قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 19 تموز 2014م الموافق لليلة الثانية والعشرين من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

الحياء، أبرز صفات أهل الآخرة

44

إشارة

ذكرنا أنّ الله تعالى كان قد خاطب نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) ليلة المعراج بقوله: «يا أحمد! أَبغِض الدنيا وأهلَها وأَحِبّ الآخرةَ وأهلَها»[1]. ثمّ سأله (صلّى الله عليه وآله): «يا ربّ ومَن أهل الدنيا ومَن أهل الآخرة؟»، فسرد الباري عزّ وجلّ له أوصافاً لكلّ من الفريقين. وقد تحدّثنا في المحاضرة الفائتة عن سجايا أهل الدنيا.

الحديث تطرّق بعد ذلك إلى أوصاف أهل الآخرة، الذين عُبّر عنهم بـ «أهل الخير»، وأغلبها تقع إلى الطرف المقابل لصفات أهل الدنيا. فأهل الدنيا كثيرو الأكل، بينما أهل الآخرة قليلوه، واُولئك كثيرو الكلام، أمّا هؤلاء فقليلو الكلام ويميلون إلى السكوت. غير أنّ الصفة التي ذُكرت كأوّل صفة لأهل الآخرة وأبرزها فهي «الحياء»: «يا أحمد! إنّ أهل الخير وأهل الآخرة رقيقة وجوههم كثير حياؤهم»، والرقيق الوجه هو الإنسان الخجول الحيِيّ.

وهناك آراء مختلفة حول «الحياء»، فقد عُدّ في الكثير من المواطن بمعنى الخجل، وهي سجيّة تذمّها بعض الثقافات العالميّة المتداولة. فبعض علماء النفس يعتقدون بضرورة كون الطفل حرّاً على جميع الصعد ليفعل كلّ ما يحلو له، وأنّ كلّ ما يقيّد حركة الطفل فإنّه يمنع نموه وتكامله. فوفقاً لمذهب علماء النفس هؤلاء فإنّ الحياء يقيّد الطفل ويصيّره خجلاً لا يستطيع الإفصاح عن مراده بشكل صحيح أو الدفاع عن نفسه، وهم – لهذا – لا يعدّون الحياء صفة حسنة. وممّا يؤسَف له هو أنّ أغلب علمائنا المتخصّصين في علم النفس، الذين استقوا علومهم من مصادر علم النفس الغربيّة، يروّجون لهذه الاُمور في مراكزنا التعليميّة والتربويّة. وحتّى في وسائل الإعلام والأفلام السينمائيّة توضَع صفة الحياء - التي هي الاُولى والأبرز من بين صفات أهل الآخرة وأهل الخير - موضع الذمّ. فهل يتعيّن علينا – والحال هذه – أن نقبل بهذه الثقافة الحديثة، أم نأخذ بهذا الحديث وأمثاله التي لا تقدّم الحياء بوصفه سجيّة محبَّذة فحسب، بل باعتباره صفة ضروريّة ولازمة؟

جاء في بعض الأخبار أنّه: «لا إيمانَ لِمَن لا حياءَ له»[2]، وورد في حديث آخر: «الحياء والإيمان مقرونان في قَرَن‏[3] فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه»[4]. وهناك من أمثال هذه الروايات الكثير. كما أنّ الحياء كان سمة مطلوبة ومحبَّبة في الثقافة القديمة لبلدنا، بل إنّ أبشعَ ألوان السباب هو نعت الإنسان بعدم الحياء. بيد أنّ هذه الصفة (الحياء) صارت اليوم تُدرج في قائمة الصفات الذميمة.

ماهيّة الحياء

وللإجابة على السؤال أعلاه ينبغي أوّلاً أن نتعرّف على مفهوم الحياء. فمفردة «الحياء» تعبّر عن حالة وشعور انفعاليّ ينشأ في الإنسان نتيجة اطّلاعه على عيب أو نقص في نفسه.

وكما نعلم فإنّ الإنسان، فطرةً، يحبّ نفسه وهو - لذلك – يرى لها قيمة وكرامة ويكنّ لها احتراماً، وهو يودّ أن يكون عزيزاً عند الناس، وأن لا ينظروا إليه بعين الاحتقار. هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى فإنّ الإنسان يقرّ - من منطلق الفطرة، أو العقل، أو بالإفادة من الأنظمة القيميّة والدينيّة – بأنّ بعض الاُمور تُعدّ نقصاً أو عيباً أو قُبحاً. وقد تكون هذه العيوب تكوينيّة، كالنقائص الخَلْقيّة التي يسعى كلّ مَن يُبتلى بها إلى إخفائها عن أنظار الناس. وكذا فإنّ من الممكن أيضاً أن يكون هناك أمر يراه جميع عقلاء العالم قبيحاً وغير مرغوب فيه؛ فعلى الرغم من شيوع ارتداء الألبسة القصيرة وشبه العارية في بعض الدول مثلاً، فما زالت جميع المجتمعات البشريّة تستقبح ظهور المرء أمام الناس عرياناً كما ولدته اُمّه. مضافاً إلى أنّه توجد هناك اُمور تُعدّ مذمومة وفقاً لنظام قيميّ يقرّه مجتمع من المجتمعات، بحيث إنّ كلّ مَن يقبل بهذا النظام يعتبر هذا الأمر عيباً. نعم قد تكون أمثال هذه التصرّفات في بيئات مغايرة أو أزمنة اُخرى، لا يتّبع الناس فيها هذا النظام القيميّ، غير مذمومة ولا قبيحة.

يحكي أحدهم: لقد سافرتُ إلى كندا قبل ثلاثين عاماً. وفيما كنت أتنزّه في يوم من الأيّام في إحدى الحدائق العامّة خلعتُ معطفي من شدّة حرارة الجوّ. وإذا برجل شرطة يستوقفني قائلاً: «ارتدِ معطفك! فهذا العمل يخالف العفّة العامّة». هذا في حين أنّه في نفس هذا البلد وبعد مضيّ ثلاثين عاماً تظهر حتّى النساء أمام الملأ بأجساد شبه عارية من دون أن يرى امرؤ في ذلك ما يخالف العفّة العامّة! فهذا الأمر ناجم عن التغيير الذي طرأ على النظام القيميّ لهذا المجتمع.

وهناك اُمور اُخرى كالدين، والأخلاق العامّة، والقانون، والثقافة يمكن أن يكون لها أثر في عدّ سلوكٍ ما صحيحاً أو خاطئاً. وعلى أيّة حال، فبقطع النظر عن المعيار في استقباح الخصلة أو السلوك، فإنّ الإنسان لا يحبّ أن يشاهَد منه ما يعتبره الجميع قبيحاً وغير لائق لأنّه سيُنظر إليه من قبل الآخرين بوصفه شخصاً دنيئاً، حقيراً، عديم الأدب، غير مبالٍ بالأخلاق العامّة وهو ما سيحطّ من شأنه وحرمته.

فالحالة الانفعاليّة التي تطرأ على الإنسان إذا ما بان منه عيب أو تصرُّف سيّئ أمام الآخرين تدعى «الخجل» أو «الحياء». والإنسان - جرياً على مقتضى الفطرة - يحاول جاهداً، بغية الحيلولة دون حدوث هذه الحالة، أن لا تظهر عيوبُه، أو أن يتدارك ما يبدر منه من سلوك غير سليم. بالطبع قد تضعف الفطرة ويقلّ بريقها لدى أفراد مجتمعٍ ما بتأثير عوامل شتّى فلا تعود لمثل هذه المسائل أهمّية بالنسبة لهم. أمّا بالنسبة لنا، نحن أصحاب القرآن والدين، فمن الميسور فهم هذه البحوث بالرجوع إلى القرآن والسنّة.

الحياء مودَع في فطرة بني آدم

لقد أسكن الله تبارك وتعالى آدم وحواء (عليهما السلام) بعد خلقهما في جنّة، ونهاهما عن تناول ثمار واحدة من أشجارها. لكنّ الشيطان خدعهما ووسوس لهما أن يأكلا من ثمار هذه الشجرة المحرّمة. غير أنّه: «فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا»[5]، فعندما أكلا من الشجرة ظهرت عيوبهما. بالطبع نحن لا ندري أيّ شيء كانت تلك العيوب وكيف ظهرت. كلّ ما نعلمه هو أنّ آدم وحوّاء (عليهما السلام) لدى أكل ثمار تلك الشجرة قد التفتا إلى عيوب في بدنيهما جعلتهما يشعران بالخجل والحياء، فأخذا يسترانها بأوراق الأشجار. لكن ما الذي دفع آدم وحوّاء (عليهما السلام) إلى إخفاء عيوبهما وسترها؟ هل كان ثمّة إنسان آخر هناك يراهما؟ وهل تعلّما هذا الشيء من أحدٍ ما؟

باستطاعتنا أن نفهم من ذلك أنّ تصرّفهما هذا كان مصدره الفطرة، إذ لم يكن في ذلك الحين قد صدر أمر دينيّ أو توصية أخلاقيّة بعد، كما لم يكن هناك ثقافة أو تاريخ سلوكيّ لأسلاف سبقوهم. فالتحليل الوحيد الذي يمكن طرحه لتفسير هذا التصرّف هو أنّهما أحسّا بالحقارة جرّاء انكشاف قبائحهم وسوءاتهم. والمحصّلة هي أنّ هذا الأمر، الذي تمتدّ اُصوله إلى المعرفة الفطريّة، والذي يظهر بعنوان كونه إحساساً، يُدعى «حياء».

لكن هل الحياء حَسَن أم قبيح؟ وهل هو دائماً هكذا، أم انّه قد يكون حسناً أو قبيحاً باختلاف الظروف؟ وإذا التفت امرؤ إلى وجود عيب أو نقص في نفسه وهو لا يودّ أن يطّلع عليه الآخرون، لكنّه اكتفى بستره مع كونه قادراً على إزالته، فهل هذا تصرّف صائب؟ على سبيل المثال كلّنا تقريباً نتجنّب الظهور أمام الآخرين بمظهر من لا يعلم شيئاً، لكنّ البعض يستحي أن يسأل الآخرين لرفع حالة عدم العلم فيه. فهل هذا السلوك صحيح؟

ممّا لا شكّ فيه أن التفات الإنسان إلى عيبه أمر حسن؛ إذ مالم يطّلع الإنسان على سوءاته فسوف لا يعمل على رفعها. كما أنّ ستر المرء عيوبَه وإخفاءها عن أنظار الآخرين هو أمر فطريّ ولائق أيضاً، لأنّه يحفظ قيمة الإنسان ووزنه. إلا أنّ تقصير الإنسان في رفع عيوبه، وهو أمر لا علاقة له بالحياء والخجل، فهو ليس بالأمر الصائب. إذ على الإنسان أن يخجل من قلّة علمه، لكنّه يتعيّن عليه، من أجل رفع هذا العيب، أن يسأل الآخرين عمّا يجهل. بالضبط كالمريض، إذ يتحتّم عليه، لعلاج مرضه، أن يراجع الطبيب، لا أن يخفي مرضه. ومن هنا فإنّ ذمّ أهل العيوب ليس بسبب خجلهم من عيوبهم، بل لأجل تقصيرهم وتقاعسهم عن علاجها. فالحياء في الحقيقة ينجم عن علم الإنسان بوجود نقص في وجوده، وهو أمر فطريّ أودعه الله في كيان ابن آدم كي يغرس فيه، عن هذا الطريق، الدافعَ لإزالة هذا النقص والسير نحو الكمال. فلا يسعنا ذمّ امرئ بسبب ذلك، لأنّ المذموم هو التقاعس والتكاسل عن رفع العيوب والنقائص.

إلا أنّ ما يقع اليوم موقع الذمّ في علم النفس فهو هذا القسم الثاني من سلوك الإنسان. فالشخص الذي لا يستطيع الكلام على النحو الصحيح، أو الدفاع عن نفسه إذا ما تعرّض له الآخرون، يُذَمّ على عدم براعته وقعوده عن رفع هذا النقص. ولا صلة لذلك بالحياء. في حين أنّ البعض قد خلط بين إحساس المرء الناجم عن التفاته إلى نقصه، وبين محاولته إزالتَه، وبالنظر إلى أنّ غالبيّة الناس لا يسعون – في مثل هذه المواطن - إلى رفع نقائصهم، فقد اعتبر هذا البعض أنّ الإحساس الآنف الذكر هو السبب وراء عدم سعي الناس إلى ذلك، فعدَّه هو الآخر مذموماً! والحال أنّ الله سبحانه وتعالى قد أودع هذا الشعور في نفس الإنسان ليدفعه إلى محو عيوبه أو الحيلولة دون تكرّر الفعل المشين منه. وهذه هي الحكمة من الشعور بالخجل والحياء.

إذن فليس أنّ الحياء غير سيّئ فحسب، بل إنّه كلّما كان أقوى في نفس الإنسان، زاد الحافز لديه لمحاولة إزالة نقائصه وانطلاقه نحو الكمال. ولتحديد الاُمور القبيحة والمشينة ثمّة معايير، أفضلها - بالنسبة للمتديّنين - هي أوامر الله تعالى ونبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله). لكنّ المؤسف هو أنّ الكثير من الناس قد وقعوا – فيما يتّصل بنمط سلوكهم - فريسة الثقافة الغربيّة، ولم يعودوا يرون بأساً في الكثير ممّا يصنّفه الدين في عداد الاُمور غير اللائقة. ومن ناحية اُخرى، وعبر ذمّ الحياء والخجل، فإنّهم يجعلون الأجيال القادمة بشكل تدريجيّ أجيالاً أقلّ حياءً من ذي قبل، بل ويفتخرون بقلّة حيائهم أيضاً!

الحياء قرين الإيمان

خلافاً للثقافة المعاصرة التي ترى في الحياء عيباً، ينظر الإسلام إلى الحياء على أنّه أساس الإيمان وقرينُه، ويرى أنّ ذهابه مقرون بذهاب الإيمان. بيد أنّ ثقافة عالم اليوم تقضي بأن يفلت الإنسان نفسه من هذه القيود والأغلال التي تراها في غير محلّها [!].

أمّا أهل الآخرة فإنّهم لا يقعون فريسة هذه الإغواءات، ولا يسمحون بظهور عوراتهم وعيوبهم. ليس هذا فحسب، بل إنّهم يعتذرون ممّا يبدر منهم من تصرّفات غير لائقة، ويجهدون في إصلاح سلوكهم. فآدم وحوّاء (عليهما السلام) حينما بدت لهما سوءاتهما والتفتا إلى أنّهما قد ارتكبا فعلاً مشيناً، دفعهما حياؤهما إلى تدارك الأمر. ولهذا فقد بادرا إلى الاعتذار من ربّهما قائلين: «إِنْ‏ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين»[6]. فهذه التوبة هي نتيجة ذاك الحياء. فلو لم يعِ آدم وحوّاء (عليهما السلام) خطأهما ولم يستحيا منه لما تابا إلى ربّهما.

نفهم من ذلك أنّ طلب العذر والعمل على تدارك الخطأ هما أيضاً أمران فطريّان. إذن الحياء، وهو أمر فطريّ، شعور ينشأ في باطن الإنسان جرّاء ظهور عيب فيه، أو صدور عمل مشين منه. وهذا الشعور إنّما يحصل لمن يعدّ هذا الأمر قبيحاً وغير لائق، ولا يريد بانكشافه للآخرين أن يهبط احترامه، وإذا اطّلع امرؤ على عيبه، فإنّه يبادر إلى الاعتذار.

إنّ لمفهوم الحياء في الثقافة الإسلاميّة دائرة هي أوسع من تلك التي في المجتمعات الاُخرى. يقول نبيّنا الكريم (صلّى الله عليه وآله) في جملة ما أوصى به أبا ذرّ (رضوان الله تعالى عليه): «يا أبا ذرّ!... استَحِ من الله، فإنّي، والذي نفسي بيده، لأَظَلّ حين أذهب إلى الغائط متقَنِّعاً بثوبي أستحي من الملكين اللذين معي»[7]. ويروى أيضاً أنّ سلمان (عليه الرحمة) من شدّة حيائه لم ينظر إلى عورته حتّى مرّة واحدة في عمره.

وليست دائرة الحياء في الثقافة الإسلاميّة مقتصرة على بني آدم، فأولياء الله يستحون أن يطّلع حتّى ملائكة ربّهم، المكلّفون بتسجيل أعمالهم، على قبائحهم. بل وفوق ذلك، فإنّهم يخجلون من الله تبارك وتعالى أيضاً. ولهذا فإنّهم لا يجترحون السيّئة حتّى في الخفاء وفي خلواتهم، لأنّهم يرون الله جلّ وعلا حاضراً عندهم، فيستحون من ارتكاب الإثم في حضرته.

إذن فالحياء يعصم المرء عن ارتكاب المعصية. فقد جاء في الدعاء المرويّ بعد زيارة الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام): «ربِّ إنّي أَستغفرك استغفار حياء»[8]، والمعنى: إلهي! إنّني خَجِل من أنّني أذنبت بحضورك. وهذا النمط من الخجل هو على جانب من القوّة عند البعض حتّى أنّه لَيخاطب ربّه بالقول: إلهي! احرقني بنارك كي أخرج من حالة الاستحياء منك. إذن فالحياء عاملٌ يستطيع - إلى هذا الحدّ - أن يكون مؤثّراً في ردع المرء عن ارتكاب المعصية. غير أنّ الشياطين، ومن أجل أن نتلوّث نحن بالآثام، يحاولون سرقة هذا العامل منّا، فيغالطون قائلين: «الإنسان الخجل المتّصف بالحياء هو إنسان ضعيف لا يملك قدرة الدفاع عن نفسه»! بل إنّ هؤلاء قد دخلوا من باب المغالطة أيضاً ليروّجوا لـ «الحرّية» بالمعنى الذي يرومونه منها. ألم يقولوا: «كما أنّ الطائر يشعر بالسرور إذا أفلت من قفصه، فإنّ على الإنسان أيضاً أن يسعى في سبيل حرّيته كي يتسنّى له فعل ما يشاء»؟! ألم يبرّر شياطين [الإنس] كلامهم مستعينين بقول سيّد الشهداء (عليه السلام): «إنْ لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم»[9]، فقالوا: «إذا كانت الحرّية سيّئة، فلماذا أوصى الحسين (عليه السلام) بني اُميّة بها»؟ ولقد انطلت هذه المغالطات على البعض غافلين عن أنّ لـ «الحرّية» معاني واستخدامات مختلفة، لكلّ واحدة منها قيمتها الخاصّة، بل إنّ بعضها مضادّ للقيم، ولا يجوز خلطها مع بعضها. وهذه من جملة أساليب اُولئك الذين يسعون لإضلال الناس عن جادّة الصواب.

ثمّ إنّهم ابتدعوا مغالطة اُخرى بغية اجتثاث جذور «الحياء» من المجتمع الإسلاميّ فقالوا: «الإنسان الحيِيّ ضعيف ولا يستطيع الدفاع عن نفسه، إذن فالحياء صفة مذمومة»، ناسين أنّ السيّئ هو الكسل وعدم البراعة، وليس الشعور الذي ينتاب الإنسان نتيجة وقوفه على عيبه ونقصه. إذ بوسع هذا الشعور أن يشكّل دافعاً للإنسان لرفع سوءته وعاملاً لهدايته إلى سبيل الرشاد والرقيّ. فهل لنا – والحال هذه – أن نقول يا ترى: إنّ الحياء مذموم؟

لقد رسم لنا علماؤنا العظام نماذج يُضرب بها المثل في الحياء. إذ يُحكى أنّ المرحوم الحاج الشيخ محمّد حسين الاصفهانيّ كان لا يقوى، من شدّة حيائه، على النظر إلى وجه امرئ أثناء إلقائه الدرس، وكان كلّما رفع رأسه، طأطأه وخفض بصره مرّة اُخرى. ثمّ إنّني شاهدت باُمّ عيني كيف كان المرحوم آية الله حُجّت لا ينظر إلى الآخرين أثناء شقّ طريقه عبر الأزقّة، بل كان دائم التطلّع في السماء. والمرحوم آية الله العلاّمة الطباطبائيّ كذلك كان نادراً ما ينظر إلى وجه أحد أثناء إلقائه الدرس، بل كان بصرُه مرفوعاً إلى الأعلى.

فالحياء هو سجيّة مطلوبة تستدعي من الإنسان مراعاة احترام الطرف الآخر. كما أنّها من الممكن أن تشكّل منطلقاً للكثير من الصفات الصالحة الاُخرى. ولهذا السبب فقد ذُكرت هذه السجيّة في حديث المعراج باعتبارها واحدة من أبرز صفات أهل الآخرة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين



[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص201.

[2]. الكافي، ج2، ص106.

[3]. القرن: حبل يُجمع به البعيران.

[4]. الكافي، ج2، ص106.

[5]. سورة الأعراف، الآية 22.

[6]. سورة الأعراف، الآية 23.

[7]. الأمالي للطوسي، ص534.

[8]. بحار الأنوار، ج99، ص56

[9]. بحار الأنوار، ج45، ص51.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org