قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 18 حزيران 2014م الموافق للعشرين من شعبان 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

الحياة الباقية؛ سعي في سبيل سعادة الآخرة

24

 

 

إشارة

تحدّثنا في المحاضرة السابقة عن العيش الهنيء من وجهة نظر الحديث القدسيّ الذي خاطب به ربّ العزّة نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) ليلة المعراج. وقد ذكرنا أنّ الله عزّ وجلّ كان قد سأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حينها عن أمرين؛ أوّلهما العيش الأهنأ وثانيهما الحياة الأبقى. فالسؤال الأوّل كان عن الكيفيّة والثاني عن الكمّية، كما يصطلح عليه؛ ونعني بها الكمّية المتّصلة بالطبع. ولقد أشرنا في المحاضرتين الماضيتين إجمالاً إلى أنّ هذين الأمرين هما من حوائج الإنسان الفطريّة، فالأخير قد خُلق طالباً للذّة العيش وهناء الحياة. فلو ادّعى مُدّعٍ أنّني لا أسعى وراء أيّ رغد ولا أفتّش عن أيّ لذّة، فلابدّ أن يكون مُبتلىً بمرض ما حسب الظاهر. ففطرة الإنسان طالبة للسعادة والراحة وهي لا تستطيع أن تكون غير ذلك. فلو نظر كلّ امرئ إلى باطنه لاكتشف أنّه يطلب السرّاء دوماً وهو إنْ عمد إلى القيام ببعض الأعمال الشاقّة والمضنية أو حتّى مارس الرياضة الروحيّة، كما يفعل مرتاضو الهند، فهو لاعتقاده بأنّه سينال في إثر هذه الرياضات اُموراً فيها غاية اللذّة وإنّ ما يتجشّمه من مصاعب إنّما هي مقدّمة لما سيجنيه من هناء فيما بعد.

الحياة الباقية حاجة الإنسان الفطريّة

وكذا الحال بالنسبة لبقاء الحياة؛ فالإنسان فطرةً يحبّ أن تدوم حياته، وإنّ دوام الحياة بحدّ ذاته مطلوب من قِبله. فالناس يرغبون في أن تطول أعمارهم، لكنّ الفطرة بذاتها لا تُخبر الإنسان عن وعي أين تكمن هذه الحياة الباقية. بالطبع ثمّة علامات فطريّة لهذه الحياة وإنّ تفكير الإنسان بالحياة بعد الموت من شأنه أن يرشده إلى الحقيقة. أّما سبب ذمّ الأديان السماويّة، لاسيّما الإسلام، لطويلي الأمل والذين يودّون لو يعمّروا ألف سنة يرجع إلى أنّ أماني هؤلاء تنحصر في الحياة الدنيا وأنّ همّهم هو زيادة أعمارهم الدنيويّة ليس غير. فالباري تعالى يقول مثلاً في ذمّ اليهود في الآية المرقّمة 96 من سورة البقرة: «يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ». كما أنّ مطالبة الله اليهودَ بتمنّي الموت في سورة الجمعة يعود إلى ادّعائهم محبّتَه عزّ وجلّ: «قُلْ يَـٰأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ للهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ»[1]. فليس الموت بمطلوب بذاته؛ غير أنّ مَن يدّعي أنّه وليّ لله، ويعتقد بالمعاد بعد الموت، وأنّ أولياء الله سيحظون بلقائه في ذلك العالم، فلا ينبغي أن يفرّ من الموت. فمراد الآية الكريمة هو: إذا كنتم صادقين في محبّتكم لله فلابدّ أن تحبّوا لقاءه أيضاً، وبما أنّ لقاءه غير ميسّر لكم في هذا العالم، إذن فعليكم أن تتمنّوا الموت للانتقال إلى العالم الذي يتسنّى لكم فيه لقاؤه تبارك وتعالى. ومن هنا فإنّ الموت ليس مطلوباً لأحد بحدّ ذاته، وإنّ القرآن الكريم لا يشير على أحد بالرغبة في الموت. فالكلام هنا هو دعوة لمعرفة الحياة الحقيقيّة، وأنْ نعرف فيما إذا كانت الحياة التي تطلبها فطرتنا هي نفس هذه الحياة المصحوبة بالآلام والمتاعب والحرمان والبلايا، أم انّ هناك حياة اُخرى هي الحياة الحقيقيّة؟

التمنّي المحبَّذ للموت

كلّنا يعلم أنّ القرآن الكريم يرى أنّ الحياة الحقيقيّة تكون بعد هذا العالم. فالله عزّ وجلّ يقول: «إِنَّمَا الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ»[2]. فالحياة الدنيا ليست هي بحياة، إنّما هي لعب ولهو. «وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ»[3]؛ فالحياة الحقيقيّة هي عالم الآخرة. ومن هنا فإنّ ذمّ الله سبحانه وتعالى لطول الأمل وتمنّي العمر الطويل هو ذمّ للناس وإنكارٌ عليهم لعدم معرفتهم الحياة الحقيقيّة وعدم إدراكهم بأنّ هذه الاُمور هي مجرّد لعب وأنّ تعلّق قلوبهم بها من شأنه أن يحرمهم من الحياة الاُخرى. إذن فمن الواضح أنّه ما دمنا طلاّب حياة بالفطرة، فإنّ جهلَنا ماهيّة الحياة الحقيقيّة وأين ومتى تكون، سيجعلنا نبذل قصارى جهدنا للبقاء أحياء. بالطبع قد تكون الأمراض والآلام والبلايا أحياناً من الشدّة إلى درجة تُنهك الإنسان حتّى يتصوّر أنّه سيرتاح بموته، ولذا فهو يتمنّى الموت. لكنّ هذا التمنّي للموت هو غير محبّذ. فلا يكون تمنّي الموت مطلوباً إلاّ إذا كان عن إيمان بأنّ الحياة الحقيقيّة هي الحياة الآخرة، وهناك سيتنعّم الإنسان بالنعم الإلهيّة الخاصّة ويحظى بلقاء الله في نهاية المطاف. فالسبب في أنّ أولياء الله يُظهرون أحياناً رغبتهم في الموت ويطلبونه هو اعتقادهم بأنّ العالم الآخر هو عالم اللذّة والهناء والسعادة الأبديّة ورضا الله، فهم يسألون الله تعالى الرحيل عن هذا العالم بأسرع ما يمكن. فهذا النمط من طلب الموت هو نمط مطلوب ومحبَّذ، ومن هذا المنطلق يقول الله سبحانه لليهود: «قُلْ يَـٰأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ للهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ».

التمنّي غير المحبَّذ للموت

لكنّه ثمّة تمَنٍّ غير مطلوب للموت وهو ما يجرّ إلى الانتحار عند تأزّم الاُمور. فقد تسلّط محن الدنيا وما يجري فيها من المآسي وما يتعرّض له المرء من الإهانات والبلايا والإخفاقات - تسلّط على الإنسان من الضغوط ما يدفعه إلى اليأس حتّى يتصوّر أنّ الموت سيريحه من جميع تلك الضغوط. فالإنسان حتّى في هذه الحالة إنّما يُقدِم على الانتحار طلباً للراحة، لا لأنّ الموت مطلوب بالنسبة له. أمّا سبب قيامه بذلك فهو ضعف إيمانه وعدم علمه بأنّه ليس بالضرورة أن ينعم كلّ من يرحل عن هذه الدنيا بالراحة، فالله عزّت آلاؤه يقول: «وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ»[4]، ويقول: «وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَىٰ»[5]. إذن ليعلم المبتلون بالفضائح والمعانون من أشكال الحرمان والمهانة أنّهم إذا كانوا من أهل العذاب في الآخرة فإنّ عذابها سيكون أكبر فضيحة وأشدّ صعوبة ومشقّة.

وفوق ذلك فإنّ الله عزّ وجلّ الذي قدّر للإنسان هذه الحياة الدنيا أراد له أن يفيد منها لنيل سعادته الأبديّة. وبناءً عليه فحتّى طلب استمرار هذه الحياة الدنيا فيما يوجب الازدياد من رضا الله تعالى وسعادة الآخرة فهو طلب محبّذ، وما سؤالنا اللهَ العمرَ الطويل في الدعوات أو دعاء الناسِ اللهَ من أجل أن يمنّ على الآخرين بطول العمر إلاّ من هذا القبيل. كما أنّ الدعاء الذي يكرّره قائد الثورة الإسلاميّة (دامت بركاته) دوماً في كلامه: «زنده باشيد» (أي: دمتم، أو أدام الله بقاءكم) والذي يدعو فيه بدوام العمر للآخرين يستند هو الآخر إلى أنّ الحياة هي نعمة عظيمة للغاية، وهو يعني بذلك: أمدّ الله في أعماركم كي تتمكّنوا في ظلّها من بلوغ السعادة الأبديّة.

تأسيساً على ما مرّ فإنّ محاولة الانتحار أو تمنّي الموت للارتياح من مصائب الدنيا هو أمر مذموم، بل وقد يُعدّ من أعظم الكبائر أحياناً، وفي المقابل فإنّه لا عيب على الإطلاق في طلب الحياة الأبديّة وهو ممّا ترومه فطرة الإنسان، بل وقد خلق الله ابن آدم لذلك: «إنّما خُلِقتم للبقاء لا للفناء»[6]؛ أي إنّ الله قد خلقكم من أجل حياة باقية خالدة، لا من أجل حياة عابرة مؤقّتة أو موت بطيء تدريجيّ؛ إذ نستطيع أن نعتبر الحياة الدنيا شكلاً من أشكال الموت البطيء، لأنّ أمدها ينقص كلّ يوم، ونحن نفرّط بجزء منها في كلّ يوم، وهذا لَعمري ضرب من الموت التدريجيّ. فالحياة الحقيقيّة هي تلك التي لا تنقص أبداً. فلو عمّر المرء آلاف السنين في الجنّة، فلا ينقص من عمره شيء وهو مستمرّ إلى أبد الآبدين.

مهما عمل الإنسان فهو لنفسه!

من الجليّ أنّ المعتقدين بأنّ الحياة الآخرة هي الحياة الحقيقيّة التي لا نهاية لها والتي تخلو من كلّ أشكال التعب والعذاب[7] يسعون لنيل مثل هذه الحياة والإفادة منها. وهذا المقطع من الحديث القدسيّ ناظر إلى هذا الجانب؛ يقول الباري جلّ جلاله: «وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا وتصغُر في عينيه وتعظُم الآخرة عنده»[8]؛ فهذه هي الحياة الحقيقيّة.

وكما تلاحظون فإنّ كلّ كلمة من هذا الحديث الشريف تمثّل عصارة من معارف الإسلام المزكّية للنفس والمربّية لها. فقوله: «فهي التي يعمل لنفسه» يشير إلى حقيقة أنّه مهما عمل الإنسان في هذه الدنيا فهو عائد لنفسه في نهاية المطاف. فقد يتخيّل المرء أنّه يبغي خدمة الآخرين، لكنّ التمعّن بدقّة في خفايا الأمر يوحي بأنّه حتّى هذا العمل فهو لنفسه أيضا. فقد ذكرنا أنّ الإنسان يرغب في أن يخدم محبوبه ويصنع له ما يستطيع. فعلى الرغم من أنّ العاشق هنا - وفقاً للظاهر - لا يفعل شيئاً لنفسه، لكنّ المتعمّق في المسألة سيستنتج أنّ العاشق يشعر في أثناء خدمته لمحبوبه بلذّة لا يشعر بمثلها لو أنّه عمل لنفسه. وحتّى اُولئك الذين ينفقون أموالهم في اُمور الخير ومساعدة الفقراء بعيداً عن الرياء والشهرة فعلى الرغم من أنّهم غير راغبين في الأجر في ظاهر الأمر، لكنّ التفحّص في هذا العمل يقود الإنسان إلى نتيجة مفادها أنّ أمثال هؤلاء يرون الكمال الإنسانيّ في ذلك ويرغبون في نيل هذه الفضيلة.

فتحلّي الإنسان بالإيثار هي فضيلة عظمى، وإنّ المرء الـمُؤْثِر ليلتذّ بسبب إيثاره، لاسيّما إذا اُلحقَت بذلك ملحقات اُخرى كخلود الاسم بسبب الفضيلة. فعندما يلاحظ الإنسان أنّ التاريخ قد خلّد اسم حاتِم الطائيّ بعد مئات السنين بسبب كرمه، فإنّه سيلتذّ من كرمه وجوده بالمال أكثر من التذاذه بتمتّعه به، ولذا فهو يعمل لنفسه أيضاً. وهناك آيات قرآنيّة كثيرة، كقوله تعالى: «لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ»[9]، وقوله: «فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا»[10] تشير إلى هذا المعنى، وهو أنّ الإنسان مهما عمل فإنّه يعمل لنفسه؛ فهو إن اهتدى فلمصلحته وإن ضلّ فهو الذي سيخسر.

من هذا المنطلق فحتّى هذا الحديث فإنّه عندما يريد – في مقام التربية - تقوية الدافع لدى المتلقّي ويحثّه على السعي لطلب الحياة الاُخرويّة، فإنّه يعرّفه في البداية على أنّها حياة باقية وأنّك طالب لها بالفطرة وعليك أن تسعى لها، لكنّ سعيك هذا هو في الحقيقة لك. فإذا علم الإنسان أنّ ما يقوم به يصبّ في مصلحته فسيقوى الدافع لديه.

يقول تعالى: «وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا»، فعندما يقوم المرء بعمل لنفسه فمن الواضح أنّه قد شخّص ما هو العمل الذي ينفعه حقيقةً. وفي هذه الحالة فمن المفترض أنّه قد شخّص الحقّ، وعلِم أين تكمن سعادته، وما هو العمل الذي يصبّ مائة بالمائة في مصلحته ويدرّ عليه أفضل النتائج ولا يخسر فيه. فالكثير من الناس لا يملكون مثل هذا التصوّر وهم يُقدِمون على عمل تخيّلاً منهم أنّ فيه مصلحتهم فإذا بهم يخسرون. بل «إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ»[11]؛ فالناس عموماً هم في حالة خسران، وعكس ذلك هو حالة استثنائيّة. والنموذج الأبرز على هذا الخسران هم اُولئك الذين يقتلون أنفسهم في العمليّات الإرهابيّة الانتحاريّة جرّاء حماقتهم متصوّرين أنّ ذلك سيورثهم النفع الأبديّ! فمن الواضح أنّ تصوّراً كهذا هو تصوّر باطل، وأنّ هؤلاء لم يشخّصوا العمل الذي يصبّ فعلاً في مصلحتهم. فعندما يعلم الإنسان بوجود الآخرة ويدرك أنّ السعادة الأبديّة لا تكون إلاّ هناك وأنّ عليه نيلها بسعيه وكدّه، فإنّه سيسعى في هذا الاتّجاه. والعلامة على أنّ عمله هذا صحيح وأنّه سيقوده إلى السعادة والحياة الباقيتين هي أن لا يعير لكلّ ما يعارض هذه الحياة أهمّية. فعندما يشتغل المرء في المطالعة على سبيل المثال فإنّه قد يستطيع التمتّع بلذّة اُخرى إلى جانب المطالعة لكنّه إذا آمن بأنّ الدقّة الأكبر في المطالعة ستزيد من فهمه لما يقرأ وتسرّع من بلوغه الهدف المطلوب من المطالعة فإنّه سيهمل باقي اللذّات، وبما أنّ الهدف المرجوّ من المطالعة مهمّ فإنّه سيكرّس أكثر وقته لها ولا يعير باقي الاُمور أهمّية تُذكر.

النأي عن الدنيا لازم معرفة الآخرة

الشرط الأساسيّ لمعرفة الحياة الآخرة هو أن يكون سعي الإنسان بحيث تهون الاُمور الدنيويّة في عينه وتصبح غير ذات أهمّية. وعندها ستذهب قيمتها، وسيكتفي من الحياة والصحّة بما يكون ضروريّاً لعمله، ولا تكون همّته في التمتّع بحياة مرفّهة ونيل أصناف اللذائذ ومختلف التفنّنات؛ ذلك أنّ طاقة الإنسان محدودة وهو إنْ أنفقها في شيء ضعف عن أداء الاُمور الاُخرى، ومن هنا فإنّ شؤون الدنيا لا تكون ذات أهمّية لديه. بالطبع إنّ الدنيا بما هي دنيا وبما تحويه من لذائذ مادّية لا يمكن جمعها مع الآخرة، لكنّ الاُمور الدنيويّة قد تكون أحياناً مقدّمة للآخرة فيتعلّق بها أمر إلهيّ أو تكليف شرعيّ، ومن هنا تكون نفس هذه الدنيا أمراً من اُمور الآخرة، ولا تكون مستحقّة للذمّ الوارد للدنيا. وفي هذه الحالة فحتّى لو انطوت هذه الدنيا على لذائذ مادّية جمّة، فمن حيث إنّها أمر الله وهي تمارَس امتثالاً لأمره عزّ وجلّ فسوف لا يجري عليها حكم الاُمور الدنيويّة.

بطبيعة الحال إنّ النأي عن الدنيا لا يعني التفرّغ للعبادة والتزام المناهج الأربعينيّة في الصومعات والسراديب، بل إنّ المراد من الدنيا هنا هو أن يرغب المرء في شيء بسبب لذّاته المادّية. أمّا إذا كان للإنسان في سعيه الدنيويّ دوافع إلهيّة، وكانت الغاية من دراسته العلوم مثلاً حفظ عزّة الإسلام وصيانة المسلمين من الذلّ والمهانة في مقابل الكفّار، فليس ذلك من حبّ الدنيا في شيء، وهو سيورثه سعادة الآخرة إلى جانب ما له من آثار في هذه الدنيا.

فعندما يستوعب المرء ماهيّة الهدف الاُخرويّ وقيمة الآخرة بشكل صحيح ويصبح هذا الهدف قيّماً بالنسبة له فسوف يدرك أنّه كلّما تنازل عن الآخرة فقد خسر. وهنا سوف لا يعير للدنيا أهمّية وستصغر الأخيرة في عينه. فنسبة الدنيا – مهما طالت وزادت منافعها – إلى الآخرة كنسبة المتناهي إلى غير المتناهي. فلو حاولنا الحساب بالكمّيات للاحظنا أنّ عمر ألف سنة في الدنيا هو أقلّ من لمح البصر بالنسبة للآخرة، وهو ليس ذا قيمة في مقابل عمر الآخرة الأبديّ الذي لا نهاية له. فإذا أدرك الإنسان قيمة الآخرة صغُرت كلّ الحياة الدنيا في عينه، وعظمت – في المقابل – الآخرة في نظره: «وتعظم الآخرة عنده». وقد روي عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في نهج البلاغة أيضاً قوله: «كان لي فيما مضَى أخٌ في الله وكان يُعظِمُه في عيني صِغَر الدنيا في عينه»[12].

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


[1]. الآية 6.

[2]. سورة محمّد (صلّى الله عليه وآله)، الآية 36.

[3]. سورة العنكبوت، الآية 64.

[4]. سورة الرعد، الآية 34.

[5]. سورة فصّلت، الآية 16.

[6]. غرر الحكم و درر الكلم، ص272.

[7]. «الَّذي أَحَلَّنا دَارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فيها لُغُوبٌ» (سورة فاطر، الآية 35).

[8]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[9]. سورة البقرة، الآية 286.

[10]. سورة الزمر، الآية 41.

[11]. سورة العصر، الآيتان 2 و3.

[12]. نهج البلاغة، الحكمة 289.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org