهم على الآخرين فإنّهم لا يلجأون إلى الكذب ولا يُلقون الكلام جزافاً ولا يتجاوزون الواقع. والقرآن الكريم يصف هؤلاء الناس بالقول: «يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ... لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً»[5]. فهؤلاء الفقراء يقاسون الأمرَّين حتّى لا يطّلع الآخرون على فقرهم وعندئذ يحسبونهم أغنياء. فعزّة أنفسهم وإباؤهم يردعانهم عن إراقة ماء وجههم وإظهار حاجتهم للآخرين. أمّا إذا اقتضت الضرورة الطلب من الآخرين، فإنّهم يكتفون بمقدار الضرورة ولا يكذبون. كما أنّهم لا يعاتبون ربّهم على الإطلاق، وينظرون إلى كلّ ما يحلّ بهم بوصفه تقديراً إلهيّاً وأنّه مبنيّ على حكمته عزّ وجلّ.

«ولم يغتمّوا على ما فاتهم، ولم يفرحوا بما آتاهم»؛ فعلى الرغم من ضنك العيش وسلب النعمة فإنّ أمثال هؤلاء لا يغتمّون، وهم يعتقدون بأنّ الله تعالى، ولمصلحةٍ ما، قد ائتمنهم على شيء حتّى إذا رأى أنّ من الصلاح استرجاعه منهم عاد فاسترجع أمانته. من هذا المنطلق فإنّهم لا يضطربون ولا يمسكون بتلابيب الآخرين على خلفيّة سلب نعمة ما، بل إنّهم لا يفقدون توازنهم عندما تُنَزّل عليهم نعمة عظيمة. يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: «مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِّكَيْلا تَأْسَوْاْ عَلَى‏ مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُواْ بِمَا ءَاتَاكُمْ»[6]؛ فكلّ نازلة تحلّ بكم إنّما هي مُعَدّة مسبقاً ووفق حسابات دقيقة ومستنِدة إلى حكمة الله عزّ وجلّ المدوَّنة في سجل، وذلك لكي لا تفقدوا توازنكم إذا أصابتكم نعمة، ولا تجزعوا ولا تستسلموا للعويل والبكاء إذا ابتُليتم بمصيبة. فإنّ نِعم الله والبلايا هي - على حدّ سواء - أسباب لامتحان العباد، ونابعة من حكمة وهي مُقَدَّرة ومحسوبة بدقّة. فالذين يتّصفون بهذه الخصال وينتهجون هذا النهج هم الفقراء الذين تُعَدّ محبّتهم محبّة الله.

لماذا الفقراء؟

ثمّ يعود البارئ تبارك وتعالى ليؤكّد مرّة اُخرى، في سياق الحديث نفسه، على أنّه: «يا أحمد! محبّتي محبّةٌ للفقراء». والسبب من وراء التأكيد على محبّة أمثال هؤلاء هو تأثّر الإنسان بخصالهم الحميدة عن طريق صحبتهم. فإنّ من الاُمور الثابتة في علم النفس هي أنّ الإنسان يتأثّر بمن حوله ومن يعاشرهم حتّى انّ عاداتهم وسجاياهم وسيرتهم تنتقل إليه، لاسيّما إذا اقترنت هذه العلاقة بالعاطفة. ولهذا السبب، فإنّ الله تعالى، ومن أجل أن يربّي عباده، ويمهّد لنموّ هذه الصفات الحميدة في أنفسهم، فإنّه يوصيهم بمحبّة المتّصفين بمثل هذه الصفات وتوطيد العلاقة بهم.

ومن المناسب هنا أن نطرح اُنموذجاً من سلوك هؤلاء العظماء. يروي المرحوم الشيخ عبّاس الطهرانيّ الذي كان من تلامذة الميرزا جواد آقا ملكي التبريزيّ قائلاً: كان اُستاذنا – مَثَله مَثَل الكثير من العلماء الآخرين - يولي اهتماماً بالغاً يإحياء عيد الغدير وكان يقيم فيه الاحتفالات ويدعو الناس إلى مائدته. وقد ذهبنا مرّة إلى منزله (رضوان الله تعالى عليه) في يوم الغدير لنبارك بالعيد وإذا بصوت بكاء وعويل يرتفع فجأة من القسم «الداخلي» من البيت. وقلق جميع الضيوف من ذلك. فدخل المرحوم ملكي إلى الداخل وقام بتهدئة أهل الدار، لكنّه بعد أن عاد انهمك في ضيافة القادمين ومتابعة الحفل من دون أن يفصح عن شيء. وبعد انتهاء الحفل وعندما همّ الضيوف بالمغادرة، انبرى المرحوم الميرزا جواد إلى القول للحضور: «إذا كنتم راغبين بالمشاركة في تشييع جنازة أحد الشبّان وكسب الثواب من ذلك فهلمّوا». فهرع الجميع مندهشين إلى السؤال عمّا حصل، فإذا بالميرزا يقول من دون أن تبدو عليه أمارات الاستياء: إنّ ابنه الشابّ، الذي كانت تربطه به علاقة حميمة، قد فارق الحياة!

هكذا هم عباد الله الذين تكون محبّتهم من محبّته سبحانه؛ فلا يصيبهم الجزع والفزع عند الشدّة، ولا يستولي عليهم الغرور إذا غمرتهم النعم. فالله تعالى يوصينا بمعاشرة أمثال هؤلاء.

كما أنّه من الواضح – من ناحية اُخرى – أنّ الفقراء لا يحظون باهتمام كبير من قبل الناس، إذ لا يجد المرء ما يدفعه إلى احترامهم، خلافاً للأثرياء وأصحاب المناصب والمكانات، فإنّ الجميع يتهافتون على صحبتهم ورفقتهم طمعاً في مالهم أو انتفاعاً من مكانتهم. فإنْ أحَبّ امرؤ فقيراً فليس لفقره، بل من أجل ما يلمس فيه من حميد الصفات، وطيب السجايا، وهو ما يجعل هذا النمط من المحبّة مصوناً من آفة الرياء وحبّ الدنيا والأغراض الشخصيّة وأقرب ما يكون إلى الإخلاص.

أمّا الخصوصيّة الثالثة لمحبّة الفقراء فإنّه خلافاً لما يعتقده البعض من أنّ الفقر هو سبب المعاصي والذنوب، فإنّ أسباب المعاصي هي أقلّ توفُّراً للفقراء منها للأغنياء. صحيح أنّ المجرم العاصي إذا ابتُلي بالفقر خلق مشاكل جديدة، لكن هل يا ترى انّ كلّ فقير فهو مذنب ومجرم؟ فإنّ ادّعاء كهذا يتعارض مع منطق القرآن الكريم الذي يقول: «كَلاّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَىٰ»[7]. فإذا ما أحسّ الإنسان بالاستغناء تراه يتّخذ مسير العصيان والطغيان ويتفلّت من مراعاة العدل والإنصاف.

بناءً على ما تقدّم فإنّ محبّة الفقراء تنطوي على ثلاث خصوصيّات إيجابيّة ومفيدة للإنسان: فهو يتأثّر بصفاتهم الصالحة إذا عاشرهم أوّلاً، وإنّ هذه العلاقة والمحبّة هي أقرب إلى الإخلاص ثانياً، وإنّ معاشرتهم تضيّق المجال أمام المرء لارتكاب المعصية ثالثاً. ومن أجل ذلك فإنّه جلّ وعلا يوصي نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) في هذا الحديث القدسيّ بقوله: «يا أحمد! محبّتي محبّةٌ للفقراء، فأَدْنِ الفقراءَ وقرّب مجلسَهم منك»؛ أي قرّب الفقراء منك وافتح أمامهم أبواب مجلسك؛ فحذار من أن تدفعك أسمال شخصٍ البالية إلى طرده من حضرتك. كما يتعيّن عليك في المقابل أن تنأى بنفسك عن الأغنياء: «وبعّد الأغنياءَ وبعّد مجلسَهم منك، فإنّ الفقراء أحبّائي».

نسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى الإفادة من معارف أهل بيت نبيّه الكريم (صلوات الله عليهم أجمعين) على أتمّ وجه والعمل بها في حياتنا اليوميّة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


[1]. بحار الأنوار، ج74، ص23.

[2]. سورة القصص، الآية 83.

[3]. سورة القصص، الآية 4.

[4]. تفسير نور الثقلين، ج4، ص144، «الرجل لَيُعجبه شراك نعله فيدخل في هذه الآية: «تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ...» الآية».

[5]. سورة البقرة، الآية 273.

[6]. سورة الحديد، الآيتان 22 و23.

[7]. سورة العلق، الآيتان 6 و7.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org