قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 11 تموز 2014م الموافق لليلة الرابعة عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

هذا هو العيش الهنيء

36

 

«فإذا كان هكذا يَفِرّ من الناس فراراً ويُنقَل من دار الفناء إلى دار البقاء ومن دار الشيطان إلى دار الرحمٰن. يا أحمد لأزيّنَنّه بالهيبة والعظمة فهذا هو العيش الهني‏ء والحياة الباقية»[1].

إشارة

قلنا في المحاضرات الفائتة، في معرض بحثنا في فقرات من حديث المعراج، إنّه بعد أن يمتثل السالك الأوامرَ الاُولى المبيَّنة في الحديث تشمله رحمة وعناية خاصّتين من الله عزّ وجلّ وأوّل ما يحصل عليه من أجر هو أن تودَع في قلبه محبّة خاصّة تجاه الله تبارك وتعالى. أمّا أجره الثاني فهو أن تهون الدنيا في عينه، ثمّ يتحوّل إلى بغض في قلبه تجاهها وتجاه لذّاتها، وهو ما يمهّد له الأرضيّة لعدم الرغبة في الدنيا وتجنّب السقوط في حبائل الشيطان. وفي هذه المرحلة تنتهي التربية الإلهيّة وتظهر في السالك آثار تبيّنها الفقرات التالية من الحديث القدسيّ.

«فإذا كان هكذا» أي بعد اجتياز هذه المراحل التربويّة «يَفِرّ من الناس فراراً ويُنقَل من دار الفناء إلى دار البقاء ومن دار الشيطان إلى دار الرحمٰن». وعندها يعمد الله إلى تزيينه بالهيبة والعظمة حتّى يحسّ الناس بالخضوع بين يديه «فهذا هو العيش الهني‏ء والحياة الباقية». ولـمّا كانت أذهاننا غير مأنوسة بهذه المفاهيم فإنّنا نجد في هذه التعابير بعض الإبهام. أوّل إبهام هو: ما معنى الفرار من الناس، ولماذا يفرّ أمثال هؤلاء من الناس؟

السالك إلى الله فارٌّ من الناس

إنّ من جملة المسائل التي تتناولها كتب الأخلاق والتي يوليها أرباب السير والسلوك اهتماماً بالغاً هي تلك الخصوصيّات التي بُيِّنت بلسان الشعر:

صـــــمتٌ وجـــوعٌ وسَــهَر      عَــــــــــزلٌ وذِكـــرٌ مـــســـتـــمِــــرّ

خَـمــسٌ إذا مورِسنَ أكـ      ـمَلنَ النقائص في البشر[2]

يعني انّه في ميسور الذين يشْكُون من النقص في مقام العبوديّة أن يستعينوا بهذه العوامل الخمسة ليصلوا إلى كمال العبوديّة. أوّل هذه العوامل هو «الصمت» الذي تكرّرت الإشارة إليه في حديث المعراج، وثانيها «الجوع»، وثالثها «السَهَر» وإحياء الليل، ورابعها «العزلة» عن الناس، وخامسها «ذكر الله» بشكل مستمرّ. جميعنا تقريباً يعرف هذه المفاهيم ويعلم أنّه لا يراد بالتوصية بها الإطلاق والعموم. فليس المراد من الصمت هو السكوت المطلق؛ إذ قد يكون الكلام أحياناً واجباً، كما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفقيه الآخرين في الدين، والردّ على الأسئلة والشبهات. وكذا الحال مع «الجوع» فلا يراد منه الجوع المستمرّ، إذ يتعيّن على الإنسان - لدفع ضعف بدنه واكتساب القدرة على إنجاز واجباته – تناول بعض الطعام. ومن الواضح أنّ قائل هذا البيت ليس هو في مقام بيان شروط وقيود المسألة وليس قصده تبيين الحدّ المطلوب لكلّ واحد من هذه العوامل. كما أنّ «العزلة» هنا - والتي عبّر عنها الحديث بالفرار من الناس – لا يراد منها اللجوء إلى غار أو العيش في صومعة، فالإسلام يرفض مثل هذه الرهبانيّة: «لا رهبانيّة في الإسلام»[3]. فالرهبانيّة كانت بدعة ابتدعها بعض النصارى للفرار من أذى أعدائهم من اليهود ثمّ أقرّتها الديانة المسيحيّة تدريجيّاً بشكل من الأشكال ولا زالت رائجة لدى بعض فِرَقها؛ كما في قوله تعالى: «وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ»[4]. فالرهبانيّة غير مقبولة في دين الإسلام الذي استعاض عنها بالتوصية بصلاة الليل والاستيقاظ في السحر[5]. ونستطيع أن نتبيّن، بالالتفات إلى ذلك، أن لا عموميّة في قضيّة العزلة عن الناس وأنّ لها قيوداً. لكن لماذا لم تبيَّن قيودها في هذا الحديث الشريف؟ هذا أمر طبيعيّ، فإذا لم نشأ في محاوراتنا اليوميّة بيان تفاصيل الموضوع فإنّنا، وتجنّباً للإطالة والإسهاب، سوف لا نطرح جميع قيوده وشروطه دفعة واحدة وسنكتفي ببيان أصل المبحث بصورة الإهمال. كما أنّ الكثير من آيات الذكر الحكيم التي تتطرّق إلى أصل وجوب الصلاة تقول من دون أيّ قيد: «أَقِيمُواْ الصَّلَوٰةَ»[6]، «يُقِيمُونَ الصَّلَوٰةَ»[7]. فهاهنا مقام الإهمال، أمّا أجزاء المبحث وقيوده وشروطه فيتمّ ذكرها في مقام البيان التفصيليّ.

والحديث هنا يتصدّى لبيان اُسلوبٍ خلافُه هو الشائع بين الناس. فأغلب الناس يميلون إلى قضاء أوقاتهم بتجاذب أطراف الحديث مع الآخرين ومناقشتهم في شتّى القضايا. فالله تعالى، ومن منطلق كونه المربّي لعباده، يريد هنا تغيير هذه العادة غير الصائبة، والحديث – لذلك – يكتفي بالإشارة إلى الفرار من الناس باعتباره عملاً محبّذاً. وهذا يشبه التوصية في الكثير من الروايات بالإقلال من الطعام بشكل مطلق في معرض تحذير الناس من الإكثار من الأكل والذي يبدو أمراً طبيعيّاً عند الكثيرين. فمثل هذه الروايات هي في مقام التحذير من اُسلوب في الحياة غير صحيح وضرورة السيطرة عليه وإصلاحه. ومن هنا فقد ذُكرت المسألة بصورة الإهمال، وتُرك بيان حدودها وقيودها وشروطها لمناسبة اُخرى.

أقسام المعاشرة

ممّا لا شكّ فيه أنّ معاشرة الآخرين هي من النعم الإلهيّة وقد مُهِّد لها من خلال التواجد في كنف الاُسرة والمجتمع، ومن دونها سوف لا تتوفّر إمكانيّة تأمين الكثير من حوائج الحياة الضروريّة، بل وسوف يغيب المناخ اللازم لبلوغ بعض الكمالات المعنويّة أيضاً. فلو اُبقي على المرء منذ ولادته في غار بعيداً عن أبناء جنسه فسوف لا يجيد النطق، ولا يتعرّف على الآداب والتقاليد، ولا يتعلّم أيّ عِلم، وستكون حياته حياة الحيوانات. وهذا ما دفع الفلاسفة إلى القول: إنّ الإنسان هو مدنيّ بالطبع؛ أي إنّ طبع الإنسان يقتضي المدنيّة والتحضّر. فلا ريب أنّ الإنسان بحاجة إلى المعاشرة من أجل تلبية حاجياته ومساعدة الآخرين. لكن عوضاً عن استغلال الإنسان معاشرةَ الآخرين من أجل تكامله ورقيّه فإنّ غفلته تؤدّي به إلى تضييع جزء كبير من عمره الثمين في اُمور لا تعطي أيّ ثمار اُخرويّة بل وحتّى دنيويّة، بل وقد يقضيها في المعصية والآثام أيضاً. ولتجنّب ذلك علينا أوّلاً أن نصنّف أنواع معاشرتنا.

فقسم من تعاملاتنا مع الناس يصنَّف في خانة تلبية ما نحتاجه في حياتنا المادّية والدنيويّة؛ ذلك أنّنا غير قادرين وحدنا على تلبية كلّ هذه الحاجات، ونحن بحاجة إلى غيرنا لذلك. فالمعاشرة ضمن هذه الحدود هي من لوازم الحياة الدنيويّة والأخيرة هي التي تحدّد مقدار الحاجة إليها. أمّا القسم الآخر ممّا نمارسه من المعاشرة فيدرّ علينا منافع اُخرويّة؛ كمعاشرة علماء الدين، ومربّي الأخلاق، والإخوة في الإيمان الذين يعلّموننا ديننا، وينبّهوننا إلى الصالح والطالح ويذكّروننا بالله تعالى: «قالت الحواريّون لعيسى: يا روح الله! مَن نُجالس؟ قال: مَن يُذكِّرُكم اللهَ رؤيتُه، ويزيد في عِلمكم منطقُه، ويُرَغِّبكم في الآخرة عمله»[8]. لكنّ بعض أشكال المعاشرة تسوق المرء إلى ارتكاب المعاصي. فأيّ فائدة يجنيها المرء منها يا ترى؟ فهذا الضرب من المعاشرة هو مذموم لا محالة ويتعيّن الفرار منه.

الفرار من الناس للحفاظ على ثروة العمر

التصنيف الآنف الذكر للمعاشرة ينفع الأشخاص العاديّين، لكنّ هذا المقطع من حديث المعراج يخاطب اُولئك الذين يبتعدون حتّى عن فعل المباحات وليس هدفهم النجاة من نار جهنّم. فهذه التوصيات تخصّ المفتّشين عن المراتب العالية من الكمال البشريّ. فأمثال هؤلاء يؤمنون بأنّ الحياة في هذه الدنيا ليست مطلوبة ذاتاً، بل هي أداة لاختبار ابن آدم ووسيلة لتكامله، ومن هنا فإنّه يتعيّن إنفاق كلّ لحظة منها في سبيل نيل سعادة الآخرة. فهل يُعقَل أن يقضي مَن بلغ هذا المستوى من المعرفة وقتَه بالبطالة بحضوره في أيّ مجلس كان، حتّى وإن خلا من كلّ معصية أو غيبة أو تهمة؟!

فعمل كهذا بالنسبة لمن يريد توظيف كلّ لحظة من لحظات عمره في النموّ والتكامل هو بمثابة هدر ثروة عظيمة. فالعمر ثروة ينبغي استغلال كلّ لحظة منها لنيل سعادة الآخرة. فكيف يتسنّى للسالك إلى الله أن ينفقه في أمثال اللعب والتسلية التي قد تكون غير نافعة أحياناً حتّى دنيويّاً؟! كالرجل الثريّ الذي يستعمل حزمة الأوراق الماليّة لإشعال النار! فإنّ من الحماقة أن يضع المرء ثروته فيما لا يعود عليه بأيّ ربح. فكيف يقضي هذا العمر – الذي يمكن الحصول في كلّ لحظة منه على أجر عبر ذكر الله – بالمزاح والتسلية؟! فأيّ وصف يمكن إطلاقه على هذا العمل غير الحماقة؟

فالذي يعلم ما لثروة عمره من قيمة فإنّه يتجنّب إتلافها ويفرّ من مجالسة من يهدرها بهذه الطريقة. فهل من العقل في شيء أن يعمد الفنّان - الذي يستطيع استغلال وقته لإنتاج عمل فنّي فاخر – إلى إنفاق وقته في مسامرة أصدقائه ورفاقه بدلاً من ذلك، أم عليه الفرار من مجالسة الذين يحولون دون مزاولته عمله؟ فالذين تقع على عاتقهم مسؤوليّات ضخمة، ومن أجل توفير فرصة أكبر لإنجاز مهمّاتهم، يمتنعون عن المشاركة في الكثير من الاجتماعات واللقاءات، حتّى وإن لم يرض بعض السذّج عن مثل هذا السلوك، لأنّ هدفهم هو إنجاز أعمالهم. وهذا - في الحقيقة - هو فرار من الذين يمنعون المرء من إنجاز عمله الرئيسيّ، حتّى وإن كان المانع هو أحد الأصدقاء.

على هذا الأساس فمن أجل أن يتجنّب السالك إلى الله إتلاف ثروة عمره النفيسة ويستطيع الإفادة من وقته بشكل أفضل فإنّه يفرّ من الذين يحرّضونه على اللغو الذي ليس له نتائج إيجابيّة على سعادة الآخرة. ولعلّكم سمعتم قصّة عنوان البصريّ الذي كان يصرّ بإلحاح على الاجتماع ولو مرّة بالإمام الصادق (عليه السلام) لكنّ الإمام كان يرفض. وأخيراً - وبعد التردّد المتكرّر على دار الإمام (عليه السلام) والتوسّل بالنبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) – فقد أفلح في التشرّف بالاجتماع بحضرته.

«فإذا كان هكذا يَفِرّ من الناس فراراً» فالعبد الذي يعرف قيمة عمره فإنّه يفرّ ممّن يعمل على إتلاف وقته ويمنعه من الإفادة من عمره على النحو الصحيح حتّى وإن لم يجرّه إلى ارتكاب الذنب وذلك ليستطيع استغلال عمره على أحسن وجه. فعبد كهذا لا يحبّ مجالسة أيّ أحد إلاّ إذا كان لمجالسته أثر على آخرته. فأمير المؤمنين (سلام الله عليه) كان يجلس للقضاء، ويتفقّد الفقراء، ويعاشر الناس لحلّ مشكلاتهم، بل ويعتني بأطفالهم أيضاً؛ فقد كان حاكماً وعليه العمل بواجباته. لكنّه كان يفرّ من الذين يلهيه الجلوس معهم عن أداء مسؤوليّاته.

انطلاقاً ممّا ذُكر فليس المراد من «الناس» في الحديث جميعَ الناس، بل المراد منه الذين تؤدّي مجالستهم إلى ارتكاب الآثام، بل وحتّى ضياع عمر الإنسان، فإنّه من مثل هؤلاء يتعيّن الهرب. بالطبع هذه المرحلة تشمل اُولئك الذين اجتازوا المراحل الأوّلية المذكورة في الحديث. فالأشخاص العاديّون الذين لم يبلغوا هذه المرحلة ليس لديهم القابليّة لانتهاج مثل هذا السلوك، بل إنّهم لا يطيقونه، وقد يصابون بالاكتئاب جرّاءه. فلا ينبغي تبنّي هذا السلوك إلاّ بعد اجتياز مقدّماته وأن يكون تحت إشراف مرَبٍّ.

الانتقال إلى دار رحمة الله

يقول تعالى في تتمّة هذا المقطع: «ويُنقَل من دار الفناء إلى دار البقاء». ما نفهمه نحن عادة من «الانتقال» هو الانتقال من محلّ إلى آخر. وقد نعمّم المفهوم نفسه على الرحيل عن الدار الفانية إلى الديار الباقية. لكنّ الرواية محطّ البحث تتحدّث عن إنسان ما يزال على قيد الحياة ويشتغل في هذا العالم بالعبادة وأداء واجباته. الاختلاف الوحيد الحاصل في هذا الإنسان هو ما طرأ من تغيير على حالاته الروحيّة نتيجة العمل بالتوصيات المذكورة فأنار له قلبَه وزاد انشداده إلى المسائل المعنويّة. والتعبير بالانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء هو – بشكل من الأشكال – كناية عن أنّه مع كون هذا العبد السالك ما يزال في عالم الدنيا وهو – على سابق عهده - يعيش في كنف اُسرته ومع أصدقائه فإنّ موضع روحه – التي هي الأساس لإنسانيّته – قد تغيّر، فقد رحل عن الموجودات الحيوانيّة التي كان يعيش بين ظهرانيها والتحق بجمع الملائكة. فجسم هذا الشخص لم يطرأ عليه تغيير وظروف البيئة المحيطة به ما زالت على حالها، لكنّ التعلّقات الدنيويّة التي كانت لديه إلى الأمس القريب قد زالت وحلّت محبّة الله عزّ وجلّ محلّها، وهذا تحديداً هو ما غيّر هويّته. وفي الحقيقة فإنّ وعاء حياة هذا الشخص، الذي كان مملوءاً بلذائذ الدنيا قد تبدّل إلى وعاء لرحمة الله وفيضه وتجلّياته لعبده. فالإنسان الذي يتمتّع بحياتين، حيوانيّة وملكوتيّة، قد تحوّل – بعمليّة التكامل وتحوُّل الهويّة هذه – إلى ما يشبه الملائكة، فرحل عن دار الفناء - التي هي وعاء الحياة الحيوانيّة - إلى دار البقاء - التي تمثّل وعاء الحياة الرحمانيّة. شخص كهذا ينصبّ اهتمامه والتفاته كلّه على الله ولا يجد الشيطان سبيلاً إلى قلبه؛ إذن فإنّه قد انتقل من دار الشيطان إلى دار الرحمٰن.

في إثر هذه الحالات يمنّ الله عزّ وجلّ على هذا العبد بفضيلة اُخرى توجب له المزيد من الكرامة والوجاهة بين الناس: «يا أحمد لأزيّنَنّه بالهيبة والعظمة». فإنّ الله تبارك وتعالى يهَب مَن يصبح عبداً له هيبة وعظمة خاصّتين. فهناك من الناس من يكنّ لهم المرء احتراماً خاصّاً بما يتناسب مع مكانتهم ومنزلتهم الاجتماعيّة لكنّه لا ينفعل أمامهم ولا يخضع لتأثيرهم. غير أنّه هناك اُناس يصفهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بعبارة: «صُفْرُ الوجوه»[9]؛ فهم أشخاص نحيلو الأبدان، صفر الوجوه، تلتصق جلودهم بعظامهم، لا يبدو عليهم – في الظاهر - ما يدعو إلى الانفعال تجاههم، لكنّ المرء - ومن دون اختيار منه - يشعر بالحقارة أمامهم بسبب هيبتهم فلا يدري ما يصنع. ولعلّكم شاهدتم من أمثال هؤلاء بين العلماء والصالحين. فالإنسان يشعر أمام هؤلاء بالحقارة والانفعال ويخضع لعظمتهم، وكأنّه يواجه جبلاً أشمّ. هذه هي الهيبة والعظمة التي يمنّ بها الله تعالى على أوليائه، هيبةٌ يخضع حتّى الملوك أمامها.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. إشارة لبيت شعر بالفارسيّة يقول: «صمت و جوع و سَهَر و عزلت و ذكر به دوام      ناتمامان جهان را کند این پنج، تمام».

[3]. دعائم الإسلام، ج2، ص193.

[4]. سورة الحديد، الآية 27.

[5]. عن أبي الحسن (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: «رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ» قال: «صلاة الليل». (الكافي، ج3، ص488).

[6]. سورة البقرة، الآية 43.

[7]. سورة البقرة، الآية 3.

[8]. الكافي، ج1، ص39، باب مجالسة العلماء وصحبتهم.

[9]. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنا الراعي راعي الأنام، أفَتَرى الراعي لا يعرف غَنَمَه». (فقيل له): مَن غنمك يا أمير المؤمنين؟ فقال: «صُفرُ الوجوه ذُبُل الشفاه من ذكر الله». (وسائل الشيعة، ج7، ص157).

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org