قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 3 تموز 2014م الموافق لليلة السادسة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

العوامل الاجتماعيّة وراء سعادة الآخرة، ومهامّ الحكومة

28

 

إشارة

لقد تناولنا في المحاضرات الأخيرة مقطعاً من حديث المعراج الذي يخاطب الله عزّ وجلّ فيه نبيّه (صلّى الله عليه وآله) بالقول: «وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا وتصغُر في عينيه وتعظُم الآخرة عنده»[1]. وانطلاقاً ممّا ورد في الحديث من التوصية باستصغار الدنيا فقد تعرّضنا لمباحث حول «الدنيا» و«الآخرة» من وجهات نظر مختلفة مبيّنين في بادئ الأمر المفهوم المرتبط بعلم الوجود لهاتين المفردتين باعتبارهما قسمين لعالم الوجود يتحقّق أحدهما بعد الآخر، وهو مفهوم يناقشه عِلم الفلسفة وعلم الكلام. وقد تناولنا متابعةً للموضوع مفهوماً آخر للدنيا والآخرة باعتبارهما قسمين من حياة الإنسان وقلنا: إنّ الإنسان كائن يولَد في هذه الدنيا ثمّ ينتقل بعد مدّة محدودة، بالعبور من مرحلة الموت، إلى القسم الثاني من حياته وهو قسم أبديّ وباقٍ، وهذا مفهوم يناقشه علم الإنسان الفلسفيّ. ثمّ تطرّقنا بعد ذلك لمفهوم آخر لهاتين الكلمتين يتناوله علم الأخلاق، وهو مفهوم يُطرح في مقام تقييم هذين الجزءين من حيات ابن آدم. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ هذا التقييم يُطرح ضمن الثقافة الدينيّة، وقد لا يكون طرحُه بهذه الصورة مسبوقاً في الثقافات الاُخرى. وقد ذكرنا في هذا المجال أنّ المراد الحقيقيّ من ذمّ الدنيا والثناء على الآخرة ليس هو نفس الدنيا والآخرة، بل إنّ الذي يخضع للتقييم هنا هو تعلّقنا بهذين العالمين. وبتعبير آخر فإنّ المذموم والمستقبَح هو الميل إلى الدنيا الذي ينتهي بحبّها الشديد، وإنّ المقبول والمحبَّذ والـمُثْنى ومورد الثناء عليه هو الرغبة في الآخرة. وإنّ علّة الذمّ بالنسبة لحبّ الدنيا والميل إليها هي القول بالأصالة لها والتضحية بالغاية في سبيل الوسيلة؛ إذ أنّه وفقاً للرؤية الدينيّة فإنّ الدنيا وسيلة لنيل سعادة الآخرة. ولذا فإنّ الذي يجعل الوسيلة أصلاً وينسى الغاية فهو كالمسافر الذي خرج طالباً مدينةً لكنّه استأنس بالخضرة والكلأ والماء في منزل نزل فيه ليستريح أثناء الطريق فنسي المدينة التي كان يقصدها. فالوسيلة والمسير في هذا المثال غير مذمومين، لكنّ نسيان الهدف والتعلّق بالوسيلة هو المذموم.

فإن اقتصرت نشاطاتنا في الدنيا على ما نناله من مصالح ولذائذ في هذا العالم وقصُر بصرنا عن نتائجها الاُخرويّة، فإنّه طلب الدنيا. إذ ينبغي لطالب الحياة الباقية أن يغيّر نظرته إلى عالم الوجود ويفهم أنّ الحياة الدنيا بعرضها وطولها ما هي إلاّ أداة (وهي تشبه الحياة الجنينيّة) حيث يصوغ الإنسان نفسه في الدنيا ليتسلّم نتائج أعماله في العالم الأبديّ. ولامتلاك مثل هذه النظرة لابدّ أن يعتقد الإنسان بأنّه بالإضافة إلى الحياة العابرة التي يقضيها في هذا العالم فإنّه سيعيش حياةً اُخرى أبديّة، وهو معتقَد يُعدّ جزءاً من اُصول ديننا ومن شأنه أن يؤثّر على كلّ ألوان سلوكنا.

وقلنا أيضاً إنّ مجرّد العلم بذلك لا يكون ذا أثر على تصرّفاتنا. فالإنسان يملك الكثير من المعلومات، ويعلم بنفعها وضررها أيضاً، بيد أنّ أكثر معلوماته ليس لها أثر ملحوظ على أعماله. وأوضح مثال على ذلك هو حالة الإدمان؛ فالجميع يعلم بمضارّ التدخين والمخدّرات والمسكِرات، غير أنّه يوجد مَن يستعملها على الرغم من علمه بمضارّها. إذن فمعرفة الإنسان بمضارّ شيء لا تشكّل بالضرورة رادعاً له عن استعماله، كما أنّ علمه بفوائد أمر لا يدفعه حتماً إلى إنجازه. فجميعنا يؤمن بأنّ للعبادة فوائدَ جمّةً لكنّنا لا نملك الحافز القويّ للعمل بهذا العلم. إذن لابدّ من وجود عامل آخر يُضَمّ إلى هذا الاعتقاد كي ينظّم سلوكنا بالشكل المفضي إلى سعادة الآخرة.

أثر المحيط على سلوك الإنسان

بالطبع من الممكن أن يكون العقل البشريّ نافعاً إلى حدّ ما في حثّ الإنسان على ممارسات لا تتطلّب الكثير من الجهد والعناء، بيد أنّ إنجاز بعض الأعمال يستدعي غضّ الطرف عن لذّات لا يسهل التغاضي عنها. فكيف لنا في مثل هذه المواطن الإفادة ممّا نعتقد به كي نضع ما نعلم في حيّز التنفيذ، بحيث يتّفق عِلمُنا مع عملنا؟ أساساً، كيف تتبلور تصرّفاتنا، وعلى أيّ أساس يتمّ اختيارنا ثمّ تبنّينا لسلوكٍ ما بعد تشخيص حَسَنه من قبيحه؟ ولماذا يعمل الإنسان أحياناً بما يغاير علمه؟ الجواب العلميّ على هذا السؤال يقع ضمن اختصاص علماء النفس، لكن لا بأس - لإلقاء الضوء على الموضوع - بالالتفات إلى هذا المثال البسيط: فلنتخيّل فتىً يافعاً قد ربّاه أبواه على أنّ مشاهدة الأفلام الفاسدة والخليعة أمرٌ غير لائق وهو ملتزم بهذا الأمر ما دام في المنزل. لكنّه عندما يجتمع بأصدقائه يلاحظ أنّ معظمهم يتحدّثون بشوق ولهفة عن الفلم الفلانيّ، وتبدو عليهم أمارات التعجّب لعدم اطّلاعه على الفلم، بل ويسخرون من جوابه بالنفي على مشاهدة مثل هذه الأفلام ويعيبون عليه ذلك. فبتكرار هذه القصّة سيقع هذا الفتى تدريجيّاً تحت تأثير هذا الجوّ، حتّى إذا خَبَت جذوة العقيدة التي تعلّمها في البيت استسلم لإغواء أصدقائه. وقد مررنا جميعاً تقريباً بظروف مشابهة في بيئتنا الاجتماعيّة. وهذا يدلّ على أنّه بالإضافة إلى الاعتقاد بحسن العمل أو قبحه فإنّه ثمّة عوامل بيئيّة لها تأثير بالغ على سلوك الإنسان.

إنّ من جملة رغبات الإنسان النفسيّة التي تُبحث بإسهاب في علم النفس هي رغبته في التشبّه برفاقه وأقرانه، وهو ميل يشتدّ في مرحلة الطفولة والمراهقة. ومن هنا فإذا اختلط المرء بمحيط يناسب ما يحمل من معتقدات فستتعزّز الأخيرة عنده وتقوى إرادته على العمل بموجبها. أمّا إذا كان الجوّ البيئيّ مخالفاً لمعتقداته، فسينشأ في داخله - بدايةً - صراع بين معتقداته ومحيطه؛ فاُسرته تنهاه عن فعل شيء وأصدقاؤه يشجّعونه عليه، فيبقى متحيّراً: إلى مَن يصغي؟ لكنّ هذا التضادّ والتحيّر يتغيّر شيئاً فشيئاً لصالح الرأي العامّ حتّى تفقد معتقداتُه بريقها. ألَم تسمعوا المثل القائل: «حشرٌ مع الناس عيد»؟ نفهم من ذلك أنّ تأثير ظروف المحيط إذا لم يكن أشدّ من تأثير معرفة الإنسان، فهو ليس بأقلّ منه. لهذا فإنّ تنظيم دورة أو مطالعة كتاب لا تُعدّ كافية لإشاعة قيمة معيّنة في المجتمع، بل لابدّ من تهيئة المحيط لذلك أيضاً. فإذا كانت اقتضاءات المحيط تتعارض مع مقتضيات الكتاب والدرس والقرآن والحديث والمنبر والموعظة فسينشأ بين الطائفتين صراع، فإمّا أن تصبح المحصّلة صفراً، وإمّا أن تتغلّب البيئة في نهاية المطاف.

سبل إصلاح المحيط

 بالنظر إلى ما ذُكر، هل يستطيع الإسلام، وهو الذي طالب الإنسان بإخلاص النيّة وطلب الآخرة في قوله وفعله كي يتحلّى بالكمالات في هذه الدنيا وينال سعادة الآخرة – هل يستطيع التعامل مع المحيط تعاملَ غير المبالي؟ وهل إنّه لم يأمر بإصلاح المحيط وأقلمته مع المعتقدات يا ترى؟ فإذا كان الدين قد أتى لهداية الإنسان وإرشاده إلى السعادة الأبديّة فلابدّ أن يكون قد قدّم ما يكفل توفير الظروف البيئيّة الملائمة. وهذه هي عين «التربية» التي جاءت في المصطلح القرآنيّ بعنوان «التزكية»، كما في قوله تعالى: «يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ»[2] حيث ذكر القرآن الكريم التزكية والتعليم كمهمّة من مهامّ الأنبياء. من هنا فلابدّ، إلى جانب التعليم، من توفير الظروف الملائمة للعمل كي يساق الإنسان إلى إنجاز ما عُلِّم إيّاه، لا أن تكون عوامل المحيط مناهضة لذلك.

فكلّنا يعلم بأنّ الإسلام، ومن أجل توفير السبل اللازمة في هذا المجال فإنّه، مضافاً إلى إسناد مهمّة تربية الولد تربيةً صالحةً إلى الأبوين، فقد عهد إلى جميع المسلمين أيضاً بتكاليف عامّة اُخرى كي لا يصبح المحيط مضادّاً لتعاليم الدين. وأحد هذه التكاليف هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأهمّية البالغة التي أولاها الإسلام لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتصنيفه إيّاها في عداد «أعظم الفرائض» يرجع إلى أنّ تلقين الناس المفاهيم بعيداً عن هذه الفريضة لا يداوي جرحاً، بل لابدّ أن تكون الأجواء مؤاتية أيضاً. فيا ترى كَم ستدوم آثار الدموع والتضرّع والتوبة والإنابة لدى الشابّ الملتزم بحضور مجالس الوعظ والدعاء والذي عقد العزم على التوبة وعدم اقتراف المعصية إذا كان يواجه كلّ يوم، في الشارع وفي الزقاق، مشاهد الفتيات اللواتي يرتدين ثياباً غير لائقة من الناحية الإسلاميّة؟!

فالإسلام يدعو أيضاً إلى العمل على جعل المحيط صحّياً كي يتمكّن الإنسان من بلوغ الكمال، ومن هنا فإنّه قد فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على جميع المؤمنين وجعله من أهمّ الفرائض، وعيّن – من أجل تنظيم هذا الأمر – مسؤولين خاصّين لبعض مراتبه. فكلّكم يعلم أنّ مراجعنا العظام قد أفتوا بأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مستوى اللسان هو من واجب الجميع، أمّا إذا اقتضى الأمر التدخّل البدنيّ، فهنا يسقط تكليف الفرد ويكون من واجب الحكومة الإسلاميّة النهوض بهذه المهمّة. وقد عُيّن لهذا المنصب في كلّ مجتمع أشخاص، فقد كان «الـمُحتَسِب» يقوم بذلك. وقد نهض النبيّ الأكرم وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما) بنفسيهما بهذه المهمّة، فقد كان أمير المؤمنين يضع السوط على منكبه ويمشي في السوق وكلّما شاهد خرقاً للقانون نبّه فاعله، حتّى إذا لم يمتثل استخدم في حقّه القوّة. أمّا اليوم فإنّ جهاز الشرطة وقوى الأمن هم الذين يقع على عاتقهم الحفاظ على الشعائر والقوانين الإسلاميّة. إذ ثمّة سؤال جدّي في هذا المضمار، هو: هل على الحكومة - حقّاً - واجب التدخّل في هذه الاُمور، ومعاقبة المنتهكين للقانون وتوقيفهم عند اللزوم؟

الحكومة والآخرة

إنّ البحث حول مسألة دواعي الحكومة وواجباتها وإلى أيّ مدىً يُسمح لها بالتدخّل في شؤون الرعيّة وتضييق الحرّيات، وبماذا يختلف رأي الإسلام عن سائر المدارس الفكريّة في هذا الصدد، هو بحث يرتبط بفلسفة السياسة، والمقام لا يتّسع لمناقشة كلّ هذه الاُمور. لكن ما يسعنا الإشارة إليه إجمالاً هنا هو أنّه استناداً إلى الثقافة السائدة في عالمنا اليوم فإنّ لكلّ امرئ الحرّيةَ في فعل ما يحلو له، اللهمّ إلاّ إذا أضرّ فعله بالآخرين، حيث سيقف القانون بوجهه. ولا يتاح للنظام الحاكم – وفقاً لهذه الثقافة - أن يستخدم القوّة ويضيّق الحرّيات إلاّ في مواجهة التصرّفات التي تضرّ بالآخرين. وهذه النزعة – القابلة للمناقشة من جهاتها المختلفة؛ الأخلاقيّة والحقوقيّة والسياسيّة – يُطلق عليها عموماً «الليبراليّة» وهي تحظى اليوم بقبول جميع المدارس الحقوقيّة والسياسيّة في العالم. على أساس هذا التوجّه فإنّ الإنسان حرّ في أن يفعل ما يشاء، إلاّ إذا تسبّب في مضايقة الآخرين أو الإضرار بهم. ولهذا فقد أقرّت جميع دول العالم المتحضّرة بأن من جملة واجبات الحكومة هو منع السلوك المضرّ بباقي أفراد المجتمع؛ فإذا أقدم الفرد على فعلٍ غير صحّي من شأنه أن يفشي في المجتمع مرضاً معيّناً فعلى الجهاز الحكوميّ أن يواجه هذا الفعل، بل إذا ثبت تعمُّد الفاعل، وجب على الأوّل معاقبته. وإذا أخلّ أحد بالبيئة فمن حيث إنّ عمله هذا يلحق الضرر بالجميع فإنّ على الحكومة ردعه عن ذلك. بل إنّ الدول تنفق أموالاً طائلة من أجل الحفاظ على الحيوانات الآيلة إلى الانقراض، ولا تسمح بصيدها بدعوى «الحرّية»، ذلك أنّ انقراض هذا النوع من الحيوانات سينجم عنه ضرر لجميع أفراد المجتمع.

تأسيساً على هذا المبدأ فإنّ على الحكومة مراقبة ماء الشرب والحفاظ على سلامته من أجل سلامة المواطنين، أو عزل المصابين بالأمراض المسرية لمجابهة تفشّي المرض، أو ردع المتعدّي على أعراض الناس. لكن هل يقتصر هذا المنطق على الاُمور المادّية والدنيويّة، أم هناك اُمور اُخرى تتحمّل الحكومة مسوؤليّة تجاهها؟ فإذا وصلنا، انطلاقاً من مرتكزاتنا الدينيّة، إلى نتيجة مفادها أنّ سلوكاً معيّناً يُعدّ مضرّاً بسعادة الإنسان الأبديّة وأنّه سيخلّده في جهنّم إلى الأبد، أفلا يتحتّم على الحكومة الوقوف بوجه هذا الضرر؟ من الواضح أنّ الطرف الآخر في نقاشنا ليس هو إنساناً ملحداً، بل هو شخص يقرّ بهذه الاُصول والاُسس ويوافق على أنّه اعتماداً على التعاليم الدينيّة فإنّ القيام ببعض الأعمال يوجب خلود الإنسان مهاناً ذليلاً في جهنّم: «وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً»[3]. إذن أفلا يتعيّن على الحكومة توفير الأجواء التي تحول دون ابتلاء الرعيّة بهذه الأضرار الجسيمة؟

الحكومة وفق الرؤيتين؛ الإلهيّة والمادّية

هنا تنقسم المدارس السياسيّة إلى قسمين: قسم يتبنّى الرؤية المادّية، وقسم آخر مبنيّ على الفكر الإلهيّ. وإنّ الالتفات إلى هذه المسألة يكشف لنا السبب وراء تأكيد قائد الثورة المعظّم على ضرورة إيجاد تحوّل في اُسس العلوم الإنسانيّة. فبناءً على قول سماحته فإنّ بعض العلوم الإنسانيّة التي تدرَّس في جامعاتنا لا تخالف الإسلام فحسب، بل هي مناهضة للإسلام وموجبة لإضعاف الدين أيضاً. فإنّ علم النفس والعلوم الاجتماعيّة والحقوق والعلوم السياسيّة التي تدرَّس اليوم في جامعاتنا مبنيّة على المبادئ المادّية. فنحن لا نعثر في الكتب المتوفّرة لهذه العلوم على موضوع يتناول الضرر الاُخرويّ والأبديّ، فكلّ ما فيها يبحث في الأضرار والمنافع المادّية. بل إنّ البعض يَعُدّ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان أعلى من القرآن قيمةً، وأنّه – وهو الذي أعدّه بضعة أشخاص انطلاقاً من نزعاتهم الليبراليّة – غير قابل للنقاش، لكنّه لا يتوانى عن مناقشة القرآن الكريم الـمُنزل من عند الله تبارك وتعالى!

ففلسفة الحقوق وفلسفة السياسة المبنيّة على التوجّهات المادّية تقتضي اهتمام الحكومة بمجابهة الأضرار المادّية والدنيويّة فقط، بل حتّى إذا أقرّ الدين سلوكاً يوجب ضرراً دنيويّاً فإنّ على الحكومة مواجهته، أمّا إذا لم يضرّ أمرٌ ما بدنيا الرعيّة فليس من واجب الحكومة منع أضراره الاُخرويّة! فمثلاً إذا تمّ إنتاج نوع من المشروبات الروحيّة التي يقول الأطباء إنّ مقدار الكحول الموجود فيها غير ضارّ بجسم الإنسان، فسيفتي الدنيويّون بما يخالف رأي المتديّنين! فالإسلام لا يجيز الشرب من قربة ماء سقطت فيها قطرة من الخمر، لكنّ البعض، وانطلاقاً من كون ماء القربة غير مُسكر، بل ومن باب إمكانيّة انطواء الخمر على فوائد علاجيّة، يجيز تناول بعض المشروبات التي تحتوي على نسبة من الكحول. لقد رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لو وقعت قطرة خمر في بئر فبُنيت مكانها منارة لم أؤذّن عليها، ولو وقعت في البحر ثمّ جفّ ونبت فيه الكلأ لَم أَرْعَه»[4]. فإلى هذا الحدّ كان عليّ (عليه السلام) يجتنب الخمر، أمّا البعض فيتّخذ من قوله تعالى: «فِيهِمَا... مَنَافِعُ لِلنَّاسِ»[5] ذريعة لاستعماله! أفيكون مجرّد احتمال أن يفيد امرؤ من هذه المشروبات للتداوي سبباً وجيهاً لعدم إقدام الحكومة على منع إنتاجها وبيعها وشرائها؟ إذن فأين ذهبت حرمتها، وماذا عن الخسارة الاُخرويّة الناجمة عن شربها؟

وقد يقول قائل هنا: إنّ للناس عقولاً وفهماً وهم يدركون هذه الاُمور جيّداً، فليس من الضروريّ أن تحشر الحكومة أنفها في مثل هذه المسائل! لكن أليس الناس مدركين للأضرار المادّية الناجمة عن شرب الماء غير الصالح للشرب وتناول الأطعمة الملوّثة؟ ألا يعلم الناس ما هي الأضرار الناجمة عن تلويث خزّان ماء المدينة؟ إذن فلماذا يتحتّم أن يتدخّل مختلف المتخصّصين في عمليّة توفير المياه الصالحة للشرب ويشرفوا على جميع مراحلها، من حفر للآبار، وتصفية، ونقل؟ ولماذا، وبمجرّد إن يدور الكلام حول المسائل المعنويّة والاُخرويّة، ينبري البعض لطرح موضوع الحرّية قائلين: لا ينبغي إدخال الناس إلى الجنّة بالقوّة؟! لكن أَوَينبغي أن تؤمَّن صحّة أفراد الشعب بالإكراه والقوّة ؟! وهل إنّ تأسيس الأجهزة والمؤسّسات المختلفة، ورصد الميزانيّات الضخمة، واستخدام مختلف المتخصّصين للتأكّد من سلامة مأكل الناس ومشربهم فيه إهانة لعقول الناس ومشاعرهم؟ أَوَلا يرغب الناس أنفسهم في أن يتمتّعوا بصحّة كاملة؟ فهل يمكن أن يقتصر واجب الحكومة في مثل هذه القضايا على الإعلام؟ لكن بمجرّد أن يتمّ الحديث عن الدين، يقال: لا يمكن إدخال الناس إلى الجنّة بالقوّة! لكن ما هو المراد من إدخال الناس إلى الجنّة يا ترى؟ إنّه يعني صيانة مصالحهم الأبديّة الباقية.

الدين والفلسفة السياسيّة

لقد وضع الشارع المقدّس، من منطلق لُطفه، ولعلمه بأنّ بعض الناس ضعفاء الهمّة وأنّ الظروف الاجتماعيّة قد تجرّ أفراد المجتمع إلى فعل المعصية – وضع حلولاً للوقوف قدر المستطاع بوجه الفساد والحيلولة دون انجرار الناس - تأثّراً بظروف المحيط والعوامل الاجتماعيّة – إلى جهنّم. فإن قيل إنّه ليس على عاتق النظام الحاكم في هذا المجال مهمّة، فما هي مهمّته إذن؟ أليس الوقوف أمام الأضرار الاجتماعيّة من مهمّات الحكومة؟ أوليست الأضرار الأخيرة أشدّ خطراً بكثير من تلك الناجمة عن الأطعمة غير الصحّية؟ فغاية ما في الأمر أنّ المرء سيصاب بتناوله الطعام الملوّث بوعكة صحّية ويمرض لبضعة أيّام، أمّا تدنّسه بالمعصية فإنّه سيورثه عذاباً أبديّاً!

فالفارق بين الفلسفة السياسيّة الإسلاميّة وتلك الليبراليّة يكمن في أنّ القائلين بالأخيرة لا يعتقدون بأيّ دور لله والمعاد ويرون أنّ نطاق الدين ينحصر في الصلاة والعبادة والسلوك الفرديّ، وأنّ لكلّ امرئ – مسلماً كان أو وثنيّاً – أن يؤدّي عبادته بنفسه ولا ينبغي أن يحمل أحدٌ همّ دين الرعيّة، فالناس يعرفون جيّداً كيف يمارسون طقوسهم العباديّة. فهؤلاء يعتقدون بأنّ الدين لا يطالب الناس بأكثر من الصلاة والصيام وإقامة العزاء!

فإذا كان الدين قد جاء لنهي الناس عن كلّ ما يضرّ بدنياهم وآخرتهم فإنّه - في المرحلة الاُولى - يحرّم هذه الاُمور بالبيان الأخلاقيّ من دون اللجوء إلى الضغط والقوّة. وهي مرحلة لا تتجاوز أحكام الدين فيها حدّ الموعظة. لكنّ الدين قد سنّ للمرحلة التالية قوانين للحيلولة دون هذه الممارسات، وملاحقة ومعاقبة كلّ من يتهرّب من الانصياع للقانون. ولا يمكن أن تتخطّى أحكام الدين حدود الموعظة وتتحوّل إلى قوانين إلاّ إذا كان هناك ما يضمن تنفيذها؛ بمعنى أنّه إذا خالفها أحدٌ عالـِماً عامداً، وجبت معاقبته. وهنا يُعدّ الجهاز الحكوميّ، ومن أجل ضمان مصالح المجتمع، مسؤولاً عن توعية الجماهير بما يضرّهم عن طريق التعليم في مراكز التعليم، والإعلام في وسائل الإعلام، والإرشاد عبر الآليّات المختلفة، ثمّ العمل – في المرحلة التالية – على سنّ قوانين للحيلولة دون ارتكاب هذه الأعمال. كما أنّه يتعيّن على الشرطة في هذا المضمار ملاحقة المقصّر، وعلى القضاء إصدار الأحكام اللازمة بحقّه وتنفيذها. فكما أنّ من واجب الحكومة الإسلاميّة منع الأضرار المادّية فإنّ عليها أن تقي الرعيّة من كلّ ما له ضرر معنويّ وما يوجب العذاب الأبديّ. وخلافاً لمنطق بعض السياسيّين، فإنّ هذا الواجب ليس مقصوراً على علماء الدين ضمن حدود الموعظة والنصيحة.

وهذه قضيّة جوهريّة يتعيّن التفتيش عن حلول لها في الجامعات، فالجامعة التي تُبنى علومها الإنسانيّة على اُسس إسلاميّة يتمّ تحديد واجبات حكومتها وفقاً لهذه الاُسس أيضاً. فإنّ تأكيد قائد الثورة الإسلاميّة على ضرورة أن تكون علومنا الإنسانيّة موافقة للاُسس والمبادئ الإسلاميّة ينبع من كون الاُسس المادّية مناهضة للإسلام، إذ ليس لله والمعاد والحكم الإلهيّ من محلّ في الحقوق والسياسة المبنيّة على هذه الاُسس. فبتغيير هذه الاُسس سيتغيّر الكثير من النظريّات والمناهج المبنيّة عليها، وهو أمر لم يقع في بلدنا مع بالغ الأسف بعد مضي ثلاثين عاماً ونيّف على عمر الثورة على الرغم من كلّ ما بذله الإمام الراحل وقائد الثورة من جهود في هذا السبيل، ولازالت – من الناحية العمليّة – نفس هذه الحقوق والعلوم السياسيّة وذات فلسفة الحقوق وفلسفة السياسة الليبراليّة تُدرَّس في جامعاتنا، والنتيجة هي تنشئة رجال سياسة لا يشعرون بالمسؤوليّة تجاه أحكام الدين. فلابدّ من إيجاد حلول جذريّة لهذه المسألة، وهي: ما هو رأي الإسلام بواجبات الحكومة؟ فهل يتعيّن الوقوف أمام حرّيات الناس إذا ارتُكبت المعاصي بشكل علنيّ، أم لا؟ فالتجاهر بالذنوب في المجتمع هو أشبه بالمكروب الذي ينتقل إلى الآخرين، ومثلما أنّ من واجب الحكومة منع التلوّث الذي يهدّد الصحّة العامّة فإنّها مكلّفة أيضاً بالوقوف في وجه المفاسد الدينيّة؛ بالطبع إذا كانت الحكومة إسلاميّة ومنبثقة من ثورة إسلاميّة!

لعلّكم تتذكّرون أنّه عندما قال قائد الثورة: «الثقافة أهمّ من الاقتصاد، وإنّ الصدع الذي يصيب البناء الثقافيّ غير قابل للترميم» انبرى البعض إلى القول بأنّه يتعيّن علينا - امتثالاً لأمر سماحته – العمل على إشاعة اللغة الفارسية، واللهجات المحلّية، والترويج للموسيقى الفولكلوريّة، والرقصات المحلّية من أجل صيانة ثقافتنا! وقال البعض أيضاً: لا يمكن أن تحصل تنمية ثقافيّة مع التشفير [للمواقع الالكترونيّة] وتضييق نطاق المعلومات! ومن هنا فقد أكّد سماحته مرّة اُخرى: «أنا أقصد الثقافة الإسلاميّة الثوريّة». فإذا أقررنا بأنّ النظام هو نظام إسلاميّ وأنّ على الحكومة الإسلاميّة تطبيق أحكام الإسلام، فلابدّ أن نفهم بأنّ ما يرتبط بالآخرة هو أهمّ ممّا يتسبّب في أضرار دنيويّة؛ ذلك أنّ الضرر الاُخرويّ هو ضرر أبديّ أمّا الضرر الدنيويّ فمحدود. وكذا فإنّ ما يتعلّق بمصالح المجتمع ككلّ يفوق المصالح الفرديّة في الأهمّية، لأنّ أذى الأوّل قد يحيق بالملايين من الناس.

وهذه الاُصول تنبع من الرؤية الإسلاميّة؛ هذا بالطبع إذا وسّعنا الرؤية الإسلاميّة وجعلناها تتخطّى حدود المسجد والحسينيّة ومراسم العزاء في شهر محرّم لتشمل جميع شؤون الحياة الفرديّة والاجتماعيّة. فكلّ حركات الإنسان وسكناته ينبغي أن تصطبغ بصبغة إلهيّة: «صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً»[6]، وكلّ ما يجري في المجتمع الإسلاميّ لابدّ أن يتّخذ هذه الصبغة. فإنّ أهمّ واجب يقع على عاتق الحكومة الإسلاميّة استناداً إلى اُصول الإسلام واُسسه هو رعاية مصالح المجتمع الإسلاميّ وردع كلّ من يعمل ضدّها. من هذا المنطلق فإنّ من جملة واجبات الحكومة الإسلاميّة هي أوّلاً تهيئة الأرضيّة لتسير الرعيّة باتّجاه الجنّة ومن ثمّ العمل على تأمين صحّة الناس ورفاهيّة حياتهم المادّية. فإنّ أهمّ جزء من حياة الإنسان هو حياته الأبديّة وكلّ ما يرتبط بالله عزّ وجلّ وليس باستطاعة الحكومة إعفاء نفسها من مسؤوليّة الاهتمام بآخرة الشعب بذريعة أنّ الدين جاء من أجل الحرّية. ألَم يكن عليّ (عليه السلام) يمشي في الأسواق حاملاً سوطه على كتفه ليردع الخارجين عن القانون ويقطع أصابع السارق الأربع، ويجلد هاتكي أعراض الناس؟! أكان عليّ (عليه السلام) غير عارف بالدين بقدر ما تعرفونه أنتم؟! وهل يريد البعض أن يدّعي أنّ عليّاً (عليه السلام) قد أخطأ مثلما ادّعوا أنّ الإمام الخمينيّ الراحل (رحمه الله) قد أخطأ؟!

ينبغي لنا التعامل مع القضايا الجوهريّة بجدّية أكبر؛ فلابدّ أن نفهمها بشكل أفضل، وأن نثبتها بشكل أفضل، وأن نتابع ونطالب على نحو أحسن. فحكومتنا تحمل اسم الإسلام، وبلادنا قامت فيها ثورة، وقد استُشهد مئات الآلاف من خيرة أبناء هذه الاُمّة من أجل تطبيق أحكام الإسلام. فلا ينبغي أن ننسى ذلك، بل وعلينا المطالبة به، وهذا واجب من واجباتنا الدينيّة. بالطبع لا ينبغي أن نخلق المشاكل للمجتمع عبر إثارة التوتّرات دونما سبب، وأن نعمل قدر الإمكان على متابعة هذه المطالب بلغة محترمة ومؤدّبة. لكن كما أنّ من حقّ أفراد الشعب الاعتراض فيما يتّصل بحقوقهم المادّية، فإنّ من الأولى أن يتمتّعوا بمثل هذا الحقّ فيما يتعلّق بشؤونهم الدينيّة، وهو حقّ كفله الله تعالى لنا. كما أنّ على مسؤولينا الحكوميّين أن يلتفتوا إلى أنّهم يشغلون مناصب في دولة إسلاميّة. فهذا الشعب قد قدّم شهداء لتقوموا أنتم بتنفيذ أحكام الإسلام، لا أن تقولوا: لا شأن لنا بهذه الاُمور. فإنّ تنفيذ أحكام الإسلام، وصيانة الشعائر والقيم الإسلاميّة لهي من أسمى واجبات الحكومة الإسلاميّة.

وفّقنا الله وإيّاكم 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. سورة آل عمران، الآية 164.

[3]. سورة الفرقان، الآية 69.

[4]. زبدة البيان، المحقق الأردبيلي، ص63.

[5]. سورة البقرة، الآية 219.

[6]. سورة البقرة، الآية 138.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org