قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(4)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 11 كانون الأوّل 2013م الموافق للثامن من صفر 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

شدّة المحبّة وضعفها

شدّة المحبّة وضعفها

 

تُصنَّف المحبّة تصنيفاً آخر حسب شدّتها وضعفها. فكلّنا قد جرّب هذه الحالة؛ وهي أن نحبّ اُموراً، لكن ليس إلى درجة أن يشغل حبّها قلوبنا ونديم التفكير فيها، بل أن يقتصر على ابتهاجنا عند رؤيتها، وميلنا إلى الاُنس بها، وعدم كُرهنا إيّاها. لكنّ المحبّة تكون أحياناً على درجة من الشدّة بحيث تستحوذ على قلب المرء بتمامه فلا يعود يفكّر إلاّ بما تعلّق حبّه به. يقول القرآن الكريم في وصف المؤمنين: «الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للهِ»[1]، والشدّة هي في مقابل الضعف؛ فعندما تصبح محبّة البعض لله أشدّ، يغدو حبّهم لما سواه أضعف. فإنّ احتواء القدح على الماء يجعله لا يتّسع لشيء آخر، وإذا اُلقي فيه شيء أثقل من الماء، مثلاً، فإنّ الماء يفيض وينسكب خارج القدح. يقول تعالى: «مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ»[2]، فليس للإنسان غير قلب واحد. فإنْ شغلَتْ محبّةُ شيءٍ ما قلب المرء لم يعد فيه مجال لشيء آخر. وإذا اُودع في القلب شيئان، شغل الشيء ذو الحجم الأكبر مجالاً أوسع، وكلّما اشتدّ أحدهما، ضعف الآخر.

أسباب اشتداد المحبّة

وهنا سؤال: كيف لمحبّة شيءٍ ما أن تضطرم، وكيف لمحبّة شيء آخر أن تخبو؟ ولماذا يَكُنّ شخصان لامرئ واحد درجتين من المحبّة، بل وقد يحبّه أحدهم ويبغضه الآخر؟ فأخو يوسف (عليه السلام) الشقيق كان يَكُنّ له مقداراً من الحبّ، أمّا إخوته الآخرون فكانوا لا يودّونه حسداً له، بل وكانوا على استعداد لإهلاكه أيضاً. وكانت علّة حسدهم ليوسف (عليه السلام) قولهم: «لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا»[3]؛ فبما أنّ أبانا يحبّ يوسف وأخاه أكثر منّا، فيتحتّم علينا قتله! وللوقوف على هذا اللون من الاختلاف يتعيّن النظر في كيفيّة تولّد المحبّة، والعوامل المساهمة في إيجادها.

قلنا سلفاً إنّه ينبغي للمحبّ أن يرى فضيلة أو كمالاً في المحبوب لتظهر المحبّة تجاهه، وهذا يعني أنّه لابدّ من وجود كمال في متعلَّق المحبّة. لكنّه قد يكون للمرء كمال من دون أن يطّلع عليه الناس. ومن هنا فإنّه يتحتّم أن يدرك الطرف المقابل هذا الكمال لتنشأ المحبّة. إذن فمن الواضح أنّ للمعرفة أثراً في تولّد المحبّة، وأنّه كلّما كانت المعرفة أعظم، كان الحبّ أقوى وأشدّ. وكذا، كلّما اشتدّ الكمال في المحبوب، أثار في قلب المحبّ محبّة أكبر.

يُفهم من ذلك أنّ العامل الأوّل المؤدّي إلى اختلاف مراتب المحبّة هو اختلاف مرتبة الكمال الموجود في المحبوب، وأنّ العامل الثاني لذلك هو اختلاف معرفة المحبّ بكمال المحبوب. كما أنّه لابدّ للمحبّ – علاوة على المعرفة – أن يعتقد بكماليّة هذه الصفة في المحبوب، وإلاّ فإنّ عدم اعتقاده بكونها فضيلة فيه سوف لا يدفعه إلى حبّ صاحبها. فالمتديّنون يحبّون الشخص المتّقي لاعتقادهم بأنّ في التقوى حُسناً للمرء، أمّا الفسّاق، الذين لا يرون في التقوى فضيلة، فإنّهم يرمون عمل الشخص المتّقي بالجهل وقلّة الفهم.

كما أنّه لابدّ – بعد كلّ ذلك – من التمعّن والتركيز؛ فكلّما دقّق المرء أكثر في كمال شيءٍ ما، زاد حبّه له. فضياء الشمس لا يحرق الورقة في الأحوال العاديّة، لكنّه إذا رُكِّز على الورقة بواسطة عدَسَة فإنّه سيولّد حرارة تحرقها. ومِثله حال الروح، فهي إذا تمعّنت في فضيلة معيّنة بشكل كامل، فسوف تتأجّج فيها المحبّة، وسيؤول الأمر إلى الشغف، ومراتب العشق العليا، والخ.

الاختيار عند التزاحم دليل على شدّة الحبّ

يتّضح ممّا سبق أنّ اشتداد أو ضعف أيّ واحد من هذه العوامل سيؤدّي إلى اشتداد أو ضعف في المحبّة. ومن المواطن التي يمكن عندها قياس نسبة المحبّة تجاه القضايا المتنوّعة بكلّ سهولة هو تزاحم لوازم المحبّة. فإذا دُعي شخص من قبل صديقين له في آن واحد فرجّح دعوة أحدهما على دعوة الآخر بلا تردّد، كان ذلك دليلاً على رجحان محبّته لهذا الصديق على محبّته للآخر. وحتّى الأطفال فإنّهم يدركون، من خلال تصرّف أبويهم، أيُّ واحد من الإخوة محبوب لدى الأبوين أكثر، ولهذا ينبغي على الوالدين أن يسيطرا على سلوكهما تجاه أطفالهما كي لا يشعروا بالتمييز، وإلاّ فسيمهّدان لبوادر الحسد والأذى والعذاب النفسيّ.

يقول الله عزّ وجلّ في الآية الرابعة والعشرين من سورة التوبة: «قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ». فالله تعالى يضع الأب والاُمّ، والأبناء، والإخوان، والأزواج، والعشيرة، والدور، والقصور، والتجارة والأموال في كفّة، ويضع نفسه [ورسوله] والجهاد في سبيله في الكفّة الاُخرى، ثمّ يقول: أيّ واحدة من الكفّتين تفضّلون؟ فمعظمنا يزعم: أنّ حبّي لله أكبر، لكن ما إنْ يواجه مفترق طريقين حتّى يُعلَم إلى أيّ الأمرين يميل قلبه أكثر. فليس ثمّة «جبهة» أو جهاد في الوقت الحاضر ولكلٍّ منّا أن يدّعي أنّ حبّه لله وللجهاد لا ينازعه أيّ حبّ ويصرّ على ادّعائه. لكنّ ظروف الحرب والقتال هي التي من شأنها أن تكشف مدى صدق هذا الادّعاء، فإنْ أنا توجّهتُ إلى الجهاد حينها، عُلِم أنّ حبّي لله أعمق، أمّا إذا التمستُ الأعذار واتّخذتُ الذرائع، فسيصبح معلوماً أنّني اُحبّ ما سوى الله أكثر. نفهم من ذلك أنّ من أمارات شدّة الحبّ هي استعدادنا للعطاء والتضحية في سبيل المحبوب؛ وهذا المعنى نقرأه في زيارات أهل البيت (عليهم السلام) عندما نقول: «بأبي أنتم وأمّي ونفسي وأهلي ومالي وولدي‏»[4]؛ فنحن نزعم أنّ كلّ ما عندنا هو فداء لكم! لكن ما هو مدى إيماننا بذلك؟ وإلى أيّ درجة نحن مستعدّون لأن نُظهر عمليّاً أنّنا نحبّ الله وأولياءه أكثر من أموالنا وأنفسنا؟!

العلاقة بين ذكر الله وحبّه

ذكرنا أنّه يجب علينا أن نركّز انتباهنا على المحبوب كي تتحوّل هذه الحالة إلى محبّة ثابتة، وإلاّ فإنّها سوف لا تتعدّى حدّ اللذّة العابرة التي ستخبو وتُنسى بعد حين. فالمحبّة الراسخة من دون نسيان هي رهن بمقدار التفات الإنسان إلى المحبوب، وكلّما عظُم الاهتمام بالأخير وزاد ذكره، اشتدّ حبّه. والعلاقة بين الذكر والمحبّة هي علاقة متبادلة أيضاً؛ فالمحبّة تبعث على الذكر أوّلاً، لكنّ الإنسان إذا استمرّ في الذكر اختياراً، فستزداد محبّته، وهي بدورها ستقود إلى المزيد من الذكر، وهكذا. والعكس أيضاً صحيح؛ فقد يصرف الإنسان نفسه عن ذكر المحبوب فتضمر محبّته في قلبه تدريجيّاً. وهذا يكشف لنا علّة تأكيد القرآن الكريم والسنّة الشريفة على ذكر الله؛ يقول عزّ من قائل: «وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»[5]. فليس هذا الإصرار عبثاً، لأنّ لكلّ قول أثره على القلب وهو يساعد على تشديد الالتفات إلى الله جلّ شأنه والتوجّه إليه. فمع كلّ تكرار – سواء أقَوِيَ أم ضَعُف - التفات جديد. فإذا وُفِّق المرء إلى ذكر مستمرّ وثابت لله تعالى، دامت محبّته له مدّة أطول.

المزيد من الكمال يورث المزيد من المحبّة

وهذه هي آليّة ظهور المحبّة ونموّها، أو ضمورها وزوال أثرها. ولا بأس أن نفتّش في أنفسنا لنرى هل نحن نحبّ الله أم لا، وما هي طبيعة محبّتنا له عزّ وجلّ؟ فهل نحن نحبّ الله أكثر من غيره؟ وهل إنّ رُجحان محبّتنا لغير الله يخضع لمعيار صحيح، أم إنّه بسبب جهلنا؟ إنّ تأمّلنا في هذه المسائل يساعدنا على قياس نسبة محبّتنا لله سبحانه وتعالى. فنحن – في الحقيقة – نقع في أخطاء كبيرة في اختيارنا لما نحبّ ومَن نحبّ. فلو فكّرنا بشكل صحيح وتلمّسنا الطريق الصواب في ذلك، لأحببنا الله أكثر من غيره.

لقد قلنا سابقاً إنّ ممّا يورث ازدياد المحبّة هو الالتفات إلى شدّة كمال المحبوب. فهل ثمّة في هذا الكون شيءٌ يفوق الله تعالى في كماله يا ترى؟! كلّنا يعلم أنّه ما من شيء في هذا الكون إلاّ وقد اُوجِد بأمر واحد من الله عزّ وجلّ: «إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ»[6]. فلقد شعّ من ذلك المصدر غير المتناهي شعاع ظهَرَ في أثره كلّ هذا العالم: «وَمَا أَمْرُنَا إِلاّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ»[7]؛ وإلا فإنّه ما من جمال في هذا العالم يمكن أن يمثّل طرف النسبة مع جمال الباري جلّ وعلا.

علم الرياضيّات في فهم غير المحسوسات

لقد بحث علماء الرياضيّات في قضيّة أنّه: هل يمكن رفع قيمة ما لانهاية إلى قوّة ما لانهاية؟ فلنبدأ أوّلاً بالضرب؛ ففي الرياضيّات يمكن افتراض ضرْبِ قيمةِ ما لانهاية بمثلها؛ كأن يكون هناك خطّ غير متناهٍ في الطول له عرض غير متناهٍ أيضاً، فتُكتب صيغته: (ما لانهاية × ما لانهاية). والآن إذا أردنا استخراج حجمه فإنّنا سنضرب حاصل الضرب بما لانهاية أيضاً؛ أي: (ما لانهاية × ما لانهاية × ما لانهاية)، وهي عمليّة ذات ثلاثة مُعامِلات. لكنّ السؤال هو: هل يمكننا افتراض أنّ قيمة المعامِل لا نهاية لها؟ هذا مجرّد فرض. وعلى الرغم من أنّه بعيد عن الواقع، ولا يمكن تمثيله في هذا العالم، لكنّه يساعد كثيراً على تقريب بعض المسائل العقليّة إلى الذهن.

في إحدى سفراتي إلى الخارج قبل بضع سنوات كنتُ في ضيافة أحد النوابغ الإيرانيّين من طلبة الدراسات العليا في فرع الرياضيّات في جامعة «اكسفورد» البريطانيّة، فسألته السؤال التالي: كنّا نفترض للكون ثلاثة أبعاد: الطول والعرض والارتفاع، حتّى جاء «اينشتاين» فأثبت كون الزمن هو البعد الرابع للعالم، الذي يُعدّ – بشكل من الأشكال – من لوازم «الحركة الجوهريّة» التي قال بها «الملاّ صدرا» أيضاً. فهل يجوز افتراض أبعاد اُخرى للعالم يا ترى؟ فانطلاقاً من مقولة كون العالم ذا أربعة أبعاد، فإنّه ثمّة أربعة خطوط تلتقي في نقطة مركزيّة، فهل لنا أن نفترض خطّاً خامساً مثلاً؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فإلى أيّ حدّ يمكن أن تزداد هذه الأبعاد؟ أولَيس ثمّة عدد لا نهاية له من الخطوط يمكن أن تلتقي في نقطة واحدة؟ إذن فلماذا لا نقول: إنّ للكون أبعاداً لا تدركها عقولنا؟! فقال هذا الشخص في جوابه: من محاسن الصُدَف أنّ هذا البحث مطروح فعلاً، وقد توصّل بعضهم إلى الآن – كفرضيّة قابلة للقبول – إلى افتراض سبعة أو حتّى اثني عشر بعداً ممكناً، لكن ليس هناك أدنى دليل على عدم إمكانيّة زيادتها عن هذا العدد.

وعلى الرغم من أنّ تصوّر مثل هذه المسائل صعب إلى حدّ ما، لكنّ بعض المسائل الرياضيّة تسهّل لنا فهم الكثير من المباحث العقليّة والدينيّة. فكلّ أصحاب الأديان في العالم يقرّون بحقيقة أنّ الحياة الدنيا متناهية وأنّ الحياة الاُخرى غير متناهية. فإذا أردنا مقارنة الدنيا بالآخرة، فإنّ غاية ما تصل إليه عقولنا هو القول: إنّ الآخرة أزيد من الدنيا ألف مرّة. لكنّ النسبة بين الواحد والألف هي نسبة بين قيمتين متناهيتين، وإذا كانت الآخرة غير متناهية، فلا يوجد أيّ تناسب بين عمر الدنيا وعمر الآخرة. وهي مسألة يمكن إدراكها بسهولة بالغة من خلال صيغة رياضيّة بسيطة مفادها أنّه لا تناسب بين المتناهي وغير المتناهي.

ذكرنا أنّه إذا زاد كمال شيءٍ فسيزداد اقتضاء تعلّق المحبّة بهذا الشيء بنفس المقدار. فإن كان لدينا شيئان وكان للأوّل وحدة كمال واحدة وللثاني وحدتان، لاستوجب ذلك أن تتعلّق بالثاني ضعف ما للأوّل من المحبّة. فماذا لو بلغ كمال الثاني إلى مائة أو ألف ضعف؟ ولو وصل مُعامِل هذا الكمال إلى ما لانهاية له، فكم سيستحقّ هذا الشيء من حبّ حينئذ؟ لكنّ حبّ هذا الشيء هنا مشروط بإدراكنا هذا الكمال، وعلمنا بأنّ هذا الشيء يملك هذا الكمال. فالطفل مثلاً يحبّ لُعَبه كثيراً، لكنّه لا يعير اهتماماً لكثير من الكمالات الاُخرى، بل وحتّى الجواهر النفيسة. فمن المسلَّم أنّ للطفل عينين وأنّه يرى جمال حبّة الماس، لكنّه يأنس بالحجر الذي يستخدمه في لعبته أكثر من اُنسه بهذه الماسة الثمينة، ولذا فهو لا يهتمّ بها، بل وإنّه مستعدّ لأن يستبدل بها بضع خرز عاديّة. بتعبير آخر فالطفل لا يدرك كمال الماسة، ولو أنّه أدرك هذه الميزة فيها لأحبّها هي الاُخرى، لكنّ إدراكه في هذه المرحلة منحصر بخرز لَعِبه.

إنّ مشكلتنا هي عدم قدرتنا على إدراك الله تعالى. فأغلب ما نأنس به هو مدركاتنا الحسّية. نعم، إذا أَعمَلنا غاية براعتنا فإنّنا سنُسعف إدراكنا بقوّة الخيال لندرك بعض الاُمور الإضافيّة. فالطفل مثلاً يفهم أنّ اُمّه تحبّه، وهو لذلك يتغنّج عليها ويرتمي في أحضانها. إنّه يدرك هذا النمط من المحبّة بواسطة قوّة الوهم[8]. فالذات الإلهيّة وحتّى صفات الله وكمالاته غير قابلة للإدراك والمشاهدة، لكنّ العقل، وبعد تعب ونَصَب لعشرات السنين وتركيز على المسائل العقليّة والصفات الإلهيّة، يمكنه أن يتوهّم اُموراً في هذا المجال. فقد جاء في الخبر: «كلّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مصنوع مثلكم مردود إليكم»[9]. فإنّ فهمنا قاصر جدّاً، لكنّه بالنسبة لمن لا يدرك أبداً يُعدّ كنزاً ثميناً.

على أيّة حال فإنّ السبب في كوننا لا نحبّ الله كما ينبغي عائد لكوننا لا ندرك كمالاته، بل ولا نعرف حتّى كمالات أوليائه، مثل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وسائر الأئمّة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) وأبنائهم، بل وقد نبتعد عنهم، للأسف، إلى درجة تثير في أذهان البعض تساؤلات عمّا إذا كان العالِم أو المجتهد أو الفيلسوف الفلانيّ – والعياذ بالله - يعرف الله أفضل أم السيّدة المعصومة (سلام الله عليها) مثلاً.

طريقة سهلة لنيل محبّة الله

الطريق الأسهل لاكتساب محبّة الله هي نيلها بالواسطة، وهي طريقة وردت فيها روايات كثيرة تنتهي جميعها إلى حديثين قدسيّين، أحدهما هو: «أوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام): أَحبِبني وحَبِّبني إلى خلقي. قال موسى (عليه السلام): يا ربِّ إنّك لتعلم أنّه ليس أحد أَحَبَّ إليّ منك، [فأنت أحَبّ موجود عندي] فكيف لي بقلوب العباد؟»، فقلوب الناس ليست في يدي، فكيف أجعلهم يحبّونك؟ «فأوحى الله إليه: فذكِّرهم نعمتي وآلائي، فإنّهم لا يَذكُرون منّي إلاّ خيراً»[10]فإنّهم قد جُبِلوا على محبّة مَن علموا بحبّه لهم.

أمّا حبّ الله بلا واسطة ضمن تلك الحدود المتاحة للمخلوق فهي تتمثّل بما يملكه شخص النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) من معرفة شهوديّة بالله تعالى. ونحن نعلم أنّ هذا النمط من المعرفة هو ممكن، وأنّهم (عليهم السلام) يمتلكون أعلى مراتب المعرفة[11]. وإنّ توقُّعَنا اكتساب هذه الدرجة من المعرفة هو توقّع ليس في محلّه؛ فهذا الرداء ليس هو على مقاسنا، وإنّ مسافة شاسعة تفصلنا عن هذا المقام، لكنّ ضمير الإنسان – على الأقلّ – يدفعه إلى الشعور بالحبّ نحو مَن أسدى إليه خدمة، وهو بودّه أن يعرب له عن شكره كلّما رآه، خصوصاً إذا كانت هذه الخدمة في ساعة عسرة، فإنّ المرء لن ينساها ما دام حيّاً. هذا هو مقتضى فطرة الإنسان، وقد أودع الله أساس ذلك في طينة جميع بني البشر، فإنّهم ما إن يعلموا بصدق المرء في حبّه لهم وعدم انتظاره شيئاً منهم في المقابل، فإنّهم سيحبّونه. فالله تعالى يقول لنبيّه موسى (عليه السلام): «فذكِّرهم نعمتي وآلائي»! فإنّ السبب في عدم حبّ الناس لي على قدر ما يعلمون وما يستطيعون هو عدم التفاتهم إلى آلائي. وقد ذكرنا أنّ الشرط الأخير في تولّد المحبّة هو الالتفات؛ فكلّما بذلنا جهوداً أكبر في التعرّف على نِعم الله عزّ وجلّ، وأدركنا قيمتها على نحو أفضل، وعلمنا أنّه سبحانه وتعالى قد أولانا إيّاها مجاناً من دافع لطفه وكرمه ومحبّته، فستتنامى محبّتنا له جلّ شأنه.

وفّقَنا الله وإيّاكم إن شاء الله 


1. سورة البقرة، الآية 165.

2. سورة الأحزاب، الآية 2.

3. سورة يوسف، الآية 8.

4. البلد الأمين، ص309.

5. سورة الجمعة، الآية 10.

6. سورة النحل، الآية 40.

7. سورة القمر، الآية 50.

8. قوة الوهم (الواهمة) هي قوّة باطنيّة تدرك غير المحسوسات.

9. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (الخوئيّ)، ج10، ص21

10. بحار الأنوار (طبعة بيروت)، ج67، ص22.

11. هذه المعرفة هي معرفة شهوديّة، وليست معرفةَ إحاطةٍ بذات الله سبحانه وتعالى.

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org