قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(11)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 12 شباط 2014م الموافق للثاني عشر من ربيع الثاني 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

عوامل محبّة الله وموانعها

 

إشارة

ذكرنا أنّ محبّة الله لا تأتي لوحدها بل يتعيّن توفير المقدّمات والأرضيّات الكفيلة بظهورها والتي تُكسب المرء الاستعداد والقابليّة لتلقّي هذه الرحمة الإلهيّة، فيفيضها الله تعالى عليه. وقد اُشير في القرآن والسنّة إلى أنّ لمحبّة الله عزّ وجلّ آفاتٍ وموانعَ إمّا أن تمنع الإنسان من أن يحبّ ربّه منذ البداية أو أن تزيل المحبّة من قلبه بعد حصولها. فكلّنا يعلم أنّه إذا أردنا أن نكون محطّ اهتمام أحدٍ ما فعلينا أن نعمل ما يحبّه. أمّا إذا صنعنا ما يُبغضه، فمن الطبيعيّ أن لا نحظى بحبّه. إذن فإنّ صنع ما يحبّه الله يساعدنا على طريق الاستعداد للحظوة بمحبّته جلّ وعلا. وقد أشرنا في المحاضرة الفائتة إلى وجود الكثير من الآيات التي تتناول الأشياء التي يحبّها الله سبحانه وتعالى وتلك التي يبغضها. وسنشير فيما يلي إلى مصاديق اُخرى من هذه الاُمور.

التواضع للمؤمنين والشدّة مع الكافرين

يطرح الله عزّ وجلّ في الآية المرقّمة 54 من سورة المائدة قضيّة الارتداد خصوصاً قائلاً: «يَـٰـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ». فلقد أرسل الله رسوله (صلّى الله عليه وآله) ليدعو الناس إلى الإسلام والقيم الإسلاميّة والتقرّب إلى الله. وقد آمن به في البداية نزر يسير من الناس فتعرّضوا لأذى الأعداء وتعذيب المشركين. وبعد معاناتهم من ألوان المحن وصنوف العذاب ظهر في المدينة المنوّرة مجتمع فتيّ سُمّي بالاُمّة الإسلاميّة. ومن الطبيعيّ أن يحتاج أفراد هذه الاُمّة إلى المواساة وتقوية العزيمة، فجاءت آيات قرآنيّة جمّة تعدهم بالنصر والعبور من هذه المخاوف والشدائد. لكنّ الله تعالى يطرح - في خضمّ هذه الأحداث - مسألة الارتداد قائلاً: لا تظنّوا أنّنا سنتضرّر إذا ارتددتم عن دينكم، بل إنّ الله سيستبدل بكم اُناساً هم أفضل منكم، وانّ أهمّ صفة يتحلّى بها هؤلاء هي أنّ الله يحبّهم وأنّهم أيضاً يحبّون الله جدّاً: «يحبّهم ويحبّونه». فإنّ مجيء هاتين العبارتين إلى جانب بعضهما يستبطن مضموناً عميقاً جدّاً، حيث إنّ المحبّة المتبادَلَة هي غير تلك التي تكون من طرف واحد.

الخصوصيّة الاُخرى التي تميّز هؤلاء هي أنّهم أشداء جدّاً في مقابل الكفّار واعداء الله ولا يبدون أمامهم أيّ لين في العريكة أو مرونة في التعامل، أمّا بالنسبة للمؤمنين، وعلى الرغم من أنّ الأخيرين تبدو عليهم في الظاهر أمارات التخلّف والفقر، فإنّهم يعاملونهم باحترام بالغ: «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ»؛ ففي الوقت الذي يكونون أذلاء على المؤمنين فإنّهم شديدوا الصلابة أمام الكفّار؛ بحيث انّهم لا يُبدون أيّ مرونة تجاههم، ليس هذا فحسب بل إنّهم يَظهرون أمامهم بمظهر القوّة والقدرة والاستغناء وعدم المبالاة.

أمّا ميزتهم الأخيرة فهي انّهم يحبّون الجهاد في سبيل الله إلى درجة أنّهم لا يخشون ملامة أيّ امرئ في هذا السبيل: «يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ». فالمجاهدون واُولئك الذين يُظهرون الشدّة والعزّة أمام الكافرين لا يخافون لومة أيّ لائم، بل إنّهم يقولون لهم: «قولوا ما شئتم، فإنّنا قد حدّدنا طريقنا وسنمضي فيه قُدُماً».

هذه الآية تلهمنا هذا الدرس، وهو أنّنا إذا أردنا أن نصنع ما يجعلنا مورداً لمحبّة الله فعلينا بالتواضع بين يدي المؤمنين. فالمحبوبون عند الله يكونون أذلاء ومتواضعين أمام المؤمنين من حيث إنّهم مؤمنون، فلا يتعاملون معهم بأنانية أبداً. أمّا في مقابل الكفّار فإنّهم شديدو الصلابة ولا يظهر عليهم أمامهم – بما أنّهم كفّار - أيّ خضوع أو تطبيع أو استسلام. فإن رغبنا في أن يحبّنا الله جلّ شأنه وأن يمنّ علينا بحبّنا له أيضاً فيتعيّن أن نربّي أنفسنا بهذه الطريقة. بالطبع فمن حيث إنّ مناط التواضع هو الإيمان، فإنّه يتغيّر شدّة وضعفاً بالتناسب مع مراتب الإيمان؛ فكلّما زاد الإيمان، تواضَعْنا أكثر، فإنّ الذي يكون في أعلى درجات الإيمان سيواجَه بأقصى درجات التواضع. وهذا أمر ممكن؛ فباستطاعة الإنسان أن يعزم على هذا الأمر وينجزه، فإذا تكرّر منه، أصبح ملَكَة من ملكاته. أمّا إذا أردنا أن نتحوّل إلى عشّاق لله دفعة واحدة، فهذا محال.

يروي المرحوم آية الله بهجت (رضوان الله تعالى عليه) عن والد المرحوم السيّد الكشميريّ - الذي أمضى مدّة من حياته في قمّ المقدّسة ودُفن في مسجد «بالاسر» (جهة الرأس) في حرم السيّدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) – أنّه كان شديد الاحترام لأولاده، فعلى الرغم من أنّه هو نفسه كان سيّداً[1] وأنّ سيادة أولاده هي بسبب انتسابهم إليه، لكنّه لم يكن يسمح لهم أن يضعوا حذاءه أمام قدميه ليلبسه. وإذا حصل أن فعلوا ذلك صدفة فإنّه كان يستاء من ذلك ويقول: «أبناء السيّدة الزهراء (سلام الله عليها) يضعون أمامي الحذاء»! فعلماؤنا العظام كانوا يحترمون حتّى أبناءهم ويتواضعون أمامهم بسبب كونهم مؤمنين. ونحن أيضاً نستطيع أن نتمرّن على هذا الأمر، فليس هو بالأمر الصعب.

لكنّ هذه المسألة – بالطبع - تخضع لقيود وشروط. فلا ينبغي للمرء أن يتعدّى على أيّ كافر ويتكبّر عليه. فالمقصود من الكافر هنا هو الكافر المعاند الجحود؛ أي الذي عرف الحقّ ثمّ أنكره عن عمد. فلا ينبطق ذلك على الكافر الذي لم يعرف الحقّ أصلاً، وهو يسعى لمعرفته. كما أنّ هناك كفّاراً كانوا حقّاً طلاب حقيقة وقد بذلوا جهدهم للوصول إليها، فهؤلاء وإن كانوا كفّاراً في الظاهر لكن التعامل معهم بودّ وعطف وشفقة قد يدفعهم إلى اعتناق الإسلام؛ بالضبط كما دخل العديد من الكفّار إلى الإسلام في زمان النبيّ بسبب أخلاقه (صلّى الله عليه وآله). ومن هنا فعندما ينصحنا القرآن الكريم بأن نكون أعزّاء على الكفّار فلا يعني ذلك أن نتكبّر على كلّ غير مسلم حتّى وإن كان يسعى لإدراك الحقيقة ولم يدركها بعد، بل يتعيّن علينا أن نتمنّى له الخير ونتعامل معه بشفقة. فحتّى القرآن الكريم فإنّه قد خصّص سهماً من الزكاة للكفّار بغية تأليف قلوبهم. فلو بنينا أمرنا على معاداة كلّ كافر، لَما انتشر الإسلام، ولما رغب فيه أحد. لذا فإنّ المراد من «الكفّار» في قوله: «أشدّاء على الكفّار» هم المعاندون منهم.

حبّ الدنيا مانع من محبّة الله

يروى أنّ نبيّ الله عيسى (على نبيّنا وآله وعليه السلام) قال لحواريّيه: «بحقّ أقولُ لكم: إنّ العبدَ لا يَقدرُ على أن يخدُم ربّين ولا محالةَ أنّه يُؤثِر أحدَهما على الآخر وإنْ جَهَدَ كذلك لا يجتمع لكم حبّ الله وحبّ الدنيا»[2]. ويجسّد القرآن الكريم هذا المعنى في بيان جميل في قوله تعالى: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً»[3]. إذ تقارن هذه الآية بين عبدين؛ أحدهما هو عبد لعدد من السادة السيّئي الخلُق والصارمين فهم جميعاً يشتركون فيه. هذا العبد المسكين كلّما امتثل أمرَ أحد أسياده اصطدم معه الباقون، فهو في حالة تعارض باطنيّ مستمرّ ولا يدري كيف يطيع جميع أسياده معاً. أمّا العبد الثاني فله سيّد واحد وهو يحظى بالاحترام إن أطاعه؛ فهو يذعن لكلّ ما يقوله سيّده ولا يشكو أيّ تعارض في باطنه من أنّه أيّ سيّد يطيع. فمن الواضح أنّه لا يمكن أن يكون للمرء عدّة سادة وأن يحظى بقلوبهم جميعاً بشكل كامل. وكذلك فإنّه من غير الممكن أن يكون لعبد واحد ربّان. فنبيّ الله عيسى (عليه السلام) يقول في هذا الحديث: كما أنّه ليس في ميسور المرء أن يخدم سيّدين، فإنّ حبّ الدنيا وحبّ الله لا يجتمعان في قلب واحد. فإن أردتَ أن تحظى بحبّ الله، فعليك أن تتخلّى عن حبّ الدنيا.

علينا أن نؤمن ونصدّق بأنّ الله لا يحبّ لعباده «الدنيا» بما أنّها دنيا. فهو تعالى يريد من عباده أن يلتفتوا إليه، أو أن يسعوا – على الأقلّ – وراء نعم الآخرة، وأن يحسبوا للآخرة حساباً. علينا أن نفهم أنّ الدنيا ليست هي إلاّ أداة ووسيلة لنيل سعادة الآخرة ولا أصالة لها ذاتاً. بالطبع قد يندر وجود مَن لا توجد في قلبه ولو ذرّة من حبّ الدنيا. فأولياء الله - فقط - هم الذين لا تساوي الدنيا عندهم أيّ قيمة. ليس هذا فحسب، بل حتّى الآخرة ونعماؤها فإنّها لا تساوي عندهم شيئاً في مقابل رضا الباري عزّ وجلّ. بالطبع هذه المسائل أعلى بكثير من مستوياتنا ولا تدركها عقولنا، لكن فلنعلم أنّ الله لا يريدنا أن نحبّ الدنيا لكونها دنياً. فإنّ مُؤَدّى كلام جميع الأنبياء والأولياء وآيات الذكر الحكيم هو تنبيهنا لقضيّة أنّ الدنيا هي مجرّد وسيلة وليست غاية، وأنّ من يظنّ أنّها غاية فهو مخطئ، وستظهر آثار هذا الخطأ في حياته. بالطبع جميعنا يعلم أنّ قلوبنا تنطوي على لون من ألوان حبّ الدنيا. كما أنّ الله لا يكلّف نفساً بما يشقّ عليها، ولا يطالب الجميع بما لا يقدر عليه إلاّ الأنبياء والأولياء، لكنّه عزّ وجلّ وضع حدّ نصاب لذلك، وهو أنّه إذا كان حبّ الدنيا ضمن هذه الحدود فلا إشكال فيه، أمّا إذا تجاوزها فسيشكّل خطراً. فالله نفسه يخاطبنا قائلاً: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوٰةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ»[4].

حبّ الدنيا جوهر الكفر

من التعبيرات القرآنيّة التي تُلهم الدروس وتهزّ في نفس الوقت هي قوله تعالى: «وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوٰةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـٰـئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ»[5]؛ أي ويل لاُولئك الذين إذا دار عندهم الأمر بين الدنيا والآخرة تركوا الآخرة وفضّلوا الدنيا. فطالما لا يوجد تضادّ، فإنّ هناك مجالاً للاستفادة من المباحات، فلا إشكال في هذا المقدار وهو أضعف الإيمان. أمّا إذا رجّح الإنسان الدنيا عند التزاحم، فسيُبتلى بضلال بعيد.

وشبيه بهذا المعنى ما جاء في سورة النحل في الآية النازلة في حقّ عمار بن ياسر عندما أظهر الكفر في مقام التقيّة، وعندما جاء  إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان في غاية القلق. فنزل قوله تعالى: «مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـٰـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ»[6]. فلا إشكال في إظهار الكفر بسبب الإكراه، لكنّ الذين يكفرون عن طيب خاطر فإنّهم يستحقّون عذاباً عظيماً وينزل عليهم غضب من الله. ثمّ يبيّن الله سبحانه وتعالى أنّ سبب هذا الكفر هو ترجيح الحياة الدنيا على الآخرة وذلك في قوله: «ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَوٰةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ»[7].

ما يستفاد من الآيتين المذكورتين هو أنّ جوهر الكفر هو حبّ الدنيا. فإنّ السبب في إنكار الإنسان الحقَّ بعد معرفته هو سعيه وراء لذّات الدنيا. ولا شكّ أنّه إذا صار القلب محلاّ لما يقتضي الكفر، فإنّه لن يكون موضعاً لما هو جوهر الإيمان وفاكهته وكماله. فالكفر والإيمان لا يجتمعان. وكما أنّه محال أن نعبد إلهين اثنين، فإنّنا لا نستطيع أن نجمع بين محبّة الله ومحبّة الدنيا. فإذا رغبنا في أن نكون محبّين لله، فعلينا أن نُنقص من حبّنا للدنيا حتّى يصل إلى مستوىً لا يتعارض مع آخرتنا ولا يدفعنا إلى ترك العمل بالتكليف.

خطر العالِـم الراغب في الدنيا

لقد بُيّنت هذه القضيّة في العديد من الآيات والروايات، وهي على جانب من الأهمّية بحيث إنّ الله تعالى يوحي لأنبيائه (عليهم السلام) باجتناب العالِم المحبّ للدنيا. إذ رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إذا رأيتم العالِم محبّاً لدنياه فاتّهموه على دينكم فإنّ كلّ محبّ لشي‏ءٍ يَحوط ما أحبّ»[8]. أي: لا تكونوا مطمئنّين للعالِم المحبّ للدنيا[9]! فنحن نطلب العالم لنعرف منه معارف ديننا ولنتعرّف بواسطته على سبيل ربّنا. يقول أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا وجدتم العالم طالباً للدنيا فلا تطمئنّوا له ولا تتّبعوه! إذ أنّ كلّ محبّ لشيء فهو يحتفظ به». فالمحبّ للدنيا يسعى لحفظ دنياه وحراستها وهو على استعداد للابتداع في الدين، وكتمان حقائقه، وغضّ الطرف عن قيمه صيانةً لمكانته. وإنّ المحبّ للدنيا يحرص على عدم التفريط بها، ولا يحترق قلبه على دينكم، وهو لا يخدم دينكم إلاّ إذا كان في ذلك ما يدرّ بالمنفعة على دنياه. فإذا افترق دينكم عن دنياه، فلا يعود له شغل بالدين.

وفي حديث قدسيّ آخر يوصي الله عزّ وجلّ نبيّه داوود (على نبيّنا وآله وعليه السلام) أن: لا تجعل العالم المحبّ للدنيا وسيطاً بيني وبينك؛ يقول: «لا تجعل بيني وبينك عالِماً مفتوناً بالدنيا». فإنّ ما يتوقّعه المرء من العالِم هو أن يتعلّم منه شيئاً. وهو – في الحقيقة – يقوم مقام الوسيط في تعريف الإنسان بربّه والتقرّب إليه. يقول عزّ وجلّ: إذا أردت أن تجعل شخصاً ما واسطةً بيني وبينك لتتعلّم منه دينك، وتتقرّب بواسطته إليّ، فحذار من أن تختار العالِم المفتون بالدنيا لهذه المهمّة. ثمّ يبيّن تعالى علّة هذا الحكم فيقول: «فيصدّك عن طريق محبّتي، فإنّ أولئك قُطّاع طريق عبادي المريدين»؛ وهو كلام غاية في القسوة والغلظة. يقول عزّ من قائل: هؤلاء قُطّاع طرق ولصوص يقطعون الطريق على كلّ عبد يطلبني ويقتادونه باتّجاه الدنيا. «إنّ أدنى ما أنا صانع بهم أنْ أنزِع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم»[10]، فلا يشعرون بالرغبة في مناجاتي والتضرّع إليّ، وإذا ما أتوا بعبادة، فإنّهم يأتون بها على كسل ومضض «وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ»[11].

اللهمّ بحقّ مَن تحبّهم، تحنّن على قلوبنا القاصرة أيضاً بنفحة من تلك المواهب.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


1. السيّد هو الذي يكون من سلالة رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

2. تحف العقول، ص503.

3. سورة الزمر، الآية 29.

4. سورة الأعلى، الآيتان 16 و17.

5. سورة إبراهيم، الآيتان 2 و3.

6. سورة النحل، الآية 106.

7. سورة النحل، الآية 107.

8. الكافي، ج1، ص46.

9. لقد فسّر البعض عبارة: «فاتّهموه على دينكم» بمعنى: توجيه التهمة إليه! والحال أنّ «اتّهمه على كذا» يعني ظنّ به سوءاً وليس قذفه بتهمة معيّنة. إذ أنّ التهمة لكلّ امرئ حرام لاسيّما المؤمن.

10. الكافي، ج1، ص46.

11. سورة التوبة، الآية 54.  

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org