قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(10)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 5 شباط 2014م الموافق للخامس من ربيع الثاني 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

الأعمال المحبوبة عند الله

تذكير بالنعمة العظيمة المتمثّلة بانتصار الثورة الإسلاميّة

 

لقد قال بعض حواريّي عيسى له (عليه السلام): كم هو جميل أن ينزّل علينا ربّنا مائدة سماويّة لنأكل منها وتكون عيداً لأهل هذا الزمان ومَن سيأتي في المستقبل! بالطبع لم يكن اُسلوبهم مؤدّباً في طرح السؤال؛ فقد قالوا له: «هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ... *...* ...تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا»[1]. لكن نبيّ الله عيسى (عليه السلام) أصلح تعبيرهم حينما سأل الله ذلك فقال في دعائه: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا... وَءَايَةً مِّنكَ»؛ آيةً تدلّ على قدرتك وعظمتك! فكان أنْ أنزَلَ الله عليهم المائدة.

وبالالتفات إلى هذه القصّة يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: إذا كان إنزال مائدة طعام من السماء من موجبات احتفاء الأوّلين والآخرين، أفلا يكون من المناسب أن نحتفي بهذه الأيّام المباركة التي تصادف ذكرى انتصار الثورة الإسلاميّة وذلك بما أنزل الله تعالى فيها على اُمّتنا من البركات ممّا يفوق مائدة الطعام آلاف آلاف المرّات؟! فينبغي أن نتذكّر هذه النعم الإلهيّة. وإنّ إقامة الاحتفالات والأفراح والتضرّع إلى الله بالدعاء وممارسة الأعمال العباديّة شكراً لهذه الآلاء الجسيمة لهي أقلّ واجب يمكن القيام به في هذا المجال. أسأل الله تعالى أن يمنّ علينا جميعاً بمعرفة النعم والتوفيق لشكرها أيضاً.

تذكير بالمباحث الفائتة

لقد قلنا إنّه لحصول المحبّة تجاه الله عزّ وجلّ فإنّه لابدّ من توفير أرضيّات روحيّة ونفسيّة. إذ لابدّ أن يعلم المرء أنّ الله هو أحبّ موجود في هذا العالم كي تترسّخ محبّته في قلبه شيئاً فشيئاً وينخرط في زمرة محبّيه ومريديه جلّ وعلا. ثمّ أشرنا إلى جانب من آثار ولوازم هذه المحبّة استناداً إلى ما يستفاد من القرآن والسنّة وقلنا إنّ حيازة الكثير من هذه الآثار هو أسهل من حصول نفس المحبّة، وإنّ ترتّب الاُولى على مراتب أدنى من المحبّة يوجب تقوية الأخيرة تدريجيّاً. وقد قلنا أيضاً إنّ من الآثار الطبيعيّة للمحبّة هو رغبة المحبّ في أن يبادله المحبوبُ الحبَّ أيضاً، وهو أثر على جانب من الأهمّية بحيث إنّ المحبّ أحياناً ينتشي من إحساسه بمحبّة المحبوب نشوةً هي أسمى وأنفس من أيّ شيء آخر، بل وتهوّن عليه كلّ ما يتحمّله في سبيلها من مِحَن ومكاره.

الأعمال المحبوبة عند الله

من الأساليب التربويّة التي يتبنّاها القرآن الكريم هي أنّه إذا أراد الإطراء على صفة معيّنة والحثّ عليها فإنّه يقول: هذا ما يحبّه الله، وإن أراد ردع الناس عن أمر ما يقول: هذا ما لا يحبّه الله. وهذا النمط من الآيات يحاول أن ينبّهنا إلى هذه الحقيقة، وهي: انّ فطرتكم تطالبكم بفعل ما يجعل الله يحبّكم، كما وأنّ عليكم أن تعلموا أنّكم إن فعلتم كذا وكذا فإنّ الله تعالى سوف لا يحبّكم. مضافاً إلى أنّ الأدب القرآنيّ ينتهج اُسلوباً فذّاً حيث إنّ معظم الآيات القرآنيّة تحرص على توطيد علاقة متبادلة بين العبد وربّه؛ كقوله تعالى: «رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ»[2]، وقوله: «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه»[3]. وإنّ الالتفات إلى مثل هذه الآيات يساعدنا كثيراً على تنمية محبّتنا لربّنا من جهة والاطمئنان من محبّته لنا من جهة اخرى. ونرى من المناسب هنا أن نحصي ما عدّه الله حسناً من الصفات وأن نسعى لتقويتها في أنفسنا، إذ سنضاعف – بذلك - من محبّتنا لربّنا من جهة، وستزداد محبّته عزّ وجلّ لنا من جهة ثانية.

1. الجهاد

قد يتبادر إلى أذهان البعض – استناداً إلى الأبحاث الماضية التي ركّزت أكثر على العبادة والمناجاة والذكر والبكاء – أنّ الإنسان المثاليّ الذي يطلبه الله عزّ وجلّ ويريده الإسلام هو ذلك الذي يتجشّم يوميّاً عناء السهر من أوّل الليل حتّى السحر، ويواظب على الإمساك بالمسبحة وذكر الله وتبدو عليه أمارات الشحوب والإنهاك، غافلين عن أن نفس هذا الإسلام يقول في الآية الرابعة من سورة الصف: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ»[4]. إذ لا يقول الباري عزّ وجلّ هنا: قاتلوا كالبنيان المرصوص، أو: إذا كنتم كذلك فهذا حسن والله يحبّ ذلك؛ بل يقول: إنّ هناك اُناساً يقاتلون في سبيل الله من دون أدنى تزعزع، ويصمدون أمام عدوّهم ويقاومونه بصلابة كصفّ مرصوص فلا يُهزمون أبداً. كما ويقول عزّ من قائل في محلّ آخر: «فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً»[5].

هذا وانّ سيرة النبيّ الأعظم والأئمّة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) تحكي فضيلة وأهمّية الجهاد. وإنّ الاُنموذج الكامل لهذه الفضيلة بالنسبة لنا نحن الشيعة هو سيّد الشهداء (عليه السلام)؛ فهو الاُنموذج الذي لا يشوبه نقص أو عيب. ولم يكن (عليه السلام) من صُفر الوجوه والمنشغلين بالذكر والـمُجهَدين الذين لا يتنفّسون إلا بصعوبة. لقد كان شخصية أعطت كلّ ما عندها في سبيل الله، وكان كلّما قُتِل له ابن أو أخ في ميدان القتال فقد كان يزداد وجهه إشراقاً ويصير أكثر حيويّة، ومن حيث إنّه كان يزداد قرباً من محبوبه لحظة بعد لحظة، فقد كانت تشتدّ عزيمته ويتألّق جماله.

وبناءً عليه ينبغي أن نضع كلّ أبعاد الإسلام في نظر الاعتبار، وأن نستعين في منهاجنا العمليّ باُولئك المحيطين بجميع معارف الإسلام، وليس بذوي الاُفق الضيّق الذين ينظرون إلى الإسلام من زاوية واحدة، ويقتصرون على مجموعة واحدة من الروايات غافلين عن المواضيع الاخرى. بالطبع فإنّ الناس مختلفون جدّاً من حيث المعرفة والهمّة والإيمان والتقوى، لكنّه يوجد – في النهاية – أشخاص يتمسّكون ببُعد واحد من الإيمان ويغفلون عن الأشياء الاخرى، إمّا نسياناً أو انّهم يتغافلون عنها لأنّها لا تلائم مزاجهم. وعلى أيّة حال فالقرآن الكريم يقول: «إنّ الله يحبّ اُولئك المتأهّبين للجهاد والمقاتلين في سبيل الله بهذه الكيفيّة»، بل وقد سُمّيت سورة قرآنيّة باسم «الصف» انطلاقاً من هذه الآية.

بالطبع إنّ الناس قد رُغِّبوا في القرآن الكريم بصور شتّى بالجهاد والقتال في سبيل الله، لكنّ الحرب ليست هي مما يكون التمهيد لها بأيدينا، كما وأنّ إشعال الحرب ليس بالأمر المطلوب. لكن ما يهمّنا في الوقت الحاضر هو تقوية هذه الروح في نفوس الناس بحيث إذا أصدر اليوم صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشريف) أو نائبه أمراً بالتوجّه إلى جبهات القتال، فإنّ الجميع سوف يُهرع لتلبية هذا الأمر بكلّ فخر وولع؛ بالضبط كالعشق الذي اشتعل في قلوب الناس تجاه الإسلام والثورة في السني الاُولى من فترة الدفاع المقدّس، إذ كانوا يتركون عيشهم وأزواجهم وأبناءهم ويهرعون إلى ميدان الحرب بإشارة واحدة من الإمام الراحل (رحمة الله عليه). فهذه الروح هي المهمّة. إذ ينبغي أن يكون الإنسان على اُهبة الاستعداد حتّى إذا قيل لهم: إلى الأمام! فإنّهم لا يتلكّؤون لحظة واحدة. إذ يُحكى عن أحوال العلماء الماضين أنّهم كانوا ينطلقون أيّام الجمعة في الصحاري ليتمرّنوا على ركوب الخيل والضرب بالسيف ليكونوا على اُهبة الاستعداد فيما إذا ظهر صاحب الأمر (عجّل الله تعالى فرَجه الشريف) فجأة وأصدر الأمر بالجهاد.

فالتحلّي بهذه الروح مهم، لكن - بالطبع - هناك شروط للتحلّي بها؛ فإنّ التعلّق ببعض شؤون الحياة – حتّى تلك المطلوبة في الجملة – يُنقص من هذه الروح. فحبّ الوالدين والزوج ليس محظوراً في الإسلام، لكنّه إذا شكّل عقبة أمام الاستعداد للجهاد في سبيل الله، فإنّه لا يتناسب مع الإيمان؛ يقول تعالى: «قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ»[6]. وهو تحذير يدلّ على أنّ الله لا يحبّ هذه الحالة؛ أي: حذار من أن تمنعكم هذه الاُمور عن الجهاد! لأنّها إن منعتكم فهو دليل على أنّ حبّكم لهذه المسائل أكثر من حبّكم لله. وهذه الحالة هي من الحالات السيّئة التي لا تنسجم مع الإيمان؛ فالحدّ الأدنى من الإيمان هو أن يحبّ المرء الله أكثر من أيّ شيء آخر. بالطبع إن سقف الإيمان هو أن لا توجَّه المحبّة الأصيلة إلا إلى الله وأنّ يحبّ المرء جميع الأشياء من أجله جلّ وعلا. لكنّ هذه الدرجة من الحبّ تفوق مستوانا وهي تتطلّب شخصاً كالإمام الحسين (عليه السلام) الذي يقول:

تركتُ الخلقَ طُرّاً في هواكا       وأيتمتُ العيالَ لكي أراكا

فأقلّ ما ينبغي أن يقتصر عليه سعينا هو أن نبذل غاية جهدنا لكي لا تمنعنا التعلّقات الدنيويّة عن أداء التكليف. إذ أنّ أكبر آفات محبّة الله والجهاد والشهادة في سبيله هو حبّ الدنيا. فهذان الأمران لا ينسجمان مع بعضهما، فقد جاء في الخبر أنّه كما أنّ العالم ليس له إلهان وأنّ وجود معبودَين وإلهين أمر محال، فإنّه لا معنى لحبّ إلهين اثنين؛ فلا يمكن أن نحبّ الله تعالى ونحبّ ما يبغضه في آن معاً. وبناء عليه فإذا كان المرء محبّاً لله فلا يمكن أن يحبّ الدنيا أيضاً، فإنّ التعلّق بالسرّاء والدعة والراحة والرفاهية لا يتناغم مع حبّ الله عزّ وجلّ. إذن فلابدّ لنا من السعي لتقوية هذه الروح في أنفسنا كي نُغَلِّب حبّ الله في قلوبنا على غيره من التعلّقات. لكن بالطبع قد يحصل تزاحم عند أشخاص معيّنين بين واجب كفائيّ وواجب أهمّ. فلمّا كانت قيادة الاُمّة والمجتمع بالنسبة للإمام الخمينيّ الراحل (رضوان الله تعالى عليه) – مثلاً – أوجب من ألف جهاد، فإنّه (رحمه الله) لم يحضر بجسده في حرب الدفاع المقدّس التي دامت ثمان سنوات.

لكنّ السؤال المطروح هنا هو: ما السبيل إلى تقوية هذه الروح؟ فإنّ الجوّ والوضع اللذين يسودان أثناء الحرب العسكريّة كفيلان لوحدهما بأن يساعدا على تقوية هذه الروح. فعندما كان يؤتَى بأجساد الشهداء الطاهرة من جبهات القتال إلى المدن كانت تثور ثائرة الناس، وتتأجّج مشاعرهم وأحاسيسهم فيغدون أكثر استعداداً وتأهّباً. ويزداد عزم الناس على المشاركة في الجهاد خصوصاً عندما يكون جثمان الشهيد المشيَّع من أصدقائهم أو أرحامهم. فإنّ توجيهات الإمام الراحل (قدّس سرّه) وما كان يستشهد به من آيات وأحاديث مضافاً إلى انقياد العلماء والعظماء الآخرين له كانت قد بلورت ذلك الجوّ الملكوتيّ الذي تلاشى في ضوئه ما كان من آفات وشوائب.

أنواع الجهاد

بناءً على ما تقدّم فإنّ أجواء الحرب هي بحدّ ذاتها أجواء بنّاءة. وهنا يتعيّن القول بأنّ الحرب بين الحقّ والباطل قائمة باستمرار ولا تنتهي. لكنّ شكلها وهيئتها هي التي تتغيّر؛ فتارة تكون الحرب عسكريّة، وطوراً فكريّة، وحيناً اقتصاديّة، وزماناً سياسيّة. فالقرآن الكريم يقول في هذا الصدد: «إِنَّ اللهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ»[7]. فبذل المال هو أيضاً ضرب من الجهاد؛ بمعنى أنّه ثمّة جهاد اقتصاديّ أيضاً. كما أنّ هناك جهاداً فكريّاً كذلك، وهو المتمثّل بالحرب الناعمة التي يُعدّ خطرها أكبر وأهمّ بكثير من الحرب الخشنة العسكريّة. فكلّ ما قلنا بخصوص الجهاد فإنّ له مصداقاً في هذه المجالات أيضاً. فقد حوصر المسلمون في صدر الإسلام لبضع سنين في شعب أبي طالب، وقد منع الأعداء عنهم حتّى الماء والخبز. وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) برفقة عدد من الأشخاص يتسلّلون لجلب قربة من الماء وبعض الطعام للمحاصَرين. لقد كان هذا امتحاناً عظيماً. وهذه هي سنّة الله في الحياة، فهو عزّ وجلّ يُخضِع اولئك الذين يريد ترقيتهم لمثل هذه الامتحانات.

الضرّاء وأرضيّة التضرّع في حضرة الباري عزّ وجلّ

يقول الله سبحانه وتعالى في الآية المرقّمة 94 من سورة الأعراف: «وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ»؛ أي: إنّنا ما أرسلنا إلى قوم من نبيّ إلا وابتليناهم بالشدائد والمكاره لعلّهم يتوجّهون إلى الله بسبب ذلك ويتضرّعون إليه ويبكون بين يديه. فعندما يكون الناس في دعة وطمأنينة فإنّ لذائذ العيش تجعلهم ثملين، أمّا البأساء والضرّاء فإنّها تصقل الإنسان وتكسبه التواضع وتوجهه نحو الله. فالله عزّ وجلّ يعرف عباده، فإذا أرسل لهم رسولاً فإنّه يعرّضهم للشدائد ليهيّئ لهم أرضيّة التضرّع بين يدي ربّهم. وقد ورد هذا المضمون في الآية المرقّمة 42 من سورة الأنعام بلفظة «يتضرّعون»[8] ثمّ بيّن عزّ وجلّ بعد ذلك أنّ السبب من وراء عدم التضرّع هو قسوة القلب: «فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ»[9].

وهذه القضيّة مستمرّة؛ فيومٌ جهاد عسكريّ، ويوم حصار في شعب أبي طالب، ويومٌ تحدث فيه واقعة في صحراء كربلاء، ويوم يُسجن فيه موسى بن جعفر (عليه السلام). هذه هي الدنيا، ففي كلّ يوم يرى الناس لوناً من ألوان الفتن والبلايا، فالمبرَّؤون من قسوة القلب يقعون تحت تأثير هذا العامل، فيندمون ويتوبون إلى الله ويقبلون نصائح الأنبياء (عليهم السلام)، أمّا القاسية قلوبهم فإنّهم يقولون للأنبياء: ما هو دوركم؟ ما لكم ولنا أساساً؟ فشعيب (عليه السلام) كان ينصح قومه بعدم التطفيف بالميزان وعدم الغش في البيع: «وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ  ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً»[10]. فهل يوجد ما هو أبسط من هذا الكلام وأكثر مقبوليّة عند الناس وأنفع لهم؟ كان يقول لهم إن مساوئ عملكم هذا ستحيق بأنفسكم؛ فإن طففتَ بالميزان اليوم، فسيغشّك غيرك إذا اشتريت منه غداً! فعندما تتفشّى حالة عدم مراعاة الإنصاف والعدل في المجتمع، فإنّ من تعامله اليوم بلا إنصاف سيعاملك غداً بنفس الاسلوب. وعندها سيحصل التضخّم والغلاء ممّا سيحيق بضعاف الحال لاسيّما أصحاب الدخل الثابت الذين يتقاضون راتباً شهريّاً. فكان جواب قوم شعيب (عليه السلام): هذا ليس من شأنك: «أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَـٰـؤُا»[11]. إذهب واشتغل بصلاتك، فما دخلك بهذه الامور؟! إنّك غير متّخصص في القضايا الاقتصاديّة والسياسيّة! يعني: إذهبوا يا علماء الدين واشتغلوا بدروسكم ولا تحشروا اُنوفكم بهذه المسائل!

ولكن لا تحبّون الناصحين!

إنّكم تتّهمون الناصحين بالاُمّية وقلّة الفهم وفساد الفكر وما إلى ذلك ولا تحبّون أن يسدي أحد إليكم النصيحة. تدّعون كذباً أنّكم تحبّون النقد وأنّ الحقّ دائما مع الطرف الآخر، إذ أنّكم لا تطيقون الإصغاء حتّى إلى النقد الهادئ. لقد بادر العلماء والعظماء وورثة هذه الثورة واُسر الشهداء إلى نصحكم بأن لا تأكلوا الطعم الذي وضعته أميركا ولا تلهثوا وراء راحة وهميّة! بل إنّكم لن تبلغوا هذه الرفاهية الزائفة التي يعدونكم بها. وحتّى لو بلغتموها، فإنّها لا تستحقّ منكم أن تبيعوا عزّة هذا الشعب ومجده، وتنسوا دماء آلاف الشهداء التي سالت على مدى بضع وثلاثين سنة ، كي يعيدوا إليكم بضعة دولارات هي أساساً من أموالكم! أيّ حماقة هذه! لا تنسوا القيم الإلهيّة! فمن أجل أيّ شيء ثار هذا الشعب؟! ولأي سبب نهض الإمام الراحل (رحمه الله)؟! ولأيّ هدف قدّم الشعب كلّ هؤلاء الضحايا؟ أمِن أجل تخفيض سعر الخبز يا ترى؟ ومن أجل ماذا ألبسَتْ تلك الاُمّ شبّانها الثلاثة أكفانهم بيدها وبعثت بهم إلى جبهات القتال من دون أن تدَعَ حتّى دمعة واحدة تفرّ من مقلتيها؟! أمن أجل إشباع بطنها؟! فلماذا نتناسى القيم؟ والأمَرّ من ذلك أنّنا ننسب ما نفعله إلى الإمام الراحل (قدّس سرّه) وقائد الثورة المعظّم (دام ظله) قائلين: إنّ ما نفعله هو اتّباع للإمام الراحل وامتثال أوامر قائد الثورة!

أعاذنا الله وإيّاكم إن شاء الله 


1. سورة المائدة، الآيات 112 – 114.

2. سورة المائدة، الآية 119.

3. سورة المائدة، الآية 54.

4. عندما تُلحَم المعادن ببعضها يكون اللحام عادةً أصلب من المعدن نفسه ويقال له «مرصوص».

5. سورة النساء، الآية 95.

6. سورة التوبة، الآية 24.

7. سورة التوبة، الآية 111.

8. «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ»

9. سورة الأنعام، الآية 43.

10. سورة الإسراء، الآية 35.

11. سورة هود، الآية 87.

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org