قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 12 تموز 2014م الموافق لليلة الخامسة عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

وصَلَ العبد مكاناً لا يرى - فيه غير الواحد الحقّ الإلٰه

37

 

 

«فهذا هو العيش الهني‏ء والحياة الباقية، وهذا مقام الراضين. فمَن عمِل برضائي اُلزِمُه ثلاث خصال: اُعَرِّفه شكراً لا يخالطُه الجهل، وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبّة لا يؤثِر على محبّتي محبّةَ المخلوقين، فإذا أحبّني أحببتُه، وأفتحُ عينَ قلبه إلى جلالي، فلا اُخفي عليه خاصّة خلقي، فاُناجيه في ظُلَم الليل ونور النهار، حتّى ينقطع حديثُه من المخلوقين ومجالستُه معهم»[1].

 

طرح الحديث القدسيّ في الفقرات السابقة من هذا المقطع توجيهات فيما يتّصل بنيل السالك الحياةَ الأبديّة الهنيئة؛ وهو المقام الخاصّ باُولئك الذين ينجزون أعمالهم كافّة طلباً لمرضاة الله تبارك وتعالى. وفي نهاية المقطع، وفي إشارة إلى خلاصة المباحث السابقة، يقول عزّ من قائل: «فمَن عمِل برضائي اُلزِمُه ثلاث خصال». وخلافاً للفقرات السابقة، فإنّه تعالى لم يتطرّق هنا إلى المنهج الذي على السالك اتّباعه، بل تعرّض للخصوصيّات والخصال التي يهبها للسالك نتيجة سلوكه ويجعلها ملازمة له بحيث لا تنفكّ عنه. فهذه هي عطيّة الباري عزّ وجلّ لاُولئك الذين بذلوا قصارى جهدهم لتطبيق تعاليمه، ثمّ انّه سبحانه – ومن باب إثابتهم على جهودهم ومساعيهم – يحوّل هذه الخصال فيهم إلى مَلَكات كي يصعدوا بواسطتها إلى مراتب أرفع وأعلى.

الشكر الدائم

الخصلة الاُولى: «اُعَرِّفه شكراً لا يخالطُه الجهل». فلقد أوصى الله في آيات جمّة المؤمنين - بشكل عامّ - بشكر أنعم الله، بل وذمَّ المقصّرين في العمل بهذه الوصيّة وأنذرهم بالابتلاء بعقوبات مختلفة. لكنّ الكلام في هذا المقطع من حديث المعراج يدور حول الشكر الذي هو من لوازم حياة الذين اجتازوا مراحل من السلوك إلى الله عبر تطبيق التعاليم الإلهيّة ووصلوا إلى مرتبة لا يحتاجون فيها إلى بذل جهد لتذكُّر كلّ واحدة من آلاء الله وشكرها، بل لقد أصبح الشكر ملازماً لحياتهم.

لعلّكم شاهدتم بعض عظماء علمائنا ممّن هم في حالة شكر مستمرّ لله؛ فهم يشكرونه على ما وفّقهم إليه من طاعته، وعلى ما وهبهم من المادّي والمعنويّ من آلائه، بل وعلى ما ابتلاهم به من النوائب ليختبرهم فيعلي به درجاتهم، فهم يسبّحون بحمد ربّهم على كلّ ما يواجهونه في حياتهم. فحياة أمثال هؤلاء مقرونة دائماً بالشكر. بالطبع نحن أيضاً نشكر الله، لكنّنا، خلال ساعات نهارنا وليلنا، لا نتذكّر شكره إلاّ إذا تذكّرنا نعمة، أو دُفعت عنّا نقمة، أو حظينا بموهبة خارقة للعادة. فهذا السلوك لا يشبه حال العبد الذي يكون مشتغلاً بشكر لله طيلة ساعات ليله ونهاره. بل وقد يشتغل أمثال هؤلاء بشكر الله حتّى أثناء النوم.

الذكر الخالص

إنّ من جملة ما يختلف به هؤلاء عن الناس العاديّين هو أنّ مقدار غفلة الأخيرين عن مواهب الله وجهلهم لها يعادل عادةً مئات أضعاف شكرهم إيّاها؛ فنحن نشكر نعمةً، لكنّنا نغفل عن نعم قد تكون أكبر وأنفس منها. أمّا مَن تحوّل الشكر إلى ملَكَة في نفسه فإنّ شكره لا يعتريه جهل، ولا يشوبه نسيان: «وذكراً لا يخالطه النسيان». فغاية ما يفعله أمثالنا هو أن نتذكّر الله ونرفع أيدينا بالدعاء أثناء الصلاة أو عندما تعرض لنا معضلة، أمّا السالكون الواصلون إلى هذا المقام فإنّهم لاينسون الله على الإطلاق.

وأمّا الخصلة الثالثة التي يهبها الله تعالى لهؤلاء فهو أنّه يُلهب في قلوبهم محبّته حتّى لا يبقى فيها محلّ لمحبّة غيره: «محبّة لا يؤثِر على محبّتي محبّةَ المخلوقين». ففي هذه المرحلة يخبو ضياء جميع أنواع المحبّة أمام محبّة الله. نعم، قد يوجد إلى الآن من يشكّك في محبّة الله وكيفيّتها، لكنّ لله عباداً لا يحبّون أيّ شيء غيره، وإنّ ما يكنّونه لغيره من حبّ فهو من أجل محبّته هو ليس إلاّ. وحتّى بالنسبة للنبيّ وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) فلا يحبّهم هؤلاء إلاّ لمحبّة الله لهم. فليس لغير محبّة الله وما أوصى به جلّ وعلا من سبيل إلى قلب هؤلاء، كما وليس لأيّ عامل أن يزاحم هذه المحبّة. فلا معنى عند أمثالهم - الذائبين في ذات الباري تعالى - لدوران الأمر بين محبّة الله ومحبّة محبوب آخر. هذا النمط من الحبّ يمثّل ذروة محبّة الإنسان لمحبوبٍ ما، وهو إذا ما ناله العبد صدق عليه قوله: «فإذا أحبّني أحببتُه». ولعمري فإنّنا لنعجز عن استيعاب أهمّية هذه المنزلة، فالذي يملك القدرة على فهم هذا المقام سيندهش ويُغشى عليه من شدّة الشوق. فالعبد الذي يكنّ لله كلّ هذا الحبّ، فإنّ الله سيحبّه أيضاً.

العشق الغزير

فنحن عندما نحبّ أحداً فإنّنا نلهج دائماً بذكره ونحاول أن نسدي له أيّ خدمة نقدر عليها. أمّا وعاء محبّة الله فهو غير محدود: «ولا يشغَلُه شأن عن شأن»[2]، فالتفاته إلى أحد العبيد لا يسلبه التفاتَه إلى الآخرين، وهو إن أحبّ أحداً لم يبخل عليه بأيّ أثر من آثار تلك المحبّة. فمن جملة آثار محبّة الله للعبد هي أنّه يودع محبّته في قلوب الآخرين: «إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدّاً»[3]؛ فالله يودع محبّة المؤمنين الحقيقيّين الذين يأتون بالصالحات في قلوب عباده. والنموذج البارز لمثل هؤلاء في عصرنا هو الإمام الخمينيّ الراحل (رضوان الله تعالى عليه) وقائد الثورة الإسلاميّة (دامت بركاته). فأنتم تلاحظون كيف أنّ الناس يتهافتون على التمتّع بنظرة واحدة إليه. ففي أيّام الإمام الراحل كان البعض يقطع مسافات شاسعة ويبقى منتظراً لساعات كي يمتّع ناظريه للحظة بالنظر إلى وجه الإمام. فهذا صنع الله إذ يودع مثل هذه المحبّة تجاه محبوبه في قلوب عباده. «فإذا أحبّني أحببتُه» وإذا أحببته، حبّبتُه إلى خلقي، ثمّ بعد ذلك «أفتحُ عينَ قلبه إلى جلالي».

لقد ذكر الله تعالى في هذا الحديث الشريف من قبل بأنّ من جملة عناياته لعباده المخلصين هو أنّه يفتح عيون قلوبهم. وهنا يطرح نفس القضيّة لكن بصورة أشدّ فيقول: إنّني أفتح عينه إلى جلالي بحيث لا يرى تجلّياتي فحسب، بل لا يخفى عليه المقربّون من عبادي أيضاً: «فلا اُخفي عليه خاصّة خلقي».

فالله تعالى لا يُعرِّف عباده الخاصّين إلى كلّ أحد عادةً، وكما ذكر عزّ وجلّ في حديث قدسيّ آخر بأنّ من جملة ما اُخفيه على الناس هم خاصّة عبادي فهم مجهولون بين عامّة الناس ولا يعرفهم أو يطّلع على مقاماتهم المعنويّة إلا الله[4]. ومع ذلك فقد يكون طرَق مسامعكم بأنّ وليّين من أولياء الله قد يعيشان في مدينتين مختلفتين ولم ير أحدهما الآخر لكنّ كلاّ منهما مطّلع على مقامات صاحبه المعنويّة بل ويحبّه أيضاً. فهذه واحدة من الخصال التي يهبها الله للسالك الذي اجتاز بعض المقدّمات اللازمة. فعندما يصبح السالك محبوباً عند الله يجعله الله محبوباً عند الآخرين، ثمّ يعرّف إليه عباده الخاصّين: «فلا اُخفي عليه خاصّة خلقي».

وصلَ العبدُ مكاناً لا يرى - فيه غير الواحد الحقّ الإلٰه

«فاُناجيه في ظُلَم الليل ونور النهار». ينتظر معظمنا السنة بطولها كي يحظى بفرصة كشهر رمضان المبارك ليناجي فيها ربّه، أو يناجيه فيه غيره فيستمع إلى صوت مناجاته. لكنّ الله جلّ وعلا يقول في هذه الفقرة من الحديث القدسيّ: إذا صار العبد محبوبي فإنّني ساُناجيه ليس فقط في جوف الليل المظلم، بل وحتّى في وضح النهار. بالطبع لا يراد بهذا الكلام الوحي، بل يراد به مرتبة من الحديث الذي يدور بين الله تبارك وتعالى وأوليائه. بل إنّ مناجاة الله لمحبوبه تستمرّ «حتّى ينقطع حديثُه من المخلوقين ومجالستُه معهم». فهو يرى الله أمامه طول اليوم والليلة ويفصح له باستمرار عن مكنونات صدره. فالناس يتصوّرون أنّه يخاطبهم، لكنّه يخاطب غيرهم. فهو يتكلّم بكلام يحبّه الله؛ فلأنّه يرى نفسه في حضرة الباري جلّ شأنه فهو لا يتحدّث إلاّ بما يحبّ. في الحقيقة إنّ مخاطبه الرئيسيّ هو الله تعالى، وجليسه هو الله سبحانه أيضاً. كما يقول جلّ اسمه في حديث قدسيّ آخر: «أنا جليس مَن ذَكَرني»[5].

فالعبد الذي يصير محبوباً لله تعالى ينسى مجالسة الآخرين ويكون دائم الالتفات إلى ربّه؛ فيصنع ما يريده ربّه، ويرجو ما يطلبه ربّه. فأيّ حاجة لهذا العبد لجليس آخر إذا كان الله جليسه؟! وهذه آخر ميزة يمنّ بها الله تعالى على عباد كهؤلاء؛ عباد مارسوا العبوديّة لله بكلّ صدق واستهلّوا أمرهم منذ البداية لاستجلاب رضا بارئهم. أمّا في هذه المرحلة فكلّ شيء هو من عند الله؛ فهو تعالى يعلّم عبده شكره، ويذكّره بذاته، ويودع محبّته في قلبه كي لا تزاحمها عليه محبّة الآخرين، ويقطع حديثه مع الآخرين كي لا تكون لديه رغبة في الحديث معهم إلاّ بما يرضي الله. فجليسه هو الله، ومناجيه هو الله، ومحبوبه هو الله، وأمله في الله، وناصره ومعينه هو الله، فلا يلتفت إلى أحد غيره، إذ ليس لديه أحد غيره، فكلّ ما لديه هو الله.

فبأيّ ثروة أو قدرة يمكن مقارنة هذه الحالة يا ترى؟ وأيّ عزّة أو سلطة يمكن أن توازي هذا المقام؟ فكلّ الأشياء تفقد ألوانها في هذا المقام. فالواصل إلى هذه الدرجة يرى كلّ شيء من عند الله، وهو لهذا لا يتكلّم مع غير الله، إلاّ إذا طلب هو سبحانه منه ذلك.

وفّقنا الله وإيّاكم لشيء من هذا إن شاء الله 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. بحار الانوار، ج88، ص71.

[3]. سورة مريم، الآية 96.

[4]. «أوليائي تحت قبائي، لا يعرفهم غيري»، راجع روضة المتّقين في شرح من لا يحضره الفقيه، ج9، ص285.

[5]. الكافي، ج2، ص496.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org