قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(15)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 9 نيسان 2014م الموافق للتاسع من جمادى الثانية 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

عوامل محبّة الله وموانعها

 

إشارة

لقد قلنا في تعريف المحبّة إنّه من الواضح أنّ ما نجده في أنفسنا وما نملك – كما يصطلح عليه - علماً حضوريّاً به ليس هو بحاجة إلى تعريف. وكذا هو الحال بالنسبة للمحبّة، فنحن جميعاً نمارسها ونعرف ما هي. لكن بما أنّه قد يحصل أحياناً خطأ في مقام تفسير المعطيات الحضوريّة والبحث فيها ونقلها فقد حاولنا طرح تعريف للمحبّة. وبالطبع فإنّ يد المعرِّف في مثل هذه التعاريف مبسوطة إلى حدٍّ ما وباستطاعته أن يتناول المفهوم بشكل موسّع أو مضيّق. وذكرنا في توضيحنا لمفهوم المحبّة أنّ المحبّ يشعر بانجذابه نحو المحبوب وأنّ المحبوب يفعل فعل المغناطيس في اجتذابه المحبّ نحوه. وتبعاً لذلك يشعر المحبّ بالميل إلى توطيد علاقة أعمق مع المحبوب وتقليص المسافة بينهما كي لا تبقى ثمّة أيّ واسطة بينهما. ولابدّ من الالتفات هنا إلى أنّ هذا النمط من الانجذاب هو انجذاب عن إدراك، لأنّ الانجذاب من دون إدراك وعلم ليس هو بمحبّة. فقد وسّع البعض تعريف المحبّة ليشمل معظم الأشياء التي لا شعور لها؛ فالحكماء – على سبيل المثال – يقولون: إنّ «الهيولى الاُولى» تحبّ وتطلب الصورة وهي تحاول جذب الصورة نحوها. ومن الواضح أنّ الهيولى الاُولى ليست هي موجودةً بالفعل وليس لها شعور أو إدراك، ولا يصدق معنى المحبّة بالنسبة لها حقيقةً، إلاّ أنّه حصل هنا لون من توسيع المفهوم وحالة من التجوّز. وعلى أيّة حال فإنّ المرء يشعر في حالة المحبّة بأنّه ينجذب نحو شخص أو شيء ما وهو يحبّ - عن غير وعي منه - التقرّب إليه ويحسّ باللذة من ذلك.

متعلّقات المحبّة

إنّ كلّ كائن ذي شعور يحبّ – أصالةً وبالذات – نفسه أوّلاً وكمالاته ثانياً. وبالطبع فإنّ حبّ الكمال هذا ينشأ من نفس ذاك الحبّ للذات؛ فمن حيث إنّه يحبّ نفسه، فهو يودّ أن يصير كاملاً. وفي إثر هذه المحبّة تأتي محبّة كلّ شيء يكون سبباً في حصول هذا الكمال. فمن حيث إنّ الإنسان – مثلاً – يعتقد بأنّ في العلم كماله، فإنّه يحبّ العلم، ولـمّا كان المعلّم والكتاب والمدرسة وسائل لبلوغ هذا الكمال، فإنّه سيحبّ هذه الاُمور أيضاً. فلو كان الإنسان كائناً بسيطاً وكان كماله منحصراً في شيء واحد لوجدناه محبّا لذلك الشيء دائماً ولما تعلّقت محبّته أصالةً بشيء آخر. لكنّ الإنسان كائن متعدّد الأبعاد وله أبعاد طوليّة وعرضيّة كثيرة، وهو لذلك يرى كماله فيما يتناسب مع هذه المراتب والمجالات الوجوديّة. فكمال قوّة الإنسان الجسديّة يختلف عن كمال قوّة الواهمة عنده وهذا لا يشبه كمال قوّة العقل لديه؛ ولهذا فإنّ إدراك المعاني العقليّة الكلّية ليس بكمال بالنسبة للعين مثلاً. لأنّ ما يرتبط بالعين هو المشاهدات، ولو كان الإنسان عيناً فقط، لأحبّ كلّ ما تلتذّ به العين، ولأصبح ذلك كمال عينه. إلا أنّ للإنسان قوى شديدة الاختلاف فيما بينها. وحتّى قوى الإنسان الجسديّة فهي تختلف فيما بينها اختلافا كبيراً، بل وقد يحصل نوع من التضادّ بين هذه الاُمور.

وهذه هي ميزة الإنسان. فنفس هذا الاختلاف في القوى والقابليّات والعوامل المختلفة يهيّئ الأرضيّة لأعمال شتّى، بل ويمهّد – في نهاية المطاف – للامتحان والاختيار. فالإنسان كائن يجب عليه أن يختار بنفسه ما الذي عليه صنعه وكم عليه أن يثابر. فلو أنّه اُكره على سلوك مسير معيّن، فهو لا يصل إلى الكمال الإنسانيّ. فالله عزّ وجلّ يقول: «لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً»[1]. فالله سبحانه وتعالى لا يهدي الناس بالإجبار، بل يهديهم باُسلوب بحيث يبقى ثمّة مجال للاختيار: «فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»[2]. فإنّ الميزة التي تؤهّل الإنسان لأن يكون خليفة الله في الأرض هي أنّ عليه أن يصطفي بنفسه في حالة التزاحم ويختار – من بين الطرق المتعدّدة المتاحة أمامه - الطريق التي ينبغي عليه سلوكها. فإنّ شتّى أنواع اللذّات تُعرض على الإنسان وليس جميعها هو ممّا يوجب كماله. بل قد يكون بعضها مضرّاً بالنسبة له أيضاً؛ فعيوننا تتمتّع بالنظر إلى كلّ جميل[3]، لكن ليس كلّ نظرة إلى جميل ستبلغنا الكمال المنشود. فإنّ النظر إلى بعض الأشياء يستلزم اُموراً ويجرّنا إلى حيث الحرمان من سعادة الدارين. ففي مثل هذه المواطن لابدّ من غضّ البصر؛ يقول تعالى: «قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ»[4]. فعلى الرغم من أنّ في رؤية الأشياء الجميلة متعة للبصر، لكن نحن الذين ينبغي أن نقرّر ما الذي علينا النظر إليه وبأيّ مقدار، وما الذي ينبغي ترجيحه على ماذا؟

القرب من الله هو الكمال الحقيقي للإنسان

وفقاً للمعرفة التي حبانا بها الدين فإنّنا نعلم بأنّ علينا إنفاق كلّ ما اُوتينا من قوى وإمكانيّات في سبيل التقرّب إلى الله جلّ شأنه. فكمالنا الحقيقيّ يكمن في قربنا من الله عزّ وجلّ. وحسب ما نتمتّع به من إدراك عقليّ فإنّ أسمى شيء نحبّه ينبغي أن يملك أقصى درجات الكمال. وبناءً عليه، واستناداً إلى الدليل العقليّ، فإنّ الهدف الرئيسيّ الذي يتحتّم علينا السعي لتحقيقه هو أن نحبّ الله تعالى، وننبذ كلّ ما يتعارض مع هذا الحبّ؛ إذ أنّ أمراً كهذا يتنافى مع كمالنا، بل ويولّد فينا النقص ويوجب السقوط. أمّا الذين لا يملكون مثل هذه المعرفة الإلهيّة، ويؤمنون - انطلاقاً من نزعاتهم الإنسانيّة المختلفة - بالأصالة للإنسان فيقولون: كلّ ما يملكه الإنسان فهو حسن، ولابدّ لكلّ شيء آخر أن يكون في سبيل الإنسان أيضاً، إلى درجة أنّهم أوجَدوا بعض النزعات المتطرّفة في المذهب الإنسانيّ. فمثل هذه النزعات ترى كلّ محبّة مقدّسة وأنّ محبّة الإنسان لأيّ شيء وبأيّ صورة هي مقدّسة أيضاً. أمّا في المذاهب التوحيديّة فالأمر يختلف، فإذا تعارض لون من ألوان الحبّ مع محبّة الله تعالى فهو مذموم، بل وإذا استلزمت محبّة الله تعالى بغض بعض الناس، فيتعيّن اكتساب هذا البغض. لكنّنا نلاحظ أنّنا - حتّى بعد اكتسابنا للتربية الدينيّة وما سمعناه من كلمات عظمائنا - لسنا كذلك. وهنا يُطرح السؤال التالي: لماذا نحن هكذا؟ وأين هو مكمن النقص؛ بحيث إنّنا لا نستطيع أن نحبّ الله طبقاً لما يأمرنا به العقل، وما تقرّ به تعاليم القرآن والسنّة؟

اكتساب المقدّمات الاختياريّة للمحبّة

القضيّة الاُخرى تتعلّق بكون المحبّة اختياريّة أو غير اختياريّة. فعندما نرجع إلى أنفسنا نرى أنّ الأمر ليس على هذا النحو بحيث إنّ باستطاعتنا أن نحبّ أيّ أحد كان متّى ما شئنا أو أن نبغض أيّ شخص كان متّى ما لم نشأ محبّته، بل – وفقاً لما يصطلح عليه أهل المعقول – فإنّ المحبّة هي كيفيّة نفسانيّة تأتي عن طريق المقدّمات والأسباب. بناءً على ذلك فإنّنا إذا علمنا من خلال العقل أو الشرع بأنّ المحبّة كمال ويتحتّم اكتسابها، فإنّ علينا أن ننظر أوّلاً ما هو السبيل لكسب هذه المحبّة وما هي الاُمور التي يمكن أن تثيرها في أنفسنا. وبعبارة اُخرى: صحيح أنّ المحبّة ليست في أيدينا بحيث نحبّ ما نشاء متّى نشاء ونبغض ما نشاء متى نشاء، لكنّ بعض أسباب إيجاد المحبّة هي في متناول أيدينا، ومن هذا المنطلق فإنّنا مكلَّفون في اكتساب المحبّة وإنّ تكليفنا يكمن في تهيئة المقدّمات الاختياريّة للمحبّة، وهذه المقدّمات هي في أيدينا، وإلاّ فإنّه لا يمكن أن نكلَّف بتوفير الأسباب غير الاختياريّة للمحبّة.

لقد ذكرنا أنّ الإنسان – وبدافع الفطرة – يحبّ نفسه ويحبّ كماله أيضاً، فإنْ علِم بأنّ كماله في شيءٍ ما فسيحبّ ذلك الشيء. فكيف إذا علمنا بأنّ محبّة الله عزّ وجلّ هي الإكسير النفيس والكمال الأعظم الذي يمكن أن يناله إنسان؟ عند ذاك فمضافاً إلى معرفة السبيل لاكتساب هذه المحبّة فإنّه ينبغي الوقوف على موانعها؛ إذ ليس ثمّة من جدوى من سلوك الطريق مع وجود الموانع والعراقيل. إذن فيتعيّن تشخيص كلّ ما يقف حجر عثرة في طريق اكتساب الكمالات والعمل – مبدئيّاً - على النأي بالقلب عنه، ثمّ تهيئة أنفسنا لنيل كلّ ما هو مطلوب وقيّم.

نيل المحبّة عن طريق الإحاطة بآلاء الله

إنّ إحدى السبل الطبيعيّة لاكتساب المحبّة، والتي أكّدت عليها الأحاديث الشريفة أيضاً، هي التفكّر في أفعال الله والتعرّف على نعمه عزّ وجلّ. فإنّ علاقة الإنسان بما يوجب كماله هي علاقة فطريّة، وإنّ نعم الله عزّت آلاؤه هي من موجبات بقاء وجود الإنسان ونموّه، ومن ثمّ كمال روحه. من أجل ذلك فكلّما أدركنا قدر هذه النعم أكثر فسيزداد حبّنا لله تعالى بشكل طبيعيّ. فالله سبحانه وتعالى يطالب بعض أنبيائه في جملة من الأحاديث القدسيّة بأن: «أحِبَّني وحبّبني إلى خلقي»؛ أي واجعل الآخرين يحبّونني. وحينما قال له هذا النبيّ (عليه السلام): «يا ربّ! إنّك لَتعلم أنّه ليس أحبّ إليّ منك، فكيف لي بقلوب العباد؟ فأوحى الله إليه: فذكّرهم نعمتي وآلائي»[5]. فلقد خلقتُ هؤلاء وجبلتهم على حبّ مَن أنعم عليهم. فإن علموا بأنّ الله هو الذي وهبهم كلّ ما هو محبوب، وأنّ باستطاعته أيضاً أن يعطيهم كلّ ما له الأثر في سعادتهم في الدنيا والآخرة، فإنّهم سيحبّونني.

لماذا يحبّ الله أن نحبّه؟

لكنّ السؤال الذي يتبادر إلى الذهن لدى الاطّلاع على مثل هذه الروايات هو: ما حاجة الله لمحبّتنا كي يأمرنا بحبّه؟ فقد يعتقد بعض ذوي المعرفة الضحلة بالله وأوليائه بأنّه كما أنّنا معاشر البشر نرغب في أن يحبّنا الناس ويحترمونا ويهتفوا باسمنا فإنّ الله هو كذلك. لكنّ كلّ مَن يعرف الله فإنّه سيدرك على الأقلّ بأنّه تعالى ليس بحاجة إلى شيء؛ فهو ليس بحاجة إلى عبادتنا ولا إلى محبّتنا. فمحبّتنا لا تزيد على ذات الله شيئاً، وبسبب أعمالنا لا ينال جلّ وعلا مقاماً. بالطبع إنّ كلّ موحّد يعلم بذلك إجمالاً، لكنّ الذين تلقّوا المزيد من العلم واتّسع تبحّرهم في هذه الاُمور وزاد اطّلاعهم على معارف أهل البيت (عليهم السلام) فإنّهم واقفون أكثر من غيرهم على قضيّة أنّ ذات الله تعالى لا تشكو من أيّ نقص وأنّه ما من شيء باستطاعته أن يكون ذا أثر فيها، بل وما من أمر يمكنه أن يُدخل السرور إليه جلّ شأنه أو يثير سخطه. وإنّ ما يَرِد من تعابير من أنّ الله غضب على قوم أو رضي عن آخرين فإنّها تُساق بما يتناسب مع فهمنا، ولاستنهاض هممنا، أمّا روحها وحقيقتها فهي أسمى من هذا المعنى بكثير. فمثل هذه التعابير هي من التعابير المتشابهة التي ينبغي تجريدها من لوازم النقص ثمّ إسنادها إلى الله تعالى. وقد اُشير في بعض الروايات وحتّى في طائفة من الأدعية والمناجاة وخطب نهج البلاغة إلى أنّ سَوق مثل هذه التعبيرات هو ضرب من المجاز. ولعلّ أشهر ما يدلّ على ذلك هذا المقطع من دعاء عرفة: «إلهي تقدّس رضاك أن تكون له علّة منك، فكيف يكون له علّة منّي»[6]. فوجود الرضا في الذات الإلهيّة ليس معلولاً بعلّة أوجدها الله نفسه، فما بالك بأن أصنع أنا ما يوجب حصول الرضا في ذاتّه تعالى! فمَن أنا وما الذي في يدي كي اُوجب الرضا في ذات الله؟! فإنّ رغبة الله في أن نحبّه هي من باب أنّ كمالنا هو في حبّنا لله وأنّ الله يحبّ أن نصير من الكاملين.

فإنّ من لوازم كمال ذات الله عزّ وجلّ هي حبّه لكمالات آثار ذاته. فالمحبّة هي كالنور، حيث إنّ للنور في النقطة التي صدر منها أقصى درجات الإضاءة، ثمّ يشعّ – شيئاً فشيئاً – على ما حوله ويذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حتّى قد ينتقل إلى الغرفة المجاورة أيضاً. فهذا هو الضياء أساساً. فذات النور هي أنّه إذا سطع من مبدأ معيّن فإنّه سيضيء ما حوله وما يتعلّق به. وكذا المحبّة، فهي نور[7] إذا وُجِد أضاءَ كلّ متعلّقاته. وهذا كلام مجرَّب بالكامل؛ فعندما يحبّ المرء أحداً، فإنّه سيحبّ ثيابه وبيته واسمه وكتابه، وكلّما اشتدّت هذه المحبّة، سرت إلى متعلّقاته الأبعد. بل إنّ ميزة المحبّة هي هذه، وإذا لم تتّصف بهذه الميزة فإنّها لا تكون محبّة أساساً.

فالله عزّ وجلّ يحبّ نفسه أكثر من أيّ شيء آخر، بل إنّ محبّته لذاته لا نهاية لها، ذلك أنّ كمال الله ليس له نهاية. ومن هنا فإنّه ليس ثمّة ما هو أشدّ محبوبيّة من الله سبحانه، ولا ريب أنّ محبّة الله لذاته – وهو العالِم بكلّ شيء والعارف بذاته أكثر من أيّ شيء آخر - تسمو على محبّته للأشياء كلّها، وبما أنّ المحبّة تسري إلى الآثار أيضاً، فإنّ محبّة الله تكون أزيد لكلّ ما هو أقرب منه. وعلى هذا الأساس فإنّ أكثر مخلوقات الله محبوبيّة لديه هو الوجود المقدّس المتمثّل بالنبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله). فمحبّة الله ترتبط بذاته هو، وعندما تشعّ على آثاره فستشمل كلّ ما له أكبر قدر من الكمال الحقيقيّ، بل حتّى أبعد الأشياء من الله من حيث الكمال فإنّها لا تكون محرومة من محبّته بالكامل.

وبتعبير آخر: فبما أنّ الله يحبّ ذاته، فإنّه يحبّ أيضاً الكمالات المرتبطة بذاته والتي هي كمالات حقيقيّة، وإنّ محبّته تزداد لكلّ موجود يحوز على أكبر قدر من كمالاته تعالى. ومن هنا فإنّ محبّة الله جلّ وعلا تكون أكبر لكلّ مَن هو أقرب إليه وأكثر علاقة معه واتّصالاً به. فإنّ قول الله لنا: أحبّوني، هو من باب أنّ محبّتنا إيّاه تؤدّي إلى قربنا منه وإنّ حبّه تعالى يشتّد لكلّ ما هو أشدّ قرباً منه. وهذا هو عين الكمال المنشود الذي هو شعاع من الكمال الإلهيّ. فالله يحبّ نفسه ويحبّ كلّ تلك الكمالات أيضاً ويريد منّا أن نحظى بهذه الكمالات ونحبّه ونعبده ونشكره كي نكون أكمل. وأبسط تعبير عن هذا المضمون هو ما عبّر به هذا البيت لجلال الدين الروميّ حيث قال:

لم أخلق الخلق طلباً للمنفعة     بل لكي أجود على العباد[8]

فهو تعالى ينشد كمالنا. فعندما يقول: اشكروني، واعبدوني، وأحبّوني فهو من باب أنّه يرغب في أن نتكامل نحن، لا أن يضاف شيء ما إلى كمالاته هو. فكلّ ما هو ممكن الوجود فهو مُلك لله تعالى، وما من شيء يضاف إليه. وإنّ كلّ ما يَخلُقه هو فإنّه سيحظى بالوجود.

بناءً عليه فإنّ طلب الله تعالى من نبيّه بأن: «حبّبني إلى خلقي» نابع من أنّ كمال العباد هو في حبّهم لي، وبما أنّني أودّ أن يبلغوا الكمال فإنّني اُوصيك بأن تفعل ما يزيد في حبّهم لي.

هذا الموضوع من شأنه أن يمهّد لنا الأرضيّة لكي نطيل التفكير في سبل محبّة الله تعالى، والعراقيل التي تواجهها، وأن نفيد أقصى درجات الإفادة من توصيات وتوجيهات أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين).

وفّقنا الله وإيّاكم إن شاء الله


1. سورة الرعد، الآية 31.
2. سورة الكهف، الآية 29.
3. بالطبع هذه العبارة صحيحةٌ مسامحةً. فالعين بنفسها لا تتمتّع، إلاّ أنّ روحنا هي التي تتمتّع بواسطة العين.
4. سورة النور، الآية 30.
5. قصص الأنبياء للجزائري، ص305.
6. الإقبال، ص349.
7. وقد ورد تعبير «النور» هذا في الروايات أيضاً.
8. نصّ البيت بالفارسيّة هو: من نکردم خلق تا سودی کنم     بلکه تا بر بندگان جودی کنم.

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org