قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(47)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 22 تموز 2014م الموافق لليلة الخامسة والعشرين من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

أهل الآخرة مستيقظة قلوبهم دائم ذكرهم

إشارة

موضوع بحثنا في المحاضرات السابقة تناول صفات أهل الآخرة التي ذكرها ربّ العزّة في ليلة المعراج. وقد خصّ بعض هذه الصفات بعلاقة أهل الآخرة بالناس وهو ما تحدّثنا عنه في المحاضرة السابقة. لكنّ البعض الآخر منها يتكلّم حول علاقة هؤلاء القوم بالله جلّ وعلا، ومنها قوله تعالى: «تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، أعينهم باكية وقلوبهم ذاكرة، إذا كُتب الناس من الغافلين كُتبوا من الذاكرين، في أوّل النعمة يحمدون وفي آخرها يشكرون»[1].

غير أنّ بعض التعبيرات المذكورة هاهنا غريبة بعض الشيء عنّا، إذ ليس من السهل علينا إدراك مفهوم: نوم العيون ويقظة القلوب.

نعم نحن نعلم إجمالاً أنّه ثمّة طائفة من القضايا تخطر في ذهن المرء أثناء النوم. فلقد اتّفق أن برزت لمعظمنا في حال النوم مسائل من قبيل ذكريات الماضي، وتعلّقات القلب، والطموحات، وأشكال الحرمان، وما إلى ذلك. وقد قام بعض علماء النفس بدراسات وبحوث حول قضيّة الحلم، وأنواعه، وارتباطه بشخصيّة النائم، وعلاقاته، وعواطفه، وميوله، ونشاطاته اليوميّة، وغيرها من القضايا ذات العلاقة، وقد توصّلوا في هذا المضمار إلى نتائج، مقدّمين إيّاها كقواعد لتفسير الأحلام. ومن بين هؤلاء فرويد، وهو عالم نفس شهير صنّف كتاباً حول تفسير الأحلام. بل إنّ لكلّ واحد منّا تقريباً تجارب في هذا المجال، حيث قد شاهدنا في عالم الرؤيا أحداثاً، ومسرّات، ومخاوف، وما إلى ذلك.

لكن يا ترى هل المقصود من يقظة القلب أثناء النوم هو مشاهدة هذه المسائل؟ من الواضح أنّه ليس هذا هو المقصود، ذلك أنّ الناس جميعاً، بما فيهم محبّو الدنيا وطلاّب الآخرة يرون مثل هذه التصوّرات والتلقّيات في عالم الرؤيا. إذن المراد من هذه العبارة هو مفهوم آخر يخرج فهمه عن دائرة إدراك الأشخاص العاديّين من أمثالنا.

في ردّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على سؤال أحد اليهود إيّاه حول خصوصيّاته الشخصيّة قال (صلّى الله عليه وآله) : «تنام عيناي ولا ينام قلبي»[2]. وهذه من الخصوصيّات المذكورة في كتب اليهود لنبيّ آخر الزمان. لكن أنّى للمرء أن يبقى قلبه يقظاً نشطاً وهو في حال النوم؟

نحن ليس لدينا تصوّر واضح عن هذا المفهوم لكنّنا نعلم أنّه حقيقة، حاله حال الكثير من الأمور الأخرى التي لا نفهمها ونتصوّر أنّها من قبيل التعبيرات التي يستخدمها الشعراء. فنحن، مثلاً، لا نستطيع أن ندرك جيّداً كيف يبقى الشهيد حيّاً بعد أن يُوارى جثمانه الثرى وتمرّ على دفنه أعوامٌ ومن المحتمل أن لا يكون قد بقي منه سوى عظيمات؟ فقد يتصوّر البعض أنّ المراد من حياة الشهيد بعد استشهاده هو بقاء اسمه وذكراه. لكنّ لبعض عوائل الشهداء ضروباً من التواصل مع شهيدهم وهم ينقلون عنه أموراً هي ممّا يثير الاستغراب والدهشة في أمثالنا.

الشهداء الأحياء

ويمكن الإشارة، من باب المثال، إلى قصّة شفاء أمّ الشهيد معماريان[3] والتي قد روتها بنفسها قبل بضع سنين في إحدى القنوات التلفزيونيّة. فلقد أصيبت الأمّ بعد استشهاد ولدها ببضع سنوات بألم شديد في ساقها. وبعد أن توسّلت في إحدى الليالي بسيّد الشهداء (سلام الله عليه) من أجل شفاء ساقها، رأت ولدها الشهيد في المنام وقد أتى لزيارتها. وبعد أن مسح بيده على رأسها ووجهها ربط موضع الألم في ساقها بخرقة خضراء وقال لها: لقد ذهب ألم ساقك. تقول أمّ الشهيد المبجّلة: بعد أن صحوت من نومي وجدت نفس الخرقة الخضراء وقد رُبطت بساقي وليس ثمّة أيّ أثر للوجع.

وبعد مدّة بلغ هذا الخبر المرحوم آية الله العظمى الكلبايكاني (رضوان الله تعالى عليه) فأرسل في طلب أمّ الشهيد معماريان واستخبرها عن تفاصيل القصّة. وبعد أن قارن الخرقة الخضراء وعطرَها مع عطر تربة سيّد الشهداء (عليه السلام) التي في حوزته، والتي قد وصلته من أجداده الطاهرين، قال: «هذه الخرقة مصدرها نفس المكان الذي جُلبت منه هذه التربة». هذا ناهيك عن المرضى الكثيرين الذين تماثلوا للشفاء بسبب هذه الخرقة الخضراء اللون.

فأنّى لشابّ يافع، قد استُشهد قبل سنوات عديدة ثم وُوري جسده الثرى، أن يربط ساق أمّه في عالم الرؤيا بخرقة، وإذا بنفس هذه الخرقة، بعطرها ولونها، تبقى على حالها في عالم اليقظة؟!

وهناك نماذج لا تحصى من هذه القصص قد مرّت بأُسر الشهداء، لكن من غير المعلوم إلى أيّ مدى يمكننا أن نتعامل معها بجدّية ومن صميم قلوبنا!

وللقرآن الكريم في هذا الخصوص تعبيرات عجيبة. فهو يقول ابتداءً في آية كريمة: «وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبيلِ اللهِ‏ أَمْواتٌ»[4]. ولعلّ البعض يتصوّر هذ الأمر من باب مراعاة احترام الشهيد. لكنّه يقول في آية أخرى: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون‏»[5]. ونحن لا نعي جيّداً المراد من أنّ الشهداء يُرزقون. إذ لعلّه يعني أنّه ثمّة كمالات أكثر ستظهر للشهداء عند ربّهم. لكنّ المتيقّن هو تأكيده المبرم على ضرورة عدم الظنّ بأنّ الشهداء أموات، بل إنّهم أحياء. وإنّ الذي يملك أقلّ إيمان بالله عزّ وجلّ ورسوله (صلّى الله عليه وآله) والقرآن الكريم لا يستطيع المرور أمام هذه التعبيرات مرور الكرام، بل إنّ من الواضح لكلّ امرئ أنّ هذا الكلام لا يأتي من باب المجاملة ولا بوصفه كلاماً شعريّاً، بل إنّه يحكي عن واقع. لاسيّما عندما نقف على هذا الكمّ الهائل من الشواهد والآثار العينيّة على كون الشهداء أحياء وكيف أنّهم يعالجون ما يواجه أسرهم من مشكلات، ويرشدونهم عند تأزّم الأمور، ويبشّرونهم بأمور معيّنة، ...الخ.

كلّ هذه الأمثلة تشير إلى وجود حقيقة دامغة نعجز نحن عن مشاهدتها، لكنّها موجودة على أيّة حال. فالشهيد حيّ، وهو ينجز أموراً، وينطق بكلام، وتصدر عنه تصرّفات ممّا يستحيل تحقّقه من الإنسان الميت. بالطبع ليس جميع الشهداء في مستوى واحد، بل إنّهم يختلفون في المقامات، لكنّ المقدار المتيقّن به هو أنّ هناك من بين الشهداء من يقوم بأعمال كثيرة، وتتوسّل بهم عوائلهم وغير عوائلهم فيقضون حوائجهم. وهذه نماذج من الحقائق التي باتت، بفضل شهداء حرب الدفاع المقدّس،  تشاهَد عياناً إلى حدّ ما، حتّى زال ما كان يرين عليها من شكوك وشبهات، وتهّيأت الأرضيّة المناسبة لتصديقها من قِبل الناس.

العلماء ذوو القلوب المتيقّظة

ومن الحقائق الأخرى التي يشقّ علينا استيعابها هي بقاء قلوب بعض الناس وأرواحهم يقظة ناشطة في وقت تنام فيه أعينهم.

لعلّ أحلام غالبيّة الناس - كما يشير إلى ذلك بعض علماء النفس - هي نتيجة نشاطاتهم أثناء اليقظة ومتأثّرة برغباتهم الباطنيّة. لكنّه ثمّة أشخاص عاديّون أيضاً، من غير أولياء الله، ممّن يفيدون من ساعات نومهم أكثر مما يفعلون في ساعات صحوهم. إذ كان يوجد من بين العلماء مَن لم يتوصّل إلى حلّ مسألة ما حتّى بعد طول التفكير والتأمّل فيها حال اليقظة فإذا به يعثر على جوابها في المنام ثمّ يتذكّر الجواب بكلّ وضوح بعد الصحو. أو بعض من لم يجدوا لمعضلتهم حلاًّ حال اليقظة لكنّهم بلغوا النتيجة المرجوّة أثناء النوم.

هناك قصّة معروفة مفادها أنّ شخصاً كان قد أمّن كتاباً لدى المرحوم الشيخ عبّاس القمّي (رضوان الله تعالى عليه) وبعد أن توفّي الشيخ جاء الرجل إلى وُلْده مطالبًا بكتابه، فلم يتمكّنوا من العثور عليه. وقد نقل أحد أولاد الشيخ قائلاً: «رأيت والدي الشيخ عبّاس القمّي في عالم الرؤيا فأخبرني بموضع الكتاب الذي نبحث عنه في المكتبة. وعندما صحوت من نومي توجّهت إلى ذات المحلّ الذي أخبرني به في المنام فإذا بي أجد الكتاب هناك». إذن مثل هذه الحوادث تقع حتّى للأشخاص العاديّين.

ويحكي أحد الأصدقاء وقد كان طالب علوم دينيّة في مدرسة الحاج أبي الفتح في طهران، وكان إلى جانب درسه الحوزويّ يعطي هو درساً أيضاً: «في إحدى الليالي بقيت مستيقظاً أطالع الدرس الذي عليّ إلقاؤه في الغد. وفي ساعة متأخّرة من الليل قالت لي والدتي، بعد أن استيقظت عدّة مرّات أثناء الليل وشاهدتني على تلك الحال: «كفاك مطالعة يا بُنيّ، إذهب إلى فراشك»! ومع أنّني لم اُنهِ مطالعتي بعدُ، قلت في ذات نفسي: لعلّي أتسبّب في إيذاء أمّي لو تابعت المطالعة. فأغلقت الكتاب وأويت إلى الفراش. وفي عالم الرؤيا وجدت نفسي قد تناولت الكتاب وانهمكت في مطالعة ما يتعلّق بدرس الغد من نصّ الكتاب وحواشيه بنفس تلك الدقّة التي كنت أتوخّاها في اليقظة. وعندما توجّهت إلى الصفّ صباحاً شعرت وكأنّني طالعت الدرس حسبما يلزم وتذكّرت كلّ تفاصيله كما لو أنّني طالعته في حال الصحو».

هذا الأمر يحتاج إلى نمط من التركيز الروحيّ ينشأ من شدّة رغبة المرء وتعلّقه بموضوع ما. وتركيز كهذا من شأنه أن يوجّه كلّ تفكير المرء نحو الموضوع المنظور إلى درجة مشاهدة نفسه في عالم الرؤيا مستغرقاً في التفكير في الموضوع ذاته بالضبط كما لو كان يقظاً. ثمّ إنّ لطف الله عزّ وجلّ قد يشمل الإنسان أحياناً فيفهم في الرؤيا بإشراقة ذهنيّة ما لم يفهمه في حال الصحو.

وقد ذكر المرحوم الميرزا الشيخ جواد ملكي التبريزيّ في أحد كتبه: «أعرف شخصاً (ولعلّه يقصد نفسه) كدَّ دهراً طويلاً للوصول إلى معرفة نفسه، فلم يتيسّر له ذلك في عالم اليقظة، حتّى بلغ هذه المعرفة في ليلة من الليالي وهو في المنام، فانتبه من نومه فزعاً بعدما أدرك مدى عظمتها».

وهذا ضرب من يقظة القلب؛ وهو أنّ انشغال بال المرء بأمر معيّن وتركيزه عليه يجعله مشغول الفكر به حتّى في حال النوم فيتسّنى له الاستمرار بالتفكير في شأنه. والحال أنّ الآخرين الذين لا ينشغل بالهم بأمر ما ولا يركّزون عليه لا يقدرون على مثل ذلك.

ومع أنّ من الممكن أن يعود ما ذُكر في الحديث أعلاه إلى هذا النمط من الأمور وإلى نتاج التركيز والتعلّق القلبيّ، إلاّ أنّه يسمو على التفكير، وإنّ لاخيتار المرء فيه أثراً أكبر.

أهل الآخرة المتيقّظة قلوبهم

ذكرنا سابقاً أنّ هذا الحديث تناول سمات أولئك الذين بلغوا أعلى ذرى الإنسانيّة. وهو يقول في هذا المقطع أيضاً: «تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم»، والمراد أولئك الذين يستفيدون من نومهم كما ينتفعون من صحوهم، وكما أنّ كلّ تفكيرهم في حالة اليقظة منصبّ على الله تعالى فهم في حالة عبادة قلبيّة، فبإمكانهم أن ينعموا بمثل هذا الالتفات أثناء النوم أيضاً، فلا يكون عندهم فارق – من هذه الناحية – بين الصحو والرقاد. فأرواح أمثال هؤلاء ملتفتة إلى الله ومتوجّهة إليه ومشتغلة بعبادته اختياراً حتّى في حالة النوم، بل لربما أصابت من النتائج في تلك الحالة ما يفوق ثماره تلك الحاصلة أثناء الصحو. وكأنّ للأشخاص من هذا القبيل عمرين؛ إذ علاوة على النفع الذي يجنونه من أعمارهم في حال اليقظة فإنّهم يفيدون منه ويعبدون الله في ساعات النوم أيضاً.

ومن هذا المنطلق فلقد سبقنا هؤلاء في هذا المضمار؛ فخلافاً لأمثالنا المحتاجين للجوء إلى الأذكار والأوراد كي نقي أنفسنا من الوقوع في الوساوس أثناء الرقاد، يشتغل هؤلاء حتّى في هذه الساعات بعبادة ربّهم ويبلغون – عبر تكامل الروح – مقامات لم يبلغها الكثيرون حتّى في حال الصحو. وهذه واحدة من خصوصيّات أهل الآخرة حيث يتساوى عندهم نومهم ويقظتهم، ويعبدون الله، وتتوجّه قلوبهم إليه في رقدتهم كما يفعلون في يقظتهم. فلقد نقل البعض: «إنّنا نصحو من نومنا أحياناً فنجد أنفسنا مشغولين بترديد وِرد معيّن، أو إنّنا انشغلنا بالصلاة من اللحظة الأولى التي غلب فيها علينا النوم، وأتينا بعدّة ركعات قبل أن نصحو شاعرين بآثارها ونورانيّتها بعد الصحو».

الفقرة التالية من الحديث تتحدّث عن سمة أخرى من سمات أهل الآخرة وهي: «أعينهم باكية وقلوبهم ذاكرة» باستمرار. ثمّ يتبع ذلك بالقول: «إذا كُتب الناس من الغافلين كُتبوا من الذاكرين» فلا شيء يشغلهم عن ذكر الله: «رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ»[6]. على عكس الأشخاص العاديّين الذين تلهيهم أصغر الأشياء عن ذكر ربّهم، بل وقد ينسون حتّى صلاتهم. فالجوع والعطش وغيرها الكثير من المسائل التافهة من شأنها أن تشغل معظمنا أثناء اليوم والليلة، أمّا أهل الآخرة فلا يلهيهم أيّ شيء عن ذكر الله عزّ وجلّ.

«أعينهم باكية وقلوبهم ذاكرة، إذا كُتب الناس من الغافلين كُتبوا من الذاكرين». فأغلب المؤمنين يذكرون الله في حال الصلاة وحضور قلوبهم أثناءها محفوظ إن شاء الله؛ إذ «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ»[7]. فمن الطبيعيّ أن يكون المؤمن في حال الصلاة، واثناء تلاوة القرآن، وفي مجلس الموعظة ذاكراً لله تعالى ولأوليائه. لكنّ المرء عادة يغفل في بعض المواطن عن هذه الأمور. فلو حصل حريق، مثلاً، في مكان ما فسينشغل كلّ امرئ في إنقاذ نفسه من النار وسوف لا يكون ذاكراً لله بطبيعة الحال. وعندما يصاب موضع من جسم ابن آدم بألم شديد فسوف ينعدم التفاته إلى الصلاة والدعاء. ولو أصاب الإنسان بهجة غامرة ونشاط مفرط فسينسى كلّ شيء إلى درجة أنّه قد يصاب بالجلطة. هكذا هو ابن آدم. لكنّ لله عباداً لا يغفلون عن ذكره مهما كانت الظروف؛ ففي حال المصيبة والبلاء يستعينون بربّهم لحّل مشكلاتهم، وفي ساعة الفرح والبهجة يشكرون الله على ما أنعم به عليهم، وإذا واجهتهم معضلة علميّة توسّلوا بدايةً إلى الله في حلّها؛ فمع انتفاعهم ممّا وهبهم خالقهم من ذكاء وقابليّة وعقل، ومع الإفادة من الاستاذ الذي وفّره الله لهم، والكتاب الذي جعله سبحانه تحت تصرّفهم، فإنّهم يتوّجهون إلى ربّهم قائلين: إلهي! ألهمني فهماً يمكّنني من حلّ معضلتي العلميّة. فمثل هؤلاء هم أهل الآخرة.

لقد قيل في أوصاف أهل الدنيا إنّهم لا يشكرون أنعم الله، ولا يشكرون الآخرين على إحسانهم، ولا يصبرون على المصائب، بل يجزعون ويفزعون، أمّا أهل الآخرة - في المقابل - فإنّهم: «في أوّل النعمة يحمدون وفي آخرها يشكرون»؛ فهم يشكرون الله تعالى ابتداءً بمحض قدوم النعمة وقبل الانتفاع منها.

أغلب الناس يجرون على ألسنتهم عبارة «الحمد الله» بعد أن يكونوا قد انتفعوا من النعمة بما فيه الكفاية، لكنّ أهل الآخرة يشكرون الله في البداية ويثنون عليه في النهاية بما أنعم عليهم من النعم وجعل في متناولهم من الأسباب، معترفين بأنّهم غير قادرين على شكر تمام نعم ربّهم. هؤلاء هم أهل الآخرة. لكن لو انهالت السماء على أهل الدنيا نعماً لظلّوا يئنّون من النقص الفلاني! ولو قدّم لهم إنسان عشرات أنواع الإحسان لأمطروه بوابل من الشتائم على خطأ واحد. فهم ينظرون أبداً إلى النصف الخالي من الكأس. أمّا أهل الآخرة فإنّهم دوماً يشاهدون الحسنات، ويرضون بكلّ ما في حياتهم، ويشكرون الله على كلّ ذلك. برأيكم أيّ واحدة من هذه الحالات أفضل؟

اللهمّ ببركة أوليائك وعنايتهم ألحقنا بأهل الآخرة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص24.

[2]. بحار الأنوار، ج22، ص27.

[3]. الشهيد محمّد معماريان أحد شهداء حرب الدفاع المقدّس التي دامت ثماني سنوات.

[4]. سورة البقرة، الآية 154.

[5]. سورة آل عمران، الآية 169.

[6]. سورة النور، الآية 37.

[7]. سورة العنكبوت، الآية 45.

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org