قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 30 حزيران 2014م الموافق لليلة الثالثة من شهر رمضان 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

«وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا وتصغُر في عينيه وتعظُم الآخرة عنده»[1].

 

الدنيا والآخرة

25

 

إشارة

لقد ذكرنا في المحاضرات الماضية في إشارة إلى المقطع أعلاه من حديث المعراج أنّ الله يقول في مقام تعريف أهنأ عيش وأبقى حياة انّ الأخيرة تكون من نصيب من تصبح الدنيا في عينه - نتيجة كدّه وسعيه - هيّنة وغير ذات قيمة. وهنا قد يتبادر السؤال التالي إلى الذهن: ما هو السبب في قوله إنّ الحياة الباقية هي من نصيب مَن يعمل على أن تكون الدنيا في عينه هيّنة وحقيرة؟

من الواضح أنّه عندما يدور الكلام حول الحياة الأبديّة تكون للبحث اُصول ثابتة وقضايا مفروضة الصحّة، أوّلها أنّه ثمّة بعد الحياة الدنيويّة العابرة حياةٌ اُخرى باقية. فطرح سؤال من هذا القبيل على مَن لا يؤمن بهذه الحقيقة ليس في محلّه. والأصل الآخر هو أنّ علينا السعي والعمل من أجل نيل السعادة في الحياة الأبديّة. إذ قد تُطرح حول جميع هذه المسائل شبهات لدى بعض الشباب، نرى من المناسب أن نشير إليها.

إثبات المعاد أصعب ما واجهه الأنبياء

إنّ أعقد معضلة كانت تواجه الأنبياء هي إثبات قضيّة أنّه ثمّة عالم آخر بعد عالمنا هذا سنحيا فيه بعد الموت. فلم تواجه قضيّة إثبات وجود الله وضرورة عبادته صعوبة بالغة من قبل الأنبياء؛ ذلك أنّ أصل وجود المعبود كان محطّ قبول الجميع، فأغلب الناس كانوا معتقدين بوجود معبود يتعيّن عبادته. وقد اقتضت رسالة الأنبياء في هذا المجال تبليغ شعار «لا إله إلا الله» والقول للناس: «...أَنَّمَا إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ»[2]. إذ كان على الأنبياء (عليهم السلام) أن يخبروا الناس أنّ الآلهة التي تعبدونها لا تستحقّ العبادة؛ إذ كيف يمكن أن يكون الذي تنحتونه بأنفسكم من الحجر والخشب إلهاً لكم وأن يكون أهلاً للعبادة؟! ولم يكن لدى الناس جواب على هذا الاستدلال العقليّ سوى القول: «بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا»[3]؛ فهذه سنّة آبائنا وأسلافنا، فقد ألفيناهم يفعلون ذلك ونحن نقتفي آثارهم: «إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ»[4].

لكنّ المسألة الاُخرى التي كان الأنبياء يؤكّدون عليها كثيراً هي قضيّة وجود اليوم الآخر، وهي أنّ الناس يحيون ثانية بعد الموت ويحاسَبون على أعمالهم وأنّ كلّ امرئ سيثاب أو يعاقَب على ما قدّمه. فإثبات هذه المسألة كانت غاية في الصعوبة، إذ لم يتمّ إحياء قوم حتّى ذلك الحين كي يشاهدهم الناس. وهذا ما جعل الكثير من الناس يقولون: «إِنْ هَـٰذَا إِلاّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ»[5]. بل وكانوا أحياناً يستهزئون بالأنبياء لهذا السبب قائلين: لقد ظهر مجنون يدّعي أنّ الإنسان يتمّ إحياؤه ثانية بعد أن يموت ويُقبَر: «أَفْتَرَىٰ عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةُ»[6]!

التفاسير الخاطئة للآخرة

إذن فإثبات المعاد للناس كان من أصعب ما واجهه الأنبياء، فلم يكن الناس ليصدّقوا بسهولة أنّهم سيُبعثون مرّة اُخرى بعد موتهم وسيعيشون حياة لا نهاية لها هي الحياة الحقيقيّة. من أجل ذلك فقد حاول البعض - بغية إظهار الانسجام والتكيّف مع من آمن بهذه العقيدة - تأويل هذا المفهوم كغيره من المفاهيم، فقالوا، مثلاً: «الآخرة هي مفهوم قيميّ وأخلاقيّ». وقد تستغربون من سماع ذلك، لكن لا بأس أن تعلموا أنّه ثمّة شخص معمّم قبل الثورة كان يُدعى «آشوري»، وقد تمّ إعدامه بعد الثورة بسبب ارتداده، كان قد كتب في كتاب له تحت عنوان التوحيد: «ليس «الله» بموجود عينيّ وحقيقيّ، بل هو تصوّرنا الذهنيّ للكمال المطلق»! وكان يقول أيضاً: «عبارة «لا إله إلا الله» هي لإثبات وجود مثال أخلاقيّ، وليس لنا في هذا المجال أيّ مشكلة أو خلاف مع المادّية الفلسفيّة التي تعني إنكار الله؛ فنحن نختلف مع الماركسيّين في المادّية الأخلاقيّة». وكان ثمّة من يقول أيضاً: «الآخرة لا تعني أنّ الإنسان سيُبعث بعد الموت حقّاً، بل هي في مقابل الدنيا وتعني القيمة؛ فالدنيا تعني الربح، والآخرة هي القيمة! فلو فعلتم ما يدرّ عليكم بالنفع، فهذه هي الدنيا، أمّا إذا قمتم بنفس هذا الفعل لما يحمله من قيمة، فهذه هي الآخرة، وإنّ دعوة الأنبياء إلى الآخرة إنّما هي دعوة إلى التمسّك بالقيم وفعل الخيرات لما لها من قيمة» (وهو تفسير مشابه لنزعة «كانت» في الأخلاق).

فلا يصيبنّكم العجب من سماع أمثال هذا الكلام! فبعض الشخصيّات المعمّمة، والتي تمارس اليوم نشاطات سياسيّة واسعة أيضاً، كانت تروّج في درس تفسيرها لرؤية مفادها أنّ: «اليوم الآخر يعني يوم الثورة! بمعنى أنّه على الشعب أن يمارس أوّلاً نشاطات سرّية حتّى يحين زمان الثورة. وانّ ساعة الثورة هي تلك التي يقول عنها القرآن الكريم: «إِنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ»، لكنّه لا ينبغي لأحد أن يعلم بها: «أَكَادُ أُخْفِيهَا»[7]».

علاقة الدنيا بالآخرة

الأصل الثابت الثاني الذي افترضناه لهذا البحث كان ضرورة السعي في هذه الدنيا لنيل سعادة الآخرة. بيد أنّه كان هناك من الأشخاص مَن لم ينكر الآخرة، لكنّه يقول: «الآخرة عالم آخر قد يُبعث المرء فيه ثانية بعد موته وكما أنّه كان يعمل في هذه الدنيا فسيعمل في ذلك العالم أيضاً. فالقرآن عندما يطرح الحوار القائم بين أخوين يشير إلى هذه الرؤية فيروي عن قول أحدهما: «مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً»[8]. فعلى فرض وجود الآخرة، فلا ينبغي أن نقلق بسببها؛ فحتّى لو اقتادونا بين يدي الله في ذلك العالم فمثلما سعينا في هذه الدنيا وحصلنا على هذه الثروات فباستطاعتنا هناك أن نعمل بشكل أفضل ونحصل على ما هو أفضل من ذلك»! ومن المثير أن تعلموا هنا أيضاً أنّ أحد السياسيّين - ممّن كان يُظهر تديّناً فائقاً وكان يشغل مناصب في أوائل أيّام انتصار الثورة - كان قد كتب في كتابه: «من المحتمل أن تكون الجنّة في أحد الأجرام السماويّة وأنّه سيكون باستطاعة البشر بعد تفوّقهم العلميّ والصناعيّ أن يصنعوا من الأجهزة ما يمكّنهم من المهاجرة إلى هناك؛ أمّا المتخلّفون علميّاً والاُمّيون فسيبقون في جهنّم هذه الأرض»!

لكنّ تفاسير من هذا القبيل لا تنسجم مع الاُصول الثابتة الـمُقرَّة في معتقداتنا. فنحن نعتقد بأنّ الإنسان وبعد رحيله عن هذه الدنيا وتفسّخ بدنه وتحوّل عظامه إلى تراب سيُبعث مرّة اُخرى ويرى ثمار أعماله التي قدّمها في الحياة الدنيا؛ وهذا يعني أنّنا – أوّلاً - نؤمن بالآخرة، وثانياً: نرى أنّ الآخرة هي مفهوم حقيقيّ، وليس مفهوماً قيميّاً وأخلاقيّاً، وثالثاً: نعلم أنّ الآخرة تأتي بعد عالم الدنيا وتبدأ بعد الموت، ورابعاً: نعتقد بأنّ سعادة الآخرة لا تُنال إلاّ من خلال أعمال هذه الدنيا: «إنّ اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل»[9]. وإنّه بالاستناد إلى هذه الاُصول الثابتة يخاطب الله نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) ليلة المعراج بقوله: «وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا».

نسبة الدنيا إلى الآخرة

لكن لماذا أشار أوّلاً إلى هذا المبحث؟ والجواب هو: لأنّ الدنيا مهمة جدّاً في نظر الكثير منّا. فعلى الرغم من اعتقادنا بالآخرة فنحن لا نعتقد بأنّها على هذا القدر من الأهمّية. وباستثناء بعض الدقائق التي نشغلها بأعمال من قبيل الصلاة فنحن نقضي أغلب أوقاتنا في اليوم والليلة بالكدّ والمثابرة في سبيل الدنيا والتفكير بها، بل حتّى وقت راحتنا ونومنا فنحن نخصّصه للدنيا أيضاً. فإذا تصوّرنا صبيّاً بلغ الحلم لتوّه، أو شابّاً على أعتاب تأسيس حياته المستقلّة فإنّ كلّ همّه وغمّه ينصبّ على أنّه كيف سيؤمّن دخلاً جيّداً، وعن أيّ طريق سيكسب معاشه، وما السبيل لامتلاك بيت مناسب واقتناء سيّارة جيّدة والتزوّج من امرأة صالحة والتمتّع بحياة كريمة؟ فهذه المسائل تشغل ذهنه باستمرار ممّا يجعل الدنيا في نظره عظيمة ومهمّة. فإن أراد امرؤ إدارة مدينة أو دولة، أو المضيّ في طريق التقدّم العلميّ والصناعيّ، فسوف لا يجد الوقت للتفكير في المسائل الاُخرى. فإذا اقترحتَ عليه – والحال هذه – أن يتفرّغ ساعة لتلاوة دعاء أبي حمزة الثماليّ عوضاً عن التفكير بهذه الاُمور، فما هي ردّة الفعل التي تتوقّعها منه؟

أذكر في أوائل عهد قدومي إلى مدينة قمّ المقدّسة حيث لم تكن شوارعها مُعبَّدة بيدَ أنّ البلدية شرعت بتعبيد أحد الشوارع. فإذا بامرأة عجوز على حاشية الطريق كانت تمرّ على مقربة من العمال المشتغلين بتعبيد الطريق فقالت وقد أثارتها آلات ومكائن التعبيد: ماذا يصنع هؤلاء المعمّمون يا ترى؟ فإن كانوا صادقين فليأتوا ويعبّدوا الطرق كما يفعل هؤلاء!

فمن الطبيعيّ أن تكون الامور المتعلّقة بالحياة الدنيا مهمّة بالنسبة لنا؛ إذ أنّ لنا حاجات وعلينا السعي لتلبيتها. بل وقد نستغرق عشرات السنين في نيل بعض مطالبنا. ولذا فمن الطبيعيّ جدّاً أن يقيم المرء لشؤون الدنيا - بدءاً من المأكل والملبس والمسكن والحاجات الجنسيّة وصولاً إلى المنصب والمكانة الاجتماعيّة - وزناً. فلو قيل لنا في هذا الخضمّ: اعملوا على أن تعظم الآخرة في أعينكم، فما معنى ذلك؟ هل يعني أن نهتمّ بالآخرة بمقدار ما نقيم للدنيا من وزن؟ فهل من تناسب بين الدنيا والآخرة يا ترى كي نستطيع المقارنة فيما بينهما؟ فالدنيا متناهية والآخرة غير متناهية، ولا يمكن تصوّر أيّ نسبة بين المتناهي واللامتناهي. ناهيك عن أنّه مَن من الناس له أن يدّعي أنّه يسعى لآخرته بمقدار ما يعمل لدنياه؟ فالله الذي خلَقَنا والذي يعرفنا حقّ المعرفة يقول: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوٰةَ الدُّنْيَا»[10]؛ أي: ليس أنّكم لا تساوون بين الآخرة والدنيا ولا تعملون لآخرتكم بالمقدار الكافي فحسب، بل إنّكم تؤثرون دنياكم على اُخراكم. فلعلّ معظمنا قد واجه هذا التزاحم بين أمر دنيويّ وآخر اُخروي وقال: فلننظر في أمر دنيانا في الوقت الحاضر، ثمّ نفكّر قليلاً بأمر الآخرة فيما بعد!

لقد جاء الأنبياء لتفهيمنا بأنّ حياتكم الدنيا وما تكسبون فيها لا يمكن أن تشكّل طرفاً في عمليّة تناسب مع الآخرة التي هي الحياة الأصيلة. فالأصل هناك وعليكم أن تعرفوا ذلك ولا يمكنكم أن تتصرّفوا على هذا الأساس إلاّ إذا أصبحت الدنيا صغيرة في نظركم ولم تكترثوا لها. بالطبع لابدّ من التذكير هنا بأنّ أكثر الأعمال الدنيويّة حيوانيّة قد يتحوّل إلى تكليف شرعيّ وأمر اُخرويّ وعندها سيكون له حساب آخر. فبحثنا يدور حول قضيّة أنّه إذا أردنا أن تكون الآخرة ذات أهمّية عندنا وأن نبلغ ما تتحدّث عنه هذه الرواية فلا ينبغي أن نطلب الدنيا من أجل الدنيا وملذّاتها. فإن أفلحنا في ذلك حصلنا على ذلك الثواب. والخطوة الاُولى في هذا السبيل هي أن تصغر الدنيا في أعيننا. لكن ما الذي ينبغي صنعه كي تصغر الدنيا في أعيننا؟ فالسبيل إلى ذلك هو ما علّمنا القرآن الكريم في قوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»[11]. إذن علينا أن نقارن بين الدنيا والآخرة. فينبغي أن نعلم أوّلاً ماهيّة هذه الدنيا، وخصوصيّاتها، وما توفّره لنا من لذّات، ثمّ نعرف في المقابل ما هي الآخرة؟ لكنّ المشكلة تكمن في أنّنا - في مقام التصوّر - نعلم أنّ الدنيا تتضمّن اُموراً محدودة قليلة القيمة، وأنّ الآخرة غير محدودة، أمّا في مقام التصديق القلبيّ والإيمانيّ المؤثّر في أعمالنا فنحن ضعفاء.

النيّة؛ مناط قيمة الأعمال

إذا أردنا المضيّ في هذا الطريق فعلينا أوّلاً أن نحلّ هذه المسألة في أنفسنا وهي أنّ الدنيا ليست هي غايتنا. فنحن – إن شئنا أم أبينا - منطلقون في طريق سفرنا هذا وسوف نجتازه لا محالة. بالطبع إنّ تصديق هذا الأمر ليس بالأمر الصعب جدّاً؛ ذلك أنّنا نرى باُمّ أعيننا أنّ طبيعة الدنيا لا ثبات فيها وأنّها في حالة مرور. لكنّ المعضلة التي واجهها جميع الأنبياء هي إثباتهم للبشر أنّ غايتهم الأساسيّة من حياتهم هي الآخرة وأنّه لا ينبغي أن يوظّفوا جميع طاقاتهم ومساعيهم في سبيل الدنيا: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوٰةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * إِنَّ هَـٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ»[12]. فإنّه باتّباعنا الأنبياء والسير على نهجهم، يمكن أن تصبح كلّ مساعينا التي نقوم بها لأجل الدنيا والتي نجني ثمارها في هذه الدنيا أيضاً ذات أثر في آخرتنا. فنحن نكدّ لجني المال من أجل توفير الغذاء كي نُشبع بطوننا. فهذا الكدّ والسعي له آثار دنيويّة بالنسبة لنا، لكنّه في الميسور أن يتحوّل نفس هذا العمل إلى عبادة فنجني منه نتائج اُخرويّة. هذا هو فنّ الدين، ولعمري فإنّه ما من مدرسة بشريّة يمكنها أن تقدّم لنا مثل هذا الفنّ. فجميع الاُمور الدنيويّة التي تُعدّ في حدّ ذاتها صغيرة وحقيرة وغير ذات قيمة، يمكن أن تكون لها قيمة بالتبَع أو بالعَرَض، وأن تحمل لنا أعلى درجات القيم فيما لو أنجزناها بهدف الآخرة ومن أجلها وفي سبيل الله. وفي هذه الحالة نكون قد لبّينا حاجاتنا المادّية وأشبعنا لذّاتنا الدنيويّة من جهة، ونكون قد عمّرنا منزل آخرتنا وأمَّنّا سعادتنا النهائيّة التي خُلقنا من أجلها من جهة ثانية.

فلقد أحببتُ أن اُشير إجمالاً إلى أنّ الخطوة الاُولى على طريق الوصول إلى ما بيّنه الله عزّ وجلّ لنبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) في ليلة المعراج هو محاولتنا أن نفهم بأنّ الدنيا في حدّ ذاتها ليست ذات قيمة، لكنّها من الممكن أن تكون وسيلة للآخرة وعندها ستحظى بقيمة هي غاية في العلوّ والرفعة. والفارق بين الأمرين يعتمد على نظرتنا إلى الدنيا ونيّتنا من أعمالنا وسلوكيّاتنا.

وفّقنا الله وإيّاكم إن شاء الله 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. سورة الكهف، الآية 110.

[3]. سورة البقرة، الآية 170.

[4]. سورة الزخرف، الآية 23.

[5]. سورة النمل، الآية 68.

[6]. سورة سبأ، الآية 8.

[7]. سورة طٰه، الآية 15.

[8]. سورة الكهف، الآيتان 35 و36.

[9]. نهج البلاغة، الخطبة 42.

[10]. سورة الأعلى، الآية 16.

[11]. سورة البقرة، الآيتان 219 و220.

[12]. سورة الأعلى، الآيات 16 – 19.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org