قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 7 تموز 2014م الموافق لليلة العاشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

«فإذا فعل ذلك أسكنتُ في قلبه حبّاً حتّى أجعلَ قلبَه لي وفراغَه واشتغالَه وهمّه وحديثَه من النعمة التي أنعمتُ بها على أهل محبّتي من خلقي»[1]

 

المحبة ثمرة المراقبة

32

 

إشارة

تطرّقنا في المحاضرات الفائتة، في سياق بحثنا حول مقاطع من حديث المعراج القدسيّ، إلى خصائص المشتاقين إلى الحياة الآخرة السعيدة الهنيئة الأبديّة وذكرنا أنّه يمكننا تقسيم مباحث هذا الجزء من الحديث إلى قسمين؛ قسم المبادئ الاستراتيجيّة وقسم المناهج العمليّة. ومتابعة للحديث وبعد بيان هذه المقدّمات فقد تمّ التساؤل بأنّ الله تعالى كيف سيتعامل في عالم الدنيا مع الذين يرومون – من خلال العمل بهذه التوصيات والتوجيهات – الوصول إلى هذه الحياة، وماذا سيكون الأجر الذي أعدّه لهم؟

الثمرة الدنيويّة للأعمال

كما تعلمون فإنّ الحكمة من خلق الحياة الدنيا هي أنْ يبني الإنسان فيها - من خلال أعماله الاختياريّة - حياته الأبديّة. واستناداً إلى هذا المعنى تُشَبّه الحياة الدنيا أحياناً – من حيث كونها مُعِدّة لحياة اُخرى - بالحياة الجنينيّة إلاّ أنّ الحياة الدنيا يتحتّم على الإنسان فيها أن يبني نفسه ويُعدّها للولادة وولوج عالم جديد. ومن هنا فإنّ ما يصيبه المرء في عالم الآخرة هو محصّلة أعماله التي أتى بها في هذه الدنيا. وإنّ الاعتقاد بهذه المسألة يُعدّ واحداً من اُصول الدين وضروريّاته. لكن حيث إنّ لطف الله جلّ وعلا وعنايته لا نهاية لهما، فقد هيّأ أيضاً للناس في هذه الدنيا مناخات لتلقّي المزيد من رحمته. فالسنّة الإلهيّة العامّة والقطعيّة تقضي بأنّ الإنسان إذا عرف أنعُم الله تعالى، ولم يسِئ استخدامها، وشكَرها، فإنّ الله سيزيدها له: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»[2]. وفي المقابل فإنّ الذين يكفرون بالنعم سيواجهون في نفس هذه الدنيا – بشكل من الأشكال - مشكلات شتّى: «وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ»[3]. بطبيعة الحال فإنّ الله لا يعاقب عباده في الحياة الدنيا على كلّ أعمالهم المشينة، بل هو يتغاضى عن الكثير منها أيضاً. وقد صرّحت بعض الآيات القرآنيّة بأنّ الله لو أراد أن يعاقب عباده في عالم الدنيا على جميع ذنوبهم لما بقي على الأرض كائنٌ حيّ. لكنّه تعالى يمهلهم في الحياة الدنيا لعلّ المذنبين منهم يتنبّهون ويتّعظون: «لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»[4]؛ فهو يذيقهم العقاب على بعض أعمالهم في هذه الحياة الدنيا لعلّهم يتوبون بسبب هذا العذاب المخفّف ويثوبون إلى جادّة الحقّ.

طبقاً لهذه السنّة فإنّه إذا عمل بعض الناس على تطبيق الأحكام الإسلاميّة في المجتمع فإنّهم سينعمون بنعم مادّية أكبر في هذه الدنيا: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ»[5]؛ فلو أنّ الناس امتثلوا الأحكام الإلهيّة، أو بعبارة اُخرى: لو كان النظام الإسلاميّ هو النظام الحاكم على الناس، فسوف نزيد في بركاتهم. كما ويقول تعالى في آية اُخرى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ... لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تّحْتِ أَرْجُلِهِم»[6]؛ فحتّى اليهود والنصارى لو أنّهم عملوا بأحكام شريعتهم، لدرّت عليهم الأرض والسماء نعماً.

ومن السنن الإلهيّة الاُخرى هي ما يتعلّق بمعرفة قدر النعم المعنويّة. فالله سبحانه وتعالى يهدي الناس جميعاً بالعقل والوحي: «الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ»[7]؛ أي إنّ الله يهدي كلّ ما يخلق؛ فكلّ الكائنات من نباتات وحيوانات هي مهديّة تكوينيّاً إلى المسير الذي خُلقت من أجله. والإنسان أيضاً هو مهديّ عن طريق العقل والوحي. بيد أنّ الناس لا يتعاملون جميعاً مع هذه النعم بكيفيّة واحدة؛ فبعضهم يُفيد من نعمة الهداية على أتمّ وجه، لكنّ البعض الآخر يكفر بها بالعصيان والطغيان: «وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَىٰ عَلَىٰ الْهُدَىٰ»[8]. فعلى الرغم من أنّ الله هدى قوم صالح (عليه السلام) لكنّهم حبّذوا العمى والضلال على الهداية، فكانت النتيجة أن حاق بهم العذاب. وفي المقابل فإنّ الذين عرفوا قدر الهداية فقد زادَهم الله هدىً على هداهم: «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدىً»[9]. فالسنّة السابقة ترتبط بالنعم المادّية وإنّ لها ثماراً وبركات مادّية أيضاً، أمّا هذه السنّة فإنّها في درجة أعلى. فلو عرف البشر قدر النعم المعنويّة وأفادوا جيّداً من هداية ربّهم فسيزيد الله في هداهم: «وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْاْ هُدىً»[10]. وهناك نماذج كثيرة لهذه السنّة ذَكَر بعضَها القرآن الكريم.

العنايات الخاصّة لخاصّة العباد

إنّ للنعمة المعنويّة المتمثّلة بالهداية مراتبَ عديدة أوّلها الهداية إلى دين الإسلام ومذهب أهل البيت (عليهم السلام). وكلّنا معاشر المؤمنين ننعم بهذه النعمة ولله الحمد، ونعرف قدرها إلى حدّ ما. لكنّه ثمّة للهداية ولثمارها مراتب اُخرى تخصّ الخواصّ من العباد وإنّ أكثر المؤمنين ليس لديهم حتّى تصوّر واضح عنها، فضلاً عن محاولتهم اكتسابها والإفادة من نتائجها. ولتقريب المعنى إلى الذهن يمكن أن نضرب من الحبّ الغامر لقيس وليلى، ووامق وعذرا، وفرهاد وشيرين مثلاً. فلعلّ أغلبنا غير قادر على تصوّر ما كان يسعى إليه أمثال هؤلاء. حيث يحكى أنّ ليلى كانت جارية سوداء ولم تكن جميلة المظهر ليقع في حبّها كلّ مَن يراها. لكنّه حينما أنكروا على قيس ولَهَه بهذه الجارية السوداء الحبشيّة قال: وهل إنّ كلّ أسود غير محبوب؟ فكيف يحبّ جميع الناس المسك وهو أسود، فعلى الرغم من سواد المسك فإنّه غالي الثمن بسبب عطره الفوّاح:

يقولون ليلى سودةٌ حبشيّة      فلولا سواد المسك ما كان غاليا

فالذي لم يذق رشفةً من حبّ قيس لليلى ينتابه العجب من سماع هذه المفاهيم، وغاية ما يذهب إليه هو أن يرمي قيساً بالجنون لأنّه أفسد حياته من أجل امرأة.

لكنّنا إذا تقصّينا أحوال أولياء الله تعالى فسنجدها على هذا النحو أيضاً. بل إنّ حبّ بعضهم لربّهم لهو أشدّ حرارة وإحراقاً من حبّ قيس لليلى. وأحد هؤلاء هو نبيّ الله شعيب (سلام الله عليه). حيث يُروى أنّ شعيباً بكى سنينَ طويلةً شوقاً إلى ربّه حتّى اُصيب بالعمى من شدّة البكاء. فمنّ الله عليه بأن أعاد له بصره. لكنّه عاود البكاء ثانية حتّى اُصيب بالعمى مرّة اُخرى. فأعاد الله له بصره ثانية. فعاود الكرّة للمرة الثالثة، إلى أن فقدَ بصره تماماً. وفي هذه المرّة أرسل الله تعالى له جبرئيل بهذا الوحي: لماذا كلّ هذا البكاء؟ فإن كان بكاؤك خوفاً من النار فقد حرّمتُها عليك، وإن كان شوقاً إلى الجنّة، فقد وهبتُها لك! فقال شعيب (عليه السلام): «إلهي وسيّدي! أنت تعلم أنّي ما بكيتُ خوفاً من نارك ولا شوقاً إلى جنّتك ولكن عَقَد حبُّك على قلبي فلستُ أصبر أو أراك» فإنّ بكائي هو من شدّة محبّتي لك وإنّني لن يهدأ لي بال حتّى أراك. «فأوحى الله جلّ جلاله إليه: أمّا إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا سأُخدِمُك كليمي موسى بن عمران (عليه السلام)»[11]. فكان أن أتى موسى قريةَ «مَديَن» وتولّى رَعْيَ أغنام شعيب، وهو الأجر الذي أعطاه الله لشعيب في هذه الدنيا في مقابل حبّه له. لكن ماذا نصنع نحن إذا أردنا الوصول إلى هذه الدرجة ونحن متعلّقون بلذائذ هذه الدنيا وجاهها ومناصبها؟ الجواب الشافي لمن أراد بلوغ هذا المقام موجود في مقطع الحديث القدسيّ الذي بحثناه في المحاضرات الأخيرة؛ وهو: أَخرِجوا حبّ الدنيا من قلوبكم، كونوا دائمي الذكر لله تعالى، احذروا من الوقوع في حبائل الشيطان، وسيغرس الله محبّته في قلوبكم. وعلى الرغم من أن هذه الطريق ليست بالطريق السهلة، فإنّه إذا سعى الإنسان فيها بصدق بكلّ ما اُوتي من وسع فسيتولّى الله بنفسه مساعدته لطيّها. وهذا هو موضع السنّة الإلهيّة المذكورة التي يقول فيها تعالى: «وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْاْ هُدىً». فنحن نعلم أنّنا ضعفاء، والله جلّ وعلا لا يتوقّع منّا أن نكون كشعيب وأمثاله. لكن ينبغي أن لا نقصّر فيما نستطيع، كي يمدّ الله لنا يد العون والمساعدة.

المحبّة ثمرة المراقبة

لقد اُشير في المحاضرات الفائتة إلى أنّ الله يثيب من يقوم بمثل هذه الاُمور. وسنتحدّث اليوم عن هذا الثواب. فإنْ شمّر المرء عن ساعديه وهيّأ الشروط المذكورة بحدود وسعه وطاقته؛ فصار يذكر الله دوماً، ولم يدع قلبَه يتعلّق باُمور الدنيا، ولم يُصغِ لوساوس إبليس، فإنّ الله تعالى سيُسكِن في قلبه حبّاً: «أسكنتُ في قلبه حبّاً». فنحن نعي جيّداً بأنّ قلوبنا – مع ما فيها من تعلّقات باُمور الدنيا، وما نشكوه من نقص في معرفتنا – لا تستحقّ محبّة الله عزّ وجلّ، وأنّ ظهور حبّ جنونيّ في قلب الإنسان ليس بالأمر الهيّن. لكنّنا إذا هيّأنا المناخ لمثل هذه المحبّة، وجعلنا أوعية قلوبنا طاهرة مُعَدّة، فإنّ الله سيضع في هذه الأوعية شيئاً من الجواهر الخاصّة بأوليائه: «فإذا فعل ذلك أسكنتُ في قلبه حبّاً». وباشتعال نار محبّة الله في قلب العبد فإنّ الله سيجعل هذا القلب له، كي لا يجد غيرُه سبيلاً إليه: «حتّى أجعلَ قلبَه لي وفراغَه واشتغالَه وهمّه وحديثَه من النعمة التي أنعمتُ بها على أهل محبّتي من خلقي».

ولعمري فإنّ هذه لَنِعمة خاصّة جعلها الله لخاصّة أوليائه، وليس للآخرين الاطّلاع على العلاقة التي تربط أمثال هؤلاء بالله جلّ شأنه. وإنّ أثر محبّة العبد الجامحة لربّه هي أنّه – حاله حال غيره من العاشقين الولهانين – سيفتّش عن أيّ ذريعة لذكر محبوبه. فبظهور محبّة الله في قلب الإنسان سيكون قلبه لله وسيكون دائم الرغبة للتحدّث عنه تعالى وعن آلائه. فسواء أكان في حالة الراحة من عمله أو مشغولاً به فإنّ التفاته يكون لله. فهو يشكر الله في ساعة فراغه من العمل أن تفرّغ لمناجاته. كما كان موسى بن جعفر الكاظم (سلام الله عليه) يسجد لربّه في تلك الزنزانة المظلمة التي لا يُعلم نهارها من ليلها شاكراً له قائلاً: «اللهمّ إنّك تعلم أنّني كنت أسألك أن تفَرِّغَني لعبادتك‏، اللهمّ وقد فعلتَ، فلك الحمد»[12].

وكذا في ساعة العمل فإنّ العبد العاشق لا يفتأ يذكر ربّه: «رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَوٰةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَوٰةِ»[13]. فكما يكون عمله لله وأنّه لا ينساه أبداً، فإنّه لا يغفل عن ذكر الله حتّى في الخلوات وعند الفراغ من العمل؛ فهو يحاول أن يخلو بالله ويناجيه مناجاة خاصّة كلّما سنحت له الفرصة: «...وهمَّه وحديثَه من النعمة التي أنعمتُ بها على أهل محبّتي من خلقي»؛ فكلّ همّه وغمّه وفكره وذكره مُنصَبَّة في الله، وهو دائم الشكر لتلك الآلاء الخاصّة التي ينعم الله بها على أهل محبّته، ولا يجد الوقت لشكر باقي نعم الدنيا. فشُكْرُ الله تعالى على نعمة البصر والسمع والنطق هو من اختصاص أمثالنا. أمّا خواصّ عباد الله فإنّهم ذائبون في نعم الله المعنويّة إلى درجة لا يجدون الوقت لشكر كلّ واحدة من أنعمه المادّية. فإنّ تمام التفات هؤلاء العباد موجَّه إلى الآلاء الخاصّة التي يمنّ الله بها على أهل محبّته.

رزقنا الله وإيّاكم إن شاء الله


1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. سورة إبراهيم، الآية 7.

[3]. سورة الشورى، الآية 30.

[4]. سورة الروم، الآية 41.

[5]. سورة الأعراف، الآية 96.

[6]. سورة المائدة، الآية 66.

[7]. سورة طٰه، الآية 50.

[8]. سورة فصّلت، الآية 17.

[9]. سورة محمّد (صلّى الله عليه وآله)، الآية 17.

[10]. سورة مريم، الآية 76.

[11]. بحار الأنوار، ج12، ص380 – 381.

[12]. بحار الأنوار، ج48، ص107.

[13]. سورة النور، الآية 37.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org