قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 6 تموز 2014م الموافق لليلة التاسعة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

الرقيّ التدريجيّ نحو الله

31

 

 

إشارة

ذكرنا في المحاضرات الماضية في سياق توضيح مقاطع من الحديث القدسيّ الذي خاطب به ربّ العزّة نبيَّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) ليلة المعراج انّ بلوغ الحياة الأبديّة المطلوبة يحتاج إلى ممهّدات. فلابدّ أن تصغر الدنيا في عين المرء أوّلاً كي يضمحلّ حبّه لها. ثمّ السعي في المرحلة الثانية لتغليب إرادة الله على هوى النفس وجعل المرء استجلابَ مرضاةِ الله دافعاً لأنواع سلوكه. ثمّ عليه أخيراً أن يؤدّي حقّ عظمة الله عزّ وجلّ. وهذه العناوين الثلاثة تمّثل مبادئ استراتيجيّة. لكن كيف لهذه المبادئ أن تتحقّق؟ وما الذي ينبغي صنعه لاكتساب هذه الخصال؟ وهنا يطرح الحديث القدسيّ الشريف في مقاطعه التالية بضعة مناهج عمليّة لهذا الغرض. المنهج الأوّل هو: «ويَذكُر علمي به»: أي على الإنسان أن يتذكّر أنّني عالم بكلّ حركاته وسكناته. وقد قدّمنا في الليلة الماضية بعض التوضيحات في هذا المضمار.

المشارطة والمراقبة والمحاسبة

متابعةً لبيان المناهج المؤدّية إلى الحياة الباقية يقول الحديث القدسيّ: «ويراقبني بالليل والنهار عند كلّ سيّئة ومعصية»[1]. إذ يتحتّم على الإنسان أن يراقب نفسه باستمرار لاسيّما في مظانّ ارتكاب المعاصي. ولعلّ هذه الفقرة من الحديث القدسيّ هي التي جعلت علماء الأخلاق يركّزون جلّ اهتمامهم فيما ذكروه من مراحل تكامل الإنسان على «المشارطة» و«المراقبة» و«المحاسبة». بالطبع يمكننا أن نتصوّر هنا مراتب مختلفة للمراقبة استناداً إلى حال كلّ شخص ومستوى كماله. فالمرتبة الاُولى هي أن يخاطب المرء نفسه «مشارطاً» إيّاها في أوّل يومه قائلاً: مادام الله قد وهبني عمراً جديداً فساُفيد من رأس المال هذا في التزوّد بمتاع لآخرتي، وطاعة ربّي، وعدم اقتراف المعاصي. ثمّ «يراقب» نفسه طيلة ساعات اليوم لئلاّ يرتكب ذنباً. وأخيراً «يحاسبها» ليلاً على ما فعله في يومه ليتدارك ما قد يكون اقترفه من ذنوب أثناء النهار.

وقد وردت في هذا الباب، لاسيّما فيما يتّصل بالمحاسبة، أحاديث جمّة وصنّف حولها كبار علماء الأخلاق مصنّفات عدّة، حتّى ذكرت بعض الروايات: «ليس منّا مَن لم يحاسب نفسه في كلّ يوم»[2]؛ بمعنى أنّ من لوازم ولاية أهل البيت (عليهم السلام) هو أن يحاسب المرء نفسه كلّ يوم. بل ينبغي لكلّ مسلم يؤمن بالحساب يوم القيامة أن يحاول، بما يتناسب مع درجة إيمانه بهذا الأمر، مراعاة هذه المسائل. ولذا فإنّه كلّما ارتفعت درجة إيمان المرء زادت دقّة مراقبته وعظُمت ثمارها.

وسيحرص باستمرار كلّ من يجتاز هذه المرحلة والذي قد صارت المراقبة ملَكَة بالنسبة له على عدم ارتكاب المعصية، أو إنّه سيستغفر الله تعالى منها لا محالة بعد محاسبة النفس إذا كان قد ارتكبها نتيجة الغفلة. أمّا المرتبة الثانية فيطلَق عليها اسم «الإحسان» وهي تسمية قد تكون مقتبسة من وصيّة النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) لأبي ذرّ حينما قال له: «الإحسان أنْ تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»[3]؛ ويعني أنّه بالإضافة إلى مراقبة المرء نفسه فإنّ عليه الالتفات دوماً إلى أنّه بمحضر الله تعالى. فإذا تصوّرنا إنساناً له مسؤوليّة تجاه شخص عظيم وعليه أن يطيع أوامره، فإنّ اتّباعه أوامر المسؤول الأعلى منه يشكّل المرحلة الاُولى. أمّا في المرحلة الثانية فإنّ عليه، إلى جانب تنفيذ الأوامر، أن يلتفت إلى أنّه لا يغيب أبداً عن ناظر ذلك الشخص العظيم، وفي هذه الحالة فإنّه سينجز تكاليفه بمزيد من الدقّة. «الإحسان أنْ تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»؛ فلابدّ أن يكون الإنسان في عبوديّته لربّه كمَن يرى الله حاضراً وناظراً باستمرار. يقول (صلّى الله عليه وآله): اعلم أنّك إن لم تكن ترى الله فإنّه عزّ وجلّ يراك. والقرآن الكريم أيضاً يقول: «أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللهَ يَرَىٰ»[4]. فإذا التفت المرء إلى أنّ شخصيّة عظيمة تشرف دائماً على أعماله وتراه فسيراقب تصرّفاته أكثر ويحرص على العمل حسب أوامرها.

حراسة القلب

لكنّ الإنسان في المرحلة التي تعلو على هذه لا يحرص على أن تكون تصرّفاته مطابقة لإرادة معبوده فحسب، بل ويعمل على أن لا تخالف خواطرُ ذهنه هواه أيضاً. فالمتّقون يحاولون أن يستحضروا في أرواحهم دائماً أنّهم في محضر الله عزّ وجلّ ويراقبوا أنفسهم لئلاّ يقترفوا ذنباً. لكن نفس هؤلاء قد ترد في بالهم أحياناً خاطرةُ لذّةٍ لمعصية كانوا قد اقترفوها في الأيّام الخوالي، أو تراودهم فكرة ارتكاب ذنب، وهي هواجس، وإنْ لم تَرقَ إلى مرحلة الفعل، لكنّها غير محبَّذة عند الله عزّ وجلّ. يقول تعالى: «اجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ»[5]؛ فالله لا يرضى حتّى أن يخطر ظنّ سيّئ في بال امرئ تجاه شخصٍ ما، لأنّ ذلك قد يشكّل دافعاً للقيام بعمل مشين، لاسيّما إذا زيّنه له الشيطان بوساوسه. وما مهمّة الأخير أساساً إلاّ تزيين الذنوب، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى عن لسان إبليس قائلاً: «لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ»[6]، ويقول عزّ من قائل في موضع آخر: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا»[7].

فمن أجل ارتكاب المعصية هناك مثلّث يتكوّن ضلعه الأوّل من المادّة التي يتعلّق بها الذنب، وهي نفس الدنيا؛ كسبائك الذهب والفضّة، وبطاقات الائتمان، والأصفار المصفوفة على يمين الحساب المصرفيّ، والخيل الثمينة، والسيّارات الفارهة الباهضة الثمن، وغيرها من الممتلكات. يقول عزّ وجلّ إنّ هذه الاُمور تبدو للإنسان أكثر جمالاً ممّا هي عليه فتكون جذّابة له. الضلع الثاني للمثلث يتمثّل في وسوسة الشيطان. فمهمّة الأخير هي جعل الاُمور الدنيويّة أكثر جمالاً وأشدّ بريقاً في نظر الإنسان، حتّى تتعاظم جاذبيّتها في نظره بالتكرار. أمّا الضلع الثالث لهذا المثلث فتمثّله ميول الإنسان الباطنيّة إلى تلك الاُمور، أو ما يطلَق عليه هوى النفس. فأضلاع هذا المثلث تعمل سويّة لجرّ الإنسان نحو فخّ الخطيئة. فإن أراد المرء صيانة نفسه من الوقوع في مثل هذا الفخّ فعليه، من خلال التسلّح بسلاح مناسب، أن يقاوم جاذبيّة المعصية كي لا ينخدع بوساوس الشيطان الرجيم ويستطيع التغلّب على هوى نفسه. لكن ما هو السبيل ليحقّق الإنسان النجاح في هذا الطريق؟ إنّه التمرين والمثابرة. فالنزعات المادّية والطبيعيّة كالجوع والغريزة الجنسيّة هي فعّالة في نفس الإنسان منذ أن خُلق. أمّا الدوافع الراقية والسامية فإنّها تنشط عبر السعي والمثابرة. ومن هذا المنطلق فإنّ على الإنسان – ومن خلال التأمّل والتفكّر في سلوكه – أن يُعدّ خطّة عمليّة للنجاة من شَرَك المعصية والخطيئة.

ولهذا يقول بعض العظماء إنّ فترة السير والسلوك كلّها هي عبارة عن مراقَبة، وعلى السالك أن يكون ملتفتاً بشكل دائم وأن يجتهد حتّى لا يصاب بالغفلة. يقول تعالى في محكم كتابه العزيز: «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـٰئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ»[8]. طبقاً لهذه الآية فإنّ بعض الناس قد خُلقوا – أساساً - لجهنّم، وهو كناية عن أنّ عاقبتهم ستكون إلى جهنّم لا محالة. فقد أعطاهم الله أعيناً ليبصروا بها الحقائق لكنّهم لم يبصروا بها غير اللذائذ المادّية، ووهبهم آذاناً ليسمعوا بها الموعظة والنصيحة لكنّهم أوقفوها على سماع اللغو والموسيقى الماجنة وأمثال ذلك، ومنحهم عقلاً ليميّزوا به الحقّ عن الباطل لكنّهم عطّلوه، فأمثال هؤلاء هم أشبه بالأنعام، بل وأضلّ منها أيضاً. ثمّ يقول في ختام الآية: «أُوْلَـٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ»؛ أي إنّ هؤلاء قد ابتلوا بهذه المصيبة بسبب الغفلة فصاروا أخسّ من الحيوانات.

إذن فإنّ ما يرفع الإنسان مهما امتدّ سيره وسلوكه من حضيض الحيوانيّة إلى أوج مقام القرب من الله تعالى هو الالتفات القلبيّ. ومن هنا فإنّه لابدّ للإنسان أن يجتهد باستمرار لتقوية هذا الالتفات الذهنيّ؛ إذ عليه في المرحلة الاُولى أن يلتفت إلى أنّ الذنب يوجب الخسران وأن يتورّع جاهداً عن ارتكابه. وعليه في المرحلة التالية أن يلاحظ دائماً أنّ الله موجود في كلّ مكان وزمان. وعبر تقوية هذه الحالة سيُستدرَج التفاتُ الإنسان شيئاً فشيئاً نحو الله عزّ وجلّ وسينطبق في هذه المرحلة كلّ ما يحبّه مع ما يحبّه الله، وكما نعبّر في لغتنا الدارجة فإنّه سيعيش دوماً مع الله؛ أي يكون دائم الذكر له من لحظة استيقاظه من نومه حتّى ساعة إيوائه إلى الفراش. وحتّى عندما لا يكون لسانه مشغولاً بالأذكار والأوراد فإنّ قلبه يكون متوجّهاً نحو الله ذاكراً له، وكأنّه ما من شيء في قلبه غير الله سبحانه. وهي عين الحالة التي يشير إليها الحديث القدسيّ متابعاً بقوله: «ويُنَقّي قلبه عن كلّ ما أكره».

تنقية القلب

بعد أن تبلغ المراقبة مبلغ الكمال ويصير الالتفات إلى حضور الله تعالى ملَكَة من ملكات النفس يتحتّم على الإنسان أن يحاول جهده كي لا يدع في قلبه أيّ شيء لا يحبّه الله وينقّيه من كلّ ما يبغضه تعالى، بل وأن لا يسمح لهواجس هذه الاُمور أن تتسلّل إلى ذهنه؛ وبتعبير آخر: عليه أن يمسك بزمام قلبه ويبذل غاية وسعه لئلاّ يلتفت إلى ما لا يحبّه ربّه. وهي مرتبة أعلى من الالتفات إلى حضور الله عزّ وجلّ. فمضافاً إلى التفات المرء في هذه المرحلة إلى أنّ الله يرى كلّ ألوان سلوكه الظاهرة ويعلم بها فإنّه ملتفت فيها أيضاً إلى أنّه جلّ وعلا عالم بمكنونات قلبه، وما تنطوي عليه نفسه من ميول وأهواء، وما يخطر بباله من هواجس. ولذلك يقول تعالى في الحديث القدسيّ: «ويُنَقّي قلبه عن كلّ ما أكره، ويبغض الشيطان ووساوسه».

قلنا إنّ أحد أضلاع المثلث الذي يقود الإنسان إلى ارتكاب الخطيئة يتمثّل بالنزعات والنزوات الباطنيّة المؤدّية إلى ذلك وهو ما يستلزم اتّباع هوى النفس. فبعد الانتصار على جاذبيّة الذنب تأتي المرحلة التالية التي يتعامل الإنسان فيها مع الشيطان تعامل العدوّ. وهو أمر يؤكّد عليه أحد تعاليم القرآن الكريم حيث يقول: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً»[9]. فكيف نتعامل مع عدوّنا اللدود المتعطّش لدمائنا؟ من الواضح أنّنا سنحاول قدر الإمكان أن لا نلتقي به وأن نفرّ من الارتباط به كي لا يمسّنا بسوء. فإن آمنّا حقّاً بأنّ الشيطان هو عدوّ لنا تعيّن علينا أن نتعامل معه بهذا الاُسلوب. لكن لماذا نحن نخسر الصراع مع الشيطان ثمّ نلجأ إلى التعامل معه تعامل الصديق مع صديقه؟

علاقة الإنسان بالشيطان

علاقة الشيطان بالإنسان هي الاُخرى لها مراتب. فقد يجتذب الشيطانُ الإنسانَ أحياناً بالإيماء والإشارة، لكنّه قد يغويه - أحياناً اُخرى - بالوسواس والوعود الخادعة لتنفيذ أوامره، وهو ما فعله مع نبيّنا آدم (عليه السلام). فقد قال إبليس لنبيّ الله آدم وزوجه حوّاء (عليهما السلام): «مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ»[10]؛ يعني إنّ الله قد نهاكما عن الأكل من تلكما الشجرة لئلاّ تتحوّلا إلى ملكين أو تخلدا في حياة أبديّة! وقد أقسم على قوله هذا مدّعياً أنّه يبغي مصلحتهما. وهو يغوي بقيّة الناس أيضاً بالكيفيّة التي يستطيع. بالطبع ليس من المقرّر أن يحرف الشيطانُ الإنسانَ عن جادّة الصواب بالإكراه، فهو لا يمتلك مثل هذه القدرة، بل إنّه يفعل ذلك بالقول الليّن والتحايل فيغوي فلاناً بالعبادة، ويخدع آخر بالغرور العلميّ، ويتحايل على ثالث من منطلق مكانته الاجتماعيّة، ويغري رابعاً بذريعة اُخرى، وهكذا. فالشيطان ينصب لكلّ امرئ فخّاً يتناسب مع شخصيّته ونهجه وهواه ومنزلته الاجتماعيّة فيخدعه ومن ثمّ يعمل شيئاً فشيئاً على توطيد أواصر الصداقة معه ليورّطه معه بحجّة طلب الخير له والخوف على مصلحته. ويصطلح على هذه العلاقة في الثقافة القرآنيّة بـ «التولّي»: «إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ»[11]. فليس للشيطان سلطة على أحد كي يغريه على فعل المعصية بالجبر والقوّة، اللهمّ إلاّ الذين وطّدوا معه علاقة حميمة وصاروا يصغون إلى ما يقول. ففي هذه الحالة فقط يستطيع الشيطان النفوذ إلى ابن آدم ويؤثّر عليه.

فلا انسجام بين علاقة التولّي والصداقة من جهة والعداوة من جهة اُخرى؛ فإمّا أن تربط الإنسان مع الشيطان علاقة صداقة، أو أن يتّخذه عدوّاً. والقرآن الكريم يؤكّد على هذا المعنى ويكرّره باستمرار: «إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ»[12]، «فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً»، «وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ»[13]. لكنّنا، من الناحية العمليّة، نقيم معه علاقة صداقة ونبرّر لأنفسنا ذلك أيضاً! بالطبع لا الشيطان يقدّم نفسه صراحةً على أنّه «شيطان» ولا نحن نصرّح بنيّتنا في مصادقَته. لكنّه ليس لسلوكنا من تفسير سوى الصداقة مع الشيطان الرجيم؛ فعندما نعمل بنصيحة الشيطان ولا نتعامل معه بحدّة، فإنّه لا يعود لتصرّفنا مفهوم سوى الصداقة معه. بل والأدهى من ذلك هو أن يصل الأمر بالإنسان إلى أن يصبح خادماً للشيطان فينفّذ الشيطانُ عن طريقه خططَه بحقّ الآخرين؛ وبعبارة اُخرى فإنّه يصبح وسيلة لإغواء الآخرين. فلا يقف الأمر عند ضلاله هو وصيرورته من أهل النار، بل يتحوّل إلى أداة بيد الشيطان لإغواء غيره! ليس هذا فحسب بل وقد يتطوّر الأمر بالإنسان إلى حدّ أن يمتطي الشيطان ظهره ويمسك بزمامه.

أمّا إذا لم نرغب في التورّط بهذه العاقبة السيّئة فعلينا منذ البداية أن نردّ بالنفي الشديد على تلميحات الشيطان، وأن نحاول إذا وقعنا – لا سمح الله – في فخّ دعوته إنقاذ أنفسنا من مخالبه بأسرع ما يمكن ولا ندعه يتسلّط على رقابنا. وهي عين الملاحظة التي يشير إليها الحديث القدسيّ الشريف. فبعد أن يحظى الإنسان بالتفات دائم إلى حضور الله تعالى ويعطف اهتماماته القلبيّة إلى إرادته جلّ وعلا، فإنّ عليه السعي لطرد كلّ ما لا يحبّه الله من قلبه وتنقيته منه: «يُنَقّي قلبه». وكأنّ القلب يتلوّث ويتّسخ ويتعفّن بالتعلّق بما لا يحبّه الله ممّا يحتّم تنظيفه وتنقيته، وهو ما يتحقّق بإخراج محبّة غير الله منه.

لقد قلنا إنّ الضلع الثالث لهذا المثلّث يتمثّل بوساوس الشيطان وتحريضاته وتزييناته. ومن أجل مواجهة هذا العامل لابدّ من الاعتقاد يقيناً بأنّ الشيطان عدوّ لنا والسعي من أجل عدم توفّر الأرضيّة لتسلّطه علينا: «ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطاناً وسبيلاً»[14]، فلا نأتينّ بما يفسح المجال للشيطان بالإمساك بزمام قلوبنا. فقد دار الحديث في المقطع السابق عن سلوك إيجابيّ يتمثّل بتنقية القلب من الإرادات غير الإلهيّة والعمل على الالتفات إلى المحبوب. وفي هذا المقطع يدور الكلام حول السلوك السلبيّ المتمثّل بمقارعة العدوّ. ولابدّ من وجود هذين العاملين جنباً إلى جنب كي يُكتب لهما الدوام. فمصادقة الصديق من دون معاداة العدوّ لا تدوم. وهذا ما يفسّر ذكر «الحبّ» في الأحاديث جنباً إلى جنب مع «البغض»: «وهل الدين إلاّ الحبّ والبغض»[15]، «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ»[16]. فالعواطف الإيجابيّة وحدها لا تكفي. إذ قد تدخل في هذه الحالة محبّة العدوّ أيضاً في القلب. بناءً على ذلك فإنّه مضافاً إلى العمل في المرحلة السابقة على تقوية محبّة ما يحبّه الله في القلب، علينا في هذه المرحلة أن نحاول طرد كلّ ما لا يحبّه الله منه، فنخضع أمام وليّ الله، ونصمد بصلابة أمام عدوّ الله.

حبائل الشيطان المتنوّعة

إنّ الاجتهاد في معرفة وساوس الشيطان وحيل النفس يُعدّ من المسائل التي طالما أكّد عليها أساتذة الأخلاق والعلماء العظام تأكيداً مبرماً. ولعلّكم سمعتم قصّة الشيخ الأنصاريّ (رحمه الله) في هذا الصدد، لكنّ تكرارها لا يخلو من حُسن. فحينما كان المرحوم الشيخ الأنصاريّ (رضوان الله تعالى عليه) يحتلّ مركز زعامة التشيّع، أتاه بعض نسوة الجيران - وكان موعد وضع حمل امرأته - فأخبرنه أنّهنّ بحاجة إلى بعض السمن لتهيئة طعام مناسب تتناوله امرأة الشيخ ليعينها على ضعفها. ولم يكن لدى الشيخ مال في ذلك الحين، فخطر في باله أنّه كان قد وضع «درهماً» من سهم الإمام (عليه السلام) جانباً، فقال في نفسه: أقترضُ هذا الدرهم لأشتري به السمن ثمّ اُعيده فيما بعد. لكن بمجرّد أن رفع الدرهم وهمّ بالخروج حدّث نفسَه: لو أنّ امرأة أحد طلاّب العلوم الدينيّة في زاوية من مدينة النجف الأشرف قد آن أوان ولادتها هذه الليلة فهل سيكون في متناول يده مال لشراء السمن لها؟ فقال لنفسه: ما دمتُ غير متأكّد من أنّ جميع الطلاّب يملكون هذا المقدار من المال في مثل هذه الساعة فإنّني سوف لا أستخدمه، ثمّ أرجَعَ المال إلى محلّه. في نفس تلك الليلة شاهد أحد تلامذة الشيخ فيما يرى النائم إبليساً يسير جارّاً وراءه حبالاً متنوّعة الأشكال. فسأله: ما هذه الحبال؟ فأجابه: أنا استخدم كلّ واحد من هذه الحبال لخداع فرد من الناس وجرّه ورائي. فأشار التلميذ إلى أحد الحبال وكان متيناً ومتمزّقاً فقال: وما هذا؟ فأجاب إبليس متحسّراً: لقد أعددتُ هذا الحبل منذ تسعة أشهر وألقيته ليلة أمس على عنق الشيخ الأنصاريّ لكنّه قطّعه بحركة واحدة. فسأله التلميذ: وما الحبل الذي أعددتَه لي أنا؟ فضحك الشيطان قائلاً: لستَ بحاجة إلى حبل، إنّك تسرع نحوي بإشارة واحدة منّي!

فمن أجل خداع رجل مثل الشيخ الأنصاريّ يحتاج الشيطان إلى تسعة أشهر ليعدّ العدّة ويهيّئ المقدّمات علّه يتمكّن من إلقاء حبله حول عنقه. فحيَل الشيطان هي غاية في التعقيد والإحكام وقد يقع فريستَها حتّى ذوو الفراسة والفطنة، ولا يستطيع الإفلات من شِراكه «إلاّ مَن عصمه الله»[17]؛ إلاّ من تمسّك بحبل الله وحبل أوليائه واستخدم سلاح الدعاء والتوسّل للنجاة من مكائد الشيطان الرجيم. إذن يتعيّن دائماً على الذين يسعون حقيقةً وراء التكامل والرقيّ أن يلجأوا إلى ربّهم من شرّ حيل الشيطان وشِراكه التي ينصبها في طريق الجميع، بما فيهم بعض أولياء الله، وإنّ القليل من الناس هم الذين يتمكّنون دائماً من النجاة من كلّ أحابيله.

نسأل الله تبارك وتعالى ببركة أوليائه ومقام عباده الصالحين أن يشملنا نحن أيضاً بعناياته وينجّينا في مواطن الخطر من أشراك إبليس.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. الكافي، ج2، ص453.

[3]. بحار الأنوار، ج67، ص196.

[4]. سورة العلق، الآية 14.

[5]. سورة الحجرات، الآية 12.

[6]. سورة الحجر، الآية 39.

[7]. سورة آل عمران، الآية 14.

[8]. سورة الأعراف، الآية 179.

[9]. سورة فاطر، الآية 6.

[10]. سورة الأعراف، الآية 20.

[11]. سورة النحل، الآية 100.

[12]. سورة البقرة، الآية 168.

[13]. سورة البقرة، الآية 208.

[14]. نفس الحديث القدسيّ.

[15]. بحار الأنوار، ج65، ص63.

[16]. سورة الفتح، الآية 29.

[17]. وسائل الشيعة، ج16، ص11

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org