قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 7 أيار 2014م الموافق للسابع من رجب 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

درجات محبّة الله

19

 

إشارة

سبق أن ذكرنا أنّ لمحبّة الله درجات وأنّ الناس مختلفون في هذا المضمار، بل قد يشكّ البعض حتّى في إمكانيّة حبّ الله أساساً. ويرى البعض الآخر بأنّه لا معنى لمحبّة الله ويفسّرها بأنّها ضرب من محبّة أنعمه ورحمته تبارك وتعالى. لكنّ الإنسان إذا أدرك في الجملة بأنّه إذا أحبّ نعمة أحبّ وليّها ومنعمها أيضاً فإنّه سيقتنع شيئاً فشيئاً بأنّه بالإمكان حبّ الله عزّ وجلّ.

المحبّة الراقية

إنّ مشكلتنا الأساسيّة نحن معاشر البشر هي أنّ إدراكنا، في المراحل الابتدائيّة، هو إدراك مادّي وحسّي؛ فلا يتوفّر لنا التصديق والإيمان بغير المحسوسات بسهولة، ولا نستطيع - تبعاً لذلك - أداء حقّها. فكلّنا – مثلاً - يعتقد بأنّ الله حاضر في كلّ مكان، لكنّنا مادمنا لا نرى الله بأبصارنا فإنّنا لا نرتّب على اعتقادنا هذا ما ينبغي من الأثر، بل وننساه أحياناً بالكامل. وهذه المشكلة تنطبق على كلّ ما يتعلّق بالله بما في ذلك محبّته سبحانه تعالى.

فأغلب أصناف الحبّ الذي نمارسه إنّما هو متعلّق بالمحسوسات؛ فبدءاً من أشكال المحبّة الطبيعيّة والفطريّة بين الاُمّ وولدها، ووصولاً إلى ألوان المحبّة الاكتسابيّة، وغيرها من أنواع المحبّة المتداولة فإنّ لجميعها منشأ حسيّاً وإنّ الاتّصال بالمحبوب والاُنس به يتمّ فيها عبر الأدوات الحسّية. وهذا بالتحديد هو ما يجعلنا نواجه المشاكل عندما نحاول الرقيّ والتسامي من الحسّيات إلى ما فوقها. ومن هنا فإنّه يتعيّن علينا، من أجل نيل هذه المعارف، الاستعانة بالواصلين إلى هذه المراتب والدرجات، ونخصّ بالذكر الأنبياء والمعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) الذين قد بلغوا ذروة الكمال بأنفسهم. ولا ينطبق ذلك على المحسوسات. فعندما يواجه المرء أمراً سارّاً فإنّه يميل إليه في بادئ الأمر. فإذا تكرّرت هذه العلاقة مرّتين أو أكثر فإنّه سيبدأ بالاُنس بهذا الشيء أكثر فأكثر ويلتذّ بمعاودة الارتباط به. وليس الإنسان في مثل هذه المواطن بحاجة إلى كثير من العناء، فعندما تتوفّر جاذبيّة المحبّة في امرئ فإنّ الإنسان يشعر بالحبّ تجاهه عفويّاً حتّى يبلغ هذا الحبّ تدريجيّاً درجة بحيث لا يكون في ميسور الإنسان نسيانه إذا أراد ذلك.

أمّا فيما يختصّ بالله جلّت آلاؤه فعلى الرغم من كلّ هذا التأكيد على ذكره فإنّه يتحتّم علينا أن نُجهد أنفسنا ونطيل التمرّن إذا ما أحببنا أن نكون ذاكرين له. والحال أنّه إذا نشأت في قلوبنا محبّة جادّة تجاه الله تعالى فسوف لا نعود بحاجة إلى بذل جهد كبير من أجل ذكره. فالذين ذاقوا لطائف حبّه جلّ وعلا فإنّهم يعدّون ذلك سرّاً بينهم وبين ربّهم ويبذلون قصارى جهدهم في أن لا يذكروا الله كثيراً أمام الآخرين كي لا يلتفت أحد إلى حالهم. فإذا ما أدركنا - بفضل أحاديث المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين)، لاسيّما ما ورد عنهم من أدعية ومناجاة – بأنّ هناك - حقّاً - اُموراً من هذا القبيل، فإنّنا سنلتفت حينها إلى التفكير بما ينبغي صنعه لننال نحن أيضاً غرفةً من هذا المحيط المترامي الأطراف.

الغرور يقطع طريق الرقيّ

القضيّة الاُخرى هي ما قد نصاب به من غرور بسبب هذا الحبّ فنخال أحياناً أنّنا قد بلغنا غاية الكمال وأنّه ليس ثمّة فوق ما وصلنا إليه من قمّة. فالإنسان في مثل هذه الحالة يحدّث نفسه بأنّ الآخرين لا يفهمون مثل هذه الاُمور، فهم يلهثون وراء لذائذ الدنيا المادّية ويسأمون من صلاتهم، أمّا أنا فإنّ لي مع الله اُنساً وفي صلاتي لذّة. فهنا تكمن معضلة اُخرى وهي: كيف لنا أن ننتشل أنفسنا من حبائل الشيطان هذه ونقف على حقيقة أمرنا وما هو محلّنا من الإعراب أساساً؟

فلقد أكّدت بعض الروايات على ضرورة عدم تناول الطُعم الذي أعدّه لكم الشيطان وأن لا تتصوّروا، إذا أحسستم بمحبّةٍ تجاه الله وأوليائه، بأنّكم قد حلّقتم في الأعالي وأصبحتم خيرة البشر. فلابدّ أن نفهم أنّه، على الرغم من أنّ هذا النمط من المحبّة العابرة والسطحيّة حقيقيّ ولسنا كاذبين في ادّعائنا إيّاها، فإنّ ثمّة بوناً شاسعاً بين هذه المحبّة وتلك التي بلغها عباد الله الصالحون الكُمَّل. لكنّنا – مع شديد الأسف – نغفل أحياناً ويخدعنا الشيطان الرجيم فنكتفي بما لدينا من محبّة سطحيّة. وقد اهتمّت بعض الأحاديث بهذه القضيّة وهي ضرورة عدم التوقّف عند هذه الأشكال السطحيّة والضحلة من المحبّة، وأن يعرف المرء - ابتداءً - المقدار الحقيقيّ الذي يحمله من الحبّ، ثمّ يعلم أنّه ثمّة اُناس يفوقونه في مراتب الحبّ، كي لا يصاب بالغرور والكِبْر.

آثار المحبّة

إنّنا عندما نحبّ شخصاً ما فإنّنا – في المرحلة الاُولى – نُسرّ لرؤياه لكنّ عدم رؤيته لا تضيرنا. أمّا إذا نمت محبّتنا له بعض الشيء فإنّنا سنحسّ بنقص إذا لم نره ليوم واحد. فإن اشتدّت هذه المحبّة أكثر فإنّنا سننزعج كثيراً من عدم رؤيا المحبوب وسنعجز عن أداء واجباتنا الاُخرى حتّى نراه. كما أنّ من آثار المحبّة الاُخرى هي محاولة المرء إسداء خدمة لمن يحبّ. فإن زاد حبّه له قليلاً فإنّه سيرغب في تقديم كلّ ما يملك له. فهل نحن - الذين ندّعي حبّ الله تعالى وأوليائه - هكذا حقّاً؟! هل إنّنا نشعر بالنقص يا ترى إذا لم نذكرهم يوماً؟! وهل سنحس بفراغ إذا لم نقرأ زيارة سيّد الشهداء (عليه السلام) ليوم واحد، إذا كنّا قد عقدنا العزم على قراءتها يوميّاً مثلاً؟! فالمرء يحسّ بذلك مع أصدقائه العاديّين، وإذا شعر بأنّ شيئاً ما يسرّهم فإنّه سيفعله لا محالة؛ فإن لم يكن لديه مال، اقترض كي يصنع ما يُدخل السرور على محبوبه. بل إنّ مجرّد شعور المرء بأنّ محبوبه راضٍ عنه يُعدّ أعظم لذّة بالنسبة له. فهل إنّنا كذلك في علاقتنا مع الله عزّ وجلّ وأوليائه؟!

مع شديد الأسف فإنّنا نقصّر أحياناً في القيام بأمر ما حتّى مع علمنا بأنّه يسرّ صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشريف). وعلى الرغم من علمنا أحياناً بأنّه (عليه السلام) يستاء من بعض التصرّفات ويشتكي من قيامنا بها لكنّ الشيطان يخدعنا فنعمد إلى ممارستها. إذن لـمّا كان الله قد حبانا بدرجة من محبّته ومحبّة أوليائه فإنّه يتعيّن علينا أوّلاً أن نقيس الدرجة التي نحتلّها نحن وما هو مقدار محبّتنا، ثمّ نحاول تطويرها، وأن ندرك كيف كان أحبّاء الله الحقيقيّون وأين وصلوا.

علامات محبّة الله

روي عن أمير المؤمنين (سلام الله عليه) أنّه قال: «القلب المحبّ لله يحبّ كثيراً النصب لله، والقلب اللاهي عن الله يحبّ الراحة»[1]. فإنّ من جملة علامات محبّة الإنسان شخصاً ما هي رغبته في تقديم خدمة له وتحمّل المتاعب لأجله، بالضبط كالأمّ التي تلتذّ بعنائها مع ولدها وسهرها على راحته. وهذه الرواية تشير إلى هذه القضيّة؛ فهي تقول: إنّ القلب الذي يحبّ الله يرغب في أن يتعب لأجله، أمّا القلب الغافل الخالي من محبّته تعالى فهو يفتش عن الدعة والراحة. فإنّ المحبّ لله يكون دائم الاجتهاد في تحقيق ما يحبّه ربّه، أمّا الذي لا يحظى بهذه المحبّة فإنّه يكتفي بالصلاة الواجبة كحدّ أعلى، فليس هو من أهل المثابرة والعمل وبذل الجهد، بل من طلاب الراحة.

فإنّ من أمارات عدم مصداقيّة ادّعاء حبّ الله تبارك وتعالى وأهل بيت الرسول (صلوات الله عليهم أجمعين) هي إعفاء النفس من المسؤوليّة ساعة العمل وتحويله إلى الآخرين. فحبّنا لهم لا يتجاوز رغبتنا في رؤيتهم والكون إلى جوارهم، في حين أنّنا لا نتحمّل العمل من أجلهم. وفقاً للرواية أعلاه يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ علامة قلب المحبّ لله هي حبّه للعمل وبذل الجهد في سبيله إلى حدّ التعب والإعياء. ثمّ يقول: «فلا تظنّ يا ابن آدم أنّك تدرك رفعة البرّ بغير مشقّة»؛ فلا تظنّن أنّك قادر على بلوغ المقامات العالية من دون تعب ونصب. فبعض الناس يتجشّمون عناء التفكير بأنفسهم ولا يكلّون من المطالعة، لكنّهم ليسوا من أهل العمل والمثابرة في سبيل الله، فهم لا يطيقون طرق باب فقير ليلاً أو قضاء حاجة صديق لهم. وهم ليسوا ممّن يخطون خطوة واحدة في طريق هداية امرئ. «فإنّ الحقّ ثقيل مُرّ». فإذا رُمت بلوغ المقامات العالية فعليك الاستعداد لتحمّل الأعباء الثقيلة من ناحية وتذوّق المرارات من ناحية اُخرى. فلا تتصوّرنّ أنّ بالإمكان قضاء عمرك كلّه بالحلاوة والسرّاء والابتسامة. فالأمر ليس على هذا المنوال. فإنْ رغبت في الوصول إلى مكانة مرموقة فلابدّ من الكدّ وتحمّل المرارات!

درجات محبّي الله

وجاء في خبر آخر أنّ أعرابيّاً سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يبيّن له درجات المحبّين (وهو لأمر عجيب حقّاً؛ فنحن المتعلّمون لا نسعى إلى معرفة درجات المحبّين، لكنّ أعرابيّاً يأتي إلى أمير المؤمنين طالباً منه بيان هذه الدرجات له). فأجابه (عليه السلام): «أدنى درجاتهم مَن استصغر طاعتَه، واستعظم ذنبَه، وهو يظنّ أنْ ليس في الدارين مأخوذٌ غيرُه»[2]؛ فأدنى درجات المحبّ هي أنّه لا يرى لخدماته وطاعاته قيمة؛ فكلّ ما أتى به من عمل فإنّه يراه قليلاً ولا يليق بالله تعالى. بالطبع إنّ المراد من هذا المحبّ هو ذلك الذي نفذت المحبّة إلى أعماق قلبه، وإلاّ فيمكن الحصول على أشكال المحبّة السطحيّة من دون ذلك. فالمحبّون يعلمون أنّ المحبّة الخالصة هي شعور المحبّ بعدم أداء حقّ المحبوب وأنّه لابدّ من فعل المزيد مهما فعل من أجله.

العلامة الثانية هي: «واستعظم ذنبه»؛ فإنْ أتى المحبّ بما لا يرضي المحبوب لم يعد قادراً على النظر في وجهه. فهو يخشى أن يؤنّبه بالقول: تدّعي محبّتي ثمّ تتصرّف معي بهذه الطريقة! لقد خُنتني! فلقد فعلتَ ما نهيتك عنه! لكنّنا – مع الأسف – ندّعي حبّ الله تعالى ثمّ نذنب من الصباح حتّى المساء بكلّ سهولة. فليست هذه هي المحبّة الحقيقيّة. فالمحبّة الحقيقيّة هي أن يرى المرء ذنبَه – مهما كان صغيراً – على جانب من الضخامة بحيث لا يستطيع رفع رأسه في حضرة ربّه.

أمّا العلامة الثالثة فهي أصعب من الثانية بعض الشيء؛ وهي قوله: «وهو يظنّ أنْ ليس في الدارين مأخوذٌ غيرُه»؛ فهو لا يستعظم ذنبه فحسب، بل يتصوّر أنّه ليس في هذه الدنيا من سيؤاخَذ على فعلته غيره. فهو يقول: إنّ ذنبي أعظم من ذنوب الجميع، فذنب الجميع قابل للغفران، لكنّني سيّئ إلى درجة أنّ ذنبي لا يغتفر. وهذه لعمري منتهى ما يمكن أن يستشعر الإنسان في حضرة محبوبه من ذلّة ومهانة. وسبب ذلك هو أنّ ذروة المحبّة هي أن يفنى المرء في محبوبه. وهي حالة لا يشعر المحبّ فيها بالأنانيّة لنفسه، وأنّه يفدي كلّ ما لديه لمحبوبه. فالمحبّة تقتضي مثل هذه الاُمور. فالذي يحبّ الله حبّاً حقيقيّاً والمبتلى – بطبيعة الحال – ببعض الزلاّت يتعيّن عليه أن يستاء من هذه الزلاّت ويرى نفسه مستحقّاً لأقسى درجات التوبيخ.

حينما وصل أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلامه إلى هنا انقلب الأعرابيّ ووقع مغشيّاً عليه، حتّى إذا أفاق قال: هل [ثمّة] درجة أعلى منها؟ فمن العظمة بمكان أن يصل الإنسان إلى مرتبة يرى نفسه أكثر إثّما من الجميع وأكثر استحقاقاً للمؤاخذة والتوبيخ منهم، فهل من درجة أعلى من ذلك؟ فقال (عليه السلام): «نعم سبعون درجة»؛ فهذه المرتبة التي قلتها لك هي اُولى مراتب المحبّة، وهناك ثمّة سبعون درجة أعلى منها أيضاً وإنّ المسافة بين كلّ منها هي كالمسافة بين هذا المحبّ والناس العاديّين.

على هذا الأساس فمن أجل أن نخطو في طريق محبّة الله وننال – على الأقلّ – درجتها الاُولى يتعيّن علينا أن لا ندع إلى قلبنا سبيلاً لما لا يحبّه الله تعالى، وهذا هو الذي سيدفعنا للمضيّ قُدماً في هذا الطريق. إذ يقول إمامنا جعفر الصادق (عليه السلام) في هذا الخصوص: «إذا تخلّى المؤمن من الدنيا سَما ووجدَ حلاوة حبّ الله»[3]؛ أي: إذا فرغ قلب المؤمن من الدنيا فإنّه سيحظى بالرفعة والعلوّ حتّى يتذوّق حلاوة محبّة الله تبارك وتعالى. لكنّ قدرة الإنسان على إنقاذ نفسه من الانشداد إلى الدنيا سهلة على اللسان، ذلك أنّ لدينا آلاف الأصناف من التعلّق بلذّات الدنيا. لكن لنعلم أنّنا إذا رُمنا تذوّق حلاوة محبّة الله فما علينا إلاّ أن نطرد محبّة الدنيا من قلوبنا. ويتابع (عليه السلام) قوله: «وكان عند أهل الدنيا كأنّه قد خُولِط»؛ فإذا رآه الناس قالوا: فقَد عقله. ولعلّكم قد شاهدتم أو سمعتم عن بعض من تنتابهم حالات غير طبيعيّة في الحبّ حيث لا يستطيعون السيطرة على أنفسهم جيّداً فيقول فيهم الآخرون: كأنّهم قد خولطوا وفقدوا صوابهم. «وإنّما خالط القوم حلاوةُ حبّ الله فلم يشتغلوا بغيره»؛ لكنّ الحقيقة هي أنّ محبّة الله قد تمكّنت من أعماق قلوبهم إلى درجة أنّها لم تُبق مجالاً لشيء آخر فيها فلم يعودوا قادرين على الاشتغال بشيء آخر أساساً، فإنّ ما ذاقوه من المحبّة لا يدعهم يلتفتون إلى أمر آخر بتاتاً.

مقدار المحبّة

وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً في حديث آخر: «مَن أحبّ أن يعلم كيف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده»[4]. فإنّ أَحَبّ شيءٍ عند المحبّ هو أن يبادله المحبوب الحبّ. فعندما يحبّ امرؤ شخصاً ما فإنّه يودّ أن يعرف شعور المحبوب تجاهه، وإلى أيّ درجة يحبّه، وما الذي يجول في قلبه بخصوصه. فإذا انطوى قلبنا على محبّة صاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشريف) فإنّ رغبةً ستحدونا لمعرفة رأيه (عليه السلام) فينا؟ فإذا أحبّ أحدٌ أن يعرف موقف الله منه وإلى أيّ مدىً يحبّه، فعليه أن ينظر إلى المكانة التي يحتلّها الله جلّ وعلا في قلبه. فكما أنّ ذكرنا متلازم مع ذكر الله، فإنّ هذين أيضاً متلازمان؛ فإنّ منزلتنا ومقامنا عند الله وأوليائه يعتمد على ما نكنّه لله ولأوليائه في قلوبنا من منزلة ومقام.

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال هو: ما السبيل إلى معرفة منزلة الله عندنا؟ فنحن نكثر التنويه بعظمة الله ومنزلته على مستوى الكلام، ونسجد على الأرض ونمرّغ جبيننا في التراب بين يديه، لكنّ هذا كلّه لا يشير إلى مدى عظمة ومكانة الله عندنا. فلو دار الأمر بين شيئين، أحدهما اُخرويّ يريده الله تعالى، والآخر دنيويّ تهفو إليه نفوسنا، فأيّهما سنرجّح على الآخر؟ فلو كنّا نشاهد في بيتنا الفلم الذي نحبّه على شاشة التلفزيون فحان وقت الصلاة، فهل سنميل إلى متابعة الفلم يا ترى أم سننتظر قول المؤذّن: «الله أكبر» كي نهرع إلى الصلاة؟ ففي مثل هذا الموقف إذا ترك الإنسان مشاهدة التلفزيون وقام للصلاة عُلم حينها أنّ له مكانة كبيرة عند الله عزّ وجلّ.

فلنعلم أنّ حياتنا برمّتها مليئة بمثل هذه الامتحانات. فهل إنّنا نقوم بما نقوم به يا ترى بدافع رغبتنا فيه أم على خلفيّة أنّ الله يطلبه منّا؟ وهل إنّنا ندرس لأنّنا نحبّ ذلك أم لأنّ صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشريف) يريد منّا ذلك؟ وهل إنّنا نذهب لتبليغ الدين لما يعود علينا ذلك بالمصلحة والنفع أم لأنّه يُدخل السرور إلى قلب إمامنا (عليه السلام)؟ فهذه الاُمور تشير إلى مكانة الله في قلوبنا، وهي تخبرنا أيضاً بمنزلتنا عند الله. ثمّ يقول (عليه السلام): «فإنّ كلّ من خُيِّر له أمران: أمر الدنيا وأمر الآخرة فاختار أمر الآخرة على الدنيا فذلك الذي يحبّ الله، ومَن اختار أمر الدنيا فذلك الذي لا منزلة لله عنده» وإنّ ما يريده الله لا يحظى عنده بأهميّة. وإنّ في ذلك امتحاناً لنعلم مدى عمق ما نحمله من صنوف الحبّ ولنعرف ما هي قيمتنا ومنزلتنا عند الله عزّ وجلّ.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


[1]. مجموعة ورام، ج2، ص87.

[2]. مستدرك الوسائل، ج1، ص133.

[3]. الكافي، ج2، ص130.

[4]. جامع الأخبار، ص178.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org